الفصل 16: خلف شظايا حلمك الساطع، رماد أصداءٍ هامسة، تحت نجمٍ متآكل (1)
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
“ أيها الغلام، إنَّكَ موهوب، هذه ليست هبة، بل مجرد نتيجة طبيعية لكيفية عيشك لحياتك بلا وعي، لا تنسى ”
الموهبة ليست نتاج الصدفة.
إنها تراكم لا يلاحظه أحد، للأفعال، الأفكار، والعواطف، عبر الآف اللحظات منذ الولادة.
وبنفس المنطق، إنه التآكل.
“ مصيرك أن تحيا وحيدًا في القمة، لن يفهمك أحد، من حولك لن يروا ما تراه، هذه العزلة سوف تأكلك ببطء، بالضبط كما تراكمت موهبتك لتشكيل نفسك الحالية ”
الرجل الذي قال هذا أخفى وجهه بقبعة قشٍّ زرقاء، مبتسمًا بهدوء.
لم يفهم داميان الصغير كلماته، لكنه شعر بالخوف.
رأى ابتسامة الرجل الغريب بوضوح، لكن الوجه عديم الملامح جعل الصبي مرتعبًا.
“ لكن لا تقلق، حتّى في العزلة يمكن للمرء إتخاذ رفيق، خذ هذا، سيكون هذا الإيغو رفيقًا لك ”
بعد تمسيد رأس داميان، ظهرت من يد الرجل فراشة.
تساقطت من الفراشة أضواء قرمزية، رفرفتها الخافتة بدت غريبة، عيون الفراشة ومضت ببريقٍ فضي، بينما تتحرك النقوش عبر جسدها.
شعر الصبي برغبة عميقة.
“ كن أقوى وأمسك باللهيب، عسى أن لا يأتيك البرد، وانشر هذا الدفء للدنيا، لتحترق بلطفٍ نحو الرماد ”
صوتٌ خافت يهمس.
هذه الهمسات أخافت الصبي، وحاول تحديد مصدرها بذعر.
لكن لم يرى أحد.
لا الرجل تحدث، ولا الفراشة يمكنها ذلك.
تذكر الصبي الطبيب يقول كلمة تناسب هذا الموقف عن والدته المريضة.
هلوسة؟
“ أنا خائف … أشعر بالبرد، أريد العودة للبيت، أريد أمي ”
عانق الصبي نفسه مرتجفًا.
نعم، كانت الكلمات هي الهلوسة.
“ كن أقوى! لا تخبوا كما باقي الضعفاء! اسعى لنجوم السماء الساطعة أو مُت خاويًا! احترق، انزف، ضاحكًا لوجه الفَنَاء! مَا قلة الخطر إلا خداع، وما السكينة إلا انعكاسٌ للقمر في المياه، فَكُن أقوى، لا يسعى للرخاء إلا الميت! ”
شعر برغبة غريبة بالصراخ.
الصراخ بأنه يريد التحليق في السماء، هروبًا من الليالي المظلمة.
لا يريد التعرض للضرب كل يوم بعد الآن.
لقد مشى في الغابة لأن والده يضربه.
“ لا تخف، كل هذا الخوف يمكن تحمله مع رفيقتك الجديدة، هذه الفراشة ستساعدك ”
عانق الرجل الغريب جسد الصبي، يهمس له بلطف.
تدفقت طاقة حمراء من الرجل، تنتشر عبر المكان.
رائحة الدم المنتشرة اخترقت انف الصبي.
جثث الوحوش متناثرة في الأنحاء.
ااااه، صحيح، كان هذا الرجل من أنقذني، أتذكر الآن.
الذاكرة الضبابية تدفقت كسيلان النهر.
لسببٍ ما، منظر الدماء جعل عيون الصبي تلمع.
لم يستطع ابعاد بصره عن الجثث.
الهالة الحمراء غطّت جسد الصبي، خيطٌ من تلك الهالة اتصل بالفراشة، بينما تترك جسد الرجل الغريب.
“ في الصباح والمساء، في أيام الشتاء الأبرد والصيف الأحر، سواء المجاعة أتتك أم ليالٍ ممطرة، ستلازمك هذه الفراشة، كرفيقٍ يشهد على رحلاتك، هكذا لن تكون وحيدًا ”
اختفت كلمات الرجل الغريب في الهواء، وكالضباب آخذت صورته بالتلاشي.
الصبي الذي شعر بالفضول تجاه العالم الخارجي، وجد نفسه بعد التجوال ضائعًا في الغابة، وحيدًا بعد اختفاء الرجل الغريب.
لكنه لم يعد يشعر بالخوف.
في سماء الليل الفضية، ضياء القمر الأبيض تسلل عبر الأشجار، مسلطًّا شظاياه على صبيٍ صغير وفراشة وامضة.
لفترةٍ طويلة، بقي داميان محدقًا في الفراشة أمامه.
ممسوسًا بالبريق الآسر، مد داميان يده نحو هذا الإيغو الغريب.
عيونه السوداء تلوّنت بالأحمر، وشعر بيده الممدودة تحترق.
وشمٌ أسودٌ يومض بالاحمرار تشكّل على تلك الذراع.
“ منذ اليوم نحن أصدقاء، اسمكِ أيتها الفراشة هو شعلة الليل الحالك، يورا، في عالمٍ بلا أصدقاء يبقون أو عائلة تستحق الحياة، أنتِ فقط من يبقى ”
لهبٌ ودماء.
على ذراع الصبي، طافت قطرات الدم، منجذبة نحو اللهب الذي يحيط بها.
تلاطم اللهيب مع الدم أمام عيون الصبي، فإذ به يبكي بغرابة.
تساقطت الدموع على الفراشة، التي وقفت على ذراع داميان.
بنورها الساطع، تلاشت الفراشة ببطء، وبقيت صورتها المنقوشة على ذراعه المحترقة بلهب الدم الأحمر.
عيون الصبي الضبابية كانت تشابه شفتيه المرتفعة.
بإبتسامة غائرة، فقد وعيه.
ناسيًا كلمات الرجل الغريب.
فتح داميان عيونه ببطء، مستيقظًا من حلمه.
كانت الأحلام غريبة للغاية، بعضها واضحة وتبقى ملتصقة بالذاكرة، بعضها تطفو بعيدًا كالرياح، مهما حاولتَ إمساكها، فهي تتلاشى.
“ … ماذا قال ذلك الرجل؟ ”
لم تكن الذاكرة واضحة.
هز داميان رأسه، ما لا يمكن فهمه، من الأفضل تركه ببساطة.
وقف من على سريره، فرأى الخادمات واقفات.
“ سيدي الشاب، حمامك جاهز، وقاعة التدريب فارغة كما أمرتَ أمس ”
“ يمكنكنّ الانصراف حتّى أناديكم ”
“ سمعًا وطاعة ”
بعد الإستحمام وتهدئة أفكاره، بدّل ثيابه ثم لبس عدّته.
القلادة اللامعة ومضت بألوان مختلفة، السيف الأبيض في خصره بدى متعطشًا للقطع، الخاتم الناصع يلف ذراعه بالطاقة، والوشم في ذراعه اليمنى يلمع.
كانت هذه الإيغو الخاصة به، سيف جليد الدم، قلادة طوفان الحامي، خاتم تدفق السيل الخاطف، والوشم هو إيغو من نوع الشفاء، بحيرة الدم المقدس.
طافت فراشة شعلة الليل الحالك، يورا، حوله بينما يلمع وشم ذراعه اليسرى.
استقبل داميان ضيوف طائفة الصقيع الأحمر قبل مدة، واليوم يأتي وفدهم الرسمي.
من كان يتوقع؟
ابنة زعيمة طائفة الصقيع الأحمر بنفسها آتية.
“ هذا لا يبشر بالخير بالنسبة لي ”
كان هدفه هو استغلال دعم الصقيع الأحمر لزيادة مستواه، ثم جعل قواتهم تتصارع مع لهب النسيان ليبقى هو في الهامش ثم ينحاز للفائز بينهم.
حتّى التعاون مع قرية الرمل الأسود موجودٌ كخيار إذا كان في مصلحته.
ولاء القبيلة؟
“ كما يقول المثل: لا يستحق الجميع العطف، ولا ينجر القوي وراء عواطفٍ عابرة، اخوتي مجرد حمقى يتبعون والدي الملعون لحد العمى، يمكنهم الموت لكل ما يهمني! ”
العدالة والعداء، نحن الأبطال وهُم الأشرار، ما تلك المسميات إلا أدوات في يد النظام لإستغلال الشعب.
العِداء مع قرية الرمل الأسود ليس سوى صراعٍ على الموارد، عداوة الماضي والكراهية، والشائعات، كل تلك مجرد ذرائع لجعل قتلهم أقل وطأة على قلوب الأهالي.
من السهل جعل المرء عنيفًا، ببساطة، انزع عن الآخرين هوية الإنسانية.
عندما يكون الآخرون أشرار، علينا كأبطال أن نمحوهم، من أجل رخاء العالم والسلام.
تم غسل أدمغة أهالي هذه القرية منذ الطفولة على أن قرية الرمل الأسود أشرار، وبما أن الصراعات طبيعية في العالم، كان من السهل تلفيق التهم لهم.
لكان مصير داميان مشابهًا لولا فراشته يورا التي نبّهته عند وقوع خطبٍ جلل، وجعلته يشك في الأمور.
أراد داميان استغلال تلك العقلية وتوجيهها ضد طائفة لهب النسيان والصقيع الأحمر في نفس الوقت وحصد الفوائد.
لكن مجيء ابنة زعيمة الطائفة يغير القواعد، لم يعد ممكنًا استغلالهم، إن حصل مكروه لها، سوف يتم إبادتنا.
“ يورا، من كان يعتقد أن المصائب كثيرة هكذا؟ ”
محدقًا في الفراشة، ضحك داميان بخفة.
إيماءة! إيماءة!
حركت الفراشة رأسها كما لو كانت توافق على كلمات داميان.
تحرّكت أجنحة يورا في الهواء، مشكلةً حروفًا منفردة.
[ مزعجون!]
ضحك داميان من اختيار الإيغو الخاص به للكلمات.
“ نعم، مزعجون! لكن لا تقلقي يا يورا، لدي خطة ”
طالما أستغل الأمور كما يجب، يمكنني الفوز.
فرناندو، ابن عائلة نيكولا، باي يرين، ابنة زعيمة طائفة الصقيع الأحمر.
شائعات ابن لوكاس المزعوم، وقبيلة غيلان غابة الليل الأحمر.
علي استغلال جميع القطع لصالحي.
القوي يأخذ، الضعيف يناور.
نحن في حالة ضعف، لذا سنُناوِر.
[ نُناوِر! نُناوِر!]
لم يعرف داميان كل شيء، ما زال شابًا، ما زال يجهل عديد الأمور.
لكن، ما المهم في ذلك؟
طالما أنا حي، لن أتكاسل، ولن أعطي الأعذار.
لن أهاب الموت، لكنّي سأثابر في دربي بلا كلل!
بعد إعداد نفسه، أعطى داميان الأوامر للخادمات.
“ أدخلن ”
دخلت الخادمات، عيونهن تفيض بالتوقير والولاء.
“ كبيرة الخدم، أريد معلومات عن آخر اخبار الرمل الأسود، وفرناندو، أريد لقائه لاحقًا، لا تنسي جمع السجناء في قاعة التدريب ”
“ حاضر ”
بعد الإنحناء، بدأت كبيرة الخدم تعطي التعليمات للأخريات.
خرج داميان، متجهًا لقاعة التدريب.
رغم أنه أيقظ موهبته الكاملة قبل فترة قصيرة، مستوى داميان الفعلي كان يتراكم منذ أن امتلك يورا.
القتال، امتصاص الموارد، فهم طاقة الجوهر قبل أن يصبح محارب إيغو، التدريب، واكتساب المعرفة.
كل يوم، دائمًا، بشكلٍ متكرر.
مع الوقت، أصبح الآخرون بعيدين، ولم يسر بجانبه أحد.
المياه المتراكمة وراء السد لأعوام تضخمت، مما أدى لإنفجار.
بعد خوضه آخر جدار بين الجدران الثلاث لموهبته، في اسبوعٍ واحد، قفز داميان للنجم الخامس من القمر الرمادي.
من لم يعرف خبايا الأمر شتم الدنيا لكونها غير عادلة، كيف به وهو في السادسة عشر أن يصل لهذا المستوى؟
لكن داميان مدركٌ بالفعل، أن هذه نتيجة طبيعية للتدريب.
إن لم توجد نتائج، إنه جهد، إن وجِدت نتائج، فهو تدريب.
“ تشه، هؤلاء العجائز الفاسدين، خوفًا من أن أقوِّض سلطتهم، أعطوا جميع المبررات حتّى لا أحصل على إيغو من القمر الثاني، علي حل تلك المشكلة بسرعة … ”
لا يمكن بلوغ مستوى أعلى بدون إيغو يوازي ذاك المستوى.
للوصول إلى القمر الثاني، يجب أن يصقل المرء إيغو من ذاك المستوى، يوصِل مساره إلى ذاك المستوى، ويطور موهبته أيضًا.
لم يطوّر داميان مساره لمستوى أعلى، لكنها مسألة وقت، إنها ساعاتٌ من التدريب الواعي، عشرات، مئات، وآلاف.
لكن إيغو القمر الأزرق، تلك كانت مشكلة.
مع مراقبة زعيم القبيلة — والده — ومجلس الشيوخ له، لا يمكن لِداميان التحرك بحرية للبحث عن الإيغو الذي يحتاجه.
التدريب مع أقرانه لم يعد مفيدًا، السعي للقوة يتطلب الجنون والدم، وأقرانه يريدون عيش بطولة خالية من ذلك.
لذلك السبب، إبتكرَ وسيلة تزيد قواه، مع اكتساب سمعة والإنجازات.
استخدام المجرمين المحكوم عليهم بالإعدام كدمى.
إن استطاعوا قتله، تمحى جرائمهم، الخسارة تعني اكتمال مراسم الإعدام.
نفض الأفكار العبارة بعيدًا، شاحذًا نظراته.
“ يورا، ألم أقل هذا منذ الطفولة؟ أن تصبح أقوى بسيط ”
ابتسم بتعطشٍ دموي للقتال، عيونه السوداء تألقت بوميضٍ قرمزي.
خاطر بحياتك وأجعل الموت أمام أبصارك.
هذا ما في الأمر.
ــــــــــــــــــــ
قرية الرمل الأسود، قاعة الطب.
السقف بالكاد واضح، أشعر بالتعب، ورأسي يؤلمني.
رفع كيفن جسده من على السرير بالكاد.
“ اوغغغ … أريد التقيؤ … ”
حرك يديه عبر أنحاء جسده، فاحصًا حالته.
جسده ملفوفٌ بالضمادات، لكن لا كسور؟
العضلات تعمل بشكلٍ جيد، مجرد إرهاق، قلبي الجوهري لم يتضرر، والإيغو تستقر داخل القلب بسلام.
“ … كيف حدث هذا؟ ”
بقي شاردًا لفترة، أفكارٌ عابرة تمر على ذهنه.
عندها، ضربه الإدراك.
“ ألم أفُز؟ على ثيو ساهيونغ، الخطوة الأخيرة، ألم أخطوها؟ ”
هذا يعني أنني فزتُ، صحيح؟
فزتُ …
أنا فزت!
“ ووو هوووووو- ااااخ! هذا مؤلم! ”
عندما كاد يصرخ فرحًا، آلمه جسده.
الإرهاق أكثر مما توقعَ.
لم يلاحظ كيفن البيئة من حوله، لأنه كان منغمسًا للغاية في أفكاره الخاصة.
“ أخي؟ ”
وهكذا، لم يلحظ أخته المستلقية جانب السرير.
“ … لونا؟ ”
تعبير كيفن تعثر للحظة.
لكن نشوة الفوز كانت أعلى مما توقع.
لذلك وجد نفسه مبتسمًا.
لم تعرف الشابة كيف ترد على تعبيره، لذا سألَته: “ … أبخيرٍ أنتَ؟ ”
“ اخخخ! مرهق، مرهقٌ للغاية! لكن لا يهم، أنا بخير ”
سقط على السرير، محدقًا في السقف.
لم يستطع النظر إلى أخته، ما قاله لها ما زال يدور في ذهنه.
“ … أخي، لِمَ قلتَ لي تلك الأشياء القاسية؟ ”
لكن لونا لم تكن أي شخص، إنها أخته.
وكان طبع أخته مباشرًا معه دومًا.
فكر في نفسه: “ … أعتقد أنّي مُلامٌ على هذا ”
لطالما أخبرها كيفن أن تكون صريحة معه في كل شيء.
“ لِمَ … الأمر معقد ”
لم يكن الأمر أنه لا يريد إخبارها، بل لا يستطيع.
[ أيها الضعيف، تريد القوة؟ سوف أجعلك أقوى، أثبت نفسك لي، لأي مدى مستعدٌ للذهاب؟ لأي أعماقٍ يمكنك الإنحدار من أجل القوة!]
كلمات ليون عندما استخدم عليه نداء العالم حاضرة في ذهنه.
افتعل مع أعز الناس لك مشكلة أمام الآخرين، ولا تخبرهم بالسبب إلى أن يأتي الوقت المناسب.
يمكنك الرفض، لكن إن بدأتَ ذلك ولم تنهيه، سوف أقتلك وجميع أصحابك.
أغلب الظن أنه طلب من ثيودور ذلك أيضًا.
“ معقد؟ أخي، لِمَ لا تخبرني؟ تعرف أنني لن أفشي الأمر! ”
لونا، الغير مدركة لأفكار كيفن، كانت مرتبكة.
ألا يمكنك إخباري كما تفعل دومًا؟
“….”
بقي كيفن صامتًا.
“ أخي! ”
شعرت لونا أن شيئًا ما في غير محله.
“ ألن تخبرني حقًا؟ ”
توتر لونا كان في أوجه.
الصراع، الزحف، صراخ أخيها عليها، والخبر القائل أن ليون لم يُعاقب أمس عند مجلس الشيوخ …
الخبر السعيد الوحيد هو أنها أصبحت عمة.
كانت تخطط لإخبار كيفن بعد فهم ما فعله، ولِمَ كان غاضبًا عليها.
لأنه لن يفهمها أحدٌ كما يفعل هو.
لذلك، بعد نفاد صبرها — المستنفد بالفعل — خرجت كلماتها بلا قصد.
“ أعرف أنك غاضب! أعرف أن الخسارة أمام ثيو ساهيونغ مؤلمة! لكن- ”
“ … خسارة؟ ”
“…!”
أمسكَت فمها بذعر، قلقة.
لقد نسيَت إمرًا مهمًا.
كيفن لم يعرف.
“ … ماذا تقصدين؟ خسرتُ؟ يا لونا، من الواضح أنني فزت، أليس كذلك؟ ”
لونا لم ترُد.
لا، لم تستطع الرد.
“ يا، أنا فزت، لقد رأى الجميع ذلك، صحيح؟ لقد خطوتُ آخر خطوة ولمستُ ليون بلا شك، هاي! لونا! ألم تري ذلك! ”
مظهره مضطرب، صوته مليئٌ باليقين.
لكن.
مثلما أيقظها للواقع.
حان دورها لإخباره بالحقيقة.
“ … وصلَ ساهيونغ إلى ليون قبلك بنصف خطوة … وأقرَّ ذلك الشيطان بنفسه، أن ساهيونغ هو الفائز ”
لم تستطع لونا قول المزيد.
“ أنا سأغادر، صحتك بخير، لذا، سأتركك ترتاح ”
لم ترغب بالبقاء، لم تستطع البقاء.
لذلك هربت، لكن ليس قبل قول آخر كلماتها.
“ … ستيلا قلقة عليك، لكنها لم ترغب بلقائك، سأخبرها أنك بخير، ولا تنسى الإعتذار لـ ساغو، إنها ان تُظهِر ذلك، لكن كلماتك آلمتها ”
تُرِك وحيدًا.
استعداد المرء للموت في سبيل الهدف لا يعني أنه سيفوز.
مخاطرته بنفسه لا تعني أنه أصبح أقوى ببساطة.
إنه تراكم.
يومٌ بعد يوم، بتكرارٍ لا نهائي، بإستمرار، حتّى الموت.
هكذا تُبنى القوة.
“ … كيف نسيتُ هذا؟ ”
كان هذا أول درسٍ علّمه إياه جونغ داي، لكن لم يفهمه إلا بعد خوضه.
التكرار التراكمي ليس شيئًا يفهمه المرء بعقله، بل بجسده.
أنا أفهم، أنا أفهم لكن …
تدفق سيلٌ من الجفون.
رؤيته أضحت ضبابية، وتنفسه أصبح ثقيلاً.
لا توجد أعذار، ولا لومٌ للظروف.
بدأوا بنفس الشروط، تقاتلوا بنفس الشروط، وتحددت المعركة بنفس الشروط.
“ … سحقًا ”
لم يبكي كيفن منذ أن كان طفلاً.
لأن عليه حماية نفسه وأخته، حبس دموعه في سنٍّ مبكرة، واعدًا نفسه أنه لن يبكي أبدًا.
إن لم يبكي هو، يمكن لأخته البكاء بلا شعورٍ بالذنب.
“ أيها الضعيف اللعين، أيها الحشرة البائسة! سحقًا! سحقًا! ســحـــقًـــا—! ”
لو كنتُ أقوى فقط، لو كنتُ فقط أقوى!
كيف أصبح ذاك الوحش الأحمر — ليون — قويًا هكذا؟
لِمَ هناك هذه الفجوة بيننا؟
الجهد؟ أنا بذلتُ جهدي كل يوم، كل يومٍ لعين!
“ انتظروا فقط! ”
مضت 8 أعوام، وها نحن اليوم.
في غرفة بها سريرٌ واحد، استلقى شابٌ على السرير.
رياح الصباح كانت الشاهد الوحيد على محنته.
في الحياة، البعض يفوزون، لكن الغالب منهم يخسر.
هناك من يفرح، هناك من يحزن، هكذا هي الأمور.
تدفقت دموع كيفن كما لو أن صعاب الدنيا الفائتة تدفقت فجأة.
حقيقة ثقيلة إستقرّت في قلبه.
مهما بذل من جهود، فهي مجرد جهود.
لقد خسر معظم الأشياء في حياته.
واليوم، تتويجًا لتلك المسيرة.
خسر أمام صديقه الأعز، وخصمه الأوحد.
لا يوجد سوء حظ.
خسر ببساطة، لأنه ضعيف.
“ أقسم! أقسم أنني سأرد اعتباري! أيها اللعناء! ”
بوجهٍ مِلئُهُ دموع، صرخ.
لم يدخل أحد، ولم يُعِره أحدٌ الإهتمام.
هذا مصير الخاسرين.
لن يسمعهم أحد.
“ اااااه! ليون! ايها اللعين! لن أبقى ساكنًا كما تريد! سوف اقضي عليهم جميعًا! أتسمعني! أنا كيفن البطّاش! سوف أريك أنني قوي! ”
“ أيها المريض! توقف عن هذا! انت تزيد من إصاباتك! ”
دخلت الممرضات، يمسكن به بعد أن بدأ نوبة صراخه.
“ أنا لن أيأس! بِئس قومٍ أنتم إن ظننتم هذا كل ما لدي! ”
“ لقد جُن! لقد جُن جنونه! ”
اخرجت الممرضة إيغو على شكل نجمة، لون الإيغو أزرق، ينبعث منه مسحوقٌ باهر.
[ إيغو القمر الرمادي، النجم الثالث: غفوة حلم الشفاء!]
مع نفخة، أحاط الغبار اللامع جسد كيفن.
وعلى الفور، نام.
أكثر أو أقل، فهمَت الممرضة وضعه، يبدوا أن هذا الشاب خسر ضد ثيودور.
أمرٌ متوقع، ولا يستحق الشعور بالعار.
في النهاية، إنه حفيد كالروس، شيخٌ في القمر الثاني، ثاني أقوى فردٍ في القرية.
الخلفية بينهما لا تقارن.
خارج قاعة الطب، كان ليون جالسًا فوق شجرة.
بجانبه لوكي.
“ هذا الطفل مذهل ”
قال لوكي من الجانب، بينما يبتسم بخفة.
“ خسارته أمرٌ طبيعي، فقد خاض ثيو تدريبًا مضنيًا أكثر منه، ومستعدٌ للتضحية أكثر ”
كان موقف ليون واضحًا تجاه هذا.
الخسارة خسارة، يجب أن يقبلها المرء كما هي، بلا مبررات.
لكن قبولها كما هي وقبول كونها أمرًا لا بأس به مختلفان.
كان لوكي شخصًا خاض تجاربًا عديدة وصراعات حياة وموت مع ليون، لذلك فهم أفكار أخيه.
“ الذي لا تؤلمه خسارته لن يتطور، لا بأس بالخسارة، إنها كلماتٌ يقولها الأقوياء للضعفاء للبقاء كما هم ”
إنه هراءٌ يتعذّر به الضعيف ليبتعد عن مرارة ضعفه.
الفوز ثمنه الألم، لا يوجد إختصار للرحلة، ولا يوجد عزاءٌ عند السقوط.
“ هذه أوهامٌ مُسكِرة تتصدّع بها عزيمتك ”
لا ينموا المرء بين عَشِيَّةٍ أو ضُحاها، بل عبر قسوة الزمن والجراح.
للأسف، لا يمكن بلوغ القوة ما لم يتجرع المرء أيام الألم.
الحسرة، الغبطة، الإحتقار، الصراع، الدموع، والدماء.
قد يذوقهم المرء جميعًا ولا يتسلق جدران يأسه أبدًا.
هكذا هي القوة، هكذا هو الفوز، يمكنك فعل كل شيء، لكن لا يقين أبدًا.
مهما صعدت عاليًا، سوف تسقط يومًا ما.
هذه هي الحياة.
“ لهذا السبب هذا الصبي مذهل كما قلتَ يا لوكي، لقد قبل خسارته، و وفى بوعده، لم يخبر أخته عن سبب كلماته كما أخبرته، إنه قوي الإرادة ”
“ ألقينا الطعم، حان وقت الصيد ”
ألقى ليون معظم فخاخه، للنتظر تشابك كل شيء.
بدأً من كارلوس.
“ لوكي، اذهب إلى غابة الليل الأحمر واستفز غيلان قبيلة ذئاب الدرع، وجه غضبهم نحو قريتنا ”
“ ما خطتك هذه المرة؟ ”
“ علينا إظهار قوتنا للشباب، إن أردنا استخدامهم، ألا يجب أن يعرفوا مدى بأس وبطش أسيادهم؟ ”
“ متأكدٌ أنَّ هذا ليس كل شيء، اوه! لهب النسيان، أليس كذلك؟ ”
ضحك ليون بحرارة: “ لطالما كنتَ ذكيًا بلا داعٍ ”
“ ولطالما كنتَ نذلاً ”
“ اوي! أتردُّ المدح بالذم أيها الفاسق؟ ”
“ تسك تسك، مديحٌ من قرد ولا منك ”
ضحك الاثنان بحرارة.
تحت سماء الفجر، ثلاث ألوان سطعت في الدنيا.
بقايا لون الليل الفضي، ضياء غسق الشمس، واللون الأزرق لسماء الصباح.
جلس شخصان غيرتهما مياه الزمن والحروب، يبتسمان بخفة.
أُسدِل الستار عن حكاية عابرة، وآن وقت حكاية أخرى.
أطلّت ظلالهم على غرفة شابٍ نائم.
بينما يحدقان في شابٍ آخر يبكي.
لكن على عكس الأول، كانت هناك ضحكات.
تدفقت الدموع من وجهه الباسم.
تتدفق الدموع من عيون الجميع، لكن المنبع يختلف دومًا.
هناك دموع الحسرة والألم.
تلك دموع الخاسر.
وهناك دموع الفرح والبسمة.
هذه دموع الفائز.