18 - الفصل 18: خلف شظايا حلمك الساطع، رماد أصداءٍ هامسة، تحت نجمٍ متآكل (3)

الفصل 18: خلف شظايا حلمك الساطع، رماد أصداءٍ هامسة، تحت نجمٍ متآكل (3).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قرية غيلان ذئاب الدرع.

جالسًا على عرشه، غرق زعيم قبيلة غيلان ذئاب الدرع في التفكير العميق.

كان زعيم القبيلة غلايمور رجلاً طويلاً بطول 2.5 مترًا، لون جسده أحمر، النصف الأيمن من جذعه الأوسط مغطى بدرعٍ معدني أسود.

أنيابه بطول اصبع رجل بالغ، جسده المثخن بالجراح كان مهيبًا، جلد الذئب الذي ارتداه جعل هالته ساحقة.

تمتم في نفسه، صوته كان عميقًا وخشنًا: “ … مع نقصان إنتاج منجمنا، لدينا نقصٌ حاد في أحجار الإيغو، بسبب صراع أسيادهم الشباب على الخلافة، ليس لغيلان لهب الوحش أي نية للمساعدة في أي وقتٍ قريب، ولا يمكنني إخبارهم وإلا ابتلعوا قبيلتنا أيضًا … ”

كلما فكر في الأمر، زاد غضبه.

تعبيره كان قاتمًا، هالته الحمراء تصاعدت، واللهب القابع في جسده خرج، وتزايدت حرارة الغرفة.

لم يتحرك من مكانه، البيئة اهتزت.

بام!

طارت الطاولة أمامه اصطدمت بالحائط قبل أن تحترق إلى رماد.

شعر الخدم الراكعون بالرعب، وبقوا صامتين.

كانت مشكلة منجم القبيلة عويصة، فقط بسبب نقصان أحجارٍ مهمة لأي مكان.

أحجار الإيغو، سبب الحياة، سبب الفَنَاء.

سواء في درب المحارب للتطور، سواء عندما يتاجر، وسواء عندما يبني الأمم، كانت هذه الحجارة ضرورة قصوى.

الأماكن التي تتولد منها تلك الأحجار المشبعة بطاقة الجوهر تسمى بمناجم الحياة.

إنها أحجار تتشكل عندما تتركز الطاقة في منطقة معينة لفترة طويلة، ثم تتغير بيئة ذاك المكان.

حين تتغير البيئة، تبرز الأرض لتصبح كهفًا، ربما مرجان بحري في الماء، غيوم قريبة من الأرض بغرابة، كثبان رملية متصلبة، بحيرة، نهر، مستنقع، حفرة أرضية، تلٌ ثلجي، سهولٌ عشبية.

في ذاك التغيير تضحى الطاقة ملموسة، فإذ بأحجارٍ زرقاء يطغى عليها البياض تنمو، نورها اللامع كريستالي، تنضح ببرودة تغطيها صيفًا، تنضح بدفئٍ آسى شتاءً، تلك الأحجار لها أهمية تضاهي جمالها الآخاذ.

كان منجم قرية غيلان ذئاب الدرع هو بحيرة ساخنة، تحتها تتكون الحجارة.

تيمنًا بالإسم الذي أعطاه أول شخص خارق بين البشر لدرب المحاربين، اسماها أحجار الإيغو.

أحجار الإيغو هي ما يشحن بها المرء طاقته حين تنضب، ما يغذي بها أسلحته حين تتضرر، ما يستعين به حين يصبح أقوى، ما يريد أن يملكه حين يتاجر.

على سبيل المثال، ليصبح المرء مؤهلاً ليقوم بمراسم اليقظة، عليه إمتلاك عشرة أحجار إيغو، لأن تنشيط قلب الجوهر يحتاج إلى طاقة نقية.

في العالم أجمع، العملة الموحدة للتجارة والتبادل، للصناعة والإستيراد، كان هذا طغيان أحجار الإيغو.

لذلك كانت، بطبيعة الحال، قيمة.

“ إذا حسبنا قيمة 10 أحجار، يمكن حجز غرفة متوسطة لشهر بـ 4 أحجار إيغو، مع بقاء 6 ، 2 يكفيان لمؤونة 15 يومًا، ما بقي يمكنه بذخه في بسائط الأمور، وذلك لشخص واحد فقط ”

كونه زعيم قبيلة، كان غلايمور مدركًا تمامًا لتدفق الموارد والإحصائيات الشاملة لنفقات شعبه.

في العالم حيث البسطاء لا يحميهم القانون، في العالم حيث الوحوش هم الرعب، الفقر ليس سوى واقعٌ يومي.

بالنسبة للشخص العادي، 10 أحجار إيغو تساوي ثروة متوسطة، ولن يخاطر بحياته في العادة فقط لصبح محارب إيغو طالما عاش بأمان.

السبب الأكبر ليس فقط الفقر، بل معدل النجاح.

من بين كل 10 أشخاص، لا ينجح أكثر من 3، وفي العادة يموت أكثر من النصف.

حتّى لو نجح، بدون دعم أو ثروة، مصيره العيش في فقر، لأن حاجة المرء لأحجار الإيغو عندما يضحى محاربًا في أقصاها.

الكمية التي يحتاجها محارب القمر الرمادي في العادة تتراوح ما بين 10 إلى 100 حجر إيغو شهريًا، وكلما تقدم في الرتب، يزداد الإستهلاك.

السبب؟

تنهد غلايمور بشفقة: “ لزيادة نقاهة طاقته وكسر جدران مستواه، على الشخص امتصاص أحجار الإيغو، ناهيك عن حاجته لهم أيضًا لتنمية موهبته، والأهم، الإيغو نفسه يحتاج للأحجار، عند تطوير الإيغو، عند الحاجة لبناء تشكيل، عند صقل إيغو ما أيضًا، إن رحلة المحارب صعبة، صعبةٌ أيَّمَا صعوبة! ”

هذا يُظهِر مدى خطورة الأمر، نضوب منجم الحياة في أي مجتمع يعني الهلاك!

لا تدوم مناجم الحياة إلى الأبد، كان لها عمر.

المنجم الصغير يدوم 50 عامًا، المنجم المتوسط يدوم 110 أعوام، المنجم الكبير يدوم 300 عام.

كلما كبُر المنجم، زادت نقاوة أحجار الإيغو، وزادت كميتها وتأثيرها، وبالتالي عمره.

عندما ينفد عمر المنجم، يولد من بقاياه منجم جديد، وأثناء فترة نموه يجب إمداده بالطاقة على مدار 6 أشهر.

الكمية اللازمة يمكن تحملها أم لا حسب الظروف.

بالطبع، تلك الحسابات يُستدل بها على أساس عدم وجود حوادث.

قبل 6 سنوات، قام دبٌّ جليدي صخم بمهاجمة غابة الليل الأحمر، وكان قويًا لدرجة اجتماع جميع القبائل للنزاع ضده.

مع قطيعٍ كامل من الدببة، وقوته في الناب الثالث، كاد ذاك الدب يبيد جميع الغيلان.

لحسن الحظ، كان زعيم قبيلة لهب الوحش بالوصول إلى القمر الثالث في الوقت المناسب، ومع تعاون الزعماء الآخرين، قضوا عليه.

للأسف، هجماته الأخيرة اليائسة أضرت بقبيلة ذئاب الدرع، مُضِرَّةً منجمهم، مما جعل البحيرة جليدية.

والد غلايمور كان مصابًا في ذلك الوقت، ولم يرى أملاً للنجاة.

قام بمقامرة، التضحية بقوة حياته لتنشيط تشكيل إيغو يسمى مبادلة الحياة.

كان تأثير تشكيل مبادلة الحياة بسيطًا، مقابل طاقة حياة المرء وكمية كبيرة من أحجار الإيغو، يمكن تضخيم تأثير إيغو المرء وقدراته لأقصى حد يسمح به جسده، لكنه سيموت بعد ذلك مباشرةً.

مع حياته ورتبته كمقابل، قام بتشتيت طاقة الجليد التي أضرت بالبحيرة، مما أعاد منجمهم.

استلم غلايمور المنصب من بعد أبيه، وبعد صراعات لا تحصى، أخذه رسميًا، وها نحن اليوم.

من كان يتوقع؟

لم ينجح تشكيل مبادلة الحياة بالكامل، وكانت الطاقة تختبئ وتتراكم لمدة 6 أعوام!

هذه المرة، لن ينجح تشكيل مبادلة الحياة، لأن الطاقة الباردة تأصلت بعمق في البحيرة.

على الأكثر، سيستمر المنجم لعامٍ آخر.

ولأنه لم يصل إلى عمره الإفتراضي، لن يولد منجمٌ جديد.

“ عليك اللعنة! ”

غضب غلايمور كان في أعلاه.

بدون إمداد مستدام، كيف يمكنهم التجارة؟

نترك ذلك جانبًا، كيف يمكنهم القتال على الموارد والدفاع عن أنفسهم؟

كان للمحارب تجديدٌ طبيعي للطاقة، لكنه يحتاج وقتًا، وكلما ضعفت الموهبة، زادت حاجته للوقت.

لم يكن الموهوبين كثيرين، ناهيك عن العباقرة، وتنميتهم احتاجت وقتًا وموارد كثيرة، لذلك اعتمدت أي منظمة على أحجار الإيغو كمصدر للدخل أو القتال.

كان تخصص قبيلة ذئاب الدرع تربية الوحوش وترويضها.

تربية الوحوش يحتاج إلى غذاء، ترويضها يحتاج إلى موارد، وكانت النفقات أعلى من محارب الإيغو العادي.

يمكن القول، إن استهلاك مروض الوحوش للموارد أعلى بكثير من السياف أو الساحر!

فضلاً عن صعوبة الأمر، إحتاج مروض الوحوش نفسه للموارد لتقوية نفسه قبل تغذية وحوشه.

إذا عرف الأعداء ذلك وتحول الأمر إلى حرب استنزاف، كيف يمكنهم المقاومة؟

سوف يُبادون ببساطة!

لهذا السبب لم يُخبِر قبيلة لهب الوحش عن مشكلته، سوف يستخدمون جميع الذرائع لإبتلاع قبيلته وجعلهم عبيدًا.

انسى قبيلة الليل الصاعد، هؤلاء المجانين ينتظرون أي فرصة للإنقضاض عليهم، ومع صراعهم العميق مع طائفة الصقيع الأحمر، لن يمكنهم المساعدة ولو أرادوا.

أرسل غلايمور لقبيلة لهب الوحش رسالة، مخفيًا نواياه بعمق.

اشتكى أن الفترات صعبة، مذكرًا إياهم بعلاقتهم العميقة وصداقتهم، وسوف يدعمهم بقواته عندما يبدأون الصراع مع الطوائف المجاورة بالتأكيد، وسوف يقضون على هؤلاء الفاسدين، ومعهم تسود العدالة!

لكن!

يحتاج دعمًا صغيرًا الآن، متذرعًا بالإحتماء ضد ليلة القمر الأجوف، وهناك الصراع القديم مع قرية الرمل الأسود، واعدًا إياهم بسداد الدين لاحقًا بالتأكيد …

يا للأسف، حدث الصراع الداخلي عندما طالب بذلك!

بعث له زعيم قبيلة لهب الوحش برسالة يقول فيها أنهم سعداء بكلامه، وبشكرون دعمه بشدة، لكن الحياة متقلبة وتأتي المصائب فجأة، طالما يقدم دعمه لأحد أبنائه لموازنة الأمور في حرب الخلافة، سيكون بطلاً يدعم الخير، وبعد هذا سوف يدعمه بلا شك، ولن ينسى خيره.

معنى الرسالة ببساطة؛ للجميع ظروفهم الصعبة، أتعتقد أنك وحيد؟ أوقف هرائك هذا وحُلَّ مشاكلك بنفسك!

“ الأوغاد اللعناء! بعد كل ما بذلته قبيلتنا لهم، لا يمكنهم حتّى إقراضنا بعض الأحجار؟ هؤلاء الفاسدون! اللعنة على 20 جيلاً من أسلافكم، أتمنى أن تصاب سلالتكم بالإسهال! ”

لو سمع أسلاف قبيلة لهب الوحش كلماته، لشعروا بالظلم؛ نحن لا نعرفك حتّى، لما تُدخِلنا في هذا؟

كان حظ غلايمور سيئًا للغاية.

من كان يتوقع أن يحدث الصراع الداخلي في نفس وقت حاجته للدعم؟

لكن ماذا يمكن فعله؟ هكذا هي الحياة.

كان غلايمور يائسًا.

كما يقول المثل؛ الأوقات اليائسة تتطلب تدابير يائسة.

لقد احتاج الدعم ليس فقط للنجاة، بل لخوض صراع مع قرية الرمل الأسود أيضًا.

ومضت عيون غلايمور بقتامة.

“ … إن نضُبَ منجمنا، أما علينا سوى احتكار منجمٍ آخر؟ هيهيهي، نحن أعداءٌ بالفعل، لكن طالما توصلنا “لإتفاق” ألن يكون أفضل؟ ”

طالما يمكنهم جعل الأمور صعبة على قرية الرمل الأسود، والصراع معهم، سوف يصبحون أضعف أمام البحيرة البيضاء وباقي القوى!

إذا قدم بعد ذلك “تعويضًا” لهم وأجرى اتفاقية تعاون خلف الكواليس، يمكنه حل مشكلة الأحجار مؤقتًا، مع إبقاء قضيته في الظلام.

سبب اعتقاده الأكبر لنجاح هذا هو طائفة لهب النسيان!

كانت تلك الطائفة تصعب الأوضاع على قرية الرمل الأسود آخر فترة، وكان من الواضح ما هو هدفهم، إنه إخضاعها.

“ لكنني مدركٌ طبيعة لوكاس، إنه شخصٌ يرد الأحقاد مضاعفة، ولا يتوانى عن إبتكار حلول معقدة لمشاكله، لن يخضع بسهولة! ”

وكانت مسألة نقص المواهب الشابة تؤرقه، لذلك، إن تحالفنا بعد القتال، ألن يعطي ذلك الآخرين إنطباع وجود مؤامرة؟

هذا سيركز انتباههم نحو قرية لوكاس، مما يعطي المجال لقبيلة ذئاب الدرع للإستعداد.

ببطء، مع مرور الأيام والأشهر، سيحفر غلايمور جذوره في قرية الرمل الأسود، ثم ينقض عليهم!

إذا كانت هذه خطته، لما يُضعِفُ قرية لوكاس الآن؟ ألم يكن التعجل في هكذا أمورٍ حماقة؟

إذا كُسِر التوازن، سوف يحدث الصراع.

ذاك الصراع هو ما يبتغيه غلايمور، لأن به تضعف القوى الأخرى، ومنه تبقى قريته في الهامش، محافظةً على قوتها.

في ماذا يحتاج قواته تقول؟

بطبيعة الحال، بطولة الأجيال الشابة!

من يفوز، يتلقى الدعم الكامل من قبيلته.

وهذا ليس كل شيء، يمكنه أيضًا المطالبة بالموارد من القبائل والقوات الأخرى!

ما هو أهم ما يريده غلايمور لقريته الآن؟

لقد كانت الموارد!

لهذا، يحتاج مبررًا ضد قرية الرمل الأسود، لمنع القوات الأخرى من التدخل.

بالطبع، ستكون هناك تضحيات وضحايا.

بكاءُ العائلات يتصاعد، القبور تبنى، والمرثيات تُقال.

للقضية الكبرى، هل يجب التضحية حقًا؟

هذه لم تكن عدالة.

تحت أنظار الخدم الراكعين، وقف زعيم القبيلة من مكانه، ماشيًا نحو النافذة.

لم تكن السماء صافية، تزايدت أعداد الغيوم.

واقفًا بشموخ، وضع يديه خلف ظهره.

تحت السماء الحمراء، أمكنه رؤية شعبه.

الأطفال يلعبون، النساء يتشاورن، الرجال في أعمالهم يكدحون، والعجائز جالسين بصمت، بينما يبتسمون.

إذًا، هل كان هذا فسادًا؟

فكر في نفسه: “ إذًا ماذا؟ ”

لقد كان الفساد مجرد وسيلة للصراع في هذا العالم!

ألم يكن الفساد سوى خرق للاتفاقيات؟

إنه أخذ أكثر مما أتفق عليه الطرفان.

لدي حجر إيغو، ولديك حجر إيغو، الآن أنت سعيد لأننا متساويان.

لكن سِرًّا، أنا أخذت حجر إيغو آخر، الآن أنت غاضب، وتلومني على خرق إتفاقيتنا.

كان ذلك فسادًا.

“ لم يكن مفهوم الفساد سوى أداة، أداة لكبح الجماهير ومنعهم من الإستفادة كثيرًا، إذا كان الجميع فاسدين، كيف يمكن استغلالهم؟ لهذا تم تشجيع فضائل القانون، من يتبع القانون ليس فاسدًا، ولن يكون “شرًا”، وبهذا يمكن للنظام استخلاص قيمته ”

ماذا عن العدالة؟

العدالة، حسب إستخدامها، كانت فسادًا أو مساواة.

ما هي العدالة؟ إنها تحقيق للمساواة وحقوق المرء.

إذا كان الفساد شرًا، العدالة هي الخير.

من يؤمن بعدالته، يمكنه ارتكاب الخطايا سبيل تشريعها!

أول من أشعل الصراع مع الرمل الأسود هو والد غلايمور، وكان هو الظالم.

والده من تسبب في مقتل الناس، إنه أصل المصيبة.

ربما فعل والده ما فعل تحقيقًا لعدالته، وكان ضحاياه يبحثون عن عدالتهم.

والده مات بالفعل، من يمكنهم لومه؟

لأن غلايمور إبنه، تحمل اللوم، وعليه تكفير خطايا والده.

“ هاهاها ”

ضحك غلايمور بإستخفاف، صوته مليئٌ بالرثاء.

“ ألم يكن هذا فسادًا أيضًا؟ ”

لم يكن هناك ما يسمى بالفساد المطلق ولا العدالة المطلقة.

حارب غلايمور لشعبه، ألم تكن تلك عدالة؟

دافع لوكاس عن أرضه، أليست عدالة أيضًا؟

دفاع أحدهما عن نفسه ومحاولته للنجاة، ذلك فسادٌ وظُلمٌ للآخر!

العدالة كالحرب، هُمَا وجهان لعملة واحدة.

المنتصر يسمّي قتله “إعدامًا”، الخاسر يسمّيه “جريمة”.

الحقيقة الوحيدة هي أن أحدهما مات والآخر عاش.

التضامن، الأخلاق، الفساد، النفاق.

مثل هذه المفاهيم البسيطة كانت أدوات.

أدواتٌ يستخدمها النُّخَبُ للسيطرة على الجماهير وتبرير سلطتهم، هذه هي الحقيقة المطلقة!

مشكلة غلايمور الحالية، أنه ليس له مبررٌ للهجوم على الرمل الأسود.

الوقت لم يكن في صفه، لأنه أراد مباغتتهم قبل مجيء وفد طائفة لهب النسيان، ولم يرغب بضياع فرصته بإستغلال ليلة القمر الأجوف.

هذه المعضلة، فكر بها لعدة أيام ولم يجد حلاً.

تسابق عقله بسرعة البرق، مفكرًا في سيناريوهات عديدة في نفس الوقت.

ثم.

“ زعيم القبيلة! هناك عدوٌ مجهول يهاجم منزل السيدة الرابعة! ”

دخل أحد الشيوخ الكبار، تعبيره قلق، قائلاً كلماتٍ مشؤومة.

“ ماذا قلت؟ اشرح أكثر! ”

تغير تعبير غلايمور، صارخًا “بقلق”.

كونه ملكًا على شعبه، كان إنجاب خلفه أمرًا بالغ الأهمية.

لضمان استمرار نسله وإنجاب أقوى الخلفاء، لم يكتفي غلايمور بالزواج لإمرأة واحدة.

مرورًا بالجمال، المكانة، والحب، اتخذ لنفسه 5 زوجات.

زوجته الرابعة كانت المسؤولة عن شؤون العلاقات داخل القبيلة، ومرّت شبكة المعلومات عبرها.

وهكذا، قلقه لم ينبع فقط من حبه لها، بل وأيضًا لفطنتها وأهمية منصبها.

“ نعم، نعم! بينما كانت السيدة الرابعة تستعد للقائك كما أمرتَ، حدث انفجار جليدي أمام البوابة الرئيسية، شخصٌ مجهول يرتدي ملابس سوداء قتل الحراس وهو الآن يتصارع مع البقية، مهددًا برغبته بقتل السيدة الرابعة! ”

لم يتوانى غلايمور، تصاعد اللهب من جسده، بينما يرفرف ردائه.

“ قُد الطريق! بسرعة، بسرعة! ”

لم يعرف ما حدث، لكن هاجسه أخبره بشيئٍ واحد.

كانت هذه نقطة تحول.

ـــــــــــــ

ركض الشاب يائسًا، عقله المذعور لم يسعفه للهدوء.

“ أماه، يا أماه، كوني بخير! ”

اللهب المحيط به عزز سرعته، قافزًا بين أسقف البيوت.

“ المعتدي يحاول الدخول عنوة، امنعوه! ”

“ دافعوا عن السيدة الرابعة، ولو بحياتكم! ”

“ لا تتراجعوا، لا تتراجعوا! ”

أمام عيونه يتخالط الأبيض والأحمر، شظايا الجدران متناثرة، صرخات المحاربين تعالت، والدماء سالت.

رغم هلعه، رغم قلقه، لم يسع غريملوك إلا الذهول.

وسط كل ذلك، وقف رجلٌ طويل بملابس سوداءً، وجهه مغطّى بقناع.

بينما كان الجدار المدمر خلفه صقيعيًا، ذاب ببطء، عيونه الزرقاء ومضت، وغطّت هالته الجليدية ما حوله.

ممسكًا سيفه الدامي بيد، يده الأخرى رفعت جثة أحد الحراس.

“ أنا سأقتلكم، أنا سأقتل سيدتكم الرابعة، هكذا أسدد ضغينة سيدي، أنتم لن تمسكوني، وبعد نهاية مهمتي، سواء نجحتُ أم فشلت، سأقتل نفسي ”

صوت الرجل كان باردًا، صوته كان عميقًا، صوته كان حزينًا.

قفز للأمام، ملوحًا بالجثة على الأخرين، ثم مد يده.

بام!

اخترق الجليد رأس حارسين.

كانت أسهم الجليد هذه سريعة لدرجة أن دروع اللهب التي غطتهما لم تفعل شيئًا ضدها.

لم يسعهما سوى تفجير الإيغو الخاصة بهما، لأن ذلك يتطلب مجرد فكرة.

“ اللعنة! تراجعوا، إنه يجيد هجمات التسلل والسرعة! ”

قائد الحرس أمسك سيفه وقفز في الهواء، ثم ضرب نحو الرجل بقوة!

لم يتوانى الرجل الغامض، بل هاجمه أيضًا!

كوانغ! كوانغ!

تصاعد البخار بينهما إثر تصادم اللهب والجليد.

كان لقائد الحرس اليد العليا في القوة الخام، لكن هذا الرجل الغامض كان خبيثًا كالثعلب، وزلقًا كالثعبان، وقاتله بذكاء.

عندما يكاد يصاب، يتراجع، عندما يجد ثغرة، يستغلها فورًا.

ناهيك عن ألاعيبه الذهنية.

“ أتعتقدون سيدتكم الرابعة نقية حقًا؟ أتعتقدونها طيبة الخُلُق؟ إنها فاسدة! شريرة غدرت بسيدي وتخلت عنه، إنها من يرد الخير بالظلم! ”

“ أطبق فاهك! ماذا تعرف عن سيدتي! أيها المارق الملعون! تقتل أتباعي وتدّعي الخير؟ هاه؟ أيها المجنون! ”

“ هيهيهي، قائد الحرس، أوه يا قائد الحرس المنافق، أتظنني لا أعرف ما يفعله حراسك للقرى المجاورة؟ جباية ضرائب غير عادلة، إستعباد، إغتصاب، وألعاب صيد للعبيد، مارق؟ أنظر إليك، من المارق؟ هاهاها! ”

“هذا الكاذب! ”

وسع قائد الحرس عيونه للحظة، وتردد سيفه.

لم يترك الرجل الغامض فرصته تضيع، مهاجمًا إياه بشراسة.

كوانغ! كوانغ! كوانغ!

فقد قائد الحرس مبادرته، ولم يسعه سوى الصد بصعوبة!

استخدم العدو سيفه بخبث، مهاجمًا جروحه السابقة، واستخدم البخار الناتج سابقًا لتشويش قائد الحرس، وكان يزيد من إصاباته!

كانت الأمر واضحًا، سيخسر القتال!

[ إيغو القمر الرمادي، النجم الرابع: سهام اللهب!]

بيو! بيو! بيو! بيو!

من خلفه، هاجمت سهامٌ لهيبية الرجل الغامض.

" تسك! ”

تصاعدت هالته الزرقاء ثم تجنب الهجوم المتسلل بسهولة.

" السيد الشاب! ”

كان قائد الحرس فرحًا، لأنه قبل لحظة شعر بظلال الموت.

“لا تسمع هرائه يا قائد الحرس، إنه شرير يريد قتل والدتي، إنه يستحق الموت، تلك هي العدالة والحقيقة! ”

ومضت عيون الرجل الغامض بهدوء.

بطبيعة الحال، كان هذا لوكي متنكرًا.

بعد مماطلته، خرج إبن السيدة الرابعة أخيرًا.

بقي الآن استدراجهم.

ابتسم بقسوة، ثم رفع سيفه.

الفجوة بين القمر الرمادي والأزرق لا يمكن سدادها بسهولة.

مع إظهاره لقوة القمر الأزرق، سيجبر غلايمور على الخروج.

ركض نحو قائد الحرس وغريملوك، ثم قطع الهواء.

هالة السيف الزرقاء تصاعدت ثم ضربتهما!

بام!

لم يكن لديهما فرصة ضد هذا الهجوم، طار الإثنان في الهواء كدمى بالية، ثم سقطا أرضًا.

لم يموتا، لكنهما فقدا الوعي.

“هـذا-هذا، إنها هالة القمر الثاني! إنه خطير! تراجعوا نحو منزل السيدة! ماطلوا حتّى يصل الشيوخ وزعيم القبيلة! ”

البعض تراجعوا، والبعض بقوا في محاولةٍ يائسة لإستعادة السيد الشاب وقائد الحرس.

تقدم لوكي بطغيان، لكنه لم يلمس قائد الحرس أو غريملوك.

“ توقفوا جميعًا ”

صوتٌ عذب دخل آذان الجميع.

خرجت سيدة من المنزل الكبير.

شعرها الأحمر ناقض بشرتها البيضاء، عيونها الصفراء ومضت بذكاء.

في خضم الفوضى، مشت السيدة بخفة.

على عكس الذكور، كان لإناث الغيلان صفاتٌ جمالية أشبه للجان.

لم ينطبق هذا عليهن جميعهن، لكن ذلك إنطبق على هذه السيدة.

مارلي، زوجة غلايمور الرابعة، وسيدة صوت سحابة الحلم.

كانت في ذروة القمر الأول، وكانت خبيرة في درب الصوت.

أمام لوكي المتنكر، وقفَت بهدوء.

“ أنا أطلب منك، بخالص رجائي، أن تطلق سراح ابني مقابل حياتي ”

وبكلماتٍ غير متوقعة، قالت له.

ابتسم لوكي بتسلية داخليًا، وفهم ما حاولت فعله فورًا.

هذه السيدة كانت ذكية بالفعل.

2026/03/30 · 1 مشاهدة · 2719 كلمة
نادي الروايات - 2026