الفصل 2: ها نحن نلتقي، أيها الإخوة (2).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المطر تساقط بغزارة، الأنقاض المُدمَّرة تساقطت بخفة، ولم يصمد في المكان شيء.
شييش!
جمرات الحريق الباقية أصدرت أصواتًا خافتة بينما تزول إثر قطرات المياه.
ولم يكن أحدٌ حيًا سوى طفلة صغيرة، مظهرها رَثٌّ بادٍ عليه الجفاء، تغسل الأمطار جسدها وتساقطت من الجروح دماء.
أمواتٌ هُم أموات، ما المكان سوى نهرٌ دماء.
فكرة عابرة بقيت في الدماغ، آبيةً الزوال.
كانت تحدق في الجثث المتناثرة، مع زوال آثار الدمار عندما لمستها نقاوة الأمطار.
أمٌ تحتضن طفلها الرضيع، حاميةً الطفل على سبيل حياتها، لكن الإثنان ماتوا معًا، وحتّىفي الموت حافظت الأم على دفئ طفلها.
عجوزٌ مات جالسًا أمام أنقاض بيته القديم، مانعًا العدو من لمس آخر بقايا عائلته التي سبقته في إغماض العيون.
فتاةٌ شابة ممسكة عصا طويلة حادة، جسدها الميت كان شبه راكع، لكن سلاحها الرَّثُّ أبقاها شامخة، الشجرة المحترقة ورائها إحتضنت ظهرها بلطف.
الشاب الذي مات واقفًا، جثث الحيوانات المتناثرة دليلٌ على أمجاده، بسببه بقي فردٌ واحد حيّا، لكن لم يكُن هناك سوى تعبيرٍ مرير على شفتيه.
أمواتٌ هُم أموات، حكاياتهم ذات عِبَر، لكن الأجساد باردة، ولم تعد أكثر من خواء.
لقد كافح الجميع، لقد تعاون الجميع.
مع ذلك، لم يبقى شيء.
لن يحزن أحدٌ على إختفائهم، لن يتذكر أحدٌ وجودهم يومًا، لن يهتم أحدٌ بكفاحهم، ولن يذكرهم أحدٌ بالخير.
لا جنازة لائقة أو أقرباء بقوا أحياء، حياتهم توقفت هنا.
أمواتٌ هُم أموات، سوف يُنسى وجودهم، لا إخاء أو صُحبة، فقط أسماءٌ منسية كما الغرباء.
أمواتٌ هُم أموات، عيون الأمل منطفئة، ما يُرَ منها إلا أحلامٌ جوفاء.
تدفقت الدموع من عيونها بلطف.
“ لماذا؟ ”
وقفَت الفتاة بصعوبة، ومشَت بجسدها الجريح المترنح بصعوبة.
فقط لماذا؟
كانت تكرههم جميعًا، لقد سببوا لها الأذى دائمًا، ونبذوها لأنها لم تشبه باقي الأطفال.
من كان أهلها وماذا حدث لهم، لم يخبرها أحد.
لا كراهية تجاه الأم والأب أو تهكّم، لم يتحدثوا عن والديها أبدًا، حتّى عندما سخروا منها.
ذلك جعل الطفلة تنسى أيضاً.
غريزة الحماية موجودة داخل الجميع، لن ينجوا المخلوقات الأضعف إلا عن طريق المخلوقات الأقوى.
من دون والدين، توجهت غرائز الطفلة نحو أهالي قريتها، وأرادت عطفهم، أن يحموها، أن لا يكرهوها.
وإن أمكن …
أن يحبوها أيضاً.
تمايل الجسد الهزيل تحت المطر بضعف، برقة، كما تجرف الرياح وردةً على حافة الجرف.
“ … آه ”
عندما فُتِحَت الجروح مرة أخرى، تأوّهَت بألم، لكن صرير أسنانها منعها من التركيز على ذلك.
تومض الذكريات مثل لمحة من الزمان.
- إيييك! إبتعدي! أيتها القذرة! أنا لن أجعل أطفالي يلمسون هذا الشيء!
- إنها بيضاء الشعر … أتذكرون ما قاله رئيس القرية؟ ذوي بياض الشعر ينقلون الأمراض.
- إيه؟ لماذا لا ننفيها إذًا؟
- أنت! إنها محضُ طفلة! ناهيك عن أن الحيوانات البرية تخاف من ذوي الشعر الأبيض، طالما لا يلمسها أحد، المرض لن يُقبِل علينا.
تهامس الكبار من بعيد، لكن لم يقترب منها أحد.
الأطفال خافوا أكثر من الرغبة في السخرية، لذلك قذفوها بالحِصي عندما لا يراهم أحد.
كراك!
الأيادي البيضاء متقرّحة للغاية، والألم شديد المرارة.
لكن الطفلة لم تهتم، إنتشلَت جثة الأم وطفلها وسحبتهما نحو كوخٍ لا زال سقفه ظليلاً، ولم يعد الجمر ساخنًا.
تصاعد البخار كما الضباب، مما جعل الرؤية غير واضحة.
مسحت الطفلة الدم الذي غطّى بصرها، بينما تُعيدُ جثةً أخرى.
شخصٌ واحد، شخصان، ثلاث أشخاص …
مضت الدقائق والساعات هكذا.
كانت مرتبكة حقًا.
لقد أمضت الأعوام وهي تحقد عليهم.
كراهيتها لم تكن كذبًا، كان ذلك مؤكدًا.
لكن لماذا يتحرك جسدها بمفرده؟
سواء أكلت الحيوانات بقايا أجسادهم، سواء تعفنت الجثث ولم يبقى منهم شيء.
يجب عليها أن لا تهتم.
لكن!
وجع القلب آبَى الزوال.
- يا! أيتها الشقية! خذي هذا الطعام! أنا لا أحتاجه!
عجوزٌ عنيد غير صادق، أعطاها الطعام بينما يتجنب النظر إليها.
- كيا~ لماذا أنتِ أجمل مني في هذه الملابس؟ مزعج! هذا مزعج! أنا لا أريد الفستان بعد الآن! أمي لن تقبل أن ألمسه على أي حال، هيهي!
إبنة أحد تُجّار القرية قالت بضحكة شريرة، كان الليل باردًا في ذاك الوقت.
- أنا سوف أصبح محارب إيغو، عندها حتّى الطاعون لن يخيف أهالي القرية! لن يسخر منها أحد!
- هاهاها، أنت أحمق، أحمق! هل أشخاصٌ بسطاء مثلنا يمكنهم أن يصبحوا محاربي إيغو؟ هذا حلم بعيد المنال، بدلاً من ذلك، لدي إبنة في سن الزواج، لنتحدث مع والدك عن ذلك…
- هذا العجوز الماكر، كل ما تريده هو إقامة مأدبة من أجل الأطفال، حسنًا! لنفعل ذلك!
قال الرجال الذين يراقبون الطفلة المتظاهرة بالنوم، وهم يراقبونها بأعين دافئة، أحدهم لفّها ببطانية.
- تسك تسك، علي الآن شراء بطانية جديد لحفيدي …
- إيي! هذه بطانيتك يا جدي!
- هذا الشرير! أن تفتري على عجوزٍ مثلي! يجب أن أعلمك بعض الأخلاق!
- لكنها الحقيقة- آآآآخ!
لقد كرهها الناس بسبب كلمات رئيس القرية.
لكن ذلك لم يكن كل شيء.
“ حمقى … أنتم جميعًا حمقى ”
إرتجف جسد الطفلة وهي تراقب الجثث تحت الكوخ.
لم يكن هناك مجرفة في المكان، وكان عليها الحفر بما لديها.
حفرَت بالعصي المكسورة، التربة المبللة سهّلَت على الفتاة الأمر.
عندما لم تساعد العصي على الحفر، فبالصخور، إن لم يكن بالصخور، فبالأيدي.
إحفرِ المكان، وإن نسيهم العالم، أنا لن أنسى.
كان الناس المختلفون يتعرّضون للتمييز دائمًا، وكرههم الآخرون.
كانت تلك حقيقة.
رغم ذلك، لم تكن حقيقة شاملة.
مثلما يمكن للشخص إيجاد من يكرهونه، سوف يجده من يحبونه بأنفسهم.
لا يمكن للمرء إستخراج العواطف، ولا يمكنه تحديد من يكره أو يحب.
كل ذلك يأتي طبيعيًا، كما يتدفق تيار النهر، كل شيء يأخذ مجراه كما هو.
كانت الفتاة مشاغبة دائمًا.
إفتعال المشاكل مع باقي الأطفال، الصراخ في الصباح لإيقاظ الجميع، والقيام بالمقالب.
لم تكن تلك مجرد وسيلة للتعبير عن الكراهية، لقد كان هناك عطش عميق للمودة في أفعالها.
الرغبة في أن يراها الآخرون ويعترفوا بوجودها.
حتّى لو كان الشخص محط كراهية الآخرين، فقد كان ذلك أفضل من برودة التجاهل.
أن لا يُعترف بوجودك، كما لو كنتَ نسمة رياحٍ عابرة، أن يهتم أحد سواء متَّ أو بقيتَ حيًا.
آنى لأي شخصٍ تحمّل هذا؟
كانت الطفلة بخير تجاه موقفهم تجاهها.
هي تكرههم، وهُم يكرهونها.
ذلك للأفضل، أليس كذلك؟
كراك! كراك!
الأيادي تدفقت منها الدماء، والجلد ينسلخ إثر حفر التراب.
بالنسبة لمجرد طفلة في العاشرة، كان هذا لا يحتمل.
“ لو تركتم ليليث وحدها … لما كان عليها الشعور بالألم هكذا ”
تمتمت الفتاة بصوتٍ مرتجف.
لو بقيت الأمور على حالها، هل لربما اختلف ما في قلبها؟
كان من بين هؤلاء القوم أشخاصٌ أحبوها، كان هناك من أطعموها وكسوها بالثياب، وفي الليالي الباردة تركوها تنام في البيوت الدافئة سرًا.
كان الجميع يعلم ذلك، لكن لن يشير أحدٌ إلى ذلك.
رئيس القرية مجرد عجوز، والرجل التاجر هو من يمتلك السلطة الحقيقية، إذا كان مولعًا بهذه الطفلة، من يجرؤ على إنتقاده؟
لكن لتجنب لمس كبرياء قائدهم، وإحداث فوضى بلا داعٍ، تم القيام بكل شيئٍ سرًا.
كانت الفتاة الصغيرة ليليث ذكية للغاية، وفهمت غريزيًا أن الحديث عن تصرفهم تجاهها سوف يؤدي إلى مشكلة.
بقي الحال هكذا دائمًا.
كان البعض يكرهها، وكان البعض يحبها.
بالأيدي المجروحة تم حمل جثة الطفل الرضيع، ومن ما بدا، لقد مات بسبب دخان اللهب، ولم تصب جثته بأذى.
“ أنا … ”
ارتجف جسدها وهي تدفن الطفل بعيونٍ دامعة.
أنا آسفة.
لم يكن عليها الاعتذار، لم يكن هناك سبب للاعتذار.
لكن … كانت تشعر بالعواطف المريرة تنهش فؤادها الصغير.
بخطى ثقيلة، إستدارت لتضع الجثة التالية في مكانها.
الليل قد إنتهى بالفعل، وكان ضوء الفجر يبزغ على المكان.
توقف المطر الغزير، والحطام المنثور كان أسودًا، ولم يبقى من تلك البيوت سوى الرماد.
أهالي هذه القرية أتى عليهم الفناء، كانوا مجرد أناسٍ بسطاء، عاشوا مكافحين للبقاء.
ومع ذلك لم يأتي في قلوبهم معنى اليأس، تركوا فتاتهم الصغيرة حية وقاموا بحمايتها، لكي تتطلع هي للعيش، ولكي يبقى في العالم شخصٌ يحزن عليهم بالرثاء.
تاك.
سقطت حفنة من التراب على جسد رجلٍ عجوز بلطف.
هكذا بدأت مراسم الدفن.
الرجل العجوز العنيد، الرجل الشاب الطموح، ابنة التاجر الطيب …
الأطفال الأشقياء الذين عاملوها بقسوة في حين، وعاملوها بأعمق حب العالم حينًا أخرى، النساء اللاتي علّمنها الكتابة والقراءة، الشاعر الثرثار الذي حكى لها عن العالم.
تدفقت الدموع مما جعل العيون ضبابية، لكنها مسحَتهم بهدوء.
لن أبكي.
أنا لن أبكي.
على الأقل أمام جثمانهم المدفون، أنا لن أبكي.
حفظَت وجوه كل شخص، تعابيرهم الأخيرة، وحفرت ذكريات مقابلتهم في دماغها.
“ أنا أكرهكم … ”
مع كل حفنة من التراب يتم إسقاطها، تتصاعد العواطف، لذلك عبّرت عنهم بالكلمات.
“ لقد كنتم من جعلوني أنام في البرد، أنتم من قالوا أنني مشؤومة، يا ليتكم لم تولدوا أبدًا! ”
أنا لم أكرهكم أبدًا.
“ لم تعطوني طعامًا للعيش، أنا أكرهكم ”
أنتم من أبقاني أعيش دائمًا، أنا أحبكم.
“ في الكَربِ كُنتُ أعيش، لما زِدتم من الخدوش جراح؟ أنا أكرهكم ”
عندما إعتقدتُ أن الحياة بلا معنى، إحتضنتموني، أنا أحبكم.
“ يا من ليس لهم دموعٌ أو دماء، أنا أكرهكم أيّما كره ”
حبي لكم لا يقاربه حب، يا من أناروا ليالي ظلمتي، إني أحبكم أيّما حب.
“ هذا مؤلم ”
سقطت الفتاة الصغيرة باكية، تعانق التراب بحزن عميق.
“ لماذا جعلتموني راغبة في العيش؟ ”
الآن لا أعرف ماذا أفعل.
“ لماذا أحببتم طفلة مثلي؟ ”
الآن لفقدانكم قلبي مُنفَطِرٌ.
“ إنّي لكم في الزمان كرهتُ، ولكن ما لبِثتُ زمنًا فإذ بي أحببتكم، وذلك لفؤادي الألم مسببٌ ”
يا أكره الناس لقلبي، يا أحب الناس لقلبي.
“ يا من كانوا الأعز عليّ في حياتي ”
وداعًا، وداعًا …
بلا لقاءٍ ثانٍ أبدًا.
أبدًا مرة أخرى.
وقفَت الصغيرة ليليث باستقامة، ومسحت دموعها للمرة الأخيرة.
إبتسامة مشرقة زيّنت وجهها.
“ ذكراكم ستبقى في قلبي، دائمًا وأبدّا، طوال رحلة حياتي، طوال العمر، لن أنساكم أبدًا ”
أمواتٌ هُم أموات، لكنني باقية، ما نسيتهم اليوم أو غدًا، حتّى نهاية أمد عيشي، في حزني وفرحي، لهم أعطي الرثاء.
وبتلك الكلمات، سقطَت فاقدة للوعي.
“ يا للأسف ”
في وعيها المنجرف، كانت تسمع صوت شخص.
كانت غير راغبة في فقدان الوعي، لكن كل الأحداث طوال الأسبوع الفائت وحتّى الآن تركها ضعيفة للغاية.
“ هكذا تنتهي قصتهم، إنها بلا معنى، باردة كالشتاء في قلوب شعوب العالم، لكن مثل أزهار البرقوق، رغم ذبولها، سوف يأتي الربيع على أحدهم يومًا ما ”
لكن لا ندري أبدًا، هكذا قسوة الحياة.
كان وجه الشخص ضبابي للغاية، ولم يكن معروفًا لها البتّة.
“ نسيان الماضي إلى حين الوقت الموعود، كما الهباء المنثور، تَذَكُّرُ الماضي حين يختفي القيد المحظور، جاهلين نحن بما يكمن في مستقبلنا، أناسٌ غرباء يلتقون وينفصلون، هكذا هي طبائع الأمور ”
يا طفلة الحلم الدائم، إن ثقل المستقبل غريبٌ للقلوب، لكن للجميع إرادتهم، اليوم نفترق، لكن في المستقبل نلتقي، عندها تترابط الدروب.
كل ما يمكن تذكره في بقايا وعيها الباقي لم يكن سوى إبتسامة طفيفة.
هكذا فقدَت وعيها، ساقطةً في النوم العميق.
ـــــــــــــــــــــــــ
الشعور الضبابي يستمر.
الحلم كان غريب، كما لو كانت الذكريات منفصلة عن الواقع، عجيب، عجيبٌ أمر هذا الحلم عجيب.
ترتجف الجفون كما تفتح العيون، وعندها يلاقي بصرها مع بصره.
“ يا عجب العجاب، إلى أي مدى أرهقتِ نفسكِ يا صغيرتنا؟ حتّى أنكِ سقطتِ مغشية عليكِ، نائمةً كما الرّحّالة المرهق في بلادٍ مغتربة ”
“ ماذا؟ ”
عادت البصيرة، وضوح الذهن المنجرف أضحى قويًا مرة أخرى، تفاجُؤٌ يتبعه تساؤل.
لم يجاوب الصبي الشاب، إبتسامته الغريبة على وجهه باقية.
“ … يبدوا أن الإرهاق خسف بي فإذ بالنوم يحتضنني ”
تمتمت ليليث بصوتها الغائر.
ذكريات غير مألوفة، وعاطفة غير واضحة.
الحلم الغريب لم يكن مألوفًا، لكنه ليس وقت ذلك الآن.
كانت على وشك الوصول إلى وجهتها، إن كان لها رغبةٌ في تحقيق ثروتها الخاصة، عليها التميّز في الأكاديمية التي هم مقبلون على دخولها.
ليس وقت الإرتباك بعد.
مبتلعةً عواطف عدم الإرتياح، حدّقَت في السماء الزرقاء.
“ إن مثل هذه الأيام نادرة بالفعل … ”
حيث لا تحجب الغيوم مناظر السماء المشرقة، جمالٌ يخطف النفوس وتهدأ معه القلوب.
ولم يسعها سوى أخذ نفَسٍ خفيف، متأمّلةً السماء، بينما يستريح رأسها في حضن الصبي الشاب.
“ بل على العكس ”
مدّ ليون يده اليسرى نحو الأعلى، بينما يناقض كلمات ليليث.
“ لطالما كانت السماء على هذا النحو، زرقاء، مشرقة، بهيّة ومهيبة، لكنها لا تبدوا كذلك دائمًا لأننا لا نراقب عن كثب ”
رغم كونها كلماتٍ بسيطة، حمل صوته جدية هائلة.
وجدت ليليث نفسها تفكر بعمق في كلامه، متذكرةً صورة ليون عندما كانت العاصفة الكارثية في أشدها.
بينما ينتشر الذعر والخوف، حيث حتّى أقوياء النفوس تسابقت عقولهم على إيجاد الحلول للنجاة، نامَ ليون وهو يبتسم، خالٍ من الهموم.
“ … أنتَ غريب ”
ضحكت ليليث قليلاً، تراقب غيمة وحيدة تتغير أشكالها.
“ أسمع هذا كثيرًا، لكن حكمكِ قاسٍ بعض الشيء ”
“ بالتأكيد ليس، من ينام قرير العين في أثناء كارثة؟ إمّا أحمقٌ ذاك المرء أو مجنونٌ غريب ”
“ حسنًا، سأتغاضى عن ذلك هذه المرة، لذا ارتاحي بقدر ما ترغبين، أعتقد أنه لن يسعكِ ذلك بعد بضع ساعات ”
“ تسك، الضرب حيث يؤلم، هاه؟ ”
انخفض مزاجها قليلاً عندما ذكّرها بما سيحدث عن قريب.
كونها قائدة طاقم السفينة أثناء الكارثة والمساهِمة الأكبر في نجاة الجميع، سوف يغدقها الآخرون بمحاسن الكلام عندما يختفي الذعر.
بطبيعة الحال، لن يسعها الراحة مثل الآن في ذلك الوقت، يمكن القول، كان حظها جميلاً لقدرتها على النوم، ولو قليلاً.
“ على أي حال، إنّي لفضوليةٌ عن ماهيّة ذاك البلد العجيب، جزيرة القمر أعني، يُقال أن لا شعبًا رائد لبلادهم ولا وليًا عنهم يحكم بينهم، أجناسٌ عديدة تقطن هناك، رغم التفرقة بينهم إلا أنهم منسجمون، أكاديمية ضوء القمر هي ملاذ تعلمهم، ما رأيك بذلك يا ليون؟ ”
“ كلامكِ طويل، لكني معكِ متفقٌ، سمعتُ أن أكاديميتهم لا تقبل سوى 300 طالب، ولديهم تقسيم طبقي للفئات، لا يقوم على المكانة أو السلالة، بشرٌ أو أنصاف بشر، لا يهم، المهارة فالمهارة، لا يُقبلُ منهم سوى القوي الشديد، أعتقد أنني أحب ذلك دون سواه ”
“ هل لأنكَ تكره العنصرية؟ ”
“ لا، لستُ مهتمًا بقضايا المساواة، الأمر ببساطة أنني أحب البيئات التنافسية ”
أعتقد أننا نتفق لأول مرة في شيء.
رغم أنها قالت تلك الكلمات في قلبها، إلا أن ليليث شعرت بنفس الشعور.
كان درب الإثنين منجذبًا نحو الجزيرة البعيدة، غير عالِمين حلفاء يصبحون هناك أم لا.
وهكذا مضى الوقت، لحظات السكينة القليلة تندمج مع خيالهم، مما ترك بسماتٍ طفيفة في الوجوه.
ـــــــــــــــــ
جزيرة القمر، في إحدى الغابات، الغابة الشمالية.
كراك!
“ عواء! ”
سقطت الشجرة بصوتٍ عالٍ وتمّ سحق جثة الذئب الجريح مع عويله البائس.
جثثٌ ورائها جثث، دماءٌ مخالطةٌ دماء.
البيئة المُدمَّرة شنيعة بلا لبس، الحشرات الصغيرة تأكل الجثث المتناثرة، مستغلةً الفرصة المحظوظة بعد جوعٍ مرير.
“ يا صاح، متى تنتهي التجهيزات حتّى؟ ”
صبي شاب بعيونٍ تشبه عيون النمر جلس فوق جثة ذئب ضخمٍ قليلاً.
ممسكًا بمنديل ويمسح الدم عن سيفه، اشتكى من شدة الملل.
“ أعرف أنّ هذا مزعج، لكن ليس لنا سوى الصبر، قال ليون أنه قريب من الجزيرة ”
الشخص الذي أجاب كان بنفس العمر، بعيونٍ بنفسجية وشعرٍ أبيض.
ذراعه كانت تُشرِّح جثة ذئب متوسط الحجم، بينما يحدق في الأجزاء الفاسدة من الجسد بعمق.
“ يا رجل ~ لا يمكن وصف شعوري الآن بالكلمات، لقد إنتهى الزمن المنسي بحق، أليس كذلك؟ ”
لا يمكن فهم عواطف الفرح داخل هذا الصوت الهادئ، لكن بدت الكلمات ثقيلة بحق، كما لو أن هموم العمر انزاحت عند نطقها.
الشخص المتحدث كان ذا عيون مختلفة الألوان، إحدى العيون خضراء لامعة، والعين الأخرى صفراء غامقة، التناقض غريب لكن متجانس.
“ هيا بنا، بعد فراق السنين، سوف نجتمع مرة أخرى ”
آخر شخصٍ جالس فوق الشجرة الساقطة بدأ بالمشي.
الشعر مع الريح متمايلٌ وذهبي، عيونه بنفس اللون لكنها بدت بركانية.
“ نعم، لنذهب ”
سووش!
شقّت الابتسامة وجوه الشباب الأربعة، تاركين خلفهم الخراب، فسادٌ أعاثوه هنا فتركوه.
في وطننا الجديد نلتقي يا أخانا، ماضٍ أجوف تركناه خلفنا، لكننا دائمًا مبتسمون.
من الأخطار نجونا، ضعفاءً بدأنا الدرب، فاليوم شديدي البأسِ أضحينا، يا أخانا زمننا المنسي يبدأ، جميعنا مستعدون.
ما نسينا الألم يومًا، كالوحوش الجريحة لعقنا جراحنا، وإنّا من العدو منتقمون.
اليوم بدأنا سيرنا، غدًا الأمطار تصبح دماء، دمائهم تشفي غليلنا، إما هم أم نحن، يجب أن يصحوا هَالِكُون.
ترنيمة الماضي المدفونة في القلب تم قولها أخيرًا، وعواطف الحزن الثقيلة تم تغطيتها بفرحة اللقاء.
هذه المرة بحق، أتى ذاك اليوم أخيرًا.
فاليوم هم الأخوة الخمسة، بعد فراق الزمن السحيق، في نهاية الشتاء يلتقون.