الفصل 4: ها نحن نلتقي، أيها الإخوة (4).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذا العالم فاسد، وما أضيعَ أن يجاهد المرء ذاته في سبيل النقاء بينما كل ما حوله نجاسة.
عايش لوكاس تلك الحقيقة منذ شبابه، لكنه لم يعكف أن يمسي قذرًا كما الأجوف، بلا بوصلة نور تُدَارِكُ دربه.
على الأقل من أجل زوجته وابنته، لم يستطع الإستسلام.
لذلك ورغم قسوة العالم، ثابر لوكاس كي تبتسم عائلته بإشراق.
في أيام الشباب عندما كانت زوجته حاملاً، أتى قطاع طرق وهددوه بقتلها إن لم يعطيهم فدية، كان لوكاس مزارعًا وقتها، ومن دون تردد أعطاهم محصول ذاك العام من ثروته ثم عقد معهم صفقة.
يجاهد الجميع لكسب قوت عيشهم، فما أجمل في الدنيا من مكسبٍ خفيف المجهود كثير الربح؟
إن كان المرء ذكيًا، لما يصبح قاطع طريق أصلاً؟
من الواضح أن هؤلاء الحمقى لا يجيدون كسب المال، إستغل لوكاس ذلك وعرض عليهم دفع مبالغ مالية منتظمة مقابل حمايته هو وعائلته.
الحياة صعبة، الجميع يعاني من أجل البقاء بالفعل، طالما هناك سبيل عيش أسهل، من سيرفض؟
بدلاً من المخاطرة بالقتال والسرقة ثم الموت كالكلاب، بدى كلام المزارع مغريًا بالنسبة لهؤلاء اللصوص.
مع تغير تدفق أفكارهم، مضت الأمور كما توقعها لوكاس.
“ لقد كسبت بعض الوقت لنفسي وزوجتي، لكن ما يلبث السارق وقتًا في الرخاء إلا وينتشي فإذ به يرفض ما دونه، سوف يزداد جشعهم مع الوقت، عليّ إكتساب القوة أثناء ذلك! ”
وبقيت الحقيقة المطلقة بلا تغيير، القوة دائمًا هي الحل.
بعد أيام من التَّفَكُّر والقلق العميق، وجد لوكاس ضالته.
أن يصبح محارب إيغو، وذلك يعني أن يقوم بمراسم اليقظة.
الوسيلة الأكثر شيوعًا هي الإنضمام إلى أحد التحالفات العديدة في هذه الجزيرة ودفع مبلغ طائل من أجل فرصة ضئيلة في النجاح، نسبة الموت أو الجنون هائلة.
لكنه لم يرغب في الإنجراف نحو تلك الغابة الوحشية كالأحمق، مجرد شخصٍ بسيط مثله، كيف لن يستخدموه كبيدق؟
يجب العثور على وسيلة للحصول على القوة، لكن من دون التقيد بالآخرين أيضًا …
وكان ذلك صعبًا.
للأسف، لو كان أصغر في العمر وقتها …
الحل الأفضل لم يكن سوى محاولة الإنضمام إلى أكاديمية ضوء القمر، لكن لم يتم قبول الأشخاص فوق سن العشرين.
لذلك تم شطب ذاك الخيار من القائمة.
وكان الخيار الوحيد هو بناء فصيله الخاص، مما يجعله بيدقًا مفيدًا ولا يمكن رميه، وبعد أن يرسخ نفسه يمكنه الإبتعاد عن التشابكات طالما لا يهدد فوائد أي شخص.
“ … ليس لدي خيارات، لحسن الحظ، يمكنني الإستثمار بعملي كمزارع وإستخدام هؤلاء الهمج الذين يحمونني مؤقتًا، لدي المبادرة! ”
لوكاس، لا تيأس!
بعد مرور الأشهر، في سبيل القوة كَابَدَ لوكاس الشقاء، ذاق قرابة الموت وشعر به بجسده لكنه نجى.
أصبح محارب إيغو، وبعد الصراعات العديدة بنى لنفسه قرية بسيطة.
وكانت تلك قرية الرمل الأسود، بطبيعة الحال، كان هناك بعض الفساد والنقاء هنا وهناك، لكنها لم تكن حياة سيئة لتلك الدرجة.
الآن هو في القمر الثاني بالفعل، قوي بما يكفي لحماية قريته، بعيدًا عن التحالفات والصراعات السياسية.
إن إستثنينا هجمات الوحوش الروتينية، الصراعات مع قرية البحيرة البيضاء، ليالي البدر الأجوف التي يصبح فيها بعض الناس مجانين، والكوارث الطبيعية بعض الأحيان، كان كل شيئٍ بخير.
“ لقد عشتُ بنقاء كرئيس لشعبي، نسبة العبودية في قريتي هي الأقل، لم يكن هناك بلطجة حتّى، أحببتُ زوجتي ولم ترَ عيوني سواها … إذًا لماذا؟ ”
لماذا تحبني المشاكل لتلك الدرجة!
كادت دموع لوكاس أن تفيض، بينما يراقب الشاب أحمر العينين أمامه.
أيها الوغد الفاسق، ما العداوة بيننا حتّى! أرجوك قل!
وعلى خلاف أفكاره، كان يبتسم بِوِدٍّ متقن، رغم أنه لم يلاحظ إرتجاف عيونه، لا، لم يرغب حتّى في أن يلاحظ.
“ يا سيدي الشاب— ”
“ سيدي الشاب؟ هاهاها، أبي، أنت مضحك بالتأكيد! منذ متى هناك هذه الرسمية بيننا! ”
ضحك الشاب أمامه بحرارة كما لو كان يجد كلماته مضحكة.
“ لكنك لست— ”
“ أبي؟ ”
“ أسف على وقاحتي لكن— ”
“ أبي ”
إبتسامة مشرقة تنسج نفسها في وجه الشاب.
“…..”
لكن تلك النظرات …
كيف بحق خالق الجحيم يمكن للمرء إصدار رغبة القتل لتلك الدرجة؟
شعر لوكاس أن عداد عمره ينقص فجأة.
“ كن مرتاحًا للحديث كما ترغب، يا أبي ”
عليك اللعنة! كيف يمكنني ذلك بينما تنظر إلي هكذا! هاه! أتمنى أن تموت وحيدًا بلا عائلة أيها الفاسق!
بالطبع، لم يجرؤ لوكاس على ترجمة أفكاره إلى كلمات.
“ حسنًا، بعيدًا عن المزاح، يا سيد قرية الرمل الأسود، نحن في فترة مهمة الآن، لذا لن أبصق الهراء، كن الوصي الرسمي في دخولي للأكاديمية ”
بينما يشرب كوب الماء البارد، توجهت عيون الشاب أحمر العينين إلى أحد نوافذ المكتب، وهناك كانت تجلس امرأة.
رفرف شعرها الفضي الشاحب بينما يتساقط الثلج فوق مظلتها بهدوء، وبدلاً من الوقوف، على كرسيٍّ ذا عجلاتٍ هي جالسة.
وبينما دَندَنَت ببهجة، مشّطَت شعر فتاةٍ شابة تشابهها في المظهر.
هدوءٌ دافئ يناقض الصخب البارد من حولهم.
تبرعمت إبتسامة طفيفة على وجه لوكاس قبل أن ينتابه شعورٌ مرير.
“ لديك عائلة تستحق الحماية بالفعل ”
وكما قال الشاب ليون ذلك بإبتسامة، عكست عيونه معنى تلك الكلمات.
“ أنت … ”
إصطكّت أسنان لوكاس من الغضب بينما يحاول قمع رغبة القتل بداخله.
فقط لو أنه لم يكن أضعف من الشاب أمامه …
“ هاهاها، ليس عليك الخوف لتلك الدرجة، طالما تتبع كلامي، لن تحدث المآسي، إنه فوز لك من الناحية التقنية، صحيح؟ ”
نعم، دعني آتي وأهددك يومًا ما، لنرى إن كنتَ ستبصق هذا الهراء وقتها.
لم يتلقى ليون سوى عيون باردة.
“ فقط قل بصراحة، من أسأتُ إليه؟ الشرق أم الغرب؟ صحيح أنني رفضتُ دعوة طبيبة الهائم الشاحب، لكنني لم أنضم إلى الشيطان المجنون أيضًا، لذا القوات المنقسمة هناك لن تتدخل مع مجرد حصاةٍ مثلي، إذًا من أنت؟ ”
رغم أنه كان في موقف صعب، لم تتضائل برودة صوت لوكاس بينما يسأل.
من المستحيل أن يرسل أحدٌ شخصًا بقوة هذا الشاب من أجل مجرد قمرٍ ثانٍ مثله، لذلك هناك العديد من الأمور العشوائية هنا.
“ ليس هذا أو ذاك، ومن الواضح أن هؤلاء الحمقى في قرية البحيرة البيضاء لن يستطيعوا ذلك، ما رأيك يا لوكاس؟ ”
من أنا؟
بطريقةٍ ما، رغم أن الموقف جاد للغاية، كان لوكاس يشعر بالإنزعاج من أسلوب هذا الشاب في الكلام.
أنا أكافح هنا لإنقاذ عائلتي، هذا اللعين هنا يلعب الألغاز …
رائع، فقط رائع!
عندما كاد لوكاس يبصق شتيمة، قاطعه ليون.
“ رأس زعيم قرية البحيرة البيضاء ”
“ … ماذا؟ ”
لوكاس لم يفهم.
“ إن إمتثلتَ لطلبي، سوف أعطيك رأسه، بل وحتّى حماية قريتك ضد المدّ الوحشي القادم ”
“ ماذا؟ ”
لوكاس لم يفهم مرة أخرى.
“ أيها العجوز اللعين، إستمع عندما يتحدث إليك شخصٌ ما! ”
بدأت شتائم ليون تلوح في الأفق أيضًا، مما زاد إرتباك لوكاس.
“ ماذا؟ ”
مازال عقل لوكاس يحاول الفهم.
رأس زعيم قرية البحيرة البيضاء وحماية ضد المدّ الوحشي القادم …
بدا الأمر مثاليًا للغاية في الواقع.
هكذا يمكن توسيع مجال سيطرتهم على الحدود مع الغابة، مما يزيد من الموارد الإقتصادية والقوة السياسية أيضًا، ناهيك عن توفير القوة العاملة.
بالطبع، مع زيادة الموارد تزيد المخاطر، ذلك لا لِبس فيه.
سوف يأتي الناس الجشعون، مما يستوجب قطع الأجزاء الفاسدة، يجب إعادة توزيع المناصب وسَنُّ قوانين أكثر إحاكمًا.
ناهيك عن توزيع الفوائد وتحديد عدد السكان بدقة كي لا تزيد معدلات الجوع …
لكن في المقابل، زيادة القوة تعني أمانًا أكثر ضد الوحوش والبشر على حدٍّ سواء.
هذا وحده يستحق المخاطرة.
حتّى أن لوكاس كان يتفكّر منذ مدة في كيفية طمس قرية البحيرة البيضاء من أجل التفرّغ للحماية ضد موجة الوحوش القادمة.
لكن ماذا يقول هذا الشخص الآن؟
حَلُّ كل ذلك، وبل أكثر ضمان إنتقال سلطة العدو إليه؟
بالطبع لن يفهم!
لو لم يكن هذا اللعين قويًا، لَبَصَقَ على وجهه وقام بطرده من المكان فورًا!
تنهد ليون قليلاً، لكنه إبتسم فجأة.
“ أبي ~ ”
“ أنا أفهم ما تقول، هزيمة العدو وحماية القرية، أفهم، لذا توقف عن قول هذا بهذا الصوت اللعين أرجوك! ”
كانت محاولة فهم كل ذلك أسهل بألف مرة من أن يسمع كلمة “أبي” من ذاك الفم الفاسد.
“ لذا، هل أنت موافق؟ ”
“ دعني أفكر … ”
لم يتعجل لوكاس للموافقة.
على أي حال، بدا الوضع مثاليًا للغاية، وبدا من الغباء رفض كلمات شخصٍ يمكنه قطع رأسه وذبح قريته على أي حال.
لكن لم تكن المشكلة التي جعلته يتردد بسيطة.
“ أنت … ”
بدا وجه ليون عابسًا.
“ أخائفٌ من دخول دائرة الصراع وتشابكها؟ ”
ضرب ليون الوتر الحساس مباشرةً.
لإحقاق الحق، كانت أكبر مخاوف لوكاس هي الإنجراف داخل صراع السلطة الدموي في هذه الجزيرة.
الشمال، الجنوب، الشرق ثم الغرب، رغم التقسيم الواضح للسلطة، لم تكن العلاقات بين أصحاب القوى بتلك البساطة.
كما يقول المثل، لا يوجد عدو أبدي أو حليف أبدي، وكانت الفوائد فقط ما يبقى.
مدفوعين بالرغبة في النجاة، القوة، ربما العائلة أو الطموح، لن يكون هناك للناس خيارات سوى الصراع.
عندما يكون هناك مجموعات، هناك تفاهم، وحيث هناك تفاهم، هناك دائمًا خلاف، هكذا ينشأ الحلفاء والأعداء.
حتّى تحت مسميات مثل الوطن والمآخاة، عندما يأتي الخطر، سوف يتخلى الجميع عن بصق الهراء.
هذه الحقائق لم تخفى عن لوكاس، ولم يغلق عيونه عن ذلك، لقد فهم بعمق مدى تعقيد العلاقات البشرية.
“ رغم أنني أفهم مخاوفك، إلا أن الإبتعاد لن يجدي ”
عندما رآه ليوم يتأمل بعمق، هز رأسه كما راقبت عيونه التموج في مياه الكوب.
“ لقد بدأت التموجات بالفعل، وليست سوى مسألة وقت قبل أن تتصاعد الأمواج وتبتلع المنازل ”
بطبيعة الحال، لن يحدث شيئٌ عندما يسجل ليون نفسه كأحد سكان هذه القرية.
على الأقل في البداية، هذا هو.
المشاكل تقبع بعد ذلك، فهم لوكاس أن هذا الشاب قوي، قوي بجنون.
كيف عرف لوكاس ذلك؟
عندما قام هذا اللعين بكسر الجدار، قام بطريقةٍ ما بتوصيل الصدمة إلى قلب الجوهر خاصته، مما جعل جسده يصاب.
كان المنطق وراء ذلك بسيطًا، لم يكن من الممكن الحفاظ على قوة الجدار كما هي من دون ضخ مستمر لطاقة الجوهر، لكن لم يكن لدى لوكاس خزان مستمر، إذًا ماذا فعل؟
ببساطة، ترك بقايا إرادته في الطاقة القليلة داخل الجدار، مما يجعله مدركًا للأوضاع قليلاً حتّى عندما يكون داخل مكتبه.
عندما يتضرر الجدار، سوف يشعر لوكاس بوخز ضعيف للغاية.
كان هذا الرابط بين الإرادة الباقية، طاقة الجوهر الخفيفة والإيغو.
أن يتتبع المرء ذاك الخيط المُوَصِّل في طاقة الجوهر ثم يضاعف تأثير الضرر؟
ما لم يكن الشخص قويًا بجنون، أو على الأقل أقوى من العدو، كان ذلك مستحيلاً.
حتّى أن هذا الشاب لم يحطم الجدار بالكامل، بل فقط منطقة واحدة، لكنه أصابه إصاباتٍ بالغة بالفعل.
إذا دخل مثل هذا الشخص إلى الأكاديمية، من الواضح ما هي النتيجة، لم يكن أمام الشباب المقبلين على بداية دربهم أي فرصة!
أن يسجل مثل هذا العبقري المعجزة في إمتحانات الدخول كأحد أهالي هذه القرية، من لن يشعر بالفخر؟
كان ذلك صحيحًا بالتأكيد …
“ أنا آسف يا سيدي الشاب، لكنني مسدود السيقان والأيدي، إذا تم تصنيفك كأحد أفراد شعبي، يمكن للقوى المجاورة ببساطة إستغلال ذلك للمطالبة بك كأحد ممتلكاتهم وفي نفس الوقت إلتهام بلدي، وفي أسوأ الأحوال قتل الجميع كي تبقى أنت بلا إنتماء ”
كان هناك العديد من المخاطر في دخول هذا الصراع …
“ هل هذا اللعين هنا يمزح؟ ”
كان تعبير لوكاس مريرًا عندما أيقظه صوت ليون البارد.
“ إلتهام؟ قتل؟ همف، آأحمقٌ تظنني أم سفيهٌ أصابه العمى؟ من المفترض أنك تعلم بالفعل، كانت قرية البحيرة البيضاء تتواصل مع طائفة الصقيع الأحمر منذ فترة، هذا وتتقدم العلاقات على قدمٍ وساق، لن تمر فترة قبل أن يتم إرسال شيخ من الطائفة للسيطرة على المكان ”
عندما ترى طائفة معادية لطائفة الصقيع الأحمر ذلك، ماذا سيحدث؟
الجواب ألمع من صلعة الحارس الأكبر الذي صفعه ليون سابقًا.
سوف تحاول تلك الطائفة السيطرة على قرية الرمل الأسود، سواء بالفوائد أو التهديد، لا يهم، طالما يعني ذلك تقويض سلطة طائفة الصقيع الأحمر، ما الذي يهم؟
الأهم هو الحفاظ على الأرباح-
لا! التوازن! أهم شيء هو الحفاظ على التوازن بين القوى لحفظ السلام!
كانت طائفة الصقيع الأحمر وقحة للغاية، أن يكسروا التوازن من أجل مجرد موارد إضافية، هذا لا يختلف عن كونهم لصوصًا!
كان لدى العديد من القوى المجاورة هذا العذر المناسب للتدخل في الوضع.
“ بالطبع، ذلك ما سيحصل لولا تدخلي ”
لم يكن ليون ساذجًا، مجيئه إلى هنا من بين جميع الأماكن لم يكن صدفة.
شائعات إمتلاك لوكاس لإبنٍ غير شرعي؟
كان ذلك مجرد إعدادٍ قام به ليون قبل أن يأتي حتّى، ذلك لتسريع الأمور بدلاً من العبث بلا معنى.
بطبيعة الحال، ذلك يعني أن هناك قيمة ما في هذه القرية الصغيرة، قيمة لا يدركها الآخرون.
لم يكن على وشك إعطاء الآخرين ما هو له.
“ الغرب متوتر بالفعل، الشيطان المجنون وطبيبة الهائم الشاحب على وشك النزاع، الشرق بعيد وليس لديكم قواسم مشتركة، الشمال مقبلٌ على دخول حربٍ داخلية، أما الجنوب؟ إنهم في نزاع بالفعل، ماذا يمكنك فعله؟ هاه؟ ”
بام!
ضربت يد ليون الطاولة، مما جعل لوكاس يجفل.
طفلٌ يتحدث كعجوز وعجوز يستمع كطفل، ذلك بالفعل …
على أي حال!
“ لا شيء! لا يمكنك فعل أي شيء! كل ذاك الكفاح طوال سنوات على وشك الإختفاء، كل ذلك بسبب ترددك التافه! قريتك، عائلتك وحتّى حياتك! الخوف؟ من تمازح؟ أيجب أن أعفيك من ذلك وأقتلك بالفعل؟ أيها الوغد العجوز الأعمى! ”
كان توبيخ ليون القاسي يتصاعد بشدة.
أغمض لوكاس عينيه بتعبيرٍ مرير للغاية، ولم يدحض أي كلمات، لأن ما قاله ليون هو ما توصل إليه هو بنفسه.
في أسوأ الأحوال كان ينضم إلى فصيل الأكاديمية الذي يستوجب الولاء الكامل …
لكنه أفضل من الإنضمام إلى الآخرين.
ومع ذلك، ها قد أتى شخصٌ غريب، شديد البأس صغير العمر، ورغم وقاحته، رجيح العقل فاهمٌ للأوضاع.
“ … أنا عالقٌ بالفعل، هل تعتقد أنني لا أدري ذلك؟ أنا مدركٌ بالفعل! اللعنة! لكن لدي عائلة! لتذهب سلطتي وحتّى قريتي إلى الجحيم! يمكنني دائمًا البدأ من الصفر، أما عائلتي؟ ”
إرتجف جسد لوكاس من الغضب، المرارة، والعجز.
لقد عرف لأي مدى كان عاجزًا، وهذا آلمه للغاية.
“ إن فقدتهم، هل يمكنني إستبدالهم؟ هل يمكن لثروة العالم تعويضهم؟ لا! حتّى منصب قائد تحالف القمر الأزرق مجرد ضرطة بلا معنى إن لم تكن زوجتي وطفلتي أحياء! أفضل أن أقتل نفسي على أن أعيش هكذا! ”
“ كل ليلة منذ بداية هذه المشكلة أصابُ بالأرق، في بعض الليالي، أسمع همسات، ماذا لو ماتوا، قراراتك سوف تحدد مصيرهم، ماذا لو أنك إتخذتَ أسوأ خيار؟ في المنام أرى صورة زوجتي وطفلتي مغطيان بالدماء، ولا يسعني سوى البكاء، نعم البكاء من العجز! ”
ماذا يمكنني أن أفعل؟
أنا عاجز، أنا!
“ هووف … هووف … سعال! ”
كما لو كان قد إنتهى من ضخ ما في قلبه، تنهد لوكاس بحسرة وقام بالسعال، مستشعرًا فمه الجاف.
“ تفضل ”
ليون، الذي قدم له كوب الماء البارد، بدا شكله بعيدًا عن البرودة ورغبة القتل السابقة.
ذلك جعله مرعبًا أكثر حتّى.
غلوب! غلوب!
مع إبتلاع الماء في جرعة واحدة، تنفس لوكاس الصعداء.
“ … حسنًا ”
تمتم لوكاس بتعبيرٍ داكن.
“ ماذا؟ ”
“ قلتُ أنني أوافق! عليك اللعنة! ”
“ إهدأ أيها العجوز ”
“ لستُ عجوزًا أيها الوغد، مازلتُ في الأربعينات! ”
“ ماذا؟ بجدية؟ ”
“ هل تراني أمزح؟ ”
حدق لوكاس به بإتزعاج قليلاً، مما يؤكد أنه جاد.
“ اللعنة، أنت لست عجوزًا، بل قطعة أثرية عفى عليها الزمن ”
كان تعبير ليون جادًا.
“ أيها الوغد الفاسق … ”
بينما كان لوكاس يشتمه، إبتسامة غريبة شقت دربها نحو وجه ليون.
كما لو أن كل ما حدث متوقع بالفعل.
“ على أي حال، بما أننا إنتهينا، فقد حان دوري ”
“ عن ماذا تتحدث … ”
“ اوه هيا! لا تقل أنك نسيت ما تعنيه الصفقات بالفعل أيها العجوز! ” كان على وجه ليون إبتسامة مشرقة.
شعر لوكاس بعدم الإرتياح عندما رأى تعبير الشاب المنير …
“ هذا! ” رسم إصبع السبابة والإبهام دائرة في الهواء: “ أنا أعني هذا! كيف يمكنك أن تكون بلا ضمير ولا تعطيني مستحقاتي؟ أعرف أن الكبير لوكاس ليس شخصًا تافهًا! ”
“….”
ومع إبقاء الدائرة كما هي، ضحك ليون بحرارة.
“ إرفق … إرفق بي لو سمحت … ”
كانت الإبتسامة على وجه الشاب تزيد إكتئاب لوكاس.
“ مستحيل! أنا لستُ بلا ضمير لتلك الدرجة! لا تشكك في صدقي! ”
ومع قول ليون لذلك، بدأ بذكر شروطه.
بعد مرور ساعة …
خرج شاب ورجل وسيم في منتصف العمر من القصر.
وكان التباين بين تعابيرهم كالأرض والسماء.
كان وجه ليون منعشًا كما لو أنه حصل على أفضل عناية بالبشرة في العالم.
أمَّا لوكاس …
“ … أقتلني … هاها … فقط أقتلني بالفعل … ”
سقطت الدموع بلطف من عينه اليمنى.
حقوق إعطاء الأوامر والسيطرة على الموارد والمراكز، وحتّى نسبة 50% من جميع الضرائب المفروضة.
لو كان هذا كل شيء، فلا بأس، لكن أن يجفف حتّى خزينة القرية بلا ضمير …
شعر لوكاس بنزيف قلبه كما لم يحدث من قبل.
“ سوف نموت فقراء … لن يبقى لي أو لعائلتي منزل يأوينا … كل ذلك بسبب شيطانٍ لعين أتى علينا ”
هل فات الأوان على التعاون مع أحد الفصائل الأخرى؟
على الأقل، لن يسرقوه علنًا كما فعل هذا الوغد الشرير …
“ إيي! ما هذه الدراما، حتّى أنني أبقيتُ لك الإيغو خاصتك وقصرك، هل تعرف لأي مدى يؤلمني التخلي عن قصري لك من أجل أن لا تبقى أنت وعائلتك في الشارع؟ هذا الوغد الجاحد! ”
عند رؤية تعبير ليون الصادق، كما لو أن كلماته كانت صادقة، تصاعد غضب لوكاس.
منزلك؟
حتّى السارق لديه بعض الحيّاء! حتّى السارق!
أرجوكم، ضربة! فقط ضربة واحدة تكفي!
عندها سأموت مرتاحًا!
مع معرفته بأن تلك الأمنية لن تتحقق، تنهد لوكاس الصعداء أخيرًا.
رغم أنه شعر بالإحباط، الغضب والرغبة في قتل شخصٍ ما منذ فترة … إلا أنه لم يشعر بالندم.
يبدوا أن المثل القائل؛ لا يثقل القلوب أكثر من المشاكل سوى العواطف المحبوسة قبل دخولها، كان صحيحًا بعد كل شيء.
بكل تأكيد، بعد سكب عواطفه وركوب القارب بالفعل، شعر بأن الهم قد إنزاح عن قلبه.
ربما كان ما فعله ليون متعمدًا لجعله ينسى همه …
“ على أي حال، ننسى مدى لطفي اليوم في الصفقة … مازال رفاقي في الطريق، لنقم بإعداد العِدَّة للضيوف، هل فعلنا؟ ”
أسحب كلامي، هذا الطفل إبن عاهرة حقيقي!
لم يكن لوكاس متفاجئًا بشأن رفاق ليون، فقد أخبره بالأوضاع بالفعل.
“ لحم! أكثروا من اللحم إن لم ترغبوا في الموت! ”
“ كيف تجرؤ على الحديث معي هكذا أيها الشقي- آآآآخ! ”
سلاب!
“ كلام أقل وعمل أكثر أيها الأوغاد! ”
وبينما كان يراقب ليون يضرب الخدم ويقوم بإعداد الموائد والأطعمة معهم، تنهد لوكاس للمرة التي من يعلم كم لهذا اليوم.
“ سواء كان أثناء التخطيط أو إعداد الطعام، أنت غريب بالفعل … ”
ولم يسع لوكاس سوى الإبتسام.
بعد فترة طويلة من التوتر والقلق، انزاحت المرارة عن تعبيره.
ورغم أن الشاب الذي أتى كان مجنونًا، إلا أنه لا يمكن إنكار الحقيقة.
بعد مجيئه، أصبح بإمكان لوكاس إبداء بسمة.
بسمة خالية من الهموم.