في ضوء العشية الخافت الذي بدأ يتسلل بين أشجار غابة الأحلام البيضاء، وقف الجميع أمام الحانة المتحركة التي كانت ترتاح على الأرض، قرب جذع شجرة عملاقة مائلة. الهواء بارد، رطب، يحمل رائحة التراب المبلل والأوراق المتساقطة. لم يكن هناك صوت سوى حفيف خفيف للريح بين الأغصان، وأنفاس الجميع الثقيلة.بليك وقف بعيداً قليلاً، ينظر إلى كفه الأيمن المغطى بضمادة خشنة.
رفع يده ببطء، وبحركة هادئة حاول أن يجمع بين أصابعه شعلة صغيرة. نار حمراء خافتة جداً، لا تكاد تُرى، ظهرت لثانية ثم تلاشت كأنها قطرة ماء سقطت على جمرة باردة. أغلق قبضته بقوة، ثم فتحها مرة أخرى، كمن يتأكد من أن ما رآه حقيقي.«... ضعيف.»همس لنفسه، صوته خافت لدرجة أن أحداً لم يسمعه سوى الريح.اقترب أكيهيكو منه بخطوات مترددة. كان وجهه متجهماً، عيناه تحملان مزيجاً من القلق والإصرار. وقف بجانبه، لكنه لم ينظر إليه مباشرة، بل إلى الأفق حيث يبدأ الجبل بالارتفاع.«بليك... أنت تعلم أنك لست في حالة تسمح لك بالصعود إلى هناك الآن.»بليك لم يجب فوراً. ظل ينظر إلى كفه الفارغ.«النار التي كنت أستدعيها في شنغهاي... كانت أقوى من هذا بكثير. حتى في أضعف لحظاتي، كنت أستطيع إشعال شيء يُحرق. أما الآن...»توقف. تنهد بعمق، ثم رفع رأسه أخيراً نحو أكيهيكو.«الكتاب ليس معي. شمس المعارف هو ما كان يربط قوتي بالمانا الخارجية. بدونه، أنا... مجرد بشري يحمل بعض الذكريات عن السحر.»أكيهيكو عض شفته السفلى قليلاً، ثم تكلم بنبرة أكثر حدة، كمن يحاول إقناع نفسه أكثر مما يحاول إقناع صاحبه.«لهذا السبب بالذات يجب أن تبقى. هوك يمكنه حمايتك هنا. ديان ستترك الحانة معنا، لكنك لست مضطراً لأن تكون عبئاً... أقصد...»توقف، مدركاً أن كلمته جاءت قاسية أكثر مما أراد.بليك ابتسم ابتسامة باهتة، ليست ساخرة، بل متعبة.«عبء. الكلمة الصحيحة. أعرف.»نظر إلى الجبل مرة أخرى.«لكنني لا أستطيع البقاء. ليس لأنني أريد إثبات شيء. وليس لأنني أكره أن أكون عبئاً. أنا فقط... لا أستطيع أن أترككم تذهبون وحدكم إلى شيء أطلقته إليزابيث. التنين موجود بسبب ما حدث في شنغهاي. وأنا... كنت هناك. كنت جزءاً من تلك اللحظة.»أكيهيكو صمت طويلاً. ثم هز رأسه ببطء.«أنت لست مسؤولاً عن كل شيء في العالم، بليك.»«ربما. لكنني مسؤول عما أستطيع تغييره.»نظر بليك إلى السماء. الغيوم كانت ثقيلة، رمادية، كأنها تحمل أمطاراً لم تنزل بعد.«سأذهب. حتى لو كنت أبطأ منكم. حتى لو كنت أضعف من أي وقت مضى. لن أبقى هنا أنتظر الأخبار.»أكيهيكو تنهد بعمق، ثم وضع يده على كتف بليك برفق.«حسناً... لكن إذا شعرت بأي ألم، أو إذا شعرت أن اللعنة تتحرك مجدداً... قل لي فوراً. لن أتركك تموت هناك.»بليك أومأ برأسه بصمت.في تلك اللحظة، اقتربت إليزابيث. كانت ترتدي معطفاً طويلاً من الصوف الخشن، ووجهها شاحب قليلاً، لكن عينيها كانتا ثابتتين. وقفت أمامهما، ثم نظرت إلى ميليوداس الذي كان يتحدث مع ديان على بعد خطوات.«أنا ذاهبة معكم.»توقف الجميع.ميليوداس التفت إليها بسرعة، حاجباه مرفوعان.«إليزابيث... الجبل ليس مكاناً آمناً. التنين ليس مجرد حيوان كبير.
إنه...»«أعرف.»قاطعته بهدوء، لكن بحزم لم يعهده منها من قبل.«أنا من أطلقت سراحه. أنا من فتحت الختم لأوقف كارول، وأنا من تسببت في وجوده هنا الآن. لا أستطيع أن أبقى هنا بينما أنتم تذهبون لمواجهة ما فعلته.»نظرت إلى بليك مباشرة.«إذا كان عليّ أن أواجه التنين، فسأواجهه بنفسي.»ميليوداس فتح فمه ليرد، لكنه أغلقه مجدداً. نظر إليها طويلاً، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة، من تلك الابتسامات التي تحمل مزيجاً من الفخر والقلق.«... لا أستطيع إقناعك بعدم المجيء، أليس كذلك؟»«لا.»أجابت دون تردد.ديان، التي كانت تستمع بصمت، وضعت يدها الضخمة على الأرض بجانبهم، مما جعل الأرض تهتز قليلاً.«إذا ذهبت الأميرة... فسأحميها بكل قوتي.»بان، الذي كان يتكئ على شجرة قريبة، ضحك ضحكة خافتة.«حسناً... يبدو أن الجميع مصر على الموت معاً. لا بأس. على الأقل لن يكون الطريق مملّاً.»كينغ، الذي كان يطفو فوق رأس ديان على وسادته الخضراء، تنهد بعمق.«... أتمنى فقط ألا نضطر إلى قتال تنين حقيقي. أنا لا أحب الارتفاعات.»بليك نظر إلى الجميع، ثم رفع صوته قليلاً ليسمعهم كلهم.«لنذهب. ليس لدينا وقت نضيعه. إذا كان التنين قد استيقظ بالفعل... فكلما تأخرنا، كلما ازداد الدمار.»أومأ ميليوداس برأسه.«إذاً... إلى الجبل.»بدأ الجميع بالتحرك. ديان مشت بخطى واسعة أمامهم، تحمل الحانة على كتفها كالمعتاد، وإليزابيث مشت بجانب ميليوداس، بينما سار بليك وأكيهيكو في المؤخرة. كان الهواء يزداد برودة كلما اقتربوا من سفح الجبل. الضباب بدأ يتكاثف، والأشجار أصبحت أقل كثافة، وأكثر هشاشة.بليك سار ببطء، يحاول ألا يظهر ألمه. كل خطوة كانت تُشعر الندبة السوداء في صدره وكأنها تتنفس. لكنه لم يشتكِ. لم يقل شيئاً. فقط سار.أكيهيكو، الذي كان يمشي بجانبه، نظر إليه مرة أخرى.«إذا شعرت بشيء... قل لي.»بليك لم يجب. لكنه أومأ برأسه مرة واحدة، ببطء.تقدم الفريق نحو الجبل، وسط صمت ثقيل، وأنفاس متسارعة، وشعور جماعي بأن ما ينتظرهم في الأعلى ليس مجرد تنين... بل نهاية شيء ما.
دخل الجميع البلدة في صمت مشوب بالحذر. كانت إيسبيروت تبدو كأنها معلقة بين الحياة والموت: ألواح خشبية متآكلة تكوّن أرضية عائمة فوق بحيرة راكدة، بيوت منحنية كأنها تتكئ على بعضها خوفاً من السقوط، وجسور حبال مهترئة تربط بين المنصات الخشبية. الضوء الخافت للعشية ينعكس على سطح الماء الأسود كأنه مرآة مكسورة، ولا يسمع سوى صوت أمواج خفيفة تصطدم بالأعمدة الخشبية، وأحياناً صرير ألواح تتأوه تحت أقدام الزائرين.
أول ما لفت الأنظار كان حجم ديان. خطواتها الواسعة جعلت الأرضية الخشبية تحتها تصدر أصواتاً مدوية، كأنها سفينة تتمايل في عاصفة. فجأة، انكسر لوح كبير تحت قدمها اليمنى، فغرزت ساقها حتى منتصف الساق في الماء البارد. صوت الماء المتطاير ملأ المكان، وارتجفت ديان للحظة قبل أن تثبت نفسها بيدها الأخرى على أحد الأعمدة، مما جعل المنصة بأكملها تهتز بعنف.«آه... آسفة.»قالتها بصوت منخفض، وكأنها طفلة أخطأت دون قصد. لكن السكان الذين كانوا يقفون على الجسور والمنصات المجاورة تجمدوا في أماكنهم. عيونهم اتسعت، وارتسمت على وجوههم نظرة رعب صافٍ. بعضهم تراجع خطوتين إلى الخلف، وآخرون أمسكوا بأطفالهم وسحبوهم إلى داخل البيوت. لم يكن الخوف من السقوط في الماء هو ما أرعبهم، بل كان منها هي: عملاقة حقيقية، بشرتها بنية قوية، شعرها يتدلى كستارة بنية طويلة، وعيناها الخضراوان الواسعتان تنظران إليهم الآن ببراءة لا تتناسب مع حجمها.من بعيد، سُمع صوت أقدام سريعة. خرج ثلاثة رجال يرتدون دروعاً خفيفة من الجلد المقوى، سيوفهم مسلولة، ووجوههم مشدودة. كانوا حراس البلدة، أو ما يمكن أن يُسمى حراساً في مكان كهذا. تقدم الأول، رجل في الأربعين، لحيته قصيرة مشوبة بالشيب، وعيناه تضيقان وهو يرفع سيفه نحو ديان.«توقفي مكانك أيتها الوحش! لا تتحركي خطوة أخرى وإلا قتلناكِ!»ديان، التي كانت لا تزال تحاول سحب ساقها من الماء، رفعت يديها بسرعة في إشارة استسلام، لكن حركتها جعلت المنصة تهتز مجدداً، فتراجع الحراس خطوة إلى الوراء.«أنا... لست عدوة. أنا آسفة على الأرضية. لم أقصد...»صوتها كان هادئاً، لكنه عميقاً، يحمل رجة خفيفة تجعل الماء يتموج تحت قدميها.لم يصدقها أحد. الرجل الذي تقدم رفع سيفه أعلى، وصرخ:«لا تتحركي! أنتِ تهديد للبلدة بأكملها! من أنتم؟ وما الذي جاء بكم إلى هنا؟»ميليوداس تقدم خطوة واحدة، رافعاً يديه بسلام، وابتسامته المعتادة لا تزال موجودة على وجهه، وإن كانت أقل مرحاً هذه المرة.«اهدأوا. نحن لا نريد القتال. جئنا فقط لنمر من هنا إلى الجبل. لا نريد أذى لأحد.»الحارس الأول نظر إليه بارتياب، ثم إلى ديان مرة أخرى.«الجبل؟ أنتم مجانين. لا أحد يصعد إلى هناك منذ اثنين وعشرين عاماً. والوحش الذي يسكن القمة...»
توقف كلامه فجأة. من خلف الحراس، تقدم رجل سمين قصير القامة، بطنه يتدلى فوق حزامه، ووجهه منتفخ كأنه مصنوع من عجينة فاسدة. لحيته قصيرة ومتفرقة، وشعره الأسود الدهني ملتصق بجمجمته كأنه لم يُمسَ منذ أسابيع. عيناه صغيرتان، غائرتان، محاطتان بتجاعيد دهنية، وأنفه عريض مشوه كأنه تعرض لضربة قديمة. ثيابه فاخرة نسبياً مقارنة ببقية السكان، لكنها متسخة وممزقة في الأطراف، كأنها كانت فاخرة في زمن مضى. مشيته ثقيلة، وكل خطوة تصدر صوتاً خشبياً مدوياً على الألواح.توقف أمامهم، ورفع ذراعه ببطء، كأنه يأمر الحراس بالصمت.«من أنتم؟»سأل بصوت خشن، متعب، كأنه لا يريد أن يضيع وقته.نظر إليه ميليوداس بنظرة هادئة.«نحن مسافرون. نمر من هنا إلى الجبل. لا شيء أكثر.»ضحك العمدة ضحكة قصيرة، جافة، كأنها سعال.«إلى الجبل؟ أنتم إما مجانين أو كذابون. لا أحد يذهب إلى هناك. لا ذهب، لا كنوز، لا شيء. فقط الموت ينتظر في القمة.»تقدم بليك خطوة، ووقف بجانب ميليوداس. صوته هادئ، لكنه حازم.«لسنا ذاهبين إلى الجبل للأموال اللعينة. نحن ذاهبون لقتل التنين سموغ. لذا ابتعد عن طريقنا.»ساد صمت قصير. ثم انفجر العمدة في ضحكة عالية، بطنية، جعلت لحيته ترتجف.«التنين؟ سموغ؟ هههه... يا فتى، ألا تعرفون؟ سموغ مات قبل اثنين وعشرين عاماً. احترق في قمة الجبل ولم يعد أحد يراه منذ ذلك اليوم. كل ما تبقى منه رماد وخرافات يرددها العجائز لتخويف الأطفال.»نظر بان إليه ببرود.«وما الذي يجعلك متأكداً من ذلك؟»«لأنني أعيش هنا منذ خمسين عاماً. ولأنني رأيت بنفسي الرماد يتطاير من القمة يومها. لا تنانين، لا كنوز، لا شيء. فقط جبل ميت.»تكلم كينغ بصوت هادئ، لكنه حاد.«إذاً لماذا يخاف سكانك منه إلى هذا الحد؟»«لأن الخوف أسهل من النسيان. يجعل الناس يلتزمون بيوتها، ويدفعون الضرائب دون تذمر. التنين الميت أفضل من لا تنين على الإطلاق.»ضحك العمدة مرة أخرى، ثم نظر إلى ديان التي كانت لا تزال تحاول سحب قدمها من الماء.«والآن... أخرجوا هذه العملاقة من بلدتي قبل أن تدمر ما تبقى منها. وادفعوا ما كسرته. الألواح ليست رخيصة.»تجهم وجه كينغ فجأة. عيناه الخضراوان ضاقتا، وصوته أصبح أبرد.«احترس من لسانك وأنت تتحدث عنها. إنها ليست وحشاً. إنها صديقتنا.»«صديقتكم؟»
رد العمدة بسخرية. «عملاقة بحجم تلة تدمر أرضيتنا وتغرق أرجلها في مائنا، ثم تقول إنها صديقتكم؟ أنا لا أرى إلا وحشاً يجب إبعاده.»رفع يده، وتقدم الحراس خطوة، سيوفهم مرفوعة.«ادفعوا ما كسرته، أو خذوا هذه العملاقة بعيداً. وإلا...»توقف. نظر إلى إليزابيث التي كانت تقف بجانب ميليوداس، ثم ابتسم ابتسامة دهنية مقززة.«... أو ربما... لا بأس. إذا أعطيتموني تلك الفتاة الجميلة، نستطيع أن نتفاهم. تبقى معي ليلة أو اثنتين، ثم تعود إليكم سالمة. صفقة عادلة، أليس كذلك؟»ساد صمت ثقيل. عيون ميليوداس ضاقت، ويده تحركت ببطء نحو خصره حيث يستقر سيفه المكسور. أكيهيكو شد قبضته على مقبض كاتاناه، وبليك، رغم ضعفه، تقدم خطوة إلى الأمام، عيناه تلمعان ببريق بارد.لكن قبل أن يتحرك أحد، رفعت إليزابيث يدها بهدوء، وتكلمت بنبرة ثابتة.«لا بأس.»نظر إليها الجميع بدهشة.«سأبقى هنا.»ميليوداس التفت إليها بسرعة.«إليزابيث... ماذا تقولين؟»نظرت إليه بعينين هادئتين، لكن فيهما تصميم لا يتزعزع.«اذهبوا. أنا سأتعامل معه. لا تقلقوا. لن يحدث لي شيء.»«لا يمكننا ترككِ هنا!»قالها ميليوداس بحدة نادرة.«لن يحدث شيء. أثق بكم أنكم ستعودون سريعاً. وأنا... أستطيع الاعتناء بنفسي.»نظرت إلى العمدة مباشرة.«لكن اعلم... إذا مسستني بسوء، فإن ما سيحدث لك سيكون أسوأ بكثير مما تتخيل.»ابتسم العمدة ابتسامة عريضة، وكأنه فاز بجائزة.«صفقة عادلة. اذهبوا. الفتاة تبقى معي.»نظر ميليوداس إلى إليزابيث طويلاً، ثم أومأ برأسه ببطء، رغم أن قبضتيه كانتا مشدودتين.«... سنعود سريعاً.»تقدم الجميع، تاركين إليزابيث وهوك خلفهما. العمدة أشار إلى الحراس فأحاطوا بها، وساروا بها نحو أحد البيوت الكبيرة في وسط البلدة.بليك، الذي كان يسير في المؤخرة، نظر إلى الوراء مرة واحدة فقط. رأى إليزابيث تقف باستقامة، وجهها هادئ، لكن يديها مشدودتان على جانبيها. لم تكن خائفة. كانت مصممة.ثم استدار، وسار مع الآخرين نحو سفح الجبل، حيث ينتظرهم التنين... أو ما تبقى منه.
بقيت إليزابيث وهوك وحدهما في وسط الشارع الخشبي الضيق، محاطين بالحراس الذين أحكموا الطوق حولهما ببطء. العمدة وقف على بعد خطوات قليلة، يمسح فمه بظهر كفه السمين، وعيناه تلمعان بنظرة جشعة لا تخفي شيئاً. الريح الباردة كانت تحمل رائحة الماء الراكد من تحت الألواح، ممزوجة برائحة الخشب المتعفن والدخان البعيد.تقدم العمدة نحو إليزابيث بخطوات ثقيلة، بطنه يتمايل مع كل حركة. توقف أمامها مباشرة، قريباً جداً حتى شعرت بنفسه الحار الثقيل على وجهها. رفع يده السمينة ببطء، ومد أصابعه نحو خدها، كأنه يريد أن يتحسس بشرتها قبل أن يفعل أكثر. أصابعه الغليظة كانت مبللة بالعرق، وأظافره متسخة تحتها طبقة سوداء.«جميلة... جداً جميلة.»قالها بصوت خشن، مبتسماً بفم مفتوح يكشف أسناناً صفراء متفرقة. اقترب أكثر، حتى أصبحت رائحة عرقه ونفسه المسكر تملأ أنفها. مد يده الأخرى نحو كتفها، محاولاً جذبها نحوه، أصابعه تضغط على قماش معطفها بقوة، كأنه يريد تمزيقه هنا والآن، أمام الجميع.«تعالي معي يا صغيرتي. لن يطول الأمر. ليلة واحدة فقط... وربما اثنتين إذا كنتِ مطيعة.»ضحك ضحكة قصيرة، بطنية، وهو يميل برأسه نحو عنقها، كأنه يشم رائحتها. يده الثانية بدأت تنزلق نحو خصرها، أصابعه الغليظة تحاول الدخول تحت المعطف.فجأة، انطلق هوك من مكانه كالسهم الصغير. قفز بينهما، وقف على رجليه الخلفيتين، ورفع رأسه الصغير نحو العمدة بعينين مشتعلتين.«ابتعد عنها أيها الخنزير القذر!»صرخ بصوت حاد، يرتجف من الغضب. ثم عض ساق العمدة بكل قوته، أنيابه الصغيرة تغرز في لحمه السمين. صرخ العمدة من الألم، وتراجع خطوة إلى الوراء، يحاول نفض هوك عنه.«هذا الخنزير اللعين!»صرخ وهو يرفس برجله، لكن هوك تمسك أكثر، يهز رأسه بعنف كأنه يمزق قطعة لحم.إليزابيث استغلت اللحظة. انحنت بسرعة، التقطت هوك بين ذراعيها، واندفعت تركض نحو أحد الأزقة الضيقة بين البيوت الخشبية. الحراس تحركوا ليطاردوها، لكن الزقاق كان ضيقاً جداً، لا يتسع إلا لشخص واحد، فتعثروا فيما بينهم وهم يحاولون الدخول معاً.ركضت إليزابيث بكل ما أوتيت من قوة، قلبها يدق بسرعة، أنفاسها متقطعة. هوك كان لا يزال في حضنها، يلهث ويقول بصوت مكتوم:«لا تخافي... سأحميكِ...»وصلت إلى نهاية الزقاق، حيث ينتهي عند حافة البحيرة. توقفت، تلهث بشدة، وانحنت على ركبتيها. وضعت هوك على الأرض برفق، ثم رفعت رأسها إلى السماء الرمادية.«كونوا بخير... ميليوداس... الجميع...»همست الكلمات وهي تضغط على صدرها، كأنها تحاول تهدئة قلبها الذي كان يدق كالمطرقة.في تلك اللحظة، سمعت صوت خطوات ثقيلة تقترب من الزقاق. لم تتحرك. فقط أغلقت عينيها لثانية، ثم فتحتهما مجدداً، ووقفت مستقيمة، وجهها هادئ رغم الخوف الذي يعتصر قلبها.من ناحية أخرى، كان الفريق يركض نحو سفح الجبل.
الطريق كان وعراً، مليئاً بالصخور المغطاة بالطحالب الزلقة والجذور البارزة. الضباب يزداد كثافة كلما ارتفعوا، والريح بدأت تهب بقوة أكبر، تحمل معها رذاذ الثلج البارد.فجأة توقفت ديان. نظرت إلى الجبل الشاهق أمامها، قمته مغطاة بالغيوم السوداء، وتنهدت تنهيدة عميقة جعلت الأرض تهتز تحت أقدامها.«سوف نستغرق وقتاً طويلاً جداً في صعود هذا الجبل.»قالتها بصوت منخفض، وكأنها تتحدث إلى نفسها أكثر من الآخرين.ميليوداس توقف أيضاً، ونظر إليها.«إذن... ماذا يجب أن نفعل بالضبط؟»رفعت ديان مطرقتها الضخمة، جيديون، بكلتا يديها. نظرت إلى الأرض أمامها، ثم إلى الجبل.«عندي الحل.»قالتها بهدوء، ثم رفعت المطرقة عالياً. في لحظة واحدة، هوت بها على الأرض بقوة هائلة. ارتجت الأرض كلها، وانشقت صخور تحت أقدامهم، ثم بدأت أعمدة حجرية عملاقة تنبثق من الأرض بسرعة مذهلة. أعمدة مستقيمة، عريضة، صلبة، تتصاعد نحو القمة كأنها سلالم عملاقة صنعتها الطبيعة نفسها.كان الجميع يقف على إحدى هذه الأعمدة، ما عدا كينغ الذي ظل يطفو في الهواء بوسادته الخضراء، ينظر إلى ما يحدث بدهشة.«يا إلهي... ديان... هذا... مذهل.»قال بليك، صوته يحمل نبرة إعجاب حقيقية لأول مرة منذ ساعات.ضحكت ديان ضحكة خفيفة، وهي تمسح عرقها بظهر يدها.«ليس مذهلاً. مجرد حل عملي. الجبل شاهق، والوقت ينفد. هكذا نصل في دقيقة واحدة بدلاً من ساعات.»نظر ميليوداس إلى الأعمدة التي ما زالت تتصاعد بسرعة، ثم إلى القمة التي بدأت تقترب.«أنتِ دائماً تفاجئينني، ديان.»ردت ديان بابتسامة خجولة.«أحاول فقط أن أكون مفيدة.»في غضون ثوانٍ معدودة، وصلت الأعمدة إلى قمة الجبل. توقفت فجأة، واستقرت بثبات مخيف، كأنها كانت موجودة منذ آلاف السنين. الجو هناك متجمد. الرياح عاتية، تحمل معها ثلوجاً دقيقة تلسع الوجه كالإبر. الثلج يغطي الأرض بطبقة بيضاء سميكة، والرؤية محدودة بسبب الضباب الكثيف. لكن من هذه الارتفاعات، كان بإمكانهم رؤية البلدة الصغيرة تحت أقدامهم كأنها لعبة مصنوعة من عيدان الثقاب، والبحيرة السوداء تحيط بها كحلقة مظلمة.وقف الجميع على القمة، يلهثون قليلاً من برودة الهواء الذي يحرق الرئتين.بان كان أول من تكلم، وهو يفرك يديه معاً.«حسناً... وصلنا. الآن... كيف نجد كهف هذا التنين اللعين؟»نظر ميليوداس حوله، ثم إلى الجبال المحيطة.«الكهف لا بد أن يكون في مكان مرتفع، محمي، قريب من القمة. ربما في الجهة الشمالية حيث الرياح أقل. التنانين لا تحب الريح القوية في وجهها.»ضحك بان بسخرية.«ومنذ متى أصبحت خبيراً في تربية التنانين؟»«لست خبيراً. لكنني رأيت بعضها في حياتي. وكلها تختار أماكن مرتفعة، بعيدة عن البشر، قريبة من السماء.»تدخل كينغ، وهو يطفو فوق رأس ديان.«أنا أشم رائحة دخان قديم.
خافتة جداً، لكنها موجودة. من الجهة الشرقية، خلف تلك الصخور الكبيرة.»نظر بليك إلى الجهة التي أشار إليها كينغ.«إذاً... نذهب شرقاً.»أومأ ميليوداس.«لكن بحذر. إذا كان التنين حياً بالفعل، فهو لن يرحب بنا. ورائحة الدخان قد تكون من نار قديمة... أو من شيء آخر.»ضحك بان مرة أخرى.«أو ربما من عشاء قديم لم يُهضم بعد. من يدري؟»نظر إليه كينغ بنظرة جانبية.«هل تضحك دائماً في مثل هذه المواقف؟»«إذا لم أضحك... سأبكي. والبكاء لا ينفع أحداً.»تدخلت ديان بصوت هادئ.«أظن أننا نتحدث كثيراً. إذا كان التنين موجوداً... فسوف نعرف عندما نصل. وإذا لم يكن... فسنعود سالمين.»نظر بليك إليها، ثم إلى الجميع.«ديان على حق. الطريقة الوحيدة لمعرفة الحقيقة هي الذهاب. لكن... إذا واجهناه، فلن يكن هناك مجال للتردد. سنقاتل معاً، أو نموت معاً.»ساد صمت قصير. ثم أومأ ميليوداس برأسه.«معاً.»بدأ الجميع يتحركون نحو الجهة الشرقية، يخترقون الثلج الذي يصل إلى الركبة في بعض الأماكن. الريح كانت تعوي الآن، تحمل معها حبات ثلج صغيرة كالرمال، تلسع الوجوه والعيون. لم يكن هناك طريق واضح، فقط صخور مغطاة بالجليد، ومنحدرات شديدة الانحدار، وأحياناً شقوق عميقة في الأرض تكشف عن هاوية سوداء لا قرار لها.بليك سار في المؤخرة، يحاول مواكبة الآخرين رغم الإرهاق الذي يثقل خطواته. كلما حاول أن يستدعي شعلة نار، كانت تظهر أضعف من السابقة، كأن شيئاً يمتص قوته من الداخل.أكيهيكو، الذي كان يسير بجانبه، نظر إليه مرة أخرى.«لا تزال تشعر بها... أليس كذلك؟»بليك أومأ برأسه ببطء.«اللعنة لا تزال حية. لكنني لن أتوقف.»توقف أكيهيكو للحظة، ثم تكلم بصوت منخفض.«أنت لست مضطراً لإثبات شيء لنا. إذا شعرت أنك لا تستطيع... قل لي. سأحملك إذا لزم الأمر.»ابتسم بليك ابتسامة خافتة.«شكراً. لكنني سأمشي بنفسي. حتى لو كان ذلك آخر ما أستطيع فعله.»تقدم الفريق، وسط الريح العاتية والثلج المتساقط، نحو الظلام الذي ينتظرهم في قلب الجبل.