9 - الفصل 9: من لا يبتسمون للشتاء، لن يضحكوا للربيع أبدًا (4)

الفصل 9: من لا يبتسمون للشتاء، لن يضحكوا للربيع أبدًا (4).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

“ ما هي خِصَال القوي؟ ”

كان هذا ما سأله ليون في صِباه للمدرب قُبَيل وفاته.

وبينما يحدق في السماء البيضاء لـ مرج العقوبة، ومضت الحيرة في العيون.

ما معنى القوي؟ لماذا القوي مميز والضعيف نكرة؟

مرور الزمن يجول بالرجاحة نحو العدم، وحين يخالج قلب الصبي شعورٌ أجوف، يميل إلى إشباع فضوله.

هل هو خوفٌ من العدم؟

لا، لقد عاش في هذا المكان لفترة طويلة بالفعل، الخوف لم يعد شعورًا يتذكره.

لقد كان ببساطة جائعًا.

أول مرة ذاق فيها ليون النصر، لقد كانت عندما نجا من طقوس اليقظة.

شعور غريب، لكنه لم يكن سيئًا.

بل وحتّى شعر بالشبع.

جوع الغلام الأكبر كان سببه عدم وجود هدف للعيش.

وعندما ذاق ذائقة النصر وشرب مياهه، أدرك غايته في الحياة.

ما كان يريده ليس “القوة”، بل تحقيق هدفه الخاص.

ذاك الشعور بأنه لا يقهر، وأن العالم بأكمله موجود ليشهد تطوره.

اللحظة التي يمتلكها “هو” وحده.

“ أشعر أن القوي يستمتع أكثر من الضعيف، ما هي القوة؟ لماذا الشعور بالقوة ممتع لهذا الحد؟ أخبرني ”

عيون الغلام كانت مليئة بالنشوة الغريبة، حتّى صوته حين سأل بدا ممسوسًا.

تحقيق المستحيل وجعله ممكنًا، والكفاح أثناء كسر قيوده.

أفي الدنيا أبهى من هكذا شعور؟

إنه ممتع، ممتع أيَّمَا متعة!

السير في الدرب نحو الهدف أمتع من تحقيقه.

وعند تحقيقه بعد أقصى كفاح؟

هذا هو أفضل شعور في الدنيا.

هذا الإدراك لم يكن عميقًا، بل غريزي.

الغلام لم يفهم بعقله، بل بقلبه.

كونه صديقًا للجنون وليًّا لذاته، سمع ليون الصغير صوت قلبه قبل كل شيء.

هكذا تَوَلَّدَ الفضول الذي لا يشبع.

بعد مرور أسبوع أخيرًا، الساعة الوحيدة حيث يمكنه أن يسأل “العجوز“ عن ما يرغب أتت.

إعتاد المدرب على تساؤلات الصبي الغريب منذ زمن، وكان يجيب قدر ما يستطيع.

في حينٍ آخر يدركه فضولٌ لا واعي تجاه أسئلة الصبي.

زاد الرجل من نفسه عِلمًا، وهذا حتّى ينقل عِلمه للصبي.

على عكس المتدربين الآخرين، الذين أضحوا مرايا للبالغين هنا، كان مختلفًا.

لم يكن مثل زهرة تتماثل مع البقية.

لقد كان الزهرة التي تتفتح على سفح الجبل بعد الشتاء، فريدة وبلا تماثل.

لذلك تعليمه كان “ممتعًا”.

فتح فمه للإجابة:

“ نحن شعبٌ يحادث بعضه بنفس الكلام، يأتينا السقم كلنا، يتماهى العفو والغفران في قلوبنا تارة، وكرهٌ يلِج فِكرنا في الأخرى، هذه طبائع يتساوى بها الإنس أجمعين ”

قال الغلام، محيرًا:“ لكن ألم يعلمونا منذ نعومة أظفارنا أننا لا نتساوى؟ ”

“ السبب بسيط، ومن ذاك السبب آتى للشعوب والحضارات مساعي التطور وكذلك الفساد، إن أصل عدم التساوي هو الرغبة في التميز ”

للجميع رغبات وعواطف، ومن تلك الرغبات يستنبط المرء فهمه للدنيا.

أهم تلك الرغبات هي الإلتزام بترك أثر.

الزواج، الإختراعات، التفوق.

كل تلك الأمور تخدم سعيًا واحدًا.

وكان ذلك السعي هو إرادة ترك آثارهم، دليل أنهم كانوا موجودين، وأنهم عاشوا.

لما يتضامن الناس؟

لأنهم يخافون العزلة.

العزلة ليست في البقاء وحدك، بل هي أعمق.

العزلة هي النفي والفَناء، أن تفنى من قلوب الناس وذاكرتهم، أن تبقى في بيئة لا محادثًا لك فيها سوى ذاتك.

لا عدوًا للقتال، لا حليفًا للتعاون، أنت وحدك، كما الأجوف.

هذه كانت العزلة.

يخافها الناس لأنها تجعلهم مدركين لقلة أهميتهم.

الطفل يريد الإحتضان والعطف، هذا تميّز.

الزوجان يريدان المحبة من بعضهما، هذا تميّز.

والتلميذ يريد مديح معلمه، هذا تميّز.

“ أعي هذا بعض الشيء … الأمر مثل كيف أردتُ الإحساس بذاتي عند الضياع، لأن الخوف من الاندثار رغم خِفَّته همس لي، لكن المتعة عندما أعود لوعيي، عِلمًا بأنني فزتُ على الجنون مرة أخرى، تفوق ذلك، هل هذا هو؟ ”

لمعت عيون الغلام بفخر، كما لو أنه وجد إجابة سؤال صعب للغاية.

لم يخف ليون في صِباه من الفَنَاء.

سواء نساه الناس أم لم يتذكروه، لا يهتم.

اعتاد الكراهية هنا بالفعل، ولم يتذكر أنهم أحبوه.

اللامبالاة بالنمل شيئٌ طبيعي.

لم يكن الغلام نملة، لكنه يفهم الأمر، لذلك قام بنفس الأمر.

لذلك هو أناني.

ربما هناك من أحبوه، ربما لا، كيف يمكنه أن يعرف؟

لذلك لم يهتم.

ما كان مخيفًا له هو أن ينسى ذاته.

حتّى ذلك، رغم رعبه منه، وجده ممتعًا.

في لحظات الخوف تلك ينكشف جانب جديد من ذاته.

هذا الفهم يداركه نحو الخطر والجنون، ذاك الجنون يحفزه على المضي قدمًا.

وعندما يفوز، يصبح الأسعد في العالم.

أنا لا أدري ما تقصد، أيها الشقي.

… هو ما أراد الرجل قوله.

“ نعم، ولنفس السبب، يحب الناس أن يكونوا أقوياء، لأن القوة في دنيانا تعني الهيمنة، الأقوياء يمكنهم فعل ما يشاؤون، لكن ليس هذا مبتغى فضولك، أعين الصواب كلامي؟ ”

أومأ الصبي بسرعة، عيونه الوامضة لم تحتوي على الجنون.

على عكس الأزمان حينما يُترك وحده مع الوحوش، يقاتل ويقتُل، الوضوح في تعابيره جعلت الرجل يدرك بعمق، ما كان أمامه لم يكن سوى طفل.

هذا الجانب من الغلام لم يراه سواه، وهذا جعله يتشجع عند غيابه عنه بسبب القواعد، ويتحفز للقاءه مرة أخرى.

“ خِصال القوي؟ إنها بسيطة، يعتقد الناس أن القوي هو الأعتى بدنًا أو الأبهى عقلاً، أو ربما الأحسن خُلُقًا، وهذه الصفات عين الصواب، لكنها ليست الأدهى، إذ بشعوبٍ عديدة تباهى أناسها بها، لكنهم اندثروا تحت فيضان اليأس المرير ”

عند حديث الرجل، فكر الغلام بعمق، وحاول تفسير الكلمات.

لكن هز رأسه في النهاية.

كان صغيرًا جدًا على فهم ما يقوله هذا العجوز.

“ لا أفهم شيئًا مما تقول، فقط أخبرني بالفعل! ”

“ … أيها الفاسق ”

قاوم المدرب الرغبة العارمة في ضرب رأسه بقوة، ونقل بصره نحو العيون القرمزية للغلام.

“ أنت نجوتَ في الشدائد حتّى الآن، رغم كونك متوسطًا في المعايير الجسدية، لستَ الأقوى في المنشأة، أنت الوحيد الناجي بين جيلك، الأصغر والأكبر منك لم يرتقوا عبر طقوس اليقظة، لذا من بلغوا 16 عامًا هم المعيار الأدنى، أقوى من أقرانك، نعم، لكن هذه البيئة غير عادلة، سوف يواجهك من هم أكبر، أشرس، وأقوى، والموت هو النتيجة المتوقعة ”

“ كما أنك لستَ الأذكى، عبقري في الفِكر، لكن الخبرة ناقصة أمام الوحوش الحقيقية، حتّى الموارد تم منعك منها إلا في حال قضيتَ على الوحوش، التي هي مجرد مفترسات لا تتعدى قواها القمر الأول، إذًا لما بقيتَ حيًا؟ ”

“ اوي! أنا أقوى شخص أعرفه! ناهيك عن عقلي وحتّى نضارة بسمتي البهية! لا تقم بإهانتي أيها العجوز- ”

“ استمع لكلامي أولاً! ”

بام!

“ آآآآآك! ”

زفر الرجل بإرتياح بعد ضرب الغلام أخيرًا.

“ أنت تبحث عن خِصال القوي بعيدًا، بعيدًا جدًا عن مصدرها، لكنك تملكها بالفعل ”

“ … ماذا؟ ”

‘أعرف أن هذا المكان يسبب الجنون بالفعل، لكن هل الأمر بهذا الفظاعة؟ أيها المسكين …’

لقد فقد العجوز عقله … يا للأسف.

بينما كان على وشك السخرية مرة أخرى، تلاقت عيونه مع الرجل.

كانت أعين العجوز متدلية قليلاً، وعلى وجهه، كان هناك بسمة.

بسمة رقيقة، بسمة دافئة.

بسمة غريبة عن فهم الغلام.

وكانت هذه أول مرة يراه يبتسم.

“….”

هذا جعل الصبي عاجزًا عن النطق، وبقي يراقب العجوز يتحدث بنبرة ناعمة.

“ عدم الرضا، مهما كان موقفك يائسًا، أنت لم تكن راضيًا عن البقاء ساكنًا، وفي لحظات فرحك الأعتى، أنت لم ترضا سوى بالمزيد ”

“ عباقرةٌ أم موهوبون، لا اليأس أو المرارة ما يقتلهم، إنه الرضا، في اللحظة التي تشعر فيها بالاكتفاء، أنت تموت، الراضي هو الشبعان، الراضي هو الأرنب الذي يرخي حذره، مصيره الوحيد أن يصبح طعامًا لنمو مخلوقٍ آخر”

لكن الغلام كان مختلفًا.

موهبته لم تكن بذاك التميز.

لقد نجا من طقوس اليقظة في عمره ذاك، هذا عجبُ العُجاب، لكنه لم يكن سوى عاديًا، ليس موهوب، ليس عبقري.

لكن هل كان راضيًا؟

لقد قاتل مهما كانت الظروف، وكافح ضد كل شيء، ضد الذين خدعوه ليعتقدهم حلفاء، ضد الخيانة وضد النظام.

لقد راقبه العجوز لفترة طويلة، قبل أن يعرفه الغلام حتّى.

الصبي لم يتعاطف مع الآخرين، لكنه كان غزير العواطف.

إنه يضحك عندما يفرح، يبكي عندما يحزن، يخاف، يغضب.

بل وأكثر من الجميع، حتّى.

لكن.

مهما كان الأمر مرعبًا، قاسيًا، ظالمًا.

لقد قاتل دومًا، في أزمان خوفه الأعتى، لا يهرب.

ليست شجاعة أو عدم جزع، بل كانت مجرد عقيدة حمقاء.

‘ لن أهرب من أي شيء، هذا ما يقوله الرقم خمسة! ’

وبالرقم الذي نصبه لذاته، كرس حياته للكلمات.

إن لم يكن بالنصل فـ بذراعه، وإن لم يكن فـ بأسنانه.

لأنه لم يرضا، كان جشعًا.

أراد المزيد دومًا.

قوة أعتى، معرفة أكثر، وحتّى متعة أبهى.

في بيئة مقيدة، كان يحرر نفسه من قيود “الرضا عن الذات”.

لذلك كان هنا.

“ القوي لا يرضى عن مستواه أبدًا، ودائمًا يسعى للمزيد ”

“ القوي ليس من يفكر بعمق أو يضرب بقوة، إنه من يجد الحلول ويطبقها، دائمًا ”

القوي هو الشخص الذي يتفوق مهما كان الموقف، جاعلاً من اليأس أملاً، جاعلاً المستحيل ممكنًا.

مرج العقوبة كان أرضًا تنكسر فيها العقول وتفنى، لكن الغلام بقي عاقلاً، يحتضن جنونه ويقبله كالصديق الأبدي.

هذا، بلا شك، كان من خِصال القوي.

“ أيها الغلام الشقي، أنت أفضل مما تعتقد، والعالم أكبر مما تراه، يومًا ما، سوف تُبصِره، وتشعر به بكيانك ”

“ هذا هو القوي ”

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

“ إنه نائم؟ ”

“ متعجرف حقًا ”

بينما تماهت له ذكرياته في المنام، تهامس الطلاب حول الشاب أحمر العيون، لكن لم يقترب أحد.

أحد الفضوليين كان كيفن.

لقد شعر بالإنزعاج بعض الشيء.

التحرك السريع، هذا هو تخصصه.

ربما هنا أو في قرية البحيرة البيضاء، هناك من هو أقوى، لكن لم يوجد إبداعيٌ أسرع منه في الحركة.

إعتبر كيفن نفسه صاحب ردود الفعل الأفضل بين الجيل الشاب عبر القريتين.

لكن أمام خطوة ليون الواحدة؟

كان بعيدًا للغاية، ضخم للغاية، غير متدارَك للغاية.

لم يرغب بالإعتراف، لهذا إنزعجَ.

“ لنختبر سرعة رد فعلك بجدية … ”

قام بتمزيق أوراق كتابه الذي تعب يعمل ليشتريه، ثم كدّس الأوراق في كرة.

“ هيهيهي ”

بينما راقبت ستيلا ضحكه الغريب، تنهدَت.

لم يقارب أحدٌ ليون، وهذه كانت فرصة كيفن.

“ هوووف … ”

لم تكن طاقة الجوهر في جسده مميزة، لكنه تعلم التحكم بها بمرور الزمن.

الجميع يمتلك طاقة، والجميع يستهلكها، لكن هناك فرق بين العادي والخارق.

البشري الخارق يستهلكها بوعي، متحكمًا بها، ولو قليلاً.

محارب الإيغو مخلوقٌ خارق.

هذا ما آمن به كيفن.

بهذا الإيمان، بذل الشاب جهده ليصبح خارقًا.

الخارقون مميزون بعد كل شيء.

دارت الطاقة عبر القلب، الإحساس غامض، لكنه حقيقي.

توجيه الطاقة نحو ذراعه يتطلب الإرادة، تلك الإرادة تشكلها الخبرة والعادة.

ثم، يتم تحويل ذاك الوعي عبر الأوردة، تلك الأوردة هي مسارات الدم وطاقة الجوهر.

شعر كيفن بالطاقة عبر ذراعه.

“ بطيء … ”

من أجل توجيه القوة الخارقة نحو ذراعه.

إستغرقَ 10 ثوان.

لو كانت هذه ساحة حرب، لمات قبل مرور ربع الزمن.

‘عند إتقان الجوانب الثلاث للطاقة يمكن للمحارب إستخدام الإيغو‘

كلمات الشاب المتغطرس رنّت في دماغه.

“ سوف نرى … ”

هااااب!

شدّ عضلات الذراع، تم تحديد الهدف.

ثم …

“ إن كان كلامًا بلا أفعال! ”

سوووش!

الرمية كانت قوية للغاية، ولم يتداركها أحد.

بام!

اصطدمت الكرة الورقية بالشاب النائم.

هذا ما كان يجب حدوثه.

“ هم؟ ”

يدٌ ممدودة ممسكة بالكرة.

“ … ذاك العجوز، لا يفارق أحلامي حتّى، هاها ”

تثائب ليون، غير مدرك للورق في ذراعه، ومن ثم انتشرت ابتسامة طفيفة عبر وجهه.

رجل شاب في 30 من عمره، لكنه للصبي مجرد عجوز سيء الحظ، إنتهى به الحال لقضاء الوقت مع مسبب للمشاكل كـ ليون.

‘ أنا لم أرضى بالقيود، هذه ذاتي الماضية، لكن ذاتي الآن لها مساعي أعتى ’

يد تمتد لحجب العالم، ذراع تلامس النجوم وتنير العالم بأكمله، ويأتي إحتراق النجم إلى أن ينطفئ.

هذا ما طارده ليون طول عمره، وأراد أن يقارب ذاك الهدف قبل أن توافيه المنية.

كل ذلك بدأ من كلمات ذاك الرجل، العجوز الذي أحبه الصبي، ولم يفارق شكله عالم الرجل الشاب.

“ يا رجل! لم أغفوا هكذا لسنوات! ”

ماذا؟

هو … أوقفها بيده؟

للعلم، لم تكن أوراق كتاب كيفن عادية، لقد تكوّنَت من مخلّفات ثور الجمجمة المعدنية، وكان روثه مفيدًا في صنع أوراق لا تتلف بسهولة لكنها مرنة وصلبة.

عند تكوينها في كومة، يمكن للأوراق أن تكون صلبة كالصخر، هذا في الأساس حجر تم إلقائه نحو رأس ليون.

حتّى لو حذرته غريزته، رد الفعل الأكثر منطقية هو حماية جسده، لكن الإمساك؟

هذا خارج المنطق.

كاد كيفن أن يتلعثم ويصدر صوتًا، لكنه غطّى فمه فورًا.

لم يلاحظني بعد، يمكنني فقط إلقاء اللوم على أحدٍ آخر.

قتال هذا الشيء؟

التحكم في طاقة الجوهر، السرعة وردود الفعل، حتّى الشائعات.

حتّى الأحمق يمكنه الفهم، هذا الوغد هو وحش.

لا قتال!

لكن.

“ لذا؟ ”

العيون حمراء حدقت به مباشرةً.

“ لما رميت هذا؟ ”

كان ليون يبتسم.

لكن ابتسامة المفترس هي الأقبح للفريسة.

الأنياب الحادة برزت من فمه، والتعطش الغير مفهوم ينضح من نظراته، وحتّى الوحشية الباردة.

“ ماذا؟ أتهذي بسبب النوم؟ ”

“ بالفعل؟ هممم، هل أنا؟ ”

فكر ليون بعمق.

ثم.

!!!

شعر كيفن برعشة غريبة وتراجع للخلف بسرعة.

كلاك!

ومع ذلك، لم يكن سريعًا كفاية.

أمسكت يدٌ خشنة وجهه بقسوة.

“ هو ما تريدني أن أقول، لكن، لا يمكنني تجاهل رغبتك الصارخة في قتالي، همم؟ ”

كان ليون يجلس فوق كرسي كيفن، ذراعه ممسكةٌ برأسه.

ضغطت اليد على فكه بقوة.

وكان الضغط على وجهه مؤلمًا.

متى تحرك؟

مجرد لحظة، لحظة عابرة!

حاول كيفن تحريك جسده للتراجع أو الهجوم، لكن الألم لم يترك مجالاً.

“ يا ”

“ آغغغك! ”

تم سحب الوجه بقوة للأمام فجأة.

“ لما أنتَ ضعيف؟ ”

“ هييك! ”

شعر كيفن كما لو أن أسنانه ستنكسر تحت الضغط، لكنه حاول إلقاء لكمة.

بام.

وكانت الضربة ضعيفة للغاية.

“ حسنًا، سوف آخذ وقتي في المعرفة! ”

ضحك أحمر العيون فجأة ورفع قبضته.

سووش!

كانت لكمة الشاب تتجه نحو وجهه.

لكن.

وميض يعكس ضوء الشمس أعمى بصر كيفن للحظة.

ثم شعر بقوة تسحبه للخلف.

بانغ!

وعندها سمع صوت الإصطدام.

المنظر أمام أعين كيفن أثار صوتًا مندهشًا.

“ رفاق؟ ”

ساق حطّمَت الكرسي ظهرت، وسيفٌ قطع الهواء ومض.

ومن خلفه، شابَّتان قامتا بسحبه.

“ هيه؟ هل يحب الناس هنا القتال الجماعي؟ ”

وبعيدًا، وقف ليون، يديه في جيوبه، وجهه المسترخي لم يرتجف.

“ نعم، هكذا يجب أن يكون الأمر، لن تفوزو على أي حال، آتوني بما عندكم! ”

كوااك!

تشقلبَ في الهواء ثم مد قدمه نحو السقف.

لامست قدماه السقف، لكنه لم يسقط.

على العكس، التصق به كالعنكبوت.

“ ما هذا؟ ”

“ إنه—”

عندما كاد ثيودور أن يتحدث بصوتٍ مرتجف، مد يديه في تقاطع فجأة، وعيونه واسعة.

سووش!

بام!

“ كياااااغغغ! ”

شعر ثيودور كما لو أن جاموسًا ضرب ذراعيه، ومن المنطقة التي وقف فيها، لم يتراجع، كان الطلاب خلفه.

“ يا؟ أنتم أقوياء بالنسبة للنمل، هذا ممتع! ”

ليون، الذي ضرب من الجو، كان يقف على ذراعه المفتوحة فوق أذرع ثيودور المتقاطعة.

“ الشقراء سوف تهاجم عندما يحجب الخنفساء الحمراء نظري، ثم تأتي الغريبة سوداء الشعر لمحاصرتي، ثم يغدر بي الفتى السرعوف والفتاة التي تشبه الطحلب … ”

عند هذا الكلام، اصبحت المجموعة منعقدة اللسان.

بكل تأكيد، كانت الخطة الضمنية في اللحظة العابرة بسيطة.

عندما يقوم ثيودور بالهجوم، سوف يقلل من خيارات ليون مع جسده الضخم وقوته، ثم تنتهز تشاي نايون أي ثغرات يرتكبها، وبعدها تحوم ستيلا حوله لزيادة ارتباكه.

وأخيرًا يغتابه كيفن ولونا في هجومٍ مشترك.

لم يتحدثو عن الأمر، لقد أتى ذلك غريزيًا، تلك التحركات الغريزية أتت بسبب الخبرة، هذا يظهر أنهم عملوا معًا لفترة طويلة.

“ أفكاركم واضحة للغاية، أيها الصعاليك ”

حاول ثيودور التراجع، رغم ذلك لم تتركه ذراع ليون، وشعرَ الشاب بأن الجاذبية تصبح أثقل، مما يمنعه من الحركة.

لم يستطع أن يسقط هنا، هذا سيضر بكبريائه.

‘ سوف أمسك به وثم أدع الآخرين يتراجعون، بعدها أرميه بعيدًا لترتيب صفوفنا— ’

ومضت نظرات ثيودور ومد إحدى أيديه المتقاطعة.

لكن ليون قفزَ مرة أخرى نحو السقف.

أقدامه وأيديه ممسكة بالحائط، أعينه الباردة تحيط بالفصل كله.

ذاك الفحص جعل القلب يبرد.

قفز ثيودور خطوة للخلف بلا وعي وصرخ.

“ تراجعوا بسرعة— ”

“ متأخر”

في لحظة، كان واقفًا وسط المجموعة.

“ عليك اللعنة! ”

كان كيفن أول من استجاب، قفز في الهواء ودار، كعبه الخلفي يتجه نحو ليون.

أمال رأسه قليلاً للجانب، ممسكًا بقدمه، ثم رماه نحو ستيلا.

‘ اللعنة! ’

شتمَت ستيلا حظها ثم حاولَت التهرّب.

لكن ليون كان أسرع.

“ هوووش! ”

أصوات غريبة خرجت من فمه.

قبل أن تبدي تشاي نايون رد فعل، تحرك نحوها ثم ركل جانبها.

“ بلووم! ”

كوانغ!

في آخر لحظة، صدَّت الضربة بسيفها، لكن الصدمة جرفت جسدها للخلف.

عند ذلك، جرى اليون للأمام، نحو ستيلا بسرعة فائقة.

سووش!

في لحظة كان أمامها.

كل ذلك قبل أن يصل كيفن المرمي إليها حتّى.

سرعة سخيفة وظالمة.

“ فوووش! ”

قبضته كانت جاهزة للضرب.

‘خطر! ’

لم تكن سيوفها معها، وللأسف كانت السيوف المزدوجة قيد الإصلاح.

رفعَت أذرعها في تقاطع لتلقي التأثير.

لم يكن هناك وقت للهروب، ومن الأفضل تلقي الضربة لتأخيره قليلاً، ذلك ربما يعطي ثيودور ولونا فرصة للهجوم.

كانت فكرتها منطقية، وحدث المشهد في رأسها قبل مرور جزء من الثانية حتّى.

ومع ذلك، حركة ليون المفاجئة جعلتها مذهولة.

بينما كان تأثير ركضه الفوري يتباطأ، تغير إيقاع أقدامه بغرابة.

“ بان بان، بووش! ”

قفزة خفيفة، ثم نقرة بالقدم اليمنى نحو اليسار.

وبعدها دفع بالقدم اليسرى للأمام.

سووش!

حركة بسيطة لكن مذهلة.

كان ظهره يواجه ظهرها، خلفها ببضع بوصات، ويده اليمنى تلامس ظهرها.

شعور ستيلا بالخطر تزايد.

“ اوه تبًا— ”

“ بانغ! ”

بهذا التأثير الصوتي من فمه، شعرَت الصبية بقوة غير ملموسة تدفعها نحو الأمام.

ثم طارَت.

سووش!

“ آآآه! ”

“ كيااااا! ”

إصطدم رأسها برأس كيفن، وشعر الإثنان بالدوخة.

وهكذا اغشي عليهما.

مع ذراعه اليمنى ممدودة، ضم الذراع اليسرى نحو صدره، مع إنحناءة مسرحية.

“ بوم، بانغ فووم! ”

لم يلتفت نحوهما بعد هذا، وتحرك بسرعة نحو فتاة السيف.

لم تتدارك تشاي نايون سرعته، لكنها لم تتوانى.

‘ قطع! ’

لوّحَت بالسيف قبل أن تعي بذلك أصلاً.

كوانغ!

أمسكت يد ليون بالسيف بسهولة، ذراعه مغطّاةٌ بلونٍ أسود لامع.

ومن الصوت، بدا كما لو أن تلك الذراع معدنية.

‘ إنه غش! ’

إذا لم يقطعه السيف، كيف تتوقع مني هزيمته!

هذا ظلم!

“ سريعة، ضعيفة للغاية ”

سحب السيف نحو جسده بسرعة، ثم مد قبضته.

‘ يجب التراجع! ’

حاولَت ترك السيف ثم التراجع، لكنها كانت في النطاق بالفعل.

بام!

‘ آآآهه! ’

اليد المنبسطة ضربت بطنها، وشعرَت أن الهواء تم انتزاعه فجأة.

وفي لحظة.

طار جسدها في الهواء.

لم يبقى سوى لونا وثيودور.

“ … هذا مزعج، هاها ”

ضحكة عصبية خرجت من فمها، لكنها أمسكت خناجرها على أي حال.

طقطق ثيودور أصابعه، وأصبحت أعينه حادة.

رفع ليون رأسه للسماء، ثم أنزله ببطء.

“ يا طحلب، أنتِ إزعاج، حان وقت النوم ”

حرك يده، مد إصبعه، ثم سحبه للخلف.

شعرت لونا بقوة غريبة تجذبها.

حاولَت المقاومة غريزيًا، لكن جسدها لم يستطع.

“ ماذا؟ ”

بإرتباكٍ بادٍ، طافت في الهواء بسرعة، وكانت أمام ليون.

ضد إرادتها تمامًا.

“ هذا! ”

عندما أراد ثيودور التقدم لسحبها، لم يستطع التحرك قيد أنملة.

الهواء، وزنه، حتّى الفضاء، شعر به ثقيلاً.

لم يكن ذلك شعور الخوف.

بالمعنى الحرفي، الجاذبية منعته من التحرك.

“ أتركني! أيها الوغد الشرير المتحرش الوحشي! ”

“ هذه الفاسقة! لهذا الأطفال هم حقًا … تسك! ”

مد أحمر العيون يده، ونقر بإصبعه على جبهتها بقوة.

تاك!

تراجع رأسها بقوة كما لو كان على وشك الطيران.

تراجعت عيونها للخلف، فاقدةً الوعي.

جسدها طفا نحو الخلف، ثم تم رميه على ستيلا التي حاولت الوقوف.

“ كياا! ”

عليك اللعنة!

“ الآن، إنه دورك ”

الطلاب الآخرين لم يعرفو ما يفعلون، هؤلاء الخمسة هم الأقوى، لكنهم خسروا، آنّى لهم التدخل؟

مشى ليون نحو ثيودور الذي كان أضخم منه حجمًا وطولاً، وبصق على الأرض أمامه.

“ تعال ”

‘ مستحيل! مستحيل! ’

‘ أتقول لي أننا لا نملك فرصة؟! ‘

كانت خطته بلا عيوب.

عزل ليون ثم التواصل معه كحليف، الحث على كراهيته في الكواليس ثم التقرب منه علنًا.

وعندما يحين الوقت، وسوسته وتوجيه غضبه نحو الآخرين، مما يتسبب في صراع ثم تأديبه بحجة السلام، وتقديم اعتذار صادق كما لو أن ثيودور لم يكن له خيار.

هذا ما خطط له، لكن!

لماذا حلفائه راقدون، بينما ليون واقفٌ شامخ، وهم خاضعون؟

هوووف …

مع شهيق، خرج ضباب من فمه.

هالة حمراء قاتمة نضحت من جسده، أمست حدقية العين بيضاء، ومضت القزحية بالنور القرمزي.

الإصبع الأوسط تم امساكه بالإبهام، وحدق الوحش في أعين ثيودور الناكرة.

“ يا حشرة ”

سرت قشعريرة في جسده، وكان رد فعله هو ضخ طاقته في جسده بكل ما يملك.

“ لا تعبث معي! ”

“ لن أخسر هكذا!! ”

سوووش—!

الغضب المكبوت والإنكار اليائس للواقع تناغمَا، مما جعل التحرك الجسدي أكثر سلاسة.

وفي لحظة، كان أمام ليون، وعلى وشك لكمه.

“ عليك الإستسلام عن الحياة فقط، يا ضعيف الشخصية ”

لكن صوت أحمر العيون لم يرتجف حتّى.

تراجعَ خطوة للخلف، ثم نحو الجانب بخفة.

ومع إمساك الإصبع كما لو يمنع الإرتداد، تم الإفلات.

بام!

هاه؟

شعر جسد ثيودور بالإستنزاف، وَهَنٌ غريب، وخوارٌ للجسد يقبض الروح.

‘ أنا … لستُ ضعيفًا … ليس هكذا، ليس … هنا- ’

ثم.

كراك—!

تحطم الجسد نحو الأرض بقوة وحشية، كما لو أن الجاذبية تزداد فجأة.

الإصطدام حطّمَ الأرض وتسبب في تشقق ما حول جسد الشاب.

سقط الشاب ثيودور مغشيًا عليه.

كل التخطيطات والحسابات، وكل الإحتمالات التي استعد لها.

تناثرت كما الهباء المنثور.

هذا ما يسمى ببساطة: “الضعيف”.

مهما خطط المرء وفكر، بدون إجراء ملموس أو تنفيذ يمكن تطبيقه على أرض الواقع، هراءٌ تضحى رجاحة عقله هراء.

“ مجرد حشرة منتشية بسلطة حشرة أكبر، ماذا يمكنك فعله؟ ”

كلكم سواء.

“ آغغغ! ”

“ هذا! ”

“ اللعين! ”

تحرر ضغط هالة ليون نحو المكان، وتساقط الجميع على الأرض.

“ هيييك! ”

“ لا … أستطيع، التنفس …! ”

الهواء ازداد ثقلاً، والجموح الغريب في هالة الشاب جعل البيئة كما لو كانت مسمومة.

التنفس بذاته تسبب في الضرر، والخوف.

هذه كانت نية القتل.

إرادة ترتبط بطاقة الجوهر، ثم تمزجها بالرغبة التدميرية، مما ينتج عنه ضغط خانق في الجو المحيط بالشخص.

لم يبقى أحدٌ واقفًا.

“ إنى لفاعلٌ ما تشاء نفسي وبه ترغب، وإنّي لتلك الرغبات ساعيٌ، هذا جوهر روحي ومصدر عيشي، لهذا أنا منكم أقوى، من الحشرات أنتم أضعفُ، روح كل إمرءٍ منكم تنبع عن الخضوعِ، وذلك ما أسميه خشوع الأجوفُ ”

لكني لحالكم مغيرٌ، ومن ينجوا يضحى عاتيٌ.

هكذا تتألق أنانيتكم، منها تنبع ذواتكم، منها أستخدمكم.

من أجل طموحي وتطوري، سوف أجعلكم أقوى.

هل تخضعون؟ أم تلك القيود تكسرون؟

هذا لا يهم.

“ هكذا هو العيش، إما له يخضع المرء يائسًا، أم يقتل ذاته الجوفاء ثم يصبح نورًا، رغباته بعدها محققًا، ونواياه عبرهم باسطًا. ”

2025/10/11 · 29 مشاهدة · 3503 كلمة
نادي الروايات - 2026