6 - الفصل 6: من لا يبتسمون للشتاء، لن يضحكوا للربيع أبدًا (1)

الفصل 6: من لا يبتسمون للشتاء، لن يضحكوا للربيع أبدًا (1).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في قرية الرمل الأسود، لمعت التربة القاتمة تحت أنوار المشاعل ونجوم السماء.

المباني زاهية الألوان أطلّت على الوطن، مما يعطي الناس منبع أمان من الأحلام الجوفاء.

ضجيج مراسم يقظة المحاربين تهاوى في جرف الظلام، ولم يبقى سوى التعب.

الذين مرّوا بالمراسم وأصبحوا محاربي إيغو بنجاح، لم يستطيعوا إحتواء حماسهم، الذين فشلوا لم يبقى لهم سوى أيامٌ كئيبة.

وبغض النظر عن الحزن والفرح، حل الليل الساكن، وكان ضوء القمر يبتسم بصمت للدنيا.

في الحديقة الخضراء للقصر، جلس الشاب أبيض الشعر وحيدًا.

لم يكن يمسك شيئًا سوى كوب من شاي زهرة الشتاء.

لم يكن هذا الشاي شائعًا، إذ أنه بحد ذاته مادة صقل إيغو، وكان ذاك الإيغو هو ملاذ الظَّمآن، الذي تصنع منه عدة أنواع من المشروبات، ليس لها تاريخ إنتهاء صلاحية، تقلل من العطش المستمر بشدة.

طالما يتم تزويد الإيغو بطاقة الجوهر والعناصر الأساسية من السوائل، يمكن القول نظريًا أن المشروبات لن تنتهي.

بطبيعة الحال، كان ذاك الإيغو غير منتشر، صقله صعب للغاية، ولا يمكن للشخص سوى الإعتماد على حظه لإيجاد واحد في البرية.

أو سرقته من شخصٍ يملكه بالفعل.

وبينما يشرب بهدوء، إنجرفت أفكار لوكي إثر رؤيته لسماء الليل النجمية.

“ آيش! أنا لن أخسر! ”

“ هاهاها! لم أخسر في مسابقة أكل أبدًا، إستسلم يا لويد! ”

مازال الإحتفال في أوجه، ضجة لقاء الآخرين آبت الإنطفاء.

“ … ساهيونغ ”

عندما رأى لوكي مظهر ليون الذي يأكل بلا هوادة بينما يضحك على لويد، ومضت الذكريات في الذهن، ومع الومضات تتصاعد العواطف.

[ ساهيونغ، عندما ننتهي من هذه الحرب، ماذا ستفعل؟]

[ ما مع السؤال المفاجئ؟]

ذاك الوجه الشاحب والشعر الأسود الطويل، تعابير باردة تناقض دفء القلب في جوفه.

آبت كلمات ساهيونغ من ذاك اليوم أن تبتعد عن ذاكرة لوكي.

[ من المستحيل أن ساهيونغ لم يفكر في الأمر ولو مرة، صحيح؟]

[ تؤ تؤ … يا له من ساجيل مزعج لدي …]

رغم شكواه البسيطة، لم تفارق الإبتسامة وجهه الشاحب.

[ … ربما أصبح معلمًا في أكاديمية ضوء القمر]

[ ساهيونغ يصبح معلمًا؟ أنت؟ أنت يا ساهيونغ؟]

[ … هل هناك مشكلة؟]

[ أعني، نحن نتكلم عنك، ساهيونغ، تخيل أن يصبح شخصٌ مثلك معلمًا مخيفة للغاية- آآآخ!]

بعد أن قال لوكي الكلمات التي لم تكن خاطئة أبدًا، تلقّى ضربة في رأسه.

[ أيها الشقي الفاسد! تسألني ثم تهينني فجأة! لم يكن الأطفال هكذا في جيلي … تسك تسك]

نجوم السماء لتلك الليالي لم تُنِر العالم أبدًا، لون القمر لم يكن أبيض، لم يكن أزرق.

الحيوانات النّافقة تكدّسَت عبر التراب العفن، الجثث كانت باردة، ولم يبقى في السبيل سوى الموت.

فوق التّل الأسود، كان لوكي و تشون هوا ريونغ جالسين، لا نجم ذِ بريقٍ يرشدهم، لا قمرًا جميلاً يبتسم لهم.

قرمزي.

القمر الذي لعن العالم بالدم كان قرمزيًا، النجوم إنطفأت كما لو كانت مرثية للحزن، ولم يبقى سوى العتمة.

[ إن الدنيا مليئة بصرخات الأسى]

أطفالٌ يتامى، نساءٌ يُنتهك عِرضهنّ، رجالٌ لم يبقى لهم سوى الدماء، وجوعٌ لا يبقي للمرء عواطفًا سوى الرثاء.

كان القمر الأجوف هو مرثية صراخ العالم.

[ أن تحارب العالم يعني أن تفهم الجوع، تذكر تلك الأيام، كم يومًا بقيتَ بلا طعام؟ هل وصل بك ذاك الجوع إلى أكل لحاف الشجر؟ هل كان شتاء تلك الليالي أبرد ما يكون؟ لماذا كنتَ جائعًا، ماذا رغبتَ فيه أكثر في ذهنك؟]

بينما يتصلب جسدك تحت رياح الشتاء البغيض، لا يجول في عقلك سوى الرغبة في الطعام، حتّى ملبث الدفء لم يعد مهمًا بالمقارنة.

[ تذكر لحظات حفرك في تراب الغابة المليئة بالضواري، أظافرك تنكسر، دمك يتجلّط، لكن للهرب من الجوع، لا تتوقف يداك، هل تحت تراب الأشجار الباردة جذور يمكن أكلها؟ ذلك لن يشغل عقلك]

سواء كان أعتى مخلوق بين الخليقة أو متشرد في الشارع، الجميع يشعر بالجوع.

أنت تعيش لتشبع جوعك، ما أطول زمنٍ أرادت نفسك فيها ذوق الحياة؟

إن الجوع هو الموت، إن الجوع هو الحياة!

أمام الأعين البنفسجية لـ لوكي، أمسك هوا ريونغ ساهيونغ سيفه.

[ ما هو عطش الحياة؟ إنه حقد الدنيا، رثاء الدنيا وقسوتها، هذا هو سلاح القتل الأوحد، إنها رغبة صبغ الحياة دماء، محبة الدفء المشوه للطوفان الأحمر حين ينبع من الجسد]

كان تعبيره جامدًا، لكنه حمل غضب العالم.

ذاك الغضب في حد السيف توجه نحو القمر القرمزي.

[ أن تحارب العالم يعني الرثاء، الحزن على أحبابك، من أغلقوا عيونهم للأبد، إنه أن ترفع سيفك عاليًا للتذكر، عجزهم ، ألمهم، وأن تحكي قصصهم بسيفك، أن تتغنّى الحقد، ماذا يعني عمى الظلمة؟ أن تفهم لماذا تكره، ورغم ذلك تُظهِر حقدك!]

طاقة الجوهر داخل جسد هوا ريونغ تفاعلت مع العالم، إرادة القتل توجهت نحو السيف.

ووش!

الإرادة توجهت نحو الطاقة، والإثنان أصبحا رغبة، كانت الرغبة هي الحقد.

ثم أصبح ذاك الحقد هالة تلعن العالم.

إنغمس وعي لوكي نحو صرخات الموتى عندما عاشوا، ضحكات البائسين عندما فرحوا.

في طفولته، عاش لوكي أيام عزلة الشتاء، يزحف بجسده الصغير نحو ظل شجرة، الجوع نهش جسده الهش نحو السكون، ورغبة إغلاق الجفون همسَت في قلبه بجنون.

وتحت ظل شجرة البلوط البيضاء، كان جسده يتجمد ببطء.

لم يكن لديه أحد للأعتماد عليه.

هل تركه أناس موطنه في العاصفة عمدًا؟

أم كانوا تركوه بسبب عجزهم؟

تم تركه هناك لـ يموت، ولم يعرف لماذا أبدًا.

عندما يتغنّى المرء بالشتاء ويذوق ذائقته كالعطشان، لن يخاف.

وهكذا قام الصغير بأكل الثلوج للنجاة.

مقابل سَقَمٍ قد يأتيه من ذلك، بلع التراب المجمد، يعد الثواني والدقائق، تلك هي رغبة النجاة.

وهكذا تبلورت إرادة الكفاح ضد الوحدة العميقة وعاطفة الإنهزام.

كانت تلك كراهية الشتاء.

وأصبح تعبير لوكي أمام عواطف الذكريات باردًا.

[ نعم، هكذا بالضبط، وجه كراهيتك نحو هدف ثابت، كَشَعبٍ يسكن قلبهم الشتاء ويتغنّون به، تذكّر حكاياتهم وأنِر سطورها بسيفك، قاتل، إفهم، إحزن، إكره، وثم أقتل!]

على حافة التل الأسود وقف هوا ريونغ، ظهره مشدود، الأذرع مرفوعة، والسيف يؤشر نحو السماء.

[عِش في رثاء الدنيا، هذا هو سيف الحقد]

السيف الأسود قطع نحو السماء، والهالة الزرقاء كانت غامقة.

بام!

ورغم أن السماء كانت مظلمة، أنار ضوء السيف العالم كما لو كان يصرخ.

صرخة المرارة وعدم الرغبة، صرخة السيف الذي آبى السقوط أبدًا.

“….!”

رغم أنه كان في الخلف، شعر لوكي بالضغط القاتم من ذاك السيف وتلك التلويحة.

رغبة ثقيلة ومظلمة، رغبة تحمل أحقاد المرء تجاه العالم.

[ إنه سيف القتل الأبهى]

وكان هوا ريونغ ينير جوهر عالم لوكي من خلال سيفه.

[ لهذا السبب، لا أريد أن يتعلم شعب موطني هذا السيف، إنه حاقد، مدمر، وحزين، ثِقله على الروح كَمرثيّة سجن الذات، أرضنا لن تنموا بذاك السيف]

الغضب البارد إنزاح عن وجه هوا ريونغ، ولم يبقى سوى تعبيرٍ مرير.

إبتسامة متعبة.

[ ساجيل، ما هو درب طائفتنا؟]

عندما يتبادر للذهن درب الجماعة، فهو السير معًا نحو نفس الهدف.

تختلف سرعة كل شخص وطريقة وصوله، تختلف النية والرغبة للسير في الدرب.

ورغم ذلك، كانت الوجهة دائمًا نفسها.

درب الطائفة، إنه عقيدة الناس الذين نبذهم العالم واختاروا حماية بعضهم البعض، عقيدة تنير دروب من فقدوا وجهتهم.

وعندما أتاه السؤال، لم يتبادر للذهن سوى درب معلمهم وقائدهم الأوحد.

[ إن درب طائفتنا هو درب معلمنا، درب معلمنا هو دربنا، وذاك الدرب بوصلة تشير نحو نفس النهاية، وكان ذاك الدرب هو النمو]

النمو، يعني أن تتطور وتفهم، أن تفهم وتتفاعل، ثم تُحدِث بتفاعلك تغيير عالمك.

[ هذا صحيح، سواء كان سيف الحزن أم رمح الجوع، سواء كان لهب الحقد أم مياه الخذلان، وحشية الكابوس أم دفء الحلم، مهما كان فهم المرء لعالمه، فهو يتدفق نحو الأمام دائمًا، هذا هو درب شعبنا]

مع غوص لوكي في ذكريات تلك الأيام، كان الشاي في يده يبرد ببطء.

“ ساهيونغ ”

لا تقلق.

السيف الأسود لمع بضوءٍ أرجواني تحت القمر، نضحت حديقة القصر بالهدوء المعاكس لصخب النهار.

“ مثلما اختارت عائلتنا دربها الخاص، موطننا الجديد يمتلك دربه أيضًا ”

وكان سيف الشتاء بين ذراعيه دليلاً.

[ ساجيل، إن كان ليون يتغنّى بِنَصل الفَنَاء وهِيَام النهايات، فـ راغنا يتغنّى بِلَهيب المتألمين والكفاح، لويد يتغنّى بِرُمح الأحرار والتناغم، ثم يتغنّى كين بِسَيف اليقين والمثابرة، ما هو دربك؟]

رغم أن ظلال الموتى لم تتوقف عن الصراخ أبدًا، ولم تبقى سوى أجسادهم الجوفاء تتحرك بحقد الدنيا، لم يكن قلب لوكي منقبضًا.

[ الشتاء والربيع]

كان سيف لوكي يحمل جليد الشتاء الأبرد، كان سيف لوكي يحمل نسمات الربيع الأدفء.

وكان ذاك ما يتغنّى به دربه.

[ أنا مختلف]

لم يكن هوا ريونغ مثلهم البتّة.

[ إمرءٌ مثلي مكانه ليس ساحة المعركة، حيث يقطع سيفي أنفاس العُدَاة]

درب سيفي موجود بين الناس.

العالم مكانٌ بارد، ولا يمكن للناس الإعتماد على أحد.

أنا أريد أن أعلمهم الإعتماد على أنفسهم.

إنَّ في فؤادي رغبةٌ، وهو ترك أثري، أن ينير سيفي عالمهم.

أن يعلمهم البقاء وقسوة الدنيا، وكذلك عن جمالها.

عن دربهم الخاص ودروب الآخرين.

كان ذاك مكان تشون هوا ريونغ.

[ … قد يكون من الغريب أن أرغب في تعليم الأجيال، لكنها رغبتي الأوحد، قد لا أعرف الكثير، لكن لا بأس، وقد لا أنجح أبدًا، لكن لا بأس، هذا ما يعنيه النمو]

[ ليس عليك القلق، ساهيونغ، أعتقد، لا، أنا متأكدٌ أنك ستنجح]

[ هل تعلم ماذا سأسمي ذاك السيف الذي يرشد الناس نحو النمو؟ إنه النقاء، كما يتغنّى سيف الحقد بالرثاء، سوف يتغنّى سيف النقاء بالحياة ويحتضنها]

وبينما تصبح الصورة في ذهن لوكي عن ذاك اليوم تتلاشى، لم يستطع نسيان التعبير المبتسم لـ هوا ريونغ ساهيونغ أبدًا.

سووش!

“ ساهيونغ، نحن هنا أخيرًا ”

أرض أسلافنا مازالت موجودة، ونحن ما زلنا أحياء.

لم يكن عليك القلق أبدًا.

سووش!

اليد الممسكة بالسيف قطعت الهواء بلا هوادة.

“ ساهيونغ … ”

نبرة الحزن جرفت أفكار الشاب نحو العدم.

ولم يبقى في تعبيره سوى الجمود.

ساهيونغ، هوا ريونغ ساهيونغ، ما لم يمكنك فعله وقتها، سوف أحمله على أكتافي.

التلويح، الطعن، الصد، رقصة السيف، سيف التدمير، سيف الحياة.

لقد ذاق الجوع من قبل، الآن لم يعد كذلك، هناك طعام.

لكن هل هذا يعني أنه نسي الجوع والعطش؟ هل نسي الرغبة الأبدية في إشباع الجوع؟

لا، لم ينسى.

كان هذا هو جوهر القتل.

إنه فهم الدافع والهدف، أن تقطن ذاتك به وفيه.

هل لأنه ليس جائعًا فهو لا يفهم الجوع؟ لقد كان يفهم.

هل لأنه حي فهو لا يفهم ثِقَل أخذ حياة الغير؟

أن تقتل الآخرين يعني أن تقتل جزءًا من نفسك.

وكان هذا أول درسٍ فهمه الطفل الذي كبِر في الشتاء.

وبينما نسي الشاب نفسه في تلويحاته، إختفى العالم من عينيه ببطء.

ذكريات أيام عزلة الشتاء، دفء الدماء وسط الفَناء، والكراهية العميقة للمآسي.

رسم السيف عواطف القلب، وعبّر عنها بما لم تداركه الكلمات يومًا.

كوااانغ!

ذلك عندما ظهر نصلٌ قرمزي أسود أمام عيني لوكي، وصده لا إراديًا.

“ كنا نناديك منذ مدة، بما تشرد أيها الغبي؟ ”

الصوت الفريد من نوعه كان منزعجًا، وعيونه الدامية حدّقَت في لوكي بهدوء.

ليون، الذي خرج نصلٌ قرمزي أسود من داخل عظام يده بغرابة، تحرك للخلف ورفع يده المتصلة بنصله تجاه لوكي.

“ هل وصل شيب رأسك إلى دماغك أم ماذا؟ ”

“….”

وبينما كان صامتًا، رفع لوكي سيفه أيضًا بدل الإجابة.

“ آيي! يا للشجاعة، هاهاها! لنعطيك بضع ضربات ربما يعود رأسك لمكانه! ”

سووش!

وحالما إتخذ الخطوة الأولى، لم تبقى سوى بقايا صورة ضبابية لـ شكل ليون.

تحركت عيون لوكي للأعلى، وفي جزءٍ من الثانية إتخذ القرار الأمثل.

لم يهاجم، لم يتهرّب.

رفع سيفه نحو الأعلى، وكانت إحدى يديه تمسك بجانب نصل السيف غير الحاد.

وفي نفس لحظة تحريكه لسيفه، كان أحمر العينين يضرب نحوه بقوة.

كواااااانغ!

صوت إصطدام المعادن رنّ في الآذان كموجاتٍ مزعجة، وإنقسام الرياح لم يبقى له مجال من شدة الصدام.

“ أنا أفهم ”

ومن بين الشرر المتطاير للضربة الهائلة، كان تعبير ليون الهادئ يواجه لوكي.

“ أنت تشعر بما شعرنا به جميعًا، لهذا كان سيفك أحَدَّ من العادة، أنت تلوم نفسك وتحمل وِزرَ المسؤولية وحدك ”

وبينما تدفقت كلمات ليون، رفع قدمه اليسرى بسرعة.

بام!

“ كرر! ”

الضربة التي أصابت جذع لوكي جعلته يطير للخلف ثم يتأوه.

سووش!

“ همف! ”

لكن لحظة الجمود تلك أعطت أبيض الشعر فرصة، وطار وتدٌ جليدي من خلف ليون كاد يثقب رأسه، لكنه قام بتجنبه وترك مجرد جرح في خده.

“ أنا لن أقنعك بتغيير عقليتك، ولن أحاول، لكن لا تجرؤ يومًا على أن تكون متعجرفًا وتعتقد أن ما حدث وِزرٌ تُسَاق به رقبتك! ”

الفضاء إنحنى كالمادة، والهواء إنضغط معًا، مما جعل الجاذبية أثقل.

تعبير ليون البارد لم يضاهيه سوى عيونه القاتمة.

ومع توجيه نصله نحو السماء، ومضت كلماتٌ قديمة في دماغه.

“ يا من تتغنّى بالشتاء، لا تنسى من تواجه، إنها الدنيا بأكملها! مهما تقوّى المرء وجاهد، لا يمكنه فعل كل شيئٍ وحده، هذا مستحيل ”

ذلك لأن الجميع لهم عيب.

لأن الجميع بهم عيب، سوف يخطئون.

راغنا لم يقاطع نزال أخويه، وبقي يراقبهم بإهتمام.

ديو ولويد كانوا يحملون النيام من الخدم وأخذوهم للأسِرَّة.

على غير عادته، كان لوكاس يشاهد بهدوء.

وأمام عيون لوكي الداكنة، مشى ليون ببطء.

“ العالم ليس مكانًا لنعيش فيه وحدنا ”

إن كنتَ تتغنّى بالشتاء وتُسكِنُ فيه قلبك.

“ أنا من يتغنّى بالكابوس وينتزع فرحة الأحياء، أنا من يرى حكايات البائسين ويرسم نهاياتهم ”

لوكي لم يبقى صامتًا، وكان سيفه يتحرك قطريًا.

“ ليون، أنا أعرف، أنا أعرف ذلك بالفعل، لكن لماذا؟ لماذا لا ينطفئ الألم يومًا؟ ”

“ إنه لن ينطفئ ”

“ لأي سبب إراقة الدماء؟ لأي سبب ماتوا؟ ”

“ لن يهم السبب حتّى لو عرفنا ”

كوانغ! كوانغ! كوانغ!

وبينما تلاقى النصل والسيف، بينما يتلاقى الجنون الدائم والشتاء، تلاقت الكلمات بين الأخوين.

“ لوكي، هل تعرف لماذا يتأذى الضعفاء؟ ”

“ هناك أسبابٌ لا تحصى، ومهما تعددوا، لن يُنصَفَ حقهم أبدًا ”

هالة نصل ليون الحمراء السوداوية تلاعبت بالهواء وطفى معها التراب.

“ إن السبب الأهم هو واحد، لأن الذين يُزعم أنهم أقوياء لا يمكنهم العيش بدون أشخاصٍ تحتهم، من دون شعبٍ يأخذون منهم ما يحبون، لا يمكنهم الشعور، إنها وسيلتهم للهروب من عزلة الوحدة ”

لهذا لا يمكن للناس العيش وحدهم.

حتّى لو أراد المرء، لن يُترك وشأنه أبدًا.

“ سألتني ما سبب إراقة الدماء؟ لأنهم يخافوننا، إنهم يخافون أن نصبح أقوى منهم، قواعد العيش مبنيّةٌ على نظام ملوك الدنيا، هؤلاء الملوك يخافون إنهيار نور حياتهم ”

رقصة السيف بين الإخوة جعلَت الهواء ينجرف والتراب يتطاير، لكن وعلى نحوٍ غريب لم يُدمّر شيء.

“ ليون، هل تتذكر؟ هوا ريونغ ساهيونغ، لطالما أحبَّ بناء سيفه الخاص، لم أفهم ثِقل تلك المحبة عليه أبدًا، لكنني الآن أشعر أنني أفهم قليلاً ”

“ هوا ريونغ ساهيونغ … ”

وعندما أفصح لوكي عن مكنون قلبه، نطق ليون بإسم ساهيونغ بنبرة حنونة.

ولم يكن ليون فقط.

فور سماعهم عن الأخ الحنون والقوي، الأخ الحكيم والذي كان لهم سيفًا ودرعًا، تحولت تعابيرهم إلى الشوق والحزن.

“ أنا أريد النمو ”

لم ولن يستطيع لوكي النطق بكلماتٍ أصدق من هذه أبدًا.

إذا لم يستطع المرء أن يبتسم في برودة الشتاء، لن يسعه في الربيع سوى البكاء.

لطالما سمع لوكي تلك الكلمات، وكان معلمه يرددها له دائمًا.

لم يفهم ما يعنيه أبدًا، لذلك كان يلجأ لـ هوا ريونغ، لكنه لا يجيب، ولا يتركه سوى بإبتسامة.

لكنه الآن يفهم قليلاً.

الناس الذين يضحكون رغم البؤس ويصبرون عليه، لن يحزنوا أبدًا.

الناس الذين يبكون في البؤس ويسقطون فيه، لن يضحكوا أبدًا.

كان هذا هو تناقض الحياة.

“ لستَ الوحيد يا أخي، لستَ الوحيد ”

وبينما كثرت الندوب في أجساد الأخوين، تناطحت الرؤوس وتلاقت السيوف.

لون الشتاء الأبيض تلاقى مع لون الكابوس الأسود، الربيع الأرجواني تلاقى مع الشفق الأحمر.

كانت هذه ليلة بلا نوم.

2025/08/08 · 21 مشاهدة · 2402 كلمة
نادي الروايات - 2026