الفصل 1: ها نحن نلتقي، أيها الإخوة (1).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إن الخوف غالبًا ما يرتبط بالدجى في الليالي، السواد القاتم والأجوف.
يقال أن في تلك الليالي ينضب نور البدر ويتلاشى، إذ يبزغ الجنون في العالم.
إنها تلك الليالي حيث تستيقظ الرغبة المدفونة داخل المرء، رغبته القاتمة في سفك الدماء، ما ينكره في قرارة نفسه يصبح القانون.
وكان إسم تلك الليالي محفورًا بعمق في سكان هذا العالم، إنها ليالي البدر الأجوف.
وهكذا، كان اللون الأسود بالنسبة للناس هو نذير الرعب والخوف.
بيئة تبدو غير واضحة كما الضباب، أرضها لا يمكن تحسسها، سمائها لم يُعرف قريبة كانت حدودها أم بعيدة.
هل يمكن فهم أين القريب أو البعيد؟
ناهيك عن فهم الإتجاه، حتّى إبقاء العقل رزينًا يصبح بحد ذاته منهِكًا.
في هذا المكان، وقف صبي صغير أمام رجل بارد العيون.
لون المكان كان أبيضًا بالكامل، لا الأرض أو السماء تعكس إختلافات بعضها، ثياب الصبي والرجل لم تكن مختلفة.
المنطقة لم تكن مبنى أو قاعة، لقد كان مرجًا مشؤومًا.
“ أيها الغلام الصغير، الرغبات الضعيفة تعكس ضعف صاحبها، من ينغمس في رغباتٍ تعكس الجشع سوف يندثر عقله، هكذا يصبح أجوفًا ”
تحدث الرجل تجاه الغلام بصوتٍ حيادي، لم تنعكس الكراهية أو المحبة في تلك النبرة الغريبة.
اوه؟
كان الغلام مفتونًا بعض الشيء، عيونه القرمزية حملَت في دواخلها بعض الفضول.
لم يلاحظ الرجل ذلك، أو بالأحرى، لم يكن مهتمًا، مكملاً كلامه.
“ في هذا العالم، الخطر لا يختفي أبدًا، الغوامض مندثرة منذ الأزمان البعيدة، تاريخ أسلافنا ضبابي، هكذا هي حياتنا، على الجميع الكفاح، للجميع رغبات تعكس مدى إستعدادهم للمضي قدمًا ”
كان هذا شيئًا يعرفه الغلام الصغير بالفعل، لكن كلمات هذا الرجل، كيف يصف ذلك … لقد كانت جذابة إلى حدٍ ما.
وكما قال الرجل البارد بالفعل، يحوي هذا العالم على غرائبٍ منسية، ناهيك عن مواريث وأراضي تحمل ملاحم همسية.
هناك أيضًا الوحوش، فلا يرتخي بال أحد أمامهم، وهل هذا كل شيء؟
لا، لا، إن كان مجرد ذلك، ألن يكون كل شيء بخير؟
مجرد بشر ضد وحوش، من الواضح أين العدو، ذلك يعطي أساسًا كافيًا للتعاون.
لكن هناك السلالات المختلفة، سلالات أقوى، سلالات أضعف، يعيشون جميعًا ويتصارعون، بعضهم يرتفع فيحكمون، بعضهم ينخفض فيندثرون.
في بعض الليالي المشؤومة، تحدث الظواهر الغريبة، ويأتي الجنون هامسًا في عقول بعض الناس، ويصبحون مجانين.
الخطر يأتي دائمًا ولا يتوقف، هكذا كان العالم.
لم يكن لدى الغلام رفاهية للشعور بالإحباط تجاه الحقائق، بعد أن عايش تلك المخاطر بنفسه منذ أن وعى على العالم، لم يكن لذلك صدى كبير على قلبه.
لكنه شعر بالإنجذاب تجاه كلمات هذا الرجل، وكان البريق النادر في عينيه باقيًا.
“ لهذا السبب عليك أن تصبح أقوى، ليس فقط للنجاة، بل حتّى تفرد جناحيك، يمكن للجميع إمتلاك القوة، تذكر دائمًا، لا توجد قوة إستثنائية، بل يوجد هناك فقط أشخاص إستثنائيين ”
مد الرجل يده للأمام، فإذ بشعلة زرقاء تظهر من العدم.
“ هذه القوة التي يمتلكها الجميع تسمى طاقة الجوهر، نحن نستخدمها لنزداد بأسًا، أشداء في مواجهة اليأس لا نعرف للخسارة سبيلاً، إن إعتبرنا الجسد نهرًا، فطاقة الجوهر هي المياه المتدفقة، وهناك قلب الجوهر المتشكل عند يقظة القوة، الذي هو المصب ”
الإرادة هي ما يحرك المياه ويستخرجها من المصب، وعندما تتدفق الطاقة بشكلٍ صحيح، يطلق المرء على نفسه محاربًا.
“ الآن أخبرني، ما هي المعايير التي يمضي بها المرء قدمًا في عالم هذه القوة؟ ”
حدق به الغلام صامتًا قليلاً.
إيي! أي سؤال هذا، هاه؟ هاه؟
حتّى المتخلف العقلي يمكنه الإجابة عن هذا، وتسألني أنا عن ذلك، إيه؟
شكواه الصامتة قوبلت بتعبير الرجل المهيب، يحثه على عدم تضييع الوقت بالهراء والإجابة بسرعة.
أجاب الغلام متنهدًا.
يمارس الجميع في هذا العالم قوة غامضة، لكن ليس بإمكان الجميع إستخدامها لظروف عديدة، منها الإستعداد للمخاطر، الموارد والقوة العقلية لتحمل ذلك.
قبل أي شيء، للحصول على تلك القوة، يجب على المرء النجاة من مراسم اليقظة.
تلك المراسم هي ما يجعل طاقة الجوهر المتأصلة داخل الجسد تمتلئ بالإرادة الحرة لاتخاذ أشكال متعددة، مما يجعل من الممكن للطاقة التفاعل مع المؤثرات خارج الجسد.
وهناك أربعة عوامل رئيسية يجب التركيز عليها، وكلها متصلة ببعضها، يؤثر كل عامل على الآخر، وتترابط تلك العوامل لتشكيل تفرعات متعددة.
هناك الموهبة: التي تحدد سرعة النمو البدائي والآفاق العالية، للموهبة أربعة درجات، وتتأثر درجة الموهبة بدورها على أربعة عوامل: قوة الإرادة، الحالة النفسية، طاقة الجوهر، القدرة الجسدية.
الأسلحة والأدوات المستخدمة في العالم: الإيغو، والتي لا حصر لها، لم يُكشف مدى حدودها ولا حتّى أقصى أعداد تنوعها، هناك أيضًا ثلاثة أنواع من الإيغو: الذات، الطبيعة، الحياة.
الدرب: ينقسم الدرب إلى أساليب لا تحصى ويندرج تحت تعقيداته الخاصة، والدرب له فنونه الفريدة، تنقسم بدورها إلى جانبين.
فنون الدرب، والتي تتناقل عبر الكتب أو شفهيًا عن طريق التعلم، وهناك شظايا الذكريات، التي هي أندر وأخطر، ناهيك عن فئات الدرب، التي تجذب طاقة الجوهر المتوافقة وتنفر المضادة.
أخيرًا، الرتبة: هناك ثمانية رتب في هذا العالم، وتسمى بالأقمار الثمانية: رمادي، أزرق، برتقالي، أخضر، بنفسجي، أبيض، أسود، أحمر.
تطورات القمرين الأول والثاني هما تغيير كمّي في القوة، ويتغير المرء في القمر الثالث جذريًا، ثم هناك تضخم القوة في القمر الرابع، والتغيير الأعمق في القمر الخامس، الأقمار الأخرى كانت أكثر غموضًا وغير مفهومة.
كانت هذه تفرعات قوة المحارب، الذي يسمى بـ محارب الإيغو.
“ إن التحضير للخطط المستقبلية وآفاق المرء يتطلب الموارد والخبرة بذاتها، لذلك لا يتم إيقاظ الموهبة — التي هي الزناد للسير في درب القوة هذا، إلا عند بلوغ الشباب، نظرًا للمخاطر على الجسد والعقل ”
كان صوت الغلام حياديًا، كما لو كان يقول شيئًا مملاً.
كان هذا غير مهم للصبي، نظرًا لكونه قد إختار مسار نموه بالفعل وأيقظ موهبته.
كان عمره الحالي هو السابعة، أما موهبته فقد تم إيقاظها في الخامسة تقريباً، مما كاد يموت بسببه.
“ على أي حال، هذا صحيح بالتأكيد، لكن بما أننا نتبع نهجًا مغايرًا، تم ذبح العديد من التجارب الفاشلة في الجيل الأول، وبقيتَ أنت فقط ”
“ أنا فضولي قليلاً، أيها العجوز ”
“ … أنا في الثلاثينات فقط ”
“ نعم؟ هذا يعني أنك عجوز ”
“….”
“ لما تحدق بي هكذا… حسنًا- آآآآخ! ”
أمسك الصبي جبهته، متفاجئًا من الألم.
“ أيها العجوز الفاسق! أنت تضرب طفلاً! إعتداء! هذا إعتداء! ”
سلاب!
تم صفع رأسه.
“....”
هذه المرة، كان دوره ليصمت.
‘ آحم، هذا الغلام غريب بالفعل، من أين تعلم هذا الأسلوب في الكلام؟ ’
بالنسبة لطفلٍ خضع لتجارب وحشية، كان الصبي غريبًا بالفعل.
“ أيها العجوز- أقصد المدرب، لدي سؤال مفاجئ ”
بعد تأليف نفسه والسعال قليلاً، تحدث الصبي أخيرًا.
“ أقبِل على سؤالك ”
“ كما تعرف بالفعل، أنا أقف هنا وحيدًا في مرج العقوبة لأنني قتلتُ متدربين آخرين، والذين يكرهونني بطريقةٍ ما منذ البداية ”
“ بالفعل ”
لقد كانت كلمات مشؤومة بالنسبة لطفل صغير، لكن معايير الإنسانية لم تنطبق في هذا المكان في الأصل.
ارتكبَ الصبي مذبحة، إذ أنه قتل المتدربين الآخرين أثناء مهمة صيد، ثم قام بتسليم نفسه فجأة.
كان ذلك غريبًا بالفعل، لكن رحب الجميع بذلك، إذ كان لهم رغبة غير مفهومة بأذيته وتحطيمه.
كان الصبي مدركًا لذلك، لكنه قام بذلك على أي حال.
كان مرج العقوبة مكانًا يقلل العقلانية ويسبب نوبات صرع وهلوسات، لذلك كان خطيرًا بالنسبة للأطفال.
رغم عواطفهم تجاه الصبي، كانت قدراته هائلة كي يتم إضاعتها فقط، وهكذا تم إحضار هذا الرجل للحديث معه ساعة واحدة في الأسبوع.
في البداية لم يكترث الرجل والصبي تجاه بعضهما، لكن مع الوقت، أصبح الحديث معًا روتينًا ممتعًا.
“ وبما أنني مسبب لرغبة الكراهية كما يتناقل المدربين وينشرونه للأطفال الآخرين، أجد الأمر غريبًا ”
“ غريب؟ ”
“ أنت، لا يبدو عليك أنك تكرهني، لماذا؟ ”
كان الصبي يتسائل قليلاً منذ لقائهما الأول، لكنه لم يهتم كثيرًا.
لم يشعر بالإلحاح تجاه الأمر، ولم يهتم إن تم كرهه كثيرًا.
إن قسوة المكان مؤلمة بالفعل، لكن تلك القسوة ساعدته على النمو أسرع، لما يهتم بعواطف الآخرين؟
لو كان لتلك العواطف فائدة ما، لربما كانت قصة مختلفة، لكنها كانت مجرد عائق، لذلك ركز الصبي على نفسه فقط.
بعد قضاء بضعة أسابيع في هذه الحالة من الجمود الممل، كان يتطلع للحديث مع هذا الرجل، ونما الفضول بطبيعة الحال.
“ … همم، بالتفكير في الأمر، أنا لا أدري ”
“ توقعت هذا، لكن حسنًا، هذا مؤسف بعض الشيء ”
“ مؤسف؟ ”
“ من بين الجميع، أن يتحدث معي عجوز، أنا الطفل، هذا غير مريح -اااااخ! ”
أمسك الصبي رأسه مرة أخرى، يشتكي من الألم.
“ همف ”
بعد التشمت لفترة، نظر الرجل إلى ساعته.
“ حان وقت ذهابي، إلى اللقاء أيها الغلام الصغير ”
“ نعم ”
مشى الرجل بعيدًا عن المكان، رغم عدم إظهاره ذلك، كان هذا المكان يسبب له عدم الإرتياح، إن قدرة ذاك الفتى على البقاء عاقلاً كانت ببساطة غير إنسانية.
ومضت عيون الرجل قليلاً قبل أن يتحدث وهو يبتعد.
“ قل لي، هل لديك رغبات؟ ”
تفاجأ الصبي أحمر العينين بالسؤال الغير متوقع.
لكنه أجاب على الفور، كما لو كان الأمر طبيعيًا فقط.
“ من الواضح، حتّى الحيوانات لها رغبات، ناهيك عني أنا ”
“ هكذا إذًا؟ ”
“ أنا أعيش من أجل نفسي، بعد كل شيء ”
“ يسرني سماع ذلك ”
‘ هل أصيبَ بالخرف؟ ’
فكر الصبي في نفسه، لكنه لم يرغب في تلقي ضربة أخرى، لذا بقي صامتًا.
لم لديه ما يحكيه، وهكذا، تصاعد اللهب الأزرق على جسد الرجل ثم طار بعيدًا.
“ إلى حين لقاءٍ آخر، أيها العجوز! ”
صرخة الصبي كانت آخر ما سمعه قبل الرحيل.
شخص مثير للإهتمام.
إبتسم الصبي، بينما تومض عيونه بتألق.
إن نمطية العقل تخلق العادة، تلك العادة تؤدي إلى سلوك يقوم به الجسد، ويتحول كل ذلك إلى أسلوب حياة.
أصبح هذا اللقاء القصير جزءًا من حياة الصبي، وتطلع إلى لقائهم مرة أخرى.
أمضى الصبي بقية وقته في قراءة كتاب سرقه من أحد المتدربين، والتدرب، وكشف أسرار دربه وقتال الوحوش التي يتم إرسالها بين الحين والآخر.
في بعض الأيام، الهلوسات تأتي، الأصوات الغريبة تهمس للصبي بلطف.
“ هاهاها! ”
عندما يفقد الصبي سببه للمضي قدمًا، يضحك ويجري عبر الأنحاء بلا سبب.
بام! بام! بام!
“ هاهاهاها!! ”
في بعض الأحيان يضرب رأسه بالأرض، رغبةً في تدفق الدم، رغبةً في الشعور بشيء في هذا المكان الأبيض.
لا الليل يأتي ولا تفسير للوقت يُسمع.
فقط هو.
مع نفسه وحيدًا.
يركض حتّى لا يقدر على الحركة، يخدش نفسه للبقاء واعيًا.
“ هاي، أنت هناك، نعم! أنت! إنك مضحك! ”
يحدق في الهواء ثم يتحدث.
لا أحد هناك غيره، لكنه يرى شخصًا ما، ثم يلاحقه ويتحدث معه.
“ هل تحب الكوابيس؟ أنا لم أفعل! هيهيهي! لكن هل تعرف؟ أصبحت متعادًا على الكابوس كل يوم! ”
كما لو كان الوهم يجيب عليه فعلاً.
“ الإنغماس في الجنون يجعلني أكثر عقلانية، كلما وقعتُ أكثر، أصبح مقاومة ذلك أسهل! نعم، أنت محق، أنت لستَ هنا، هاهاها! ”
يا جنوني الدائم، أيا هلوستي السمعية، إنك ما يبقيني واعيًا، فكُن رفيقي في هذا الفراغ الصامت.
لنفتح أعيننا ونستيقظ!
هدير!
عندما تأتي الوحوش، يتجه إليهم ممتنًا، للشعور بدمائهم وقطعهم، لتذكير ما بقي من ذاته المجنونة أنه مازال هنا.
“ أنا أريد! أنا راغب! لدي هذا الجنون معي! انغمسُ في الكابوس! فإني من الموت لا أهابُ! فهيا أقبِلوا يا إخوتي الوحوش! لنقتل بعضنا! كواهاهاها! ”
فقط عندما تصمت البيئة، يجلس على كومة الجثث المتناثرة، يحدق في الدم القرمزي بإفتتان.
“ كان شرفًا لي لقائك، لكن عليّ العودة! العودة إلى وعيي! هيهيهي! كيهيهي! إلى اللقاء! يا أيها الجنون الدائم! ”
وبعد مرور الساعات الهلوسية، يستعيد عقله وضوحه.
يمضي ساعات وساعات من التأمل، محاولًا فهم نوبات جنونه المستمرة.
ما هو الحافز، ما الذي يقود رغباته الجنونية؟
كيف يستطيع الإستفادة من ذلك؟ وكيف يتجنب أن يصبح أجوفًا خلال ذاك الجنون؟
تأتي الوحوش وتموت في الصراع.
سواء في جنونه أو يقظته.
دائمًا يقاتل ويقتُل.
الطعام كان داخل علب تم غرسها في جثث هذه الوحوش، بعض الأطعمة مسمومة وبعضها صحي.
عندما لا يبقى شيء لفعله، يغط في النوم العميق.
ثم يستيقظ، وجسده المصاب تم شفاؤه قليلاً.
كان الأطباء من يفعل ذلك كل مرة، بحسب قيمة أداءه، يكون الشفاء أفضل.
هكذا يمضي الوقت.
مر أسبوع.
جلس الصبي يهمهم، ينتظر الرجل حتّى يأتي.
لكن مهما مضى الوقت، لم يأتي أبدًا.
هكذا مر اليوم، لم يأتي خبر عنه أو حتّى مدرب آخر للتهكم.
كان مجرد مضي الوقت بلا معنى.
لم يحتج الفتى كثيرًا من التفكير ليفهم.
كان هناك إحتمالان، تم نقل الرجل إلى مكان آخر، أو تم إغتياله.
بدون الحصول على جواب، مضت الأيام، وعايش الصبي شهرًا من نفس الروتين الممل.
عندما أتى يومٌ جديد، تم إحضار شخصٍ آخر.
كان رجل وسيم ويحمل نظرة حاقدة.
كانت ذراعه المشدودة على سيفه ترتجف، كما لو كان يمنع نفسه بالكاد من سحب النصل وقطع الصبي.
عندما رآه، فهم الصبي أن الخيار الثاني أكثر ترجيحًا، مما جعله يشعر ببعض خيبة الأمل.
“ هاي، أنت ”
حدق الرجل في الصبي الذي نادى عليه.
“ المدرب الذي كان يأتي في السابق، لماذا لا يأتي؟ ”
لما علي إخبارك؟
أراد المدرب قول ذلك، لكن الأوامر تقضي على إجابة جميع أسئلة الصبي.
“ لقد مات، لا يمكنني قول أكثر ”
“ هكذا إذًا؟ ”
إبتسم الصبي بإشراق.
“ هل تعرف؟ ”
إصطكّت أسنان المدرب عند هذه الإبتسامة الملعونة، لكنه حاول التحمل.
ساعة … مجرد ساعة ويمكنه المغادرة.
يجب أن يتحمل هذه الرغبة المشوهة.
لا، ليس بعد، لا يجب تحطيمه بعد.
كسر الصبي، تشويه عقله وجعله يدخل اليأس، لم يحن وقت ذلك بعد.
جعله دمية فارغة، تحطيم عالمه، ليبقى فقط جسدًا أجوف، لكن يجب أن لا يموت.
لذلك، أبقى نفسه يحدق في الصبي فقط.
“ أيها المدرب، ذاك العجوز، أنا لم أعرف إسمه يومًا ”
“ لا تتحدث عن أشياء لا تستحق معرفتها، أنت مجرد أداة، وسيلة نستخدمها لتحقيق هدفنا، اِعرِف مكانك وإبقى صامتًا ”
حدق فيه الصبي قليلاً قبل التنهد.
“ مثير للشفقة، ممل وضعيف ”
كلماته أثارت كراهية المدرب أكثر، لكنه لم يستطع فعل شيء أمام الأوامر.
تمدد الصبي قليلاً، هكذا هو الأمر في العادة، لذا لا يجب عليه التفاجؤ.
“ أنا بحق ”
حدقَ في السماء البيضاء، كما أصبح تعبيره باردًا.
“ أنا أكرهكم آجمعين، إني لأكرهكم أيّما كره، يا أبناء العاهرات ”
وفي مرج العقوبة، منذ ذاك اليوم، لم يتحدث الصبي أبدًا.
شخص آخر ترك الصبي.
منذ وقتٍ طويل، وحتّى الآن.
هكذا كان الأمر دائمًا.
ــــــــــــــــــ
ووش ~
نسيم الهواء لامس بشرة الفتى الشاب بلطف، ولم يسعه سوى الإستنشاق بإبتسامة.
كانت السفينة الضخمة متضررة، لكن ليس لدرجة الغرق في البحر.
أمام الشاب كانت الوجهة، التي هي جزيرة ضخمة.
عيون الشاب كانت حمراء، قاتمة بلون الدم، وشعره حالك السواد كالظلمة.
بشرته السمراء قليلاً كانت واضحة، مما يجعل من يراه يدرك أنه لم يكن نبيلاً، إذ تميز هؤلاء ببياض بشرتهم النقية.
“ جزيرة القمر، المكان الذي لا يتشابك مع الدول الأخرى أو لهم خاضعٌ، يا من بنوا أكاديمية تقبل الجميع، يا من سنّوا قوانينهم الخاصة، إن سيادتي لكم قادمٌ، فبمجيئي حانت ساعة حركة الزمن نحو مجراه ”
زي الطالب الذي إرتداه حكى عن سبب ركوبه هذه السفينة.
كان متجهًا للتسجيل في أكاديمية هذه الجزيرة، التي بقي إسمها منذ تأسيسها بلا تغيّر: أكاديمية ضوء القمر.
“ بالطبع، ليس هناك ما يمكنني تعلمه من مجرد مؤسسة تعليمية، ولم يكن هدفي تعلم شيء من هناك حقًا ”
بالنسبة له، كان أقصى ما يمكنهم تعليمه مجرد بعض أشياء عن عادات قبائلهم وتاريخهم، حتّى هذا يمكن تعلمه ببعض الجهد الفردي.
على أي حال، بعد المرور بعاصفة كارثية، نجى جميع الركاب.
في السطح، لم يكن هناك سوى الشاب، البقية كانوا في الداخل، سواء بسبب الرعب أو الإحتياط، لم يكن مهمًا.
مثلما كان محاربوا الإيغو أقوياء، كانت للكوارث الطبيعية قوتها الهائلة، ولم تكن مجرد كوارث بسيطة.
بالنسبة لهذه العاصفة، يمكن القول، حتّى محارب القمر الرابع لم يستطع النجاة بدون التضحية بذراع أو إثنتين.
على أي حال، رغم الخطر، لم يقلق الشاب كثيرًا.
في أسوأ الأحوال، سوف يتعين عليه السباحة إلى شعابٍ مرجانيّة يعرفها بالقرب من هذه المنطقة ويقاتل الأسماك المتوحشة للوصول، لكنه أفضل من مواجهة تلك العاصفة.
باقي الركاب؟
حسنًا، لم يهتم كثيرًا بمصيرهم.
لم تتطور الأمور لتلك الدرجة رغم ذلك.
ومضت عيون الشاب بينما يتذكر شخصًا معينًا، الشعر الأبيض المميز والعيون الساحرة، تداخل البنفسجي والأزرق في تلك العيون لم يكن معتادًا بكل تأكيد.
لقد نجا الركاب لسببين: السفينة ذاتها، وقيادة شخص معين للجميع.
كانت السفينة الضخمة في الواقع إيغو، إيغو من نوع الدفاع على وجه التحديد، تتطلب موارد هائلة لتحريكها، ومتانة هذه السفينة إستحقّت ذلك البذخ.
لهذا بالضبط لم يكن القلق مستهلكًا للعقل لتلك الدرجة.
أما من قاد هؤلاء الناس جميعًا …
“ عفوًا؟ ”
صوتٌ عذب دخل آذان الشاب، فإذ به يحدق في المنادي.
“ يا؟ ”
أول ما أثار إهتمام الشاب هي تلك العيون الآسرة.
كان إندماج البنفسجي والأزرق في كل عين منظرًا بديعًا، كل رمشة تثيرها تنير بريق الرموش البيضاء قليلاً، ناهيك عن ضوء الأثير هذا.
إنها ذات شعر أبيض، يذكرنا بثلوج الشتاء الآخيرة، يتمايل مع نسيم الهواء العابر.
الإبتسامة الطفيفة جعلت اللوحة الفنية الباهرة مرضية للفنان، متوسلاً الحصول على فرصة لرسم أبهى إبداعاته لهذا المنظر الساحر.
كانت ملابس الفتاة أمام الشاب الجالس نفس ما يرتديه، لكن الزخرفات المتقنة للزي دلّت على مكانتها العالية.
هذه النقوش المبهرة صرخت حرفيًا: أنظروا إليّ أيها الفلاحون!
المكان الوحيد الذي يحمل هذه النقوش ويفتخر بها في القارة بأكملها كان من الإتجاه المعاكس لمسار السفينة.
“ إنها من الشرق، هذه العيون المميزة، لا شك أنها إبنة تلك العائلة التجارية ”
لم يتحدث الشاب، بل كان يحدق في الفتاة بإهتمام.
وبدلاً من الشعور بالغبطة وعدم الراحة، بادلته الفتاة نفس النظرات.
إذا أخذنا الشعور الناضح من الشاب بعين الإعتبار، كان هناك شيء يثير الحفيظة بشأنه.
تحديقه بتلك العيون القاتمة بدا ساخرًا، كما لو أن كل الأشياء لم تكن بتلك القيمة.
بدلاً من الإحتقار، كان الأمر أشبه بعدم الإهتمام.
لم تكن الفتاة متعجرفة تجاه نفسها، لكن مكانتها تسببت دائمًا في حفيظة الناس.
وكان الأمر معقولاً، إذا إقترب ملك دولةٍ ما منها، فسوف تجد نفسها تشعر بعدم الراحة بدورها.
لكن الشاب هنا لم يتغير تعبيره لتلك الدرجة، مجرد فضول بحت، لا أكثر.
“ ماذا تريدين؟ أيتها الصغيرة؟ ”
وفجأة قال الشاب بضحكة خفيفة.
… ماذا قال الآن؟
رمشت الفتاة قليلاً، تستفسر عن ما قاله بنظراتها.
لكنه لم يُجِب، وفي المقابل تنهدَت الفتاة، متجاوزة الصدمة الأولية.
إن الفتاة الشابة من الشخصيات المهمة في واحدة من الإمبراطوريات الشرقية، التي هي كايرو، وقد كانت إبنة عائلة تجارية كبيرة.
هذا يعني أنها من ذوي الدم الأزرق إلى حدٍّ بعيد.
على أي حال، كان هذا الشخص أمامها يرتدي نفس الزي المدرسي، لذا من المفترض أن يكونوا في نفس العمر، لذلك قوله أنها صغيرة لم يكن صحيحًا.
هل هو إستفزاز؟
لا، كانت نبرته خالية من أي سخرية أو محاولة لإفتعال مشكلة.
إذًا هذا يعني-
نقر!
“ اوتش! ”
“ أنتِ شاردة الذهن للغاية، أي هراء يمر في دماغكِ؟ ”
العبوس عبر شفتيها بطبيعة الحال، وكانت تتساءل أي نوعٍ من المعاملة يقوم بها هذا الشاب هذه لشخصٍ يلتقيه أول مرة.
“ … أليس هذا وقحًا قليلاً تجاه سيدة بريئة؟ ”
“ بالفعل ”
“ إذًا من الأفضل أن نتعامل بشكلٍ أفضل- ”
“ لكن أين هي؟ ”
“ ماذا؟ ”
“ السيدة، أنا لا أراها ”
“….”
“ على أي حال، أيتها الصغيرة، سررت بلقائك، لكن ماذا تريدين من سيادتي؟ رغم أنني لن ألومك، فخامتي ووسامتي تستحق المخاطرة لرؤيتها، بعد كل شيء! ”
“….”
الهراء الذي يبصقه تركها عاجزة عن الحديث.
“ بالمناسبة، إسمي ليون، ليون إيڤينوس ”
مع إبتسامة مشرقة، مدّ الشاب ليون يده.
من دون وعي، كانت الشابة تمدُّ يدها للمصافحة في المقابل.
ردّها كان متأخرًا بالكاد.
“ … ليليث كرونوس ”
الأمواج تناطحت بهدوء مع السفينة الضخمة، مما أعطى الأصوات المتصاعدة إيقاعًا هادئًا.
بقايا الرياح كانت تهمس بهدوء، قُبَيل إختفاء آثارها.
سلّطت الأضواء الخفيفة ظلالها على الشاب والشابة، كما لو كان العالم باهتًا بالمقارنة.
بعد رحلة الهلاك الوشيك، إنتهت صيحات اليأس، ولم يبقى سوى إدراكٌ صامت في القلوب.
شاهدين على فجرٍ جديد، فهم العقل وسعر به القلب.
لم يموتوا.
الشاب أسود الشعر إبتسم بهدوء تجاه بيضاء الشعر أمامه، بينما تومض عيونه القرمزية بإهتمام.
منذ الأزمان القديمة، حتّى الحاضر، ونحو المستقبل المجهول، كان الصراع دائمًا مبهمًا.
الأسرار الضبابية والحقائق الكاذبة بدأت تتصدع، مما يترك للفوضى سبيلها الكاسر.
“ دمٌ ثم دمٌ يتناثر كان شافيًا لـ غليلي، لسعي رغباتي العميقة، أمسٌ كان الكابوس لي مرشدًا، فاليوم القمر الأجوف هو دليلي ”
يا من كان أجوفًا منذ غابر الأزمان، أصمد وشاهد رحلتي، كسر أوهام العالم هو مرادي، لا ملجأ لأحدٍ أو أمان.
بعد نضال الأيام والأعوام، كان الشاب هنا، متجهًا لوطنه الجديد، حيث يعود الزمن الجامد إلى الحركة.
بعد ترك يد ليليث، استلقى ليون على أرضية السفينة.
“ يا، يا صغيرة، لدي سؤال، هل تكرهين الكابوس؟ ”
“ ما هذا السؤال العشوائي؟ ”
“ أجيبي بسرعة ”
تنهدت ليليث، لكنها فكرت قليلاً.
“ على حد علمي، لا يوجد من يحب الكوابيس، لذلك، إجابتي هي نعم ”
“ بالفعل ”
أغلق ليون عينيه مع إبتسامة طفيفة.
“ أنا في الواقع أحبهم ”
بطريقةٍ ما، منذ تلك الأيام، عاداتي تشكلت معًا لتخلق أسلوب حياتي.
وبدلاً من الاعتياد على عدم التأثر.
أصبحتُ منجذبًا للعالم القاتم.
ذلك جعلني أرغب في إختيار السير نحو ذاك الدرب.
لهذا السبب.
“ أنا أحب الكوابيس ”