الفصل 5: ها نحن نلتقي، أيها الإخوة (5).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قرية البحيرة البيضاء.

إذا كانت قرية الرمل الأسود تشبه لمعان المعدن البارد، فقد كانت هذه البحيرة تعطينا من النقاء نورًا، لا يشوبها سوى الصفاء.

اللون الأبيض للمياه جعل المرء يشعر أن العالم ليس سوى ثلج أبدي، ورغم ذلك، لم تكن البحيرة مجمدة أبدًا.

“ أسماك طازجة! شبّوط الزعنفة المتعرجة! ضفدع الذيل المعدني! لدينا حتّى الثعبان الأبيض أخضر العينين! ”

“ تعالوا، تعالوا! لدينا أفضل الدروع الجلدية! مصنوعة من جلد ذئب الفرو الشائك! قد لا يكون بجودة الإيغو لكنه قد يحفظ حياتكم أثناء الخطر! لا تضيعوا الفرصة! ”

“ أسعارنا في متناول الجميع! يمكنكم أخذ قروض لأحجار الإيغو من عندنا، لا تخسروا فرصكم! ”

“ مواد صقل إيغو! لدينا جِلد عمره مائة عام للثعبان الأبيض أخضر العينين! من يدري، ربما تصقلون إيغو خاص بكم! جربوا مهاراتكم يا زبائني الكرام! ”

ألوان تتماوج وسط البياض النقي، أعمدة حمراء تقف فوق المياه.

تتلامس الأعمدة والمعدن الأبيض، عندما تترابط معًا، أصبحت الساحة كما الأرض الصلبة، وفوقهم جميعًا كانت البيوت.

الأراضي كانت من الحجارة الزرقاء والخشب الأبيض، الأرصفة والطرق المعبّدة كانت بسيطة، لكنها آسرة.

بيوت بيضاء ناصعة كما الثلوج المتساقطة، وفي نهاية هذا الشتاء فتح التجار متاجرهم.

“ أسرعوا أسرعوا! إن المراسم على وشك البدأ! ”

“ أبي! أنا متحمس! يقال أن الزعيم الشاب سينضم للمراسم أيضًا! ”

“ الزعيم الشاب داميان، رغم أن عمره 16 عامًا، غلب جميع المرشحين الآخرين! حتّى أخته الكبرى لم تصل لعالم العباقرة مثله، إنه نور شعبنا بحق! ”

“ يقال أن إخوته الثلاثة واجهوه معًا لكنه هزمهم، هذا مذهل! ”

“ هناك شائعات عن خطبته لـ لوميا، حفيدة الشيخ الأكبر في القرية، إنه وبلا شك سيفوز في صراع الخلافة هكذا! ”

المشاعل الحمراء فوق المنازل أضاءت العالم، غطّت الغيوم القاتمة سماء الصباح.

ضوء الشمس كسر اللون الرمادي بين الحين والآخر.

الأسماك الصغيرة والكبيرة سبحت في المياه البيضاء، غرائزها تجنبت الأعمدة الغريبة والسطح.

ولم يكن في التعابير سوى البسمة.

اليوم موعد يقظة المحاربين الشباب، الذين خاضوا أقسى التدريبات وتعلموا من أعتى المعلمين!

هذا العام كان زاخرًا بالمواهب على وجه الخصوص، وشعر أبناء هذا الوطن بالفخر.

من أصغرهم في السادسة عشر إلى أكبرهم في العشرين، لقد كانوا أشداء، أقوياء، عيونهم تحترق بالرغبات والآمال.

“ تنحوا جانبًا! الأسياد الشباب يمرون! ”

“ الزعيم الشاب داميان يمر، ما للناس مثلكم سوى إعطائه دربًا معبّدًا! ”

“ هيا، هيا تنحوا! ما لم ترغبوا بأن يصفعكم هذا الخادم الوفي! ”

أشخاص طِوال القامة صرخوا للحشود بخشونة، لكن لم يشكوا أحد.

كان وراء هؤلاء الحراس مجموعة من الشبان، تسعة رجال و7 نساء.

تعابير فخورة وباردة، عيون تناظر للجميع بإزدراء، كما لو كانوا بلا قيمة.

كانت الشوارع مزدحمة بلا ريب، الإصطدام بشخصٍ ما لا مفر منه، هذه الأخطاء غير مقصودة، ولأنها كذلك، لن يشعر أحد بالغضب العارم.

وهذا لم ينطبق في عالمهم.

أناس عاديون، أناس ذوي نسب وقوة.

الفرق في المكانة يجعل الأخلاق تطفوا بعيدًا كالضباب.

إذا أزعجت بعوضةٌ الشخص، فسوف يسحقها حتّى الموت.

لا تدري البعوضة أنها مزعجة، والصوت من جناحيها لا مفر منه، حتّى إمتصاصها للدم هو سبيل للبقاء وليس المتعة.

لكن الإنسان لا يفكر في ذلك، لا يكلف نفسه عناء التفكير في الأمر، لأنه لا يهتم.

البعوضة هي بعوضة، والإنسِيُّ وهو إنسِي.

فهل من مخلوق في الدنيا أفضى منه للعجرفة والمفاخرة؟

ببسيط العبارة، يشعر المرء أن حقوق الحياة هي حقوقه وحده، وإن لم يعترف.

أتستوي حياة إنسيٍّ ونملة؟

لا!

يمكن القول أنه رغم الفرحة العميقة في القلوب، مازال خوف شعب الوطن تجاه أسيادهم حاضرًا.

وهكذا، ما كان في الأصل طريقًا فوضويًا تم شقه نصفين.

خوفًا من الموت.

لو إصطدم إمرءٌ لا أصل له أو داعم بأحد هؤلاء الشباب، فالمنيّة مآله وسبيله الأوحد.

لم يتمنى إمرءٌ الفَنَاء، لن يطلب ذلك سوى المجنون، أدنى ضجيجٍ تخافت نحو الصمت، وحركات الجسد تضائلت نحو السكون.

هذه خبرة الكبار وفهمهم للدنيا.

“ ووووه! إنهم أبطالنا الشباب! ”

ومع ذلك، كان الصغار ذوي عطفٍ بليغ، قليلوا الخبرة لكن فطنوا الشعور.

فاليوم لا حرب تقوم أو حِدادٌ وهموم، فقط فخرٌ وفرح تجاه أسيادهم يسكن في العيون.

“ السيد داميان! إنك وسيم للغاية، عسى أن تعيش طويلاً، لك دوام الصحة والهناء! ”

“ ملكة الجمال، السيدة لوميا! مخلصون لكِ، أروهم فخرنا! ”

تهافت الحديث بين الشعب، ومديحٌ لا ينقطع تحكي به الفاه.

هكذا كانت بداية مراسم يقظة قرية البحيرة البيضاء.

بينما مشى داميان بهدوء وسط الصخب، كان يتساءل عن هذه المهزلة.

وتلك المهزلة كانت ببساطة “الإحتفالات”.

لماذا قام زعماء القرية بتوسيع مفهوم الإحتفال؟

وكان السبب بسيطًا.

الوحوش لا تنفك تفترس، من أجل البقاء، بحثًا عن الغذاء.

طالما نعيش، سوف تتقاطع دروبنا، وما بين الوحش والإنسي سوى الصراع.

القوي يحيا يومًا ثم يموت غدًا، الضعيف ما كُتِبَ له مصير سوى الفَنَاء ذاك اليوم، هكذا هي الدنيا.

كل يوم، خارج موطنهم هناك وحوش، في أزمان تغير فصول العام تأتي عليهم الهجمات في بيوتهم.

الوحوش أشداء، أقوياء ذوي بأسٍ لا يملكه إنسان، عواطف اليأس والبؤس موجودة بالتأكيد، لكنها لا تطيح بهم، هكذا هم الوحوش.

بالنسبة لنا نحن الناس، تأتي علينا أيام نسأم فيها من الكفاح والصراع، نحن نفهم اليأس والبأس .

نحن نفكر، لأننا نفكر، يمكننا فهم عواطفنا بعمق، وهكذا تنهشنا قلبًا وعقلاً.

ومع الأيام يذوب إتصالنا بالعالم بعيدًا، الرغبة تنضب، والصبر ينفد.

بلا إرادة للعيش، بلا أصوات للصراخ، بلا أهداف للتعلم، من يمكنه قضاء طول العمر هكذا؟

لا يوجد.

لا أحد يعيش بلا أهداف.

فإن كان موجودًا، فهو يعيش داخل اليأس ، يستسقي به ذاته ويعكف به دربه.

ذاك المخلوق ليس وحشًا، ذاك المخلوق ليس إنسيًا.

إنه يسكن في الأعماق، عميقًا داخل الظلمات.

إنه ذات المرء حين يذوق الدماء، وهو ليس بِـ حي، لا يؤمن بالمستقبل أو يتذكر ما فات.

وكان ذلك هو الأجوف.

توجد في هذا العالم إحتفالات ومناسبات، لجعل الناس يفرحون، كي ينشرح ما في صدورهم ويدركوا جمال العالم.

لإبقاء بعضهم بعيدًا عن الشتاء الأجوف، أن تَنقُش لحظات الدفء البسيطة في أنفسهم بعض الرغبة في الحياة، أن يستطيعوا الفرح.

هذا ما تأتي منه الأفكار.

بينما كان داميان مدركًا لهذا بعمق، لم يسعه سوى السخرية من تلك الأفراح.

“ حمقى ”

إنهم ببساطة ضعفاء، حشرات تستحق الدوس.

مثل النملة التي تمر، يمكنه إما سحقها أو تركها، لم تمتلك النملة سلطة على مصيرها، هذا ما يجعل النمل يخاف.

ذاك الخوف هو ما يمنح السلطة للنبلاء وذوي النسب.

داميان لا يبتغي أن يكون معهم، لا منهم أو فيهم، لا في العقل أو العاطفة.

“ لأنهم خائفون، لأنهم سفهاء، سيبقون دائمًا نملاً، من واجبي كالسيد أن أحكم بينهم، سواء بالعدل أو الطغيان، فهذا يعود لي تمامًا ”

هذه لم تكن خطيئة، هذه لم تكن غطرسة.

لقد كانت مجرد “حقيقة”.

هكذا عاش داميان منذ الصِّغر.

لم يبقى الآن سوى إيقاظ موهبته ومن ثم دخول أكاديمية ضوء القمر.

“ وفي ذاك المكان، سوف تكون الأمور كما هي دومًا ”

لأن هذه الحقيقة لم تتشوه يومًا، بقيت في قلبه كالنور.

النور الذي يضيء عالمه.

ـــــــــــــــــــــــ

قرية الرمل الأسود.

بينما توهجت الأنوار داخل القصر، جلس لوكاس مع زوجته وابنته بوقار، يأكلون بهدوء، والسكينة تملأ قلوبهم …

“ هذا لي! أبعد يدك قبل أن أقطعها! ”

“ هذا الوغد الفاسد! إنه لي! أيها الخادم! قل الحقيقة! إنه لي أليس كذلك! ”

“ لا تسمع هراءه! أعرف أن الخادم الوفي لن يصبح شاهد زور! ”

“ … آممم ”

لما تم حشري في الأمر من الأساس؟

هناك الكثير من الطعام، لا، في الأصل، لا تنظروا إلي هكذا! أنا لم أقتل أهاليكم!

كان الخادم المحشور بين ليون وراغنا يشتم حظه.

“ سوف- سوف أحضر المزيد! ”

وهكذا هرب للنفاذ بجلده، إلى ملاذ العيش الوحيد، المطبخ.

“ إييي، أنظر يا رغنا، لولاك لما هرب هكذا! الآن سيعتقدون أنني شخصٌ سيء … تسك تسك ”

“ هذا الفاسق اللعين؟ ”

ألم تكن أنت من ضرب أحد الخدم عند وصولنا؟

أنظر إلى المرآة، من يراك سيعتقد أن ذاك الخادم سرق زوجتك.

هذا الوغد الكاذب!

ووش!

“ إلى ما تنظر! أبعد عينيك عن طعامي! سأثقبك! ”

ووش!

“ غلوب! غلوب! كاااه! هكذا يجب أن يكون الماء! بارد ومنعش! المزيد! ”

“ اللحوم! ضعوا اللحوم في طبقي إن لم تتمنوا الموت! ”

في الجانب الآخر من الطاولة، كان خمسة شبان يأكلون … لا، لقد كان صراع بقاء.

“….”

“….”

“….”

… حسنًا، ليس “السكينة” بالضبط.

“ زوجي العزيز … إلى ماذا أنظر الآن؟ ”

“ وحوش ” أجاب لوكاس.

“ هاه؟ ”

“ إنه صراع بقاء بين الوحوش ”

“ هاها … ” ضحكت إبنة لوكاس بتوتر، “ الأمر ليس بذاك السوء … ”

“ إبتعد أو سأقتلك! ”

“….”

أصبحت الفتاة الشابة عاجزة عن الكلام.

من أين أتى هؤلاء، ولماذا بالضبط تم إستضافتهم في منزلهم …

مثل هذه التساؤلات لم تشغل عقل الفتاة الشابة لوينا، والتي أصبحت في ربيعها السادس عشر.

إذا ما رأى المرء كيف يأكل هؤلاء الذين بالكاد الآن يُطلق عليهم “أشخاص” الطعام، كل فهمه وأسئلته ستطير بعيدًا.

قطاع طرق.

هؤلاء ليسوا أشخاصًا، إنهم قطاع طرق!

لقد شرح والدها الأمر من قبل لكن …

وضع لوكاس يده على كتف لوينا، وإبتسمَ بإشراق.

“ لا أحد في هذا العالم عاقل بالأصل، لا تحاولي الفهم ”

وبينما كان لوكاس يواسي ابنته، حدقت زوجة لوكاس، ثينيا، نحو الشبان الخمسة، واقعةً في التفكير.

رغم أنها كانت مجرد محاربة إيغو في أدنى مستوى، كانت ثينيا خبيرة فيما يتعلق بإستشعار طاقة الجوهر.

طاقة الجوهر، مصدر الحياة، ومصدر الفَنَاء، ما تُبنى به الدنيا، وما تخرب به الدنيا، ما يأتي منه النقاء، وما يأتي منه الفساد.

وهذه كانت طبيعة طاقة الجوهر.

للتعمق في أساس علاقة الفرد بطاقة الجوهر، يخطر على البال 3 جوانب لا رابع لهم.

الإستشعار، الإمتصاص، الإستخراج.

الإستشعار هو أن يفهم المرء طبيعة الطاقة حوله، مدى حجمها وكثافتها، إختلافها عن البيئة، مدى طغيان الطاقة ونقاءها.

الإمتصاص هو أن يلتهم المرء تلك الطاقة ويستوعبها، أن يجعلها جزءًا من نفسه وذاته، أن يجعلها له، دمًا في جسده يجري، إرادةً في وعيه تمشي.

الإستخراج هو تغيير لطبيعة الطاقة، من مرحلة الفهم إلى الإستيعاب، نحو الخروج، أن تتحول طبيعة الطاقة إلى العالم وتغير ما فيه، وكانت تلك هي العملية.

فقط عندما يتقن المرء تلك المراحل الثلاث، سوف يتأهل للحصول على الفرصة في أن يصبح محارب إيغو.

سواء التقدم في الرتب أو تحسين الذات، ناهيك عن إستخدام الإيغو، بدون إتقان الثلاثة، لا يمكن للمرء فعل شيء.

بطبيعة الحال، بحسب درب المحارب وتوجهاته، بحسب الإيغو الخاص به وطبيعة طاقة جوهره، ستراه يركز على جانب ما أكثر من البقية.

ذلك ما يعنيه الإتقان.

كمحاربة متخصصة في الدعم لا القتال بسبب الشلل بساقيها، ركزت ثينيا جهودها الدؤوبة تجاه الإستشعار، أي أنها محاربة كشف.

منذ فترة وإلى الآن، كانت تحاول سبر أغوار هؤلاء الشبان وكشف مدى كثافة طاقة الجوهر حول أجسادهم.

جهودها باءت بالفشل.

لا شيء يمكن إستشعاره، ناهيك عن كشفه.

كما لو أنهم بلا طاقة، كما لو كانوا أناسًا عاديين.

لكن ثينيا عرفت، لم يسعها سوى أن تفهم.

لقد كانوا وبكل وضوح: محاربي إيغو.

عدم القدرة على سبر غور محارب ما يعني بضعة أشياء.

لديه إيغو يساعد في إخفاء هالته، متخصص في الجوانب الثلاثة بعمق، أو الفرق في المستوى عالٍ للغاية.

ومهما كان السبب، لم يسع ثينيا فعل شيء.

بدون فهم قدراتهم، مستوى خطرهم مجهول، وكان ذلك أعلى المخاطر.

“ … إن هذا مزعج بعض الشيء ”

إذا أتى غريب ما فجأة نحو المنزل، ألن تشعر بعدم الإرتياح؟

رغم أن لوكاس قد أكد بالفعل الوضع، لم ترتح ثينيا تمامًا.

ماذا لو كان هؤلاء مجرد بيادق لأحد الطوائف الجشعة؟

لن يكون الوضع بخير، لهذا السبب إحتاجت ثينيا لفهم الوضع.

كان للمنتسبين في طائفة ما هالة فريدة، وغالبًا ما تشابهت هالة أولئك الأفراد وعاداتهم.

إنهم يتعلمون من نفس الأشخاص، يسلكون نفس الدروب ويستخدمون أنواع إيغو متشابهة، ناهيك عن إستيعابهم لطاقة جوهر متشابهة.

كانت ثينيا قد حصلت على نصيبها العادل من التجوال في جزيرة القمر قبل أن تصبح مشلولة، وكانت هالات الطوائف المشهورة مألوفة لها.

لذلك حاولت التأكد، أن هؤلاء الشبان ليسوا فردًا منهم.

وبعد تركيز دام لفترة، لم تتوصل لأي نتيجة.

لا طاقة صادرة، لا عادة مألوفة، لا لهجة محلية.

كل شيء يبين بوضوح أنهم خارجيين.

“ لا تتعبي نفسك يا عزيزتي، حتّى أنا لا أقارن بأحدٍ منهم، ناهيك عن محاولة فهم قوتهم ”

قاطعت كلمات لوكاس أفكار ثينيا، يحدق فيها بإبتسامة هادئة.

“ … لطالما كانت لديكِ هذه العادة في القلق بشأن الأسوأ ”

ورغم أن لوكاس من أراد حمل العبئ على أكتافه، لطالما كانت عائلته هكذا.

دائمًا ما يقتحمون مكتبه عندما يسهر في العمل، فيجبرونه على النوم أو إقتسام العمل.

عندما يكون هناك صراع، ويكون لوكاس في أشد لحظات توتره، هم ببساطة يسلمون مصيرهم له، بلا شكوك، بلا شكوى، كما لو أن الموت ليس مخيفًا.

لوكاس كان ممتنًا لهم، ويشعر أنه لا يستطيع سداد ذاك الدين أبدًا.

لكن …

“ هذا دوري أن يا عزيزتي، البحث عن الحلول وسط الفوضى والمشاكل، والبقاء قويًا، ليس عليكِ إبداء هذه الجدية ”

لم يرغب لوكاس في التفريط بتلك المحبة يومًا، فدوره الدائم هو حمايتهم.

كانت تلك مسئوليّته.

“ … هذا الكلام مرة أخرى “

إبتسمَت ثينيا بعجز وتركَت زوجها يربت على شعرها.

رغم عدم مفارقة القلق للقلب، حاولَت الإبتهاج.

إبتسمَت لوميا بينما تحاول فهم أعباء هذين الأبوين الدافئين.

“ … أكاديمية ضوء القمر ”

مع بروز هذا الإسم في الذهن، إشتعلت عيون لوينا.

“ اوه، هذا يذكرني، زوجي العزيز ~ ”

“ نعم؟ ”

عند سماع الصوت اللطيف أكثر من المعتاد، شعر لوكاس بشعور غريب.

“ لم أعرف أن لدينا إبنًا من قبل؟ همم؟ ”

“….”

الإبتسامة التي لم تصل لـ عيون ثينيا إتسعت.

وكان وجه لوكاس شاحبًا تجاه مظهرها المرعب.

… قُضي عليّ.

رفع لوكاس رأسه.

آآه، يا لجمال السماء.

تبًا لك يا ليون، يا ابن الزانية الملعون.

“ … لقد شبعتُ ” مد لويد يده لبطنه.

وبينما كان لوكاس يحاول النجاة بحياته، إنتهى صراع الطعام الوحشي.

“ يا صاح ~ لم آكل هكذا منذ عقود! ”

“ مازلتَ في الثامنة عشر يا ليون ”

“ يا؟ من يهتم! بعد كل تلك الصراعات والحروب، من يبقى عاقلاً للتفكير في السنين حتّى؟ ”

“ لأول مرة، يقول ديو أمرًا منطقيًا، الحياة عجيبة بحق ”

“ هذا الفاسق؟ تعال إلى هنا! ”

تشابك ديو ولوكي في صراع بالأيدي، لكن لم يوقفهم الآخرون.

إستلقى ليون على كرسيه كما لو أنه سينام بأي لحظة.

“….”

شعور غريب.

كيف يمكنه وصفه؟

“ … إنها ليست مجرد السعادة باللقاء ”

وليس ببساطة راحة لم الشمل ونهاية الفراق.

أفكار ليون أصبحت كلمات، وسمعها الرفاق بوضوح.

“ ماذا تعني؟ ”

لوكي سأل، بينما يشد شعر ديو الذي سحب أنفه لأعلى.

وكان الآخرون فضوليين.

ليون.

شخص إن قلتَ عنه قوي، فهو كذلك، إن قلت عنه شرير، فهو كذلك، وإن قلت عنه طيب، فهو كذلك أيضًا.

إنه نوع الشخص الذي يحدد علاقته بالناس ببساطةٍ شديدة.

الأعداء، الغرباء، الأدوات، والحلفاء.

تقسيم قاسٍ لتصنيف علاقاته، لكنه يصف بدقة كيف يرى ليون الناس.

هذا غير أخلاقي؟

بالتأكيد، وهو كذلك.

هذا العالم لا يسير حسب الأخلاق، إنما ينساق تدفق الحياة كما يشاء القوي.

إن كان الأقوى خلوقًا، فسوف تنعم الدنيا بالرخاء، وإن كان بلا خُلُق، تَفنَى الدنيا وتُفضى للخراب.

لم يكره إخوة ليون طبيعته تلك، فهم ذاقوا معًا ويلات الألم ومرارة الحياة.

بصرف النظر عن معظم اللحظات التي يكون فيها وقحًا، ساخرًا، شيطانيًا ونذلاً بحق …

كانت هناك لحظات حيث يصف فيها عواطفه بإنفتاح، وكان ذلك نادرًا.

لم يكن السبب أنه يخفيها، بل على العكس، إنه يحب وصف شعوره تجاه نفسه والحياة.

الأمر أنه لا “يشعر” بنفس ما “يشعر” به الآخرون.

وكان الآن يعبر عن نفسه بعد فراق السنين مع إخوته؟

من المستحيل عدم الشعور بالفضول!

“ يصعب وصف الأمر بسهولة … ”

“ بجدية؟ ”

“ من النادر رؤية ليون يعترف بأن أمرًا ما ليس سهلاً ”

“ إنه ليس طبيعيًا، مريض، لا بد أن لديه مرض في عقله! ”

“ تحالف القمر الأزرق، لديهم ذاك الطبيب المعجزة، ربما يداوي مرض ليون، لا … إن هذا المتخلف قد يجعل ذاك الطبيب يبصق الدم غضبًا بدلاً من ذلك ”

وبينما فكر إخوته بشأن الأمر بجد أكثر مما فعلوه عندما حاولوا النجاة من وحشٍ بقوة القمر الثالث في إحدى الكهوف، إبتسم ليون بلطف.

“ هؤلاء اللعناء لم يتغيروا البتّة ”

أمسك ليون بقطعة اللحم ومضغها بشراسة، لكنه تأمل عواطفه بهدوء.

كشخصٍ عاش على حواف الجنون منذ الوعي على العالم، لن تكون عواطفه “طبيعية”.

لهذا دومًا ما شعر بالمتعة عندما تأتيه عواطف غير مألوفة.

العواطف غير مريحة، مؤلمة، قاتمة، لا يريدها أحد.

العواطف جميلة، بهيّة، لامعة، لن يعيش بدونها أحد.

لهذا وجدها ليون مثيرة للإهتمام.

توجهت عيونه القرمزية نحو إخوته.

لقائهم الأول، كان العِداء، رغبوا في سفك دماء بعضهم البعض.

ظروف تجبرهم على التحالف، إنه الإستغلال، إستخدموا بعضهم البعض كحلفاء.

حلفاء الصراع، وهو التفاهم، فهموا بعضهم البعض وكافحوا معًا.

ثم رفاق في السلاح، هذا ما يعنيه التعاون، حماية ظهور بعضهم البعض، بلا قلق من الغادرين.

وأخيرًا الإخوة، وكان ذلك أقوى حليف، الكفاح، الصراع، التفاهم والعطف، السير في الدرب معًا ولو ضد الدنيا.

لقد عاشوا أصعب الظروف بالإعتماد على أنفسهم ودعم بعضهم البعض.

وفي لحظات المرارة الأقسى، إفترقوا، ليفهم كل منهم نفسه أكثر ويصبح أقوى، وبعد السنين ها هم هنا.

مثل هذه العواطف الغزيرة، كيف يمكن وصفها بالكلمات فقط؟

“ الكلمات لن تصف هذا الشعور أبدًا ”

بعد قوله لذلك، ركز ليون على أكل ما بقي من ساق الثور المشوية.

بكل تأكيد، لن ينشرح ما في فؤاده بالكلمات فقط.

“ ورغم ذلك، ما أنا متأكد منه يا رفاق أنني ممتن ”

لكن هناك بعض الأشياء لا يمكن نقلها سوى بالكلمات.

“ ممتن أننا أحياء لإكمال دروبنا، ممتن لماضينا الذي جمعنا ”

ومهما كان شعور ليون الكامل عن هذا اللقاء، كان متأكدًا.

لم يكن هناك إستياء أبدًا.

من يشعر بالمرارة بعد لم شمله مع إخوته؟

“ يا إخوتي، ها نحن اليوم أخيرًا، بعد مرارة الكفاح والفراق، نلتقي في ديارنا الجديدة ”

كان الآخرون في العادة مبادرين لإلقاء نكتة ما للضحك.

لكن ليس اليوم.

إبتسم الإخوة بهدوء، يرفع كل منهم كأس ماءٍ دافئ.

القاعة تشوبت بالصمت، الخدم والحرس، حتّى لوكاس وعائلته طغى عليهم صمتٌ غير مألوف.

رغم أنها لم تكن جنازة، لا أحد مات، لم يكن حِدادًا على الماضي الأليم، لا أحد حزين.

وببساطة الأمور …

كان لم شمل عائلي.

ذلك كان كافيًا للجميع، للفهم، للتعاطف، وللإبتسام.

كما قال ليون بالضبط.

بعد الفراق العسير، يأتي اللقاء.

هذه نكهة الحياة، عند الوصول للوجهة، كل ما فات يصبح يسير.

مثل هذه الدنيا الغزيرة بالنكهات.

أحبها الإخوة أيّمَا حب.

بالهدوء والسكينة.

هكذا إلتقى الإخوة.

“ هيييك! سعال! هذا الماء حار للغاية! أنا أختنق! ”

إختنق ليون عندما شرب المياه بسرعة فجأة.

… حسنًا، ليس “بهدوء” تمامًا.

2025/08/01 · 18 مشاهدة · 2892 كلمة
نادي الروايات - 2026