7 - الفصل 7: من لا يبتسمون للشتاء، لن يضحكوا للربيع أبدًا (2)

الفصل 7: من لا يبتسمون للشتاء، لن يضحكوا للربيع أبدًا (2).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

شاطئ اللمعان الأزرق.

قطرات الندى تساقطت من أوراق الثلج المتغايرة، تمايلت أغصان الأشجار، وما كان إثر ذلك لمعان الماء فوق رمال الشاطئ.

البرد القارس تضاءل، وثلج الشتاء كان يذوب.

علامات محين الدفء تباهت في بداياتها.

بين الليل والنهار، انقسمت السماء عبر الألوان القاتمة والمشرقة.

آن أوان الربيع.

الشاب الأشقر كان واقفًا أمام موجات البحر المتلاطمة عبر الرمال الزرقاء.

وما في يديه كان سلاح.

عيونه الزرقاء غامقة.

تعابيره كانت مريرة ومتعبة، ورغم ذلك لم يكن مكتئبًا.

سيف.

ما هو السيف؟

البعض يرى السيف مجرد سلاح يقطع الأشياء ثم يصدءُ حين يُدارِكه الزمن.

البعض يرى السيف تعبيرًا عن حقدهم، بالدم، بالقتل.

وفي الجانب الآخر، هناك السيّاف.

يأتيه الصباح فإذ به يقبض سيفه بين ذراعيه، فَيُقبِلُ عليه تعبُ الدنيا وشقائها.

يأتيه الليل فَيُغمض عيونه معانقًا سيفه، كوابيسه تتعلق به، أحلامه مهووسةٌ به.

ومهما جرى به الزمن، لا يترك سيفهً أبدًا.

في عيون الشاب لم يقبع سوى الضباب.

كان السيف بين ذراعيه.

الأكتاف منتصبة، الأيدي مفرودة، والجذع السفلي متجذّر في الرمال.

لا طاقة جوهر، لا إيغو، ولا قوة مغايرة للطبيعة.

الجسد البسيط لشابٍ يبلغ 17 عامًا وسيفٍ بين يديه.

هذا كل ما يعتمد عليه فهم السلاح.

السيف مرفوعٌ لأعلى.

أغمض فرناندو عينيه، وكان يركز حواسه عبر السمع والإحساس.

حاسة السمع تُدَارِك الأصوات، الأنفاس والموج والرياح، الإحساس يُدارِك ملمس السيف والشعور بالعالم.

عبر تلك الحواس، يتم صنع الخيال.

خيال السَّيَّاف هو ما يقطعه سلاحه.

لكل إمرءٍ جداره.

ما هو أكبر عائقٍ لتلويحة السيف؟

يأس الحياة أو مرارة الدنيا؟ جزع الأذى؟

مهما كان مِنَاكَ للدنيا، لن يأتيك أبدًا كما تتمنى.

الحب لن يكون مثاليًا يومًا، العلاقات لن تدوم، والشَّيبُ آتيك في سبيله.

إن اعتقتَ شخصًا فاسدًا، لن يبادلك سوى الإجحاف.

المرضى لن ينقصوا، ليالي البدر الأجوف لن تختفي، والجوع في العالم لن يزول.

الدنيا لا تلين على ما يعايشه المرء.

وفي النهاية تموت.

“ هكذا هي الحياة ”

الإنسِيُّ لا يحيا لأنه يشعر، بل لأنه يتألم.

ما هو ألمك؟

عندما تتخيل مصدر جُرحِكَ الأعمق، ما كان سيل العواطف الذي هَمَّشَ فؤادك؟

أترك السيل يتدفق لذراعيك، واجه عواطفك الثقيلة، إقبل حقيقة ذاتك أمامها.

تلك العواطف القبيحة هي تراكم، تراكمٌ يُبنى ببطء، بلا إهتمامٍ لـ تسليط نور الفهم عبرها.

ثم تصبح تلك العواطف جدارًا.

إصبر وتَبَيَّن لحظتك المناسبة.

وقت قطع جدارك آتٍ بلا ريب، سواء يومٌ أو شهر، عامٌ أو دهر، السيف سَيَقطَع.

ما يمنع فرناندو من القطع هو جدارٌ ذِ سعة الجبل.

ذاك الجبل الضخم ليس الخوف، لا القلق أو عبء المسؤولية.

السيف بين يديه كان ثقيلاً.

ورغم الثِقل لم يترك سلاحه، لم يقمع عواطفه، ولم يوقف تدفق أفكاره.

مع الشهيق عبر فمه، تم إحكام القبضة المتراخية.

“ هااااب! ”

سووش!

تدفق مسار السيف عبر الهواء بأقلّ مقاومة ممكنة، لم تكن التلويحة عنيفة للغاية، لم تكن خفيفة للغاية.

إنعكس لمعان السيف الفضي عبر الرمال الزرقاء، نسيم الرياح جعل الحبيبات اللامعدودة تتطاير.

ورغم القطع السريع، لم ترتجف ذراعه.

لم يكن هناك بهاء، لم يكن هناك جمال أو خبرة في التلويحة، ذاك القطع لم يكن أكثر من تعبيرٍ عن الحيرة.

لكن القطع مليئٌ بالتفاني.

أي إمرءٍ يرى هذا التفاني سيتعجّب.

ورغم ذلك …

“ ضعيف وأجوف ”

لم يكن فرناندو راضيًا.

إذا سأل شخصٌ ما فرناندو ما هو السيف، لم يكن لـ يستطيع الإجابة.

سواء كان السيف مجرد سلاح، سواء كان تعبيرًا عن الذات أو درب الحياة، للجميع إجابتهم الخاصة، ولو كانت غير واعية.

فرناندو لم يملك ذلك.

الحيرة والضياع.

إن كان عليه وصف سيفه، فقد كان يرمز للضياع وسط الضباب.

إنه لا يدري ماذا يريد أن يقطع.

سووش!

لم يتوقف السيف.

سووش!

قطعٌ عمودي، طعن، إحتواء، تلويحٌ أفقي.

سووش!

عبر المسارات المتضاربة والتدفق المتذبذب، لم يتوقف سيف الشاب أبدًا.

سواء أصبح المرء طيبًا أو شريرًا، أفعاله مصيرها الزوال يومًا ما.

حياة المرء مليئة بالتخبطات، وفي دروبه لن تتملكه سوى الحيرة.

وفي ما يعكف به حياته، سوف تتشكل طبيعته المتفردة.

لم يهتم فرناندو بمثل تلك الأفكار، سابقًا نعم، لكنه لم يعد كذلك.

الأهم هو أن لا يندم المرء.

سيف فرناندو لم يمتلك “تدفق”، كان فقط يُبرِزُ طبيعة ألمه.

أن تعيش يعني أن تعبر عن آلامك، وآلام فرناندو عديدة التفرعات كما أسلوب سيافته.

لم يعرف كيف يعبر عنها.

ومع ذلك، لم يترك سيفه.

لم يرى نفسه مهووسًا بالسيف.

الإستسلام أسهل.

إنه فقط …

بلا معنى.

الإستسلام للدهر وثلوج الشتاء الباردة.

لقد كان بلا معنى، بل وحزينًا للغاية.

لم يعرف كيف يعبر عن سيفه، لكنه كان يعرف الوجهة.

سيفٌ يريد التّألُّق في ليالي الجنون الأبهى.

وكانت تلك شعلة الأمل في قلبه.

“ … مازال أمامي دربٌ طويل ”

بينما يراقب نجوم الليل تختفي مع طلوع الشمس، تفاقمت الأفكار عبر ذهن فرناندو.

شهر.

هذا هو الزمن الفاصل بين اليوم ومراسم دخول الأكاديمية.

رغم أنه كان أحد أبناء نبلاء إمبراطورية كايرو، لم يرضى فرناندو التسجيل كأحد أعضاء ذاك الوطن.

ذلك القرار تسبب في استياء مجلس الشيوخ، لكنه لم يهتم.

ماذا يمكنهم فعله؟

“ حرمي من منصب الزعيم الشاب؟ هيهي، أحب أن أراكم تحاولون ”

بما أنه كان الإبن الذكر الوحيد، لم يكن لديهم خيار سوى إقحامه في فوضى إختيار خليفة رئيس عائلة نيكولاس.

إختيار النساء خليفاتٍ في هذه المواقف لم يكن واردًا.

بما أن النبلاء يهتمون بالسمعة كأهم شيء، كيف سيراهم المجتمع إن تم إختيار أحد أخوات فرناندو بينما هو موجود؟

هؤلاء العجائز لن يرضوا بأن تحكم بينهم إمرأة!

كان هناك أيضًا إمكانية الحمل عبر الزِّنَا، والقانون الشائع بحق إنتقال السلطة للزوج الذكر يعني أن من يتزوج رئيسة العائلة يمكنه تحويل السلطة منها إليه.

المرأة مخلوقٌ يحكمها العاطفة.

إنَّهُنَّ الأعمق فهمًا للعواطف، وبالتالي هُنَّ الأكثر عرضة للتأثر بها.

رجاحة العقل أهم شرط للحكم بين الناس.

تربية عائلة وحكم أسرة ليسا نفس الشيء.

“ ليس كما لو أنها مشكلتي ”

موهبته لم تستيقظ بعد، وكان الآن مجرد بشري عادي.

لقد كان فرناندو يعرف، لم يستطع سوى أن يعرف.

موهبته بالكاد كانت عادية، ولم يوقظها مبكرًا لأن قيمته للعائلة ستختفي حين يأتي ذاك اليوم.

كما هم بحاجة له كي يستفيدوا منه، كان بحاجة لهم لنفس السبب.

الآن وهو يملك الفرصة الضئيلة للتفوق هنا، آنّى له الجزع؟

التلويحات لم تتوقف، التعب إنهال عليه بلا هوادة، لكن يده لم تترك السيف.

بغض النظر عن الأسباب، إختار فرناندو أن يسجل كأحد أفراد جزيرة القمر، وبالتحديد كأحد أهالي قرية البحيرة البيضاء.

مع خلفيته الخاصة وبعض الرشوى، آنى لـ زعيم تلك القرية رفض طلبه؟

كان ذلك — مستحيلاً.

في الأمس، وردته بعض الشائعات عن مجيء إبنٍ غير معروف لـ لوكاس، زعيم قرية الرمال السوداء، لكنه لم يُعِر ذلك إهتمامًا.

“ طالما لا يقف في طريقي، لن يحصل شيء ”

وإن كان يبحث عن المشاكل؟

سوف يُقضى عليه.

إستمر السيف في القطع رغم إرهاق صاحبه.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

في قرية الرمل الأسود، لدى الناس عاداتهم الخاصة وتقاليدهم، لديهم أنظمتهم الفريدة، كان تفردهم هو فخرهم.

بعض قوانينهم واضحة، مثل التعامل مع الشغب والرذيلة، بعض القوانين غير واضحة، مثل التعامل الضريبي ومدى تقييد مجلس الشيوخ.

رغم أن لوكاس زعيم هذه القرية، لم يكن من الممكن له حكم المكان وحده، وهكذا أجبرته الظروف على بناء مجلس شيوخ، وكانت الأمور بخير وقتها.

مر أكثر من عقدٍ الآن، وكما يقول المثل، يمكن للجميع تقاسم أي شيئٍ سوى السلطة والسمعة.

بطبيعة الحال، ازدادت شدة صوت هؤلاء العجائز ورسخوا أنفسهم كأفرادٍ ضروريين للمكان.

كان لوكاس أقوى منهم، لكنه لم يرغب في التعامل مع العواقب اللاحقة للصراع، أولاً بسبب المشاكل الخارجية، ثانيًا بسبب منصبه.

من في عقله الصحيح سيمتثل لشخصٍ يقتل حتّى أتباعه وشيوخه؟

فقط محاربٌ شيطاني يمكنه ذلك، ليس له مخاوف أو عوائق تعيقه.

لديه إرادة لا تنكسر وعقلٌ من حديد، لكنه أيضًا بلا مأمن لأنه معظم الأوقات وحيد.

والسبب الأخير كانت طبيعة الصراع ذاته، رغم أن هؤلاء العجائز تدخلوا في معظم الأمور، كان ذلك تضارب مصلحي فقط، ولم يمسوا عائلة لوكاس بالأذى.

كان لوكاس والشيوخ أنفسهم مدركين لذلك، وهكذا لم يتحرك أحد من بينهم لكسر هذا التوازن الهش.

داخل مبنى الخيزران الأسود، جلس في المقاعد المرتفعة عن الأرض ستة عجائز، وكان هؤلاء أعضاء مجلس الشيوخ.

تنهد جايك وفي يده بعض الأوراق، “ الشائعات صحيحة بعد كل شيء ”

“ امتلاك القائد لوكاس لإبن، من كان يتوقع؟ بمعرفتي له، من الواضح أنه لم يكن نتاج الزِّنَا، هذا يترك إحتمالاً واحدًا أو إثنين ”

كان وجه فيكتور مهيبًا، وهو يغير ضمادات ذراعه المقطوعة.

“ إنه إبنٌ وُلِدَ بلا علم أحد، أو أنه متبنى ”

مَسَّدَ كارلوس لحيته الحمراء، قائلاً: “ تسك تسك، هذا الوغد الماكر، في مثل هذا الوقت الحساس، أن يتخذ خطوته، فيما يفكر؟ ”

لمعت عيون الآخرين بتفاهم مع كلماته، رغم أنهم لم يكونوا صريحي اللسان مثله.

“ كن محترمًا يا شيخ قاعة القانون ” تعبير العجوز بيورو كان باردًا، “ رغم أنني مدرك لسبب غضبك، أن أحد أتباعك تأذوا بسبب إبن القائد لوكاس، ليس وقت الإنتقاد، لنفكر أولاً في مشكلتنا الحالية، قرية البحيرة البيضاء ”

وعند ذكر أعدائهم الألداء، تدفقت نية القتل عبر الجميع.

لم يكن صراع القريتين مجرد تضارب مصلحي، إنه صراع كراهية.

كارلوس فقد حفيدته الشابة في إحدى رحلات القوافل التجارية بسبب قطاع الطرق، وبعد البحث المكثف عن الجاني، عرف أنها اغتيلت بأمرٍ من أحد شيوخ قرية البحيرة البيضاء.

ولولا شيخ قاعة الضرائب، لقام كارلوس بهجومٍ إنتحاري في ذاك الوقت.

فيكتور فقد ذراعه بسبب سم الثعبان الأبيض أخضر العينين، ومازال السم متخثرًا في دم الجزء المقطوع من ذراعه إلى يومنا هذا، لم يكن الدواء مكلفًا وحسب، بل وأن منطقة وجوده محتكرة مِن قرية البحيرة البيضاء.

مجرد عجوزٍ في القمر الأول، من سيتعب نفسه للصراع مع قرية كاملة من أجل مداواة ذراعه؟

وكان للآخرين قصصهم.

“ رغم رغبتي العارمة في جمع صفوفنا والهجوم عليهم، إلا أننا لا نستطيع بسبب الوضع ”

الوضع الذي حكى عنه بيورو هو إفتتاح التسجيل في أكاديمية ضوء القمر، ولم يكن هذا كل شيء، كان هناك المد الوحشي القادم بعد أسبوع، وبالطبع ليلة البدر الأجوف.

“ مشكلتنا الحالية هي الجيل الشاب، منذ فترة وحتّى الآن، لم يكن هناك مواهب تستحق الرعاية، وهذه مشكلة، إذ أن مواهب هذا العام في قرية البحيرة البيضاء بارزة، بالأخص ذاك الشاب، داميان أركاديا ”

وكان وجه بيورو رماديًا مع كل كلمة، الآخرون أخفوا مرارتهم بتعابيرٍ محايدة.

الموهبة.

إنها القدرة على فعل شيئٍ لا يقدر عليه البقية، سواء عقلاً أم جسدًا، والقدرة على إبراز تلك القدرة والإستفادة منها.

الجميع لديهم موهبة في شيئٍ ما، تأتي موهبتهم من ميولهم، بنيتهم الشخصية من الولادة وكيفية نمو الجسد والعقل منذ الصغر.

إمتلاك الموهبة لا يعني في الواقع أن الشخص يستطيع إبرازها أو الإستفادة منها، كانت هناك حاجة للبيئة المناسبة والمخاطر والأهداف الموازية لذلك.

هناك مراتب للموهبة، وكان لمعان موهبة المرء أكبر موارده في خطواته الأولى.

نفس الشيء ينطبق على محارب الإيغو.

“ بينما تتأثر الموهبة بأربعة معايير، هناك أيضًا أربعة من المواهب ”

كان الشخص المتحدث عجوزًا أزرق الشعر، كانت عيونه سوداء عميقة.

ارتاحت في ذراعه حشرة مضيئة بحجم القبضة، أجنحتها شفافة كالزجاج اللامع، عيون الحشرة دائرية، حمراء كالدم، كانت تحدق في الهواء كالمجنون.

ضوء العيون في بعض الأحيان ينقسم عبر الفضاء ويندمج.

بجانب الحشرة الكبيرة كان هناك حشرات أصغر، ضوء الأجنحة لمع بأربعة ألوان.

أسود، رمادي، أبيض، قرمزي، تماوجت الأضواء مع بعضها وتتغير، تنقسم وتندمج.

يراعة نور المجنون.

تم ذكر هذه اليراعة أول مرة في واحدة من أعتق حكايات الزمان.

كانت اليراعة تعيش في بحيرة تكونت عبر نور القمر الذي حجب النهار لألف عام، وهناك بقرب البحيرة سقط إنسان.

ذلك الإنسان هو أول شخصٍ يصبح محارب إيغو.

وبحسب الحكاية، كانت اليراعة هي الحافز الضروري ليتكوّن قلب الجوهر.

مع تقدم السنين، اكتشف عباقرة التاريخ أساليب متعددة لإستخدام يراعة نور المجنون، ومنها كشف إمكانات المرء.

هكذا أتت درجات موهبة المرء.

راقب الجميع شيخ أكاديمية القرية، ولم يقاطعه أحد.

لقد كانَ أكثرهم فهمًا لمدى خطورة الوضع.

مسَّدَ العجوز مايكل لحيته وهو ينجرف في أفكاره.

“ الموهبة، في جوهرها، ليست سوى إمكانات المرء مقابل قدراته الحالية، لكنها مهمة للغاية، وهكذا وضع أساتذة التاريخ تصنيفات واضحة للموهبة، الجاهل، العادي، الموهوب، العبقري ”

الجاهل، والمقصود به الذي لا يدرك طبيعة ذاته أو محيطه، يلوم الدنيا على بؤسه ولا يتعلم، يعيش على فتات الذكريات، خائفًا على مستقبلٍ لن يأتي، ناسيًا حاضره ويقتله ببطء.

هؤلاء من ينجحون في مراسم اليقظة لكنهم لا يعرفون أي دربٍ يسلكون، لا أي إيغو يستخدمون ولا يمكنهم التقدم، معظمهم يعلقون في القمر الأول، بعضهم يصلون للقمر الثاني.

لهذا عاش في ظلام الجهل، وكان عالمه أسود.

العادي، موهبة معظم المحاربين، يتداركون مشاكلهم وطرقهم خطوة بخطوة، فكما يقول المثل، تختلف قدرات الناس حسب عقلياتهم.

ومع مثابرتهم، يصل العاديون إلى القمر الثاني، أقليتهم يصلون للقمر الثالث إذا نجوا من الكارثة إثر بلوغه.

لا نورًا أو ظلام، إنهم من عاشوا في عالمٍ بلا يأسٍ أو آمال، وكان الرمادي هو جوهر عالمهم.

الموهوب، وكان ذاك الجدار الثقيل للواقع، هناك أشياء يمكن لهؤلاء فقط فعله، ومستوى يمكن لهؤلاء فقط بلوغه، يجد هوسه في دربه، يجد تفرده في ذاك الإنغماس، هؤلاء من يقودون العالم.

القمر الثالث مسألة وقت إن نجا حتّى ذاك المستوى، لديه الأحقية لكرسي القمر الرابع، الخامس غير مؤكد للغاية.

إمرءٌ يعيش في نور قلبه، ومهما كان العالم مؤلمًا، يستمر الموهوب لسببٍ بسيط.

حلم.

وكان جوهر قلبه أبيض.

العبقري، إنه من يجسد معنى عجائب العالم، لم يكن شخصًا يُخلِّه التاريخ، إنه الكاتب والراوي بنفسه، مختلف عن الجميع، بعيد عن الجميع.

كان هو يأس الحياة.

شخصٌ مصيره تدارك المآثر العجيبة، قوة إرادته هي الأبهى، عقليته فريدة وإبداعه أغرب منه لا تراه، قدرة جسدية من الدرجة الأولى، وطاقة الجوهر هي الأنقى والأعلى.

لم يكن القمر الثالث سوى موطئ قدم، القمر الرابع هو حقٌ شرعي، إن مبلغ بهائه الأعتى هو القمر الخامس، وهو قمر الدنيا بذاتها.

لون الحياة، لون الدم، نور القمر، نور الشمس.

اللون القرمزي يزين العبقري، من خلاله ينير الدنيا بما فيها، وكان أبهى لون، لأنه يعيش في كل لحكايات.

“ هذا العام لم يكن لنا سوى مواهب الجاهلين والعاديين، قرية البحيرة البيضاء تشابهنا في هذا، المشكلة هي ذلك الشاب داميان، إنه موهوب، ورغم أن إبنة القائد لوكاس وصلت إلى ذروة موهبة العادي، الفجوة بين العادي والموهوب لا يمكن سدها بسهولة ”

الكلمات التي لم يرغب أحدٌ بنطقها أو سماعها، سقطت عليهم كالدلو البارد.

موهوب، وذاك يعني بلوغ القمر الثالث مستقبلاً.

“ … هذا هو سبب تواصل طائفة الصقيع الأحمر مع قريتهم، وحتّى مبايعتهم في التجارة وإرسال شيخ لتوحيد القريتين ”

هذا يعني شيئًا واحدًا …

“ نحن في ورطة ”

كان تعبير كارلوس باردًا رغم كلماته الخطيرة.

سوف تتدخل الطائفة المعارضة للصقيع الأحمر، وبما أن قرية الرمل الأسود لا تملك موهبة بارزة، لم يكن هناك حاجة لتقديم العطاية كما حال قرية البحيرة البيضاء، سوف يسيطرون عليهم بالقوة.

أسوأ ما في الأمر؟

لم تكن تكن هذه القرية تابعة لأي طرف، لن يتدخل أحد.

“ العجوز كارلوس، رغم قولك هذه الكلمات، لا أرى غضبك المعتاد، يبدوا أنك لا ترى الوضع بتلك الخطورة ”

وكان المتحدث هو منافس كارلوس الأوحد، شيخ قاعة الضرائب، توماس.

“ عجوزٌ حاد الإدراك بلا داعٍ ” بصق كارلوس على الأرض، يشتم منافسه.

“ … ليس الأمر أنه لا يوجد حل، إنه فقط لا يعجبني ”

“ كفاك شكوى كعجوزٍ شمطاء! إن كان لك حَلٌّ فقله! ”

كانت عيون الخمسة الآخرين تحدق في كارلوس بشغف، كما لو أنهم سيأكلونه حيًا إن كان يمزح.

“ أيها الفاسقين! هل وضعتم عقولكم في مؤخراتكم؟ أما نسيتم ما حصل بأحد اتباعي! ”

بام!

ضرب كارلوس الطاولة بانزعاج، كلما تذكر ذلك، ازداد غضبه.

الآن ماذا سيقول الآخرون عن قاعته، طفلٌ أبرح شخصًا بالغًا ضربًا، وهو محارب إيغو فوقها، من سيصدق؟

لو قال أحدٌ هذا لـ كارلوس لـ رماه في قرية الغيلان عاريًا كعقاب على الكذبة الواضحة!

لكن الجميع رأوا ما حصل، من يمكنه نفي ذلك؟

ضحك الآخرون من الأمر، لكنهم فهموا قصد هذا العجوز العنيد.

يمكنهم فهم مشاعره.

إبن القائد لوكاس.

“ أنت تطلب منا إستخدامه؟ ”

إثر كلمات توماس، شخر كارلوس ببرود، لكنه لم ينكر الأمر.

لم يكن كارلوس سعيدًا رغم أنه من وجد الحل.

التوجه إلى من أهانه كحل لهذه المشكلة؟

كان الأمر كما لو أن شخصًا صفعكَ، ثم تعطيه خدك الآخر ليبصق عليه!

“ أعرف مدى ثِقل ذلك عليك أيها الشيخ، لقد وجدنا حلاً بسببك، شكرًا لك ”

بيورو فهم ما في عقل كارلوس، وأومأ له بامتنان.

هناك صراع مصالح بين الشيوخ، ولم يتفقوا في الأمور.

لكن مع وجود عدو مشترك ومشكلة تشمل الجميع، لن يسعهم سوى التضامن على حساب الفوائد الشخصية.

بما أن ذاك الشاب إستطاع هزيمة أحد أقوى الحراس، كان من الواضح مدى موهبته، لم يكن أمام داميان الذي أيقظ موهبته قبل فترة فرصة.

رغم أن هناك عدة أمور غامضة عن ذاك الشاب ليون، طالما يمكنهم إستخدامه لحل المشكلة، إذًا ماذا؟

الأمور الصغيرة يمكن حلها لاحقًا!

“ همف! ”

نظر كارلوس بعيدًا تجاه عيون الآخرين المتفاهمة والمتعاطفة.

“ يا لك من عجوزٍ عنيد، إقبل الإمتنان عندما يأتيك ”

“ كما لو أنني سأفعل ”

لم ينسى توماس إزعاج كارلوس.

“ هذا جيد، إنه جيد بالفعل لكن … ”

أضحى صوت بيورو باردًا، نظرته القاتمة جعلت الهواء يرتعش.

“ نحن لن نستخدمه، مهما كنا يائسين، مهما كنا بائسين، لن نصبح حمقى، الذين يستخدمون شعب وطنهم كأدواتٍ سبيلهم هو الدمار، الملك الطاغي الذي لا يستمع يسقط، لكن الطاغي المستمع لشعبه لن يسقط أبدًا ”

مهما كنا قساة على الباقي، يجب أن لا تنسوا، وطننا هو ملاذنا، ومثلما نحمي قرية الرمل الأسود، قرية الرمل الأسود تحمينا أيضًا.

“ وهذا ما يعنيه الوطن ”

أومأ الآخرون برؤوسهم إتفاقًا.

بطبيعة الحال لم يكونوا على وشك التعامل مع ليون كأداة فقط، إن لم يجدوا تفاهمًا مع هذا الشاب، سوف يحاولون إيجاد حل آخر، ولو كان صعبًا.

“ وصلنا لحل، لكنه مجرد حل واحد، آمل من الجميع التفكير في حلول إحتياطية، للآن، سنعتمد هذا، أي إعتراض؟ ”

رغم امتعاض تعبير كارلوس، لم يعبر عن رفضه، والآخرون كانوا بلا تعابير.

“ إذًا سوف نبدأ في صياغة خطة للتعامل مع قرية البحيرة البيضاء ”

وهكذا إستمر الإجتماع.

خارج القاعة، كانت الأجواء صامتة، وفي الشارع لم يمشي أحد.

كرسي قريب من القاعة جلس عليه شاب أسود الشعر.

عيونه الدامية كانت وامضة.

“ وطن، هاه ”

كلماتٌ مثيرة للسخرية، ليقولها عجائزٌ مقاربين للثرى.

تم نقش وشمٍ أسود يشبه قمرًا مكسورًا على ذراعه اليسرى، وكان النقش يلمع بغرابة، هذا الشاب هو ليون.

كان هذا إيغو الكشف الخاص بـ ليون، طالما يتعرف ليون على شخصٍ ما كهدف، ولدى ذاك الشخص عواطف معينة تجاهه، سوف تنشأ رابطة.

تلك الرابطة تسبب في إنتقال جزء من إرادة ليون لـ قلب الجوهر الخاص بالشخص، ومن ثم يمكنه التلصص عليه.

لم يقم ليون بإهانة الحراس لمجرد إعطاء الناس إنطباعًا عنه.

كان هدفه هو كارلوس، الذي لديه أقوى ضغينة تجاه قرية البحيرة البيضاء.

أن يُكشف أمره؟

ما لم يكن المعني خبير كشف في القمر الرابع، الإحتمال بنفسه غير وارد.

هذا هوف فارق القوة.

“ جيد، لقد قاموا بالأمر كما توقعت بالضبط، رغم الكلمات الأخيرة غير المتوقعة، لا يهمني، الآن وقت الجدية ”

وبينما يقوم بتعديل حساباته وتغيير بعض الأشياء لمحاكاة الظروف الحالية، فكرَ في أمر قرية البحيرة البيضاء.

داميان، درجة الموهوب، هاه؟

“ غير متوقع بعض الشيء، لكن يمكن إستخدامه ”

كل ما علي فعله هو قطع رأس زعيم قرية البحيرة البيضاء، وباقي القطع ستسقط كالدومينو.

مدّدَ ليون جسده ومشى بعيدًا.

المكان الذي تخرج منه الجيل الشاب.

الطائفة الساقطة، والتي أصبحت مجرد مؤسسة تعليم إثر الفقر.

أكاديمية الرمل الأسود، التي ستصبح قطعة مهمة في خططه القادمة.

كان ليون متجهًا هناك.

2025/09/03 · 22 مشاهدة · 3015 كلمة
نادي الروايات - 2026