في حانة الخنزير البري، التي كانت تُدعى الآن "حانة الخنزيرة العملاقة" بعد أن أصبحت ديان هي من يحملها على كتفها ويتنقل بها عبر الغابات والطرق الترابية، كان الجو داخلها دافئاً على غير العادة. الخشب يتأوه تحت خطوات ديان الثقيلة، والأواني النحاسية ترتجّ على الرفوف مع كل حركة، لكن ذلك لم يكن يزعج أحداً. الرائحة الممزوجة بين الجعة الطازجة واللحم المشوي والخبز الدافئ كانت تملأ المكان، ومعها صوت ضحكات متقطعة وأحاديث متداخلة.بان كان جالساً خلف المنضدة الطويلة، يقطّع شرائح اللحم المشوي بيدٍ واحدة بينما يمسك بكأس الجعة بالأخرى. كان يأكل بشراهة، لكن بتركيز، كأن كل قضمة محسوبة. أحياناً يرفع عينيه نحو السقف، يراقب ديان وهي تحمل الحانة بثبات، ثم يعود إلى طبقه دون تعليق. كينج، على الجانب الآخر، كان يجلس على كرسي مرتفع قليلاً، يداعب أوراق شجرة Chastiefol الصغيرة بين أصابعه، وينظر من حين لآخر إلى ديان من النافذة الصغيرة. لم يكن يتكلم كثيراً، لكنه كان يبتسم ابتسامة خفيفة كلما التقت عيناه بعينيها في المرآة الصغيرة التي علّقتها ديان على الحائط الداخلي لترى من خلفها.في الزاوية، كان ميليوداس يجلس على الطاولة نفسها التي يقف عليها إليزابيث. كانت ترتدي ثوباً بسيطاً من الكتان الأبيض، وشعرها الطويل مفكوكاً ينسدل على كتفيها. كان يمسك بيدها، يداعب أصابعها ببطء، ويهمس لها بشيء ما جعل وجنتيها تحمران. «أتعرفين، إليزابيث... أحياناً أفكر أنني لو لم أكن قزماً، لكنت حملتكِ على كتفي بدلاً من أن تحمليني أنتِ.»نظرت إليه بعينين متسعتين قليلاً، ثم ضحكت ضحكة خفيفة محرجة.«ميليوداس... أنت دائماً تقول أشياء كهذه.»«وماذا في ذلك؟ أنا جاد.» اقترب منها أكثر، حتى كاد أنفه يلامس أنفها. «أتخيلين لو كنتُ طويلاً مثل ديان... كم كنتِ ستصرخين إن حملتكِ فجأة هكذا؟»«ميليوداس!»

دفعت وجهه برفق، وجهها أحمر تماماً. «توقف... هوك يسمعنا.»نظر الخنزير من فوق المنضدة، وهز رأسه باستنكار مصطنع.«أنا لا أسمع شيئاً. أنا فقط أشم رائحة اللحم المشوي.»ضحك ميليوداس بصوت عالٍ، ثم عاد ينظر إلى إليزابيث بنظرة أكثر ليناً.«لكن على محمل الجد... أنتِ بخير؟ بعد كل ما حدث في شنغهاي...»تغيرت نبرتها قليلاً. أمسكت بيده بقوة أكبر.«أنا بخير. لكن... أشعر أن بليك ليس كذلك. هو يخفي الأمر، لكنه يتألم. أراه في عينيه.»تنهد ميليوداس، ونظر نحو الغرفة الخلفية حيث كان بليك.«نعم... هو ليس من النوع الذي يشتكي. لكنه سيحتاج إلى وقت. وإلى أن يسترد قوته.»في الغرفة الخلفية الصغيرة، كان بليك جالساً على حافة السرير الخشبي. الضوء الخافت يتسلل من النافذة الصغيرة، يسلط على جبيرة يده اليمنى. كانت الجبيرة متسخة قليلاً من الغبار والدماء الجافة، وكان ينظر إليها طويلاً، كأنه يتأمل شيئاً أبعد من الخشب والقماش.دخل أكيهيكو بهدوء، يحمل سيفه في غمده على خصره. وقف عند الباب لحظة، ثم تقدم.«بليك... هل أنت مستعد؟»تنهد بليك، ورفع عينيه ببطء.«نعم.»كان صوته هادئاً، لكنه لم يكن خالياً من الألم. نهض بصعوبة، ومد يده المجبّرة نحو أكيهيكو.«افعلها.»لم يتردد أكيهيكو. سحب سيفه بسرعة، وفي حركة واحدة دقيقة، استخدم تنفس البرق ليوجه ضربة حادة للغاية. لم تكن ضربة قتل، بل قطعاً محسوباً بدقة متناهية. انشق الجبس والقماش معاً، وسقطت القطع على الأرض بصوت خفيف. ظهرت يد بليك.كانت نحيفة بشكل واضح مقارنة ببقية جسده. العضلات ضمرت من عدم الاستخدام، والجلد شاحب ومتجعد قليلاً. لكن ما جذب نظر أكيهيكو أكثر كانت الندبة. خط أسود رفيع، متعرج كالأوردة الملتوية، يمتد من أعلى الكتف إلى منتصف الصدر، يخترق العضلة ويصل إلى القفص الصدري. كانت الندبة لامعة قليلاً، كأنها لا تزال حية، وتحيط بها هالة خفيفة من اللون الأرجواني الداكن.توقف أكيهيكو، وعيناه تتسعان قليلاً.«... هذه الندبة. لم تكن بهذا الحجم من قبل.»نظر بليك إلى صدره، ثم لمس الندبة برفق بأصابعه اليسرى. لم يتأوه، لكنه عضّ شفته السفلى لحظة.«إنها تكبر. كلما استخدمت قوتي... أو حتى عندما أنام أحياناً... أشعر بها تنبض.»حاول أن يحرك أصابعه. كانت الحركة بطيئة، متيبسة، كأن المفاصل لم تُستخدم منذ سنوات. رفع يده أمام عينيه، ينظر إليها كأنها غريبة عنه.«من الصعب تحريكها. كأنها ليست يدي.»تقدم أكيهيكو خطوة، ونظر إلى الندبة عن قرب.«اللون... هذا اللون الأرجواني. إنه ليس طبيعياً. اللعنة التي وضعها كاكيوين لا تزال نشطة، حتى مع ختم نيرو.»أومأ بليك برأسه ببطء.«نعم. نيرو فعلت ما استطاعت. لكن هذه الخيوط السوداء... إنها ليست مجرد جرح.

إنها تتغذى على ماناي. كلما استخدمت قوتي، كلما أكلت مني أكثر.»صمتا لحظة. ثم قال بليك بهدوء:«أحتاج أن أستحم الآن. منظر هذه اليد مقزز.»نظر أكيهيكو إليه، ثم أومأ.«سأحضر الماء الساخن. لا تجهد نفسك.»خرج أكيهيكو، وبقي بليك وحيداً في الغرفة. جلس على حافة السرير مرة أخرى، ونظر إلى يده الضامرة. حاول ثني أصابعه مرة أخرى، فتشنجت عضلة في كتفه وشعر بألم حاد يسري في الندبة. أغلق عينيه، وتنفس بعمق.من بعيد، سمع صوت ضحك ديان، ثم تعليق بان الساخر، ثم صوت ميليوداس يقول شيئاً ما لإليزابيث جعلها تضحك بخجل. الحياة تجري خارج الغرفة، بينما هو هنا، يحاول أن يستعيد جزءاً صغيراً من جسده.نهض ببطء، وتوجه نحو المرآة الصغيرة المعلقة على الحائط. رفع قميصه قليلاً، ونظر إلى الندبة مرة أخرى. كانت أطول قليلاً مما تذكر، وأكثر تعرجاً. كأنها جذور شجرة سوداء تنمو داخل صدره.همس لنفسه:«إن لم أستعد قوتي... لن أستطيع استعادة الكتاب. ولن أستطيع إيقاظ نيرو.»وضع يده السليمة على الندبة، فشعر بصدمة كهربائية خفيفة. لم يتراجع. ضغط أكثر، حتى شعر بألم أعمق.«لن أتركها تأكلني. لن أتركها تنتصر.»سمع صوت خطوات أكيهيكو تعود، حاملاً دلو ماء ساخن وبعض المناشف. فتح الباب، ونظر إلى بليك الذي كان لا يزال واقفاً أمام المرآة.«الماء جاهز. هل... تحتاج مساعدة؟»نظر بليك إليه، ثم هز رأسه بهدوء.«لا. سأفعلها بنفسي.»أغلق الباب خلف أكيهيكو، وخلع قميصه ببطء. كان جسده مليئاً بالكدمات القديمة والجروح التي لم تلتئم تماماً. لكنه وقف مستقيماً، ونظر إلى انعكاسه مرة أخيرة.ثم بدأ يغسل يده الضامرة، ببطء، كأنه يحاول استعادة جزء من نفسه ضاع منه منذ زمن طويل.

خرج بليك من الغرفة الخلفية بخطوات بطيئة، ثقيلة قليلاً، كأن الأرض نفسها ترفض أن تُساعده على التقدم بسلاسة. كان قد ارتدى قميصاً أسود بسيطاً من الكتان الخشن، ومعطفاً طويلاً داكناً يغطي الجبيرة السابقة التي لم تعد موجودة. يده اليمنى الآن مكشوفة، نحيفة بشكل ملحوظ، أصابعها متيبسة، والجلد عليها مشدود وشاحب كأنه لم يرَ الشمس منذ أشهر. الندبة السوداء المزرقة كانت لا تزال بارزة على كتفه وجانب صدره، خطوطها المتعرجة تبدو كأنها جذور شجرة ميتة تنمو تحت الجلد.توقف عند عتبة الغرفة، فرأى الجميع في لحظة واحدة.كان بان لا يزال يأكل، لكنه رفع عينيه فجأة، وتوقفت يده التي تحمل القطعة المشوية في منتصف الطريق إلى فمه. نظر إلى بليك طويلاً، ثم أمال رأسه قليلاً كأنه يقيّم شيئاً.ديان، التي كانت تحمل الحانة على كتفها، توقفت تماماً. اهتزت الأواني على الرفوف قليلاً، ثم ساد صمت غريب. نظرت إليه من النافذة الصغيرة، عيناها الواسعتان تتسعان أكثر. لم تقل شيئاً في البداية، لكن شفتيها ارتجفتا قليلاً، كأنها تكبح شيئاً تريد قوله.كينج، الجالس على كرسيه المرتفع، أدار رأسه ببطء. كانت أوراق Chastiefol الصغيرة لا تزال تدور بين أصابعه، لكنها توقفت فجأة. نظر إلى بليك بنظرة طويلة، ثم أنزل عينيه إلى يده المكشوفة، ورأى الندبة. لم يبدُ متفاجئاً، لكنه بدا حزيناً بطريقة خفية، كأن شيئاً في داخله تذكّر شيئاً قديماً.ميليوداس، الذي كان لا يزال يمسك يد إليزابيث، رفع حاجبه الأيمن. ابتسامته الخفيفة تلاشت للحظة، ثم عادت، لكنها لم تكن كالعادة. كانت أقل مرحاً، أكثر جدية. إليزابيث أمسكت بيده أقوى، وعيناها امتلأتا بالقلق. فتحت فمها لتتكلم، لكنها أغلقته مجدداً، كأن الكلمات ثقيلة جداً.ساد صمت قصير، ليس صمت الإحراج، بل صمت من يرى شخصاً عاد بعد أن ظنوه لن يعود بنفس الطريقة.تقدم بليك خطوة إلى الأمام، ثم تكلم بهدوء، صوته خشن قليلاً من قلة الاستخدام:«سأشارك في قتالكم القادم. هذه المرة... لن أبقى عالة.»نظر إليهم جميعاً، عيناه تلتقيان بعيون كل واحد منهم للحظة.بان وضع اللحم على الطبق ببطء، ثم مسح فمه بظهر يده.«أنت متأكد؟ يدك لا تبدو جاهزة حتى لرفع كأس.»«لن أقاتل بيدي فقط.» أجاب بليك، ورفع يده اليسرى قليلاً. «لديّ ما يكفي في اليد الأخرى... وفي رأسي.»ديان، التي كانت لا تزال تحمل الحانة، انحنت قليلاً لتراه بوضوح أكبر.«بليك... أنت لا تزال تتألم. أرى ذلك في عينيك. لا داعي أن تُجبر نفسك.»«لستُ أجبر نفسي.» ردّ بهدوء. «أنا أختار. كل هذه المدة... وأنا أجلس أراقبكم تقاتلون. أشعر أنني أفقد شيئاً من نفسي كل يوم أبقى هكذا.»نظر إلى ميليوداس.«أنت تعرف ما أعنيه.»أومأ ميليوداس ببطء، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة.«نعم... أعرف. لكن لا تظن أن الأمر بهذه السهولة. إذا انهارت في منتصف القتال، سأضطر أن أحملك على كتفي... وهذا لن يكون ممتعاً لأحد.»ضحكت إليزابيث ضحكة خفيفة، لكنها كانت مشوبة بالقلق.

.

«بليك... نحن لا نريد أن نراك تتأذى أكثر. لقد فعلتَ ما يكفي.»«لم أفعل ما يكفي.» قالها بصوت أعلى قليلاً، وكأن الكلمات كانت تنتظر أن تُقال منذ زمن. «الكتاب لا يزال مع ليو تشنغ. نيرو لا تزال نائمة. وأنا... أنا لا أزال هنا، أتنفس، أتحرك. هذا يعني أن عليّ أن أفعل شيئاً.»نظر إلى يده الضامرة مرة أخرى، ثم رفعها أمامهم.«هذه اليد... لن تعود كما كانت. لكنها لا تزال يدي. وسأستخدمها.»ساد صمت آخر، أطول هذه المرة.ثم تكلم كينج بهدوء، صوته ناعم لكنه واضح:«إذا كنتَ مصراً... فلن نمنعك. لكن لا تنسَ: القوة ليست في اليد التي تحمل السيف، بل في الإرادة التي تحركها.»نظر بليك إليه، ثم أومأ.«أعرف.»فجأة اهتزت الحانة قليلاً، ثم توقفت تماماً. ديان صرخت من الخارج:«وصلنا! هذه المدينة... لم أرها على الخريطة من قبل.»نظر ميليوداس من النافذة الصغيرة، ثم عبس قليلاً.«غريب. لم تكن موجودة في آخر مرة مررنا بها من هنا. لكن... لا بأس. ربما تغيرت الأمور.»أنزلت ديان الحانة على الأرض بحذر، واهتزت الأرض قليلاً تحت وزنها. فتح الباب الخشبي، وخرج الجميع تباعاً.خرج بليك آخراً. الهواء البارد ضرب وجهه، رائحة الماء والخشب الرطب والدخان البعيد تملأ المكان. وقف لحظة على عتبة الحانة، ينظر إلى المدينة التي أمامه.كانت إيسبيروت، أو كما يسمونها أهلها "بلدة البحيرة". لم تكن مبنية على اليابسة، بل كانت تطفو فوق بحيرة طويلة ضيقة، مرتكزة على أعمدة خشبية ضخمة مغروسة في القاع. كل شيء مصنوع من الخشب: المنازل، الجسور، الممرات، حتى الأسقف المائلة لتصريف المطر والثلج.

الجسور الضيقة تربط بين البيوت، وبينها قنوات مائية صغيرة تسمح بمرور القوارب الصغيرة. الألوان رمادية وبنية داكنة، مع لمسات من الأزرق الداكن للماء. رائحة الرطوبة الدائمة تملأ الهواء، وصوت الماء يتكسر تحت الأعمدة يتردد في كل مكان.كان الفقر واضحاً: الجدران متآكلة، النوافذ مغطاة بقماش قديم بدلاً من الزجاج، والناس يمشون بملابس بالية، يحملون سلال سمك أو حطب. لكن وسط هذا الفقر، كان هناك شيء يلفت النظر: جبل شاهق في جهة الشمال، يرتفع كأنه يخترق السماء، قمته مغطاة بالثلج الأبدي، وسحب سوداء تتحرك حوله ببطء.وقف بليك ينظر إليه طويلاً، عيناه تضيقان قليلاً.«هذا الجبل... شيء فيه غريب.»اقترب ميليوداس منه، ونظر في نفس الاتجاه.«نعم. يبدو أنه يحمل شيئاً... أو يخفي شيئاً.»حاول ميليوداس أن يضع يده على كتف بليك، لكنه توقف عندما رأى الندبة المكشوفة.«بليك... أنت متأكد أنك جاهز؟ لا أحد يطالبك أن تقاتل الآن.»نظر بليك إليه، ثم إلى يده مرة أخرى.«لن أبقى أشاهد. لقد فعلتُ ذلك طويلاً.»تنهد ميليوداس، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة.«حسناً... لكن إذا شعرتَ بأي ألم، قل لي فوراً. لا أريد أن أحملك على كتفي أمام الجميع.»ضحك بليك ضحكة خفيفة، أول ضحكة حقيقية منذ زمن.«لن يحدث.»نظر إلى المدينة مرة أخرى، ثم تقدم خطوة.«هيا... لنرَ ما تخفيه هذه البلدة.»مشى مع ميليوداس وأكيهيكو وبان، تاركين ديان وهوك وكينج في الحانة. خطواتهم على الجسر الخشبي تصدر صريراً خفيفاً، والماء يتحرك تحتهم بهدوء. الريح الباردة تحمل رائحة السمك والخشب الرطب، وفي الأفق، الجبل الشاهق يقف صامتاً، كأنه ينتظر.

الجبل الشاهق الذي يقف في الجهة الشمالية من بلدة إيسبيروت لم يكن مجرد كتلة صخرية مرتفعة، بل كان حضوراً يفرض نفسه على كل من ينظر إليه، كأنه كائن حي يتنفس ببطء ويحرس شيئاً لا يُرى.من بعيد، يبدو كسيف عملاق مغروس في الأرض، قمته الحادة تخترق السحب المنخفضة التي لا تكاد تتحرك، كأنها تخشى الاقتراب منه. لون صخوره رمادي غامق يميل إلى الأسود في الأجزاء العليا، حيث يتسلل الجليد الأبدي بين الشقوق كأوردة بيضاء متجمدة. أسفل القمة، تنتشر طبقات من الصخور المتشققة، بعضها يتدلى كأنه على وشك السقوط، لكنه يظل معلقاً منذ قرون، كأن قوة خفية تمنعه من الانهيار. الريح تعوي حوله باستمرار، صوتها منخفض ومستمر، يشبه أنيناً بعيداً لا يتوقف.في منتصف الجبل تقريباً، تبدأ الغابة الكثيفة التي تغطي جوانبه السفلية. أشجار الصنوبر والتنوب السوداء تنمو بكثافة غير طبيعية، أغصانها متشابكة حتى تكاد تحجب الضوء تماماً، فتخلق ظلاماً دائماً تحتها. الثلج لا يذوب هناك أبداً، حتى في أشد أيام الصيف حرارة، ويتراكم على الأغصان طبقات سميكة تجعلها تنحني تحت الوزن. من حين لآخر، تسمع دوياً خفيفاً، كأن غصناً ثقيلاً انكسر تحت الثلج، أو كأن شيئاً ما يتحرك ببطء داخل الغابة.أسفل الغابة، تبدأ المنحدرات الصخرية العارية، رمادية اللون مع خطوط سوداء من الرطوبة الدائمة. المياه تتساقط من الشقوق في جداول رفيعة، لكنها لا تصل إلى البحيرة أبداً؛ تختفي في شقوق أعمق، كأن الجبل يبتلعها. في بعض الأماكن، تظهر كهوف صغيرة مظلمة، مداخلها مغطاة بطحالب خضراء داكنة رطبة، وتنبعث منها رائحة معدنية حادة، مختلطة برائحة التراب المتعفن.القمة نفسها لا تُرى بوضوح إلا في أيام السماء الصافية النادرة. عندها، تظهر كأنها مغطاة بطبقة من الجليد الشفاف الذي يعكس ضوء الشمس بوميض أبيض قاسٍ يؤذي العينين.

لا يوجد طريق واضح إلى القمة، ولا آثار أقدام، ولا حتى طيور تحلق قربها. السحب السوداء التي تحيط بها لا تتحرك كبقية السحب؛ تبقى معلقة، تدور ببطء حول القمة كأنها تحرس شيئاً، أو تخفيه.من بلدة إيسبيروت، يبدو الجبل كجدار نهائي يفصل بين العالم المأهول والمجهول. لا أحد من أهل البلدة يتكلم عنه كثيراً، لكنهم يتجنبون النظر إليه طويلاً. عندما يسألهم الغرباء، يقولون بصوت منخفض: «لا تقتربوا منه. لا شيء هناك يستحق أن يُرى.»لكن بليك، وهو يقف على أحد الجسور الخشبية المتأرجحة، لم يستطع أن يرفع عينيه عنه. كان يشعر بشيء غريب، ليس خوفاً بالضبط، بل شعوراً بأن الجبل ينظر إليه أيضاً. كأن في داخله شيء ينتظر، أو يتذكر. الريح الباردة التي تهب من جهته حملت معها رائحة معدنية خفيفة، ورائحة أخرى أقدم، كرائحة الحجر الذي لم يمسسه إنسان منذ آلاف السنين.وقف هناك طويلاً، حتى شعر بثقل في صدره، ليس من الندبة، بل من شيء أعمق. ثم أدار وجهه ببطء، ونظر إلى أكيهيكو وميليوداس وبان الذين كانوا يتقدمون على الجسر.«هذا الجبل...» قال بهدوء، صوته يكاد يختفي وسط صوت الماء والريح. «ليس مجرد جبل.»نظر ميليوداس إليه، ثم إلى القمة البعيدة.«أعرف ذلك الشعور. شيء فيه... يشبه شيئاً رأيته من قبل.»لم يضف شيئاً آخر، لكن عيناه كانتا جادتين، وكأنه يتذكر شيئاً قديماً لا يريد أن يتكلم عنه الآن.تقدم بليك خطوة أخرى على الجسر، الخشب يتأوه تحته، والماء يتحرك ببطء أسفل قدميه. الجبل لا يزال هناك، صامتاً، شاهقاً، ينتظر.

دخل الجميع إلى البلدة بخطوات متثاقلة على الجسر الخشبي الرطب. كان الخشب تحت أقدامهم يئن بصوت خافت مع كل خطوة، والهواء البارد يحمل رطوبة ثقيلة تلتصق بالجلد والملابس على الفور. لم يكن هناك ترحيب، ولا حتى نظرات فضولية كثيرة. الناس يمشون برؤوس منكسة، يحملون سلالاً فارغة أو أكياساً مثقلة بحطب رطب، وجوههم شاحبة، محفورة بالتعب والجوع الدائم. عيونهم تمر على الوافدين الجدد دون أن تتوقف، كأن الغرباء أصبحوا جزءاً من المنظر اليومي الباهت.كان البرد ينخر العظام ببطء. الريح تأتي من جهة البحيرة، تحمل معها رائحة الماء الراكد والطحالب المتعفنة والدخان الخفيف المنبعث من المدافئ الضعيفة. المنازل الخشبية المتلاصقة تبدو وكأنها تتكئ بعضها على بعض لتبقى واقفة، ألواحها متآكلة، مطلية بطبقة رمادية من الرطوبة والعفن. الجسور الضيقة ترتجف تحت الوزن، وبعض الألواح مفقودة، فتظهر فجوات صغيرة تكشف عن الماء الأسود الراكد أسفلها.مشى بليك بجانب أكيهيكو، يده اليمنى لا تزال متيبسة، يحاول تحريك أصابعه ببطء ليعتاد على الإحساس بها مجدداً. كان يشعر بثقل غريب في كتفه، ليس ألماً حاداً، بل شعوراً بأن الجزء من جسده هذا لم يعد ينتمي إليه تماماً. نظر إلى وجوه السكان المارين: امرأة تحمل طفلاً نحيفاً على ذراعها، رجل عجوز يسحب عربة خشبية فارغة، فتاة مراهقة تبيع سمكاً صغيراً جافاً على بساط مهترئ.

الفقر لم يكن مجرد غياب المال؛ كان مطبوعاً في العيون، في الانحناءة الدائمة للظهور، في الصمت الذي يلف المكان كله.توقف بان فجأة، ونظر حوله بامتعاض واضح.«ما الذي نفعله في هذه البلدة الكئيبة؟ رائحة الموت تسبقنا هنا قبل أن نصل.»نظر ميليوداس إليه، ثم إلى البحيرة الراكدة، ثم رفع كتفيه بلا مبالاة.«نستكشف فحسب. هذه بلدة لم أزرها من قبل. ربما نجد شيئاً مفيداً... أو على الأقل مكاناً نرتاح فيه قبل أن نتابع.»نظر بليك إلى الجبال البعيدة، ثم عاد بعينيه إلى ميليوداس.«أليس من الغريب ألا تكون هذه البلدة على الخريطة؟»ابتسم ميليوداس ابتسامة صغيرة، لكنها لم تصل إلى عينيه.«في الواقع، هذا أمر عادي جداً. الخريطة التي نعتمد عليها ليست كاملة أبداً. لا أحد في هذا العالم استطاع أن يرسم خريطة دقيقة لكل شيء.»توقف أكيهيكو، ونظر إليه باهتمام حقيقي.«ماذا تقصد؟»تنهد ميليوداس، وأشار بيده نحو الأفق.«هذا العالم ليس كعالمكم. عالمكم محدود، محصور بين محيطات وقارات يمكن قياسها وتسجيلها. أما هنا... فهو أكبر بكثير مما تتخيلون. مرت آلاف السنين، ولم يستطع أحد أن يستكشفه كله. الغابات تمتد إلى ما لا نهاية، الجبال تختفي في الضباب وتعود في أماكن لم تكن موجودة من قبل، البحيرات تظهر وتجف دون سبب، والمدن... بعضها يُبنى وينسى، وبعضها يُنسى فيُعاد اكتشافه بعد قرون.»نظر أكيهيكو إلى المدينة المائية أمامه، ثم إلى الجبل الشاهق في الشمال.«مذهل... هل يعني هذا أن هناك مناطق لا تزال غير مستكشفة حتى الآن؟»ضحك ميليوداس ضحكة خفيفة، لكنها كانت تحمل نبرة جدية.«لو حسبنا بدقة... فإن ما تم اكتشافه من هذا العالم لا يتجاوز أربعة بالمئة. والباقي مجهول. جبال لا يعرف أحد ما وراءها، غابات لا تدخلها الشمس، بحار لا يعرف أحد عمقها، ومدن بُنيت ثم هُجرت وعاد اسمها يُذكر في الحكايات فقط.»توقف بليك لحظة، ونظر إلى أكيهيكو.«يبدو أنك مهتم بالاستكشاف.»نظر أكيهيكو إلى الأفق، ثم إلى الجبل.«نوعاً ما. لا أدري ماذا يخبئ هذا العالم بعد... لكنني أشعر أن هناك شيئاً ينتظر. شيئاً أكبر من القتال والجراح.

لكن... مجرد أحلام. لن أستطيع فعل شيء كهذا وحدي.»وضع ميليوداس يده على كتف أكيهيكو بخفة.«لا تقل هكذا. العالم لا يكتشف نفسه. يكتشفه من يجرؤ على الخروج والنظر.»استدار الجميع، وتابعوا سيرهم على الجسر الرئيسي الذي يؤدي إلى قلب البلدة. كان الخشب تحت أقدامهم مبللاً دائماً، والماء يتحرك تحتهم بصوت خافت مستمر. الممرات الضيقة كانت مزدحمة قليلاً، رغم الفقر الواضح: أطفال يركضون حفاة، نساء يغسلن الملابس في القنوات الصغيرة، رجال يصلحون ألواحاً متآكلة بمطارق صدئة. رائحة السمك المجفف والدخان والرطوبة تملأ كل شيء.توقف بان أمام بائع سمك عجوز، يجلس خلف طاولة خشبية صغيرة عليها بضع سمكات صغيرة جافة. نظر إليها، ثم وضع يده في جيبه، ثم في الجيب الآخر، ثم نظر إلى الآخرين.«... نحن مفلسون تماماً.»نظر ميليوداس إليه، ثم ضحك ضحكة خفيفة.«يبدو أننا سننام جياعاً الليلة.»نظر بليك إلى البائع، ثم إلى السمكات القليلة، ثم إلى وجه الرجل المنهك. لم يقل شيئاً، لكنه شعر بثقل في صدره لم يكن من الجرح. كان شعوراً بأن هذه البلدة، رغم فقرها، تحمل شيئاً أعمق من مجرد الجوع. شيئاً يتعلق بالجبل الشاهق الذي يقف هناك، صامتاً، يراقب.استداروا، وتابعوا سيرهم في الممر الضيق، الخشب يئن تحت أقدامهم، والماء يتحرك أسفلهم، والجبل في الأفق لا يزال ينظر.

واصلوا سيرهم في الممر الضيق، أقدامهم تترك أثراً رطباً على الخشب المتآكل. كان الصمت يغلب على المدينة، لا يقطعه سوى صوت الماء الراكد تحت الأعمدة، وأحياناً صرير لوح خشبي يتحرك تحت وزن أحدهم. الناس يمرون بهم دون أن يرفعوا أعينهم طويلاً، كأن وجود الغرباء لم يعد يستحق حتى الفضول. البرد يتسلل إلى العظام ببطء، والرطوبة تجعل الملابس تلتصق بالجلد، ثقيلة ومزعجة.فجأة، توقفوا.في وسط الساحة الصغيرة التي تتفرع منها عدة جسور، كان رجل عجوز يقف وحيداً. لم يكن يقف بالضبط، بل كان يتمايل كأن الأرض تحت قدميه تتحرك. ثوبه البالي ممزق من الأكمام، ولحيته البيضاء الطويلة متشابكة وملطخة بالطين والغبار. عيناه محمرتان، واسعتان بشكل غير طبيعي، وهو يصرخ بصوت أجش مشقق، يرتفع ثم ينخفض كأنه يلهث بين الكلمات.«يا إخوتي! يا أهل إيسبيروت! لقد عاد! لقد عاد الشيطان بحد ذاته إلى الجبل! بعد اثنين وعشرين عاماً من الهدوء، بعد أن ظننا أن النار قد خمدت إلى الأبد، عاد ليأخذ ثرواتنا وينتهك أرضنا! لقد عاد التنين!»كان صوته يتردد في الساحة، يرتفع فوق همهمة الماء وصرير الجسور، لكنه لم يجد صدىً يليق به. الناس يمرون به دون أن يلتفتوا. بعضهم يهز رأسه باستنكار خفيف، وآخرون يسرعون الخطى كأن مجرد الاقتراب منه يجلب الشؤم. لم يكن هناك من يتوقف ليستمع، ولا حتى ليوبخه بكلمة. كان وجوده كوجود حشرة تزعج، مزعجة لكنها لا تستحق الجهد.استدار أحد الرجال، وهو يحمل سلة سمك فارغة، وصرخ في وجه العجوز بنبرة ملّ من التكرار:«اسكت أيها الشيخ! لقد مات التنين بالفعل! كفى من هذيانك، لا أحد يصدقك بعد الآن!»لم يرد العجوز. ظل ينظر إلى السماء، ثم إلى الجبل، ثم عاد يصرخ بصوت أعلى، كأن الكلمات تُنتزع من صدره:

«صدقوني! لقد رأيته بعيني! لقد عاد إلى وكره في أعلى الجبل! إنه ينتظر، يتربص! كل من يأخذ مما هو ملكه، كل من يقترب من كنوزه، سيصطاده! سينزل علينا بنيران الجحيم، وسيحرق البلدة كلها كما فعل من قبل! ألم تسمعوا الرعد في الليل؟ ألم تشمّوا الدخان القديم؟ إنه يستعد! إنه...»لم يكمل. جاءت طماطم ناضجة متعفنة من جهة ما، أصابت كتفه، ثم أخرى أصابت وجهه. سقط العجوز على ركبتيه، يده تمسح الطماطم المسحوقة عن خده، لكنه لم ينظر إلى من رمى. ظل ينظر إلى الجبل، عيناه مليئتان بشيء بين الخوف واليأس. ثم سكت، وانحنى، وجلس على الأرض كأن قواه نفدت فجأة.اقترب بان من المشهد بخطوات بطيئة، يداه في جيوبه، ونظر إلى العجوز بفضول واضح.«هيا، لنذهب إليه. يبدو أن لديه قصة. وربما يعطينا معلومات عن هذه البلدة الكئيبة.»نظر أكيهيكو إليه، ثم إلى العجوز المنهار على الأرض.«أنت متأكد؟ يبدو مجرد عجوز خرف. لا أظن أنه يملك شيئاً يفيدنا.»ابتسم بان ابتسامة جانبية.«وما الذي نخسره؟ لا مال معنا، لا طعام، لا مكان ننام فيه. إذا كان مجنوناً، سنتركه ونذهب. وإذا كان يعرف شيئاً... فلمَ لا نسمع؟»نظر ميليوداس إلى بليك، كأنه ينتظر رأيه. أومأ بليك برأسه ببطء.«لنذهب.»اقتربوا من العجوز بخطوات هادئة. كان لا يزال جالساً على الأرض، يتنفس بصعوبة، يداه ترتجفان وهو يمسح وجهه من بقايا الطماطم. رفع عينيه ببطء عندما سمع خطواتهم تقترب، وعندما رآهم، اتسعت عيناه قليلاً، كأنه لم يتوقع أن يقترب منه أحد.توقف بان أمامه، وانحنى قليلاً لينظر في عينيه.«يا شيخ... قل لنا ما الذي رأيته. لا تخف، نحن لا نضحك منك.»نظر العجوز إليهم واحداً تلو الآخر، ثم عاد بنظره إلى الجبل. صوته خرج خافتاً في البداية، مشققاً، لكنه ازداد قوة مع الكلمات.«لقد رأيته... بعينيّ هاتين. قبل اثنين وعشرين عاماً، كان الجبل يحترق. النار تخرج من قمته كأنها بركان. التنين... كان يحرس كنوزه هناك. ذهب، جواهر، أسلحة قديمة... كل ما سرق من مملكة قديمة قبل أن تُنسى.

ثم جاء فرسان، ظنوا أنهم يستطيعون قتله. قُتلوا جميعاً. والتنين نام. ظننا أنه مات. اثنان وعشرون عاماً من الهدوء. لكن... قبل ثلاث ليالٍ، رأيت الدخان يتصاعد من القمة. رأيت الضوء الأحمر في السماء. إنه لم يمت. إنه استيقظ. وهو جائع. جائع لكل من يقترب من كنوزه. جائع لكل من يأخذ ما ليس له.»نظر بليك إلى الجبل، ثم عاد إلى العجوز.«وأنت متأكد أنه تنين؟ ليس مجرد نار عادية، أو بركان؟»رفع العجوز يده المرتجفة، وأشار إلى القمة البعيدة.«سمعت صوته. صوتاً ليس من هذا العالم. زئيراً يجعل الأرض ترتجف، والهواء يحترق. إنه ليس بركاناً. إنه حي. وهو يعرف أن هناك غرباء في البلدة الآن. غرباء مثلكم. إذا صعدتم إلى الجبل... لن تعودوا.»نظر ميليوداس إلى الجبل طويلاً، ثم عاد إلى العجوز.«وإذا لم نصعد؟ ماذا سيحدث للبلدة؟»ابتسم العجوز ابتسامة مريرة، مكسورة.«سيأتي هو. سيأتي ليأخذ كل شيء. السمك، الخشب، الأرواح. لقد فعلها من قبل. ولم يبقَ من البلدة القديمة سوى أعمدة متفحمة. نحن نعيش على ما تبقى. لكن الآن... الآن عاد.»ساد صمت ثقيل. نظر أكيهيكو إلى بليك، ثم إلى ميليوداس.«هل نصدقه؟»لم يجب أحد فوراً. نظر بليك إلى الجبل مرة أخرى، ثم إلى يده الضامرة.«لا نعرف بعد. لكن... إذا كان صادقاً، فإن هذا الجبل ليس مجرد جبل.»نظر العجوز إليهم، عيناه تلمعان بشيء بين الأمل واليأس.«إذا كنتم ستذهبون... فلا تأخذوا شيئاً من هناك. لا حجر، لا معدن، لا شيء. لأنه يعرف. يشم. ولا يغفر.»ثم انحنى العجوز، وعاد ينظر إلى الأرض، كأن الكلمات استنزفت ما تبقى من قوته. لم يعد يتكلم. فقط جلس هناك، يرتجف، والناس تمر به كأنه ليس موجوداً.نظر بان إلى الآخرين، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة.«قصة ممتعة. لنرَ ما إذا كانت حقيقية.»واصلوا سيرهم، والجبل في الأفق لا يزال يقف، صامتاً، شاهقاً، ينتظر.

بينما كانوا يعودون إلى الحانة، خطواتهم تثير صريراً خافتاً في الجسور الخشبية الرطبة، توقفوا فجأة. كان رجل طويل القامة، نحيف، يقف في منتصف الممر الرئيسي، يحجب طريقهم بهدوء غريب. كان من قبيلة الإلف، جلده شاحب بلون الرماد المغسول، شعره الفضي الطويل مربوط بشريط جلدي بسيط، وعيناه خضراوان باهتتان كأوراق شجرة في نهاية الخريف. ارتدى معطفاً طويلاً من الصوف البني البالي، وفي يده عصا رفيعة منحوتة بنقوش دقيقة لم تكن واضحة في الضوء الخافت.لم يرفع صوته، ولم يتحرك نحوهم بعنف. وقف فقط، ينظر إليهم بنظرة هادئة لكنها حازمة، كأنه ينتظر منذ زمن.توقف ميليوداس أولاً، ثم تبعه الآخرون. رفع حاجبه الأيمن قليلاً.«هل هناك شيء تريد قوله؟»نظر الإلف إلى العجوز الذي كان لا يزال جالساً على الأرض بعيداً، ثم عاد بعينيه إليهم.«لا يجب عليكم أن تصدقوا كل ما قاله ذلك الشيخ.»كان صوته منخفضاً، هادئاً، لكنه يحمل وضوحاً يجعل الكلمات تتردد في الأذن رغم ضعفها. لم يكن فيه تهديد، ولا استهزاء، فقط تعب قديم.نظر ميليوداس إليه طويلاً، ثم سأل بنبرة هادئة:«ولماذا؟»تنهد الإلف، وأسند عصاه على الأرض ببطء.«لأن نصف كلامه صحيح، ونصفه الآخر... مشوه بالخوف والزمن.»تقدم بليك خطوة، عيناه تضيقان قليلاً.«اشرح.»نظر الإلف إليه، ثم إلى الجبل البعيد، كأنه يرى شيئاً لا يراه الآخرون.«قبل اثنين وعشرين عاماً، ذهبت فرقة صغيرة من قبيلة الهوبيت وعدد من الأقزام إلى وكر تنين يُدعى سموغ. كان معروفاً بحبه الشديد للذهب، وكان قد جمع كنوزاً لا تُحصى من مملكة قديمة سقطت قبل قرون. ظنوا أنهم يستطيعون قتله، أو على الأقل سرقة جزء من كنوزه. هاجموه بقوة، لكنهم أخطأوا. أثاروا غضبه. خرج التنين من وكره، وفي ليلة واحدة، أحرق هذه البلدة. النار أكلت الخشب والأرواح معاً. لم يبقَ منها سوى أعمدة متفحمة وبعض الجدران المنهارة. في النهاية، تمكنوا من قتله... أو هكذا ظنوا. سقط في أعماق الجبل، ولم يجد أحد جثته أبداً. عاشت البلدة بعد ذلك في سلام نسبي، تعيد بناء نفسها ببطء، تعيش على ما تبقى من أسماك البحيرة والتجارة القليلة.»

توقف لحظة، ثم أكمل:«لذلك لا أظن أنه حي حتى اليوم. الشيخ يخاف، وخوفه يجعله يرى أشباحاً في كل دخان يتصاعد من الجبل. ربما رأى ناراً عادية، أو بركاناً صغيراً استيقظ. لكن تنيناً؟ لا. سموغ مات. ومات معه الرعب الذي أحرق هذه البلدة.»نظر ميليوداس إلى الجبل، ثم عاد إلى الإلف.«وإذا كان حياً؟»ابتسم الإلف ابتسامة باهتة، خالية من الفرح.«إذا كان حياً... فسيكون ذلك أسوأ ما يمكن أن يحدث لهذه البلدة. لكنه ليس حياً. صدقوني.»ثم انحنى قليلاً، كتحية صامتة، وابتعد بخطوات هادئة، عصاه تضرب الخشب بصوت منتظم.ظل الجميع صامتين لحظة، ينظرون إلى ظهره وهو يختفي بين الممرات الضيقة.عادوا إلى الحانة بخطوات أثقل مما كانت عليه. ديان كانت قد أنزلت الحانة على قطعة أرض صغيرة جافة نسبياً قرب حافة البحيرة، والدخان يتصاعد من المدخنة الخشبية الصغيرة. دخلوا، وجلسوا حول الطاولة الطويلة. كان هوك يعبث ببعض الأطباق الفارغة، وكينج جالس على كرسيه المرتفع، ينظر إليهم بصمت.بدأ بان يتكلم أولاً، وهو يميل على ظهر الكرسي، ابتسامة جانبية على شفتيه.«إذن... تنين يحب الذهب، يحرق بلدة بأكملها، ثم يُقتل... أو ربما لا. لو كانت القصة صحيحة، يمكننا قتله ونهب كنوزه. تخيلوا: جبال من الذهب، جواهر بحجم البيض، أسلحة سحرية قديمة. ما رأيكم؟»نظر إليه أكيهيكو، ثم هز رأسه ببطء.«لا أظن أن القصة صحيحة. وحتى لو كانت... فمن المرجح أن الكثير من الطماعين قد أخذوا ثروته منذ زمن. بعد موته، إن مات فعلاً، لن يبقى شيء يستحق المخاطرة. وعندما قالوا اسمه... سموغ...»توقف فجأة. نظر إلى إليزابيث.كانت إليزابيث قد تجمدت في مكانها. يداها، اللتان كانتا تمسكان بكأس ماء، ارتجفتا قليلاً. وضعت الكأس على الطاولة ببطء، وعيناها واسعتان، كأنها ترى شيئاً بعيداً جداً.«سموغ...»كان صوتها خافتاً، مهزوزاً.نظر إليها ميليوداس بقلق.«إليزابيث؟ ما بكِ؟»رفعت عينيها إليه، ثم إلى الجميع.«أظن... أظن أن القصة حقيقية. وأظن أنني السبب في عودته.»ساد صمت ثقيل. نظر بليك إليها، ثم سأل بهدوء:«ماذا تقصدين؟»تنهدت إليزابيث، وأنزلت عينيها إلى يديها.«في شنغهاي... قبل كل هذا الدمار... قابلت تنيناً. كان اسمه سموغ. كان يتكلم، يهدد، يطير بعيداً بعد أن أطلقته من قيده. كنت أنا من فعلت ذلك. كنت أحاول إنقاذ الآخرين، فكسرت الأختام التي كانت تحبسه. ظننت أنه سيذهب بعيداً، أنه لن يعود. لكن الآن... إذا كان هو نفسه التنين الذي يتحدثون عنه... فأنا من أعاده إلى الحياة، أو أيقظته.

أنا السبب في رعب هذه البلدة.»كانت عيناها تلمعان بالدموع، لكنها لم تبكِ. كانت تحاول السيطرة على نفسها، لكن صوتها كان يرتجف.نظر ميليوداس إليها طويلاً، ثم وضع يده على يدها برفق.«إليزابيث... لستِ أنتِ السبب. أنتِ أنقذتِ أرواحاً في شنغهاي. لم تكوني تعلمين ما سيحدث بعد ذلك. لا تحملي نفسكِ ذنباً لا تستحقينه.»نظر بان إليها، ثم هز كتفيه.«التنين إذا كان حياً، فهو من قرر العودة والحرق. ليس أنتِ. أنتِ فقط فتحتِ باباً كان مغلقاً. ما يفعله بعد ذلك مسؤوليته هو.»نظر أكيهيكو إلى الجميع، ثم إلى إليزابيث.«لكن... إذا كان هو نفسه، فلماذا عاد الآن؟ بعد كل هذه السنين؟»رفعت إليزابيث عينيها.«لا أعرف. لكن إذا كان هو... فأنا لا أستطيع أن أتركه يدمر هذه البلدة. أنا من أطلقته. يجب أن أكفر عن خطئي. لن أستطيع النوم بسلام إذا تركته طليقاً يحرق الناس.»نظر بليك إليها طويلاً، ثم تكلم بهدوء:«إذا كانت قصة العجوز حقيقية، وإذا كان التنين قد عاد فعلاً... فيجب علينا أن نفعل شيئاً. هذه البلدة المسكينة لن تصمد أمام حريق آخر. الناس هنا يعيشون على القليل، وإذا احترقت البلدة... لن يبقى لهم شيء.»أومأت إليزابيث برأسها بقوة.«أنا معك. يجب أن نذهب إلى الجبل. يجب أن نواجهه. إذا كان هو سموغ... فسأواجهه بنفسي. لن أتركه يؤذي أحداً آخر بسببي.»نظر ميليوداس إلى الجميع، ثم تنهد.«حسناً... إذن لدينا هدف جديد. لكن لن نذهب الآن. نحتاج خطة، ونحتاج أن نرتاح قليلاً. الجبل لن يهرب.»نظر بليك إلى يده الضامرة، ثم إلى الجبل من النافذة الصغيرة.«لن يهرب... لكنه لن ينتظر إلى الأبد.»وساد صمت ثقيل في الحانة، بينما كان الجبل في الأفق لا يزال يقف، صامتاً، شاهقاً، ينتظر.

2026/01/25 · 9 مشاهدة · 4596 كلمة
نادي الروايات - 2026