كان الهواء داخل نفق الجبل يزداد ثقلاً مع كل خطوة يخطوها الرفاق نحو الأعماق، برودة خانقة في الخارج استُبدلت هنا برطوبة لزجة ورائحة كبريتية خافتة تملأ الصدور. كان الصمت سيد الموقف، لا يقطعه سوى وقع أقدامهم الحذرة على الأرض الصخرية غير المستوية، وصدى قطرات ماء وحيدة تسقط من سقف الكهف العالي لتحدث رنيناً موحشاً. سار ميليوداس في المقدمة بخطوات واثقة رغم قصر قامته، بينما كان بان يتلفت حوله بعينين تلتمعان بفضول جشع، وكأن حواسه استشعرت بريق المعدن قبل رؤيته.

تعمقوا أكثر فأكثر، حيث بدأت الجدران الصخرية تتسع تدريجياً، كأن الجبل يفتح أحشاءه لابتلاعهم. همس كينج وهو يطفو فوق وسادته الخضراء، وعيناه تراقب الظلال المتموجة على الجدران بفعل ضوء خافت ينبعث من مكان ما في الأمام: هذا المكان ليس مجرد كهف طبيعي، أشعر بضغط هائل يطبق على صدري، كأن الجبل نفسه يتنفس. رد عليه بليك بصوت خافت مجهد، وهو يضغط على ذراعه الملعونة التي بدأت تنبض بألم حاد: إنه ليس الجبل يا كينج، إنه حضور لكيان لا ينتمي لهذا العصر، الطاقة هنا كثيفة لدرجة أنها تكاد تكون ملموسة.

عند المنعطف الأخير، انفتح الكهف فجأة على قاعة أسطورية، فسيحة لدرجة أن سقفها ضاع في غياهب الظلمة السحيقة. هناك، تجمدت الأنفاس في الصدور؛ لقد كان المشهد يفوق أي وصف بشري. جبال من الذهب، تلال من العملات المسكوكة التي تعود لعصور بائدة، تيجان مرصعة بالياقوت، ودروع مطعمة بالزمرد، كلها متراكمة فوق بعضها البعض لتشكل تضاريس معدنية براقة يعكس ضوؤها الذهبي بصيصاً من النور الغامض الذي يملأ المكان.

وفي قلب هذا البحر الذهبي، كان "سموغ" يربض بمهابة تكسر هيبة الملوك. لم يكن مجرد تنين، بل كان جبلًا من الحراشف القرمزية الصلبة التي تشبه الفولاذ المصهور، يتداخل فيها سواد الليل مع حمرة الدم. كان جسده الضخم يلتف حول كومة الذهب الرئيسية، وجناحاه المطويان يغطيان مساحات شاسعة من الكنوز كأنهما غطاء من جلد وعظم لا يقهر. كان أنفاسه تخرج بانتظام ثقيل، محدثة سحباً رقيقة من الدخان الرمادي تخرج من منخريه الواسعين، ومع كل زفير، كانت العملات الذهبية تحت جسده تتحرك وتصدر رنيناً خافتاً، كأنها تعزف سيمفونية الموت والملك.

توقف الجميع عن الحركة تماماً. همس بان وعيناه لا تكادان تصدقان حجم الثروة: يا إلهي، هذا يكفي لشراء ممالك الأرض السبع والفيض ببعض الفكة. لكزه أكيهيكو بمقبض سيفه محذراً وهو يهمس بحدة: ليس الآن يا بان، نحن في عرين الموت، أي خطوة خاطئة ستجعلنا جزءاً من هذا الركام الذهبي.

اقترب ميليوداس ببطء، ملامحه كانت قد خلت من أي مرح، وعيناه ترقبان حركة صدر التنين العظيم. همست ديان بصوت يرتجف رغم ضخامة جسدها: هل هو نائم حقاً؟ يبدو وكأنه يراقبنا حتى وهو مغمض العينين. رد ميليوداس بهدوء مميت وهو يضع يده على مقبض سيفه المكسور:

التنانين القديمة لا تنام كما ينام البشر، إنها تعيش في أحلام يمتزج فيها الماضي بالحاضر. ولكن، بما أننا هنا، فليكن القرار سريعاً؛ سأقترب منه وأحاول غرس نصلي في النقطة الضعيفة أسفل رقبته، فلننهِ هذا الأمر قبل أن يفتح جحيمه علينا.

تحركوا كالأشباح، يحاذرون ملامسة أي عملة ذهبية قد تصدر صوتاً يشي بوجودهم. كان بليك يسير خلفهم، يشعر ببرودة غريبة تسري في عموده الفقري، حدسه يخبره بأن هناك خطأ ما، بأن الهدوء في هذه القاعة مبالغ فيه. وعندما وصل ميليوداس إلى مسافة لا تبعد سوى أمتار قليلة عن رأس التنين الهائل، حيث كان منخر سموغ يطلق زفيراً حاراً لدرجة أن الهواء أمامهم بدأ يتذبذب من الحرارة، توقف التنين عن الزفير فجأة.

ساد صمت مطلق، صمت ثقيل لدرجة أنهم سمعوا دقات قلوبهم المتسارعة. وفجأة، ودون مقدمات، بدأت الحراشف القرمزية حول رقبة التنين تتحرك بصرير معدني مخيف، وانفتحت جفون سموغ ببطء لتكشف عن عينين كأنهما شمسين غارقتين في الحقد، حدقتان رأسيتان سوداوات وسط بحر من اللهب الأصفر المتوهج. لم يتحرك سموغ بعنف، بل ظل رابضاً في مكانه، لكن صوته خرج عميقاً، متهدجاً، كأنه قادم من أعماق الأرض، صوتاً يهز العظام قبل المسامع:

« لصوص.. لصوص صغار بأسماء كبيرة.. هل اعتقدتم حقاً أن رائحة الغدر، ورائحة دماء الشياطين، ورائحة تلك اللعنة التي يحملها بشريكم، يمكن أن تخفى عن مشام سموغ؟ لقد كنت أعد خطى أقدامكم منذ أن وطأتم أول صخرة في نفقي.. ادخلوا يا أصحاب الخطايا، فقد طال انتظاري لوليمة تحمل طعم الندم. »

ارتفع رأس سموغ ببطء شديد، كأنه جبل ينبعث من ركام الذهب، وتطايرت العملات المعدنية عن حراشفه محدثة رنيناً صاخباً ملأ أرجاء القاعة. لم يهاجم، بل مد عنقه الطويل في حركة انسيابية مرعبة، مقرباً رأسه الضخم من ميليوداس حتى صار لهيبه يلفح وجه القائد الصغير. تمددت شقتا التنين عن ابتسامة صفراء كشفت عن أنياب كأنها سيوف مغروسة في لثة من الجمر، ثم انطلق صوته مجدداً، متهدجاً بوقار زائف وتلاعب خبيث:

أهلاً بك يا حامل خطيئة الغضب.. ميليوداس، أليس كذلك؟ يا لك من كائن مثير للشفقة، تحتفظ بملامح طفل بينما تحمل في جوفك ظلاماً يخشاه الموت نفسه. هل جئت لقتلي؟ أم جئت لتمارس عادتك القديمة في خيانة من حولك؟ أرى في عينيك تلك النظرة التي لا تتغير، نظرة من يعتقد أنه يحمي الآخرين بينما هو يمهد الطريق لدمارهم. قل لي، يا قائد الخطايا، كم تضحية ستحتاج هذه المرة لتشعر بالرضا عن نفسك؟ هل ستضحي بهؤلاء الرفاق كما ضحيت بغيرهم في ماضيك البعيد الذي تحاول دفنه تحت هذه الحانة المتنقلة؟

التفتت عينا سموغ المتوهجتان نحو بان، الذي كان يقبض على سيفه بقوة، وتابع التنين بنبرة ساخرة تقطر سماً:

وأنت.. يا من سرقت الخلود وتدعي الوفاء لذكرى غابت تحت التراب. بان، اللص الذي لا يشبع. هل تعتقد أن هذا الذهب سيملأ الفراغ في صدرك؟ أم جئت باحثاً عن كنز يعيد لك ما سُلب منك؟ إنك تتظاهر باللامبالاة، لكن رائحة طمعك ونقصك تزكم أنفي أكثر من رائحة الكبريت. الخلود ليس هبة يا بان، بل هو سجن طويل الأمد، وأنا أعرف ذلك أكثر من أي كائن آخر.. هل تظن أنك حر؟ أنت لست سوى عبد لندبة في قلبك ولن يشفيها كل ذهب الجبل.

حوّل سموغ نظره بحدة نحو كينج وديان، اللذين تراجعا خطوة للخلف تحت وطأة الضغط النفسي، فضحك التنين ضحكة مكتومة هزت أعمدة الكهف:

ملك الجنيات الذي فقد مملكته، والعملاقة التي تبحث عن انتماء في عالم يراها وحشاً. يا له من تحالف بائس! كينج.. هل ما زلت تختبئ خلف أسلحتك السحرية؟ هل أخبرت رفاقك عن الخوف الذي ينهش روحك كلما أغمضت عينيك؟ وأنتِ يا ديان، هل تعتقدين أن هذا الحجم الصغير الذي تتخذينه أحياناً سيجعل منكِ بشراً؟ أنتما مجرد بقايا لعوالم منسية، تُساقان خلف طفل شيطاني نحو حتفكما المحتوم، وتسميان ذلك صدفة أو قدراً.. إنه ليس قدراً، إنه عجز عن العيش بمفردكما.

ثم صمت التنين للحظة، وانخفض بجسده الثقيل، ليوجه نظره مباشرة نحو بليك وأكيهيكو. كانت نظراته لبليك مختلفة، كانت تحمل نوعاً من التقدير المقزز، وكأنه يرى فيه مرآة لخرابه الخاص. زفر سموغ غيمة من الدخان الأسود وقال بصوت يكاد يكون همساً، لكنه حاد كالشفرة:

أما أنت.. يا بليك.. يا بقعة الزيت في هذا الثوب الأبيض. إنني أشتم فيك رائحة مألوفة جداً.. رائحة "كليب رثيأ". ذلك الجرح الذي يمتد على صدرك ليس مجرد إصابة، إنه توقيع الهلاك. كيف تجرؤ على المجيء إلى هنا وأنت تحمل في داخلك كياناً يريد ابتلاع الوجود؟ إنك تتحدث عن إنقاذ العالم، بينما أنت الوعاء الذي سيحطمه. أخبرني، هل تشعر باللحم وهو يتآكل تحت تلك اللعنة؟ هل تشعر بكليب وهو يضحك في أعماقك كلما نبض قلبك؟ إنك لست بطلاً يا بليك، أنت مجرد "خلل" في هذا النظام، خطأ سردي يحاول عبثاً أن يجد له معنى.

نظر سموغ إلى أكيهيكو وأضاف باستخفاف:

وأنت، السيف الذي يحاول حماية حطام بشري. هل تعتقد أن "تنفس البرق" خاصتك سيوفر لك الأمان ضد ناري؟ إنك تحاول حماية صديقك من نفسه، وهي معركة خاسرة لم ينتصر فيها أحد قبلك. انظروا إليكم جميعاً.. جئتم لقتلي، جئتم لتطهير "شر" سموغ، بينما الشر الحقيقي يقف بينكم، يتنفس معكم، ويقودكم من يدكم.

عاد سموغ ليرفع رأسه عالياً، وبدأ جسده يتوهج من الداخل، حيث بدأت نيران الغضب تتحرك في حنجرته، وتابع بتلاعب نفسي أخير:

العمدة في الأسفل أخبركم أنني وحش، أليس كذلك؟ العمدة الذي بنيتم عليه آمالكم هو نفسه من يقتات على جشعكم. لقد جئتم لتصحيح خطأ إليزابيث، لكنكم ترتكبون الخطأ الأكبر.. إن موتي لن يمنحكم السلام، بل سيفتح الأبواب لليأس الذي لا تملكون قوة لمواجهته. والآن، هل ما زلت ترغب في ذبحي وأنا "نائم" يا ميليوداس؟ أم أن كلمات سموغ قد جردتكم من شجاعتكم الزائفة؟ أنا العصور، أنا الموت، أنا الملك تحت الجبل.. وأنا أعرف نهايتكم قبل أن تبدأوا.

شد ميليوداس قبضته على مقبض سيفه المكسور حتى ابيضت مفاصل أصابعه، وارتسمت على وجهه ملامح لم تكن غضباً فحسب، بل كانت حزناً قديماً تحول إلى حنق بارد. رفع بصره نحو التنين الذي يملأ فراغ الكهف بجسده وجبروته، وقال بصوت منخفض لكنه نفذ كالنصل وسط القاعة: أنت تثرثر كثيراً بالنسبة إلى تنين، يا سموغ. لقد سمعت الكثير من الخطابات الجوفاء من كائنات ظنت أنها أزلية، ولم ينتهِ بهم الأمر سوى تحت التراب. كلماتك لا تزيدني إلا رغبة في قطع لسانك هذا قبل رقبتك.

بدأت الهالة السوداء تفيض من جسد ميليوداس، تلتف حوله كأنها ظلال حية تتوق للفتك. ضحك سموغ ضحكة هزت أركان الجبل، ضحكة لم تحمل أي مرح، بل كانت نذيراً بهلاك قادم. زفر التنين سحابة من الشرر وقال بصوت يزلزل الصخور: أمزلت تتحدث معي هكذا أيها الحثالة؟ تظن أنك رأيت الظلام لأنك سكنت الحفر الشيطانية؟ سأهبركم جميعاً، وسأريكم من أنا فعلاً.. لستم أمام مجرد وحش، أنتم أمام التاريخ، أمام الكارثة التي لا ترد.

وفجأة، لم يطلق سموغ ناراً، بل أطلق موجة من الضغط غير المرئي، قوة مغناطيسية هائلة جعلت أسلحة الجميع تهتز في أيديهم، وساد جو من الثقل الذهني الذي شل حركتهم. وفجأة، انطفأ نور الكهف في أعينهم، ولم يعودوا يرون الذهب أو الصخور، بل انسحب الواقع من تحت أقدامهم ليجدوا أنفسهم يسبحون في رؤية موحدة، فرضها سموغ على عقولهم بقوة جبروته.

رأوا في البداية سماءً زرقاء صافية تتحول في لحظة إلى جحيم أحمر. رأوا "ديل"، تلك المدينة المزدهرة عند أقدام الجبل، وهي تعيش يوماً عادياً قبل أن يظهر في الأفق ظل هائل كأنه كسوف مفاجئ. أحسوا من وجهة نظر سموغ بلذة القوة وهو يهبط من الغيوم، بريح الصرصر التي تضرب جناحيه، وبحرارة النار التي كانت تغلي في أحشائه وتتحرق شوقاً للخروج. لم يروا التنين كوحش، بل رأوه كإعصار طبيعي لا مفر منه.

شاهدوا كيف هوى سموغ على بوابات "إيريبور" المنيعة، كيف تحطم الصخر والحديد تحت وطأة جسده وكأنه ورق هش. أحسوا معه بتلك النشوة المرعبة وهو يحرق جيوش الأقزام الذين بدوا من منظوره كحشرات صغيرة تحاول عبثاً حماية ثقوب في الأرض. شموا رائحة الدخان، وسمعوا صرخات الرعب التي كانت بالنسبة للتنين مجرد موسيقى تصويرية لانتصاره.

رأوا المشهد العظيم لدخوله القاعة الملكية، حيث الذهب يمتد كمحيط لا نهاية له. أحسوا بجوع سموغ القديم، ليس جوعاً للطعام، بل جوعاً للامتلاك، للاستحواذ على كل ما هو جميل وثمين ووضعه تحت حراشفه. رأوا الملك "ثرور" وهو يفر بذعره، تاركاً خلفه "حجر الأركين" الذي كان يلمع كقلب الجبل، وشعروا باحتقار سموغ لهذا الملك الذي ادعى السيادة ثم ولى دبره أمام الموت الحقيقي.

ثم انتقلت الرؤية بهم عبر السنين، قرون من العزلة المظلمة فوق أكوام الذهب، حيث يمتزج الزمن ويصبح مجرد حلم طويل. شعروا بملل التنين، وبكبريائه الذي نما حتى أصبح يرى العالم الخارجي مجرد حديقة مهجورة لا تستحق اهتمامه. شاهدوا اللحظة التي تسلل فيها ذلك "اللص" الصغير، بيلبو باجينز، ورأوا كيف كانت كلمات بيلبو المنمقة تثير تسلية سموغ بقدر ما تثير حفيظته. أحسوا معه بذكائه الوقاد وهو يحلل الألغاز، وبغضبه المتفجر عندما أدرك أن هناك من يتجرأ على لمس "ذهبه".

رأوا السهم الأسود، ذلك المقذوف المشؤوم الذي أطلقه "بارد" في سماء "لايك تاون". أحسوا ببرد المعدن وهو يخترق النقطة الوحيدة الضعيفة في صدره، وبألم السقوط من السماء، والماء البارد الذي ابتلع لهيبه. كانت الرؤية تجعلهم يشعرون بكل قطرة دم تنزف منه، وبكل لحظة من الحقد الذي كان يتغذى عليه وهو يغرق في الظلام، قبل أن يتم استدعاؤه مجدداً في هذا الزمان والمكان.

عادت الأبصار إليهم تدريجياً، ليجدوا أنفسهم يلهثون، متصببين عرقاً، وأقدامهم ترتجف فوق سبائك الذهب. كان سموغ لا يزال رابضاً أمامهم، لكن هيبته الآن كانت مثقلة بقرون من المآسي والدمار التي عاشوها في ثوانٍ. نظر إليهم التنين بعينين تلمعان ببريق شيطاني وقال: والآن.. بعد أن رأيتم كيف تسقط الممالك تحت ظلي، هل ما زلتم تعتقدون أن سيفاً مكسوراً أو لعنة بشرية يمكنها الوقوف في وجه سموغ العظيم؟ لقد رأيتم موتي.. ورأيتم عودتي.. فماذا تظنون أنكم فاعلون أمام كائن هزم الوقت نفسه؟

ساد صمت مطبق في أرجاء القاعة الذهبية، صمتٌ ثقيل لم يقطعه سوى حفيف الذهب تحت جسد التنين الذي تجمدت أطرافه من الصدمة. في تلك اللحظة، وبينما كان الجميع يرتجف من وطأة "الرؤية" التي فرضها سموغ، انطلقت ضحكة مدوية، ضحكة طويلة، صافية، ومستفزة، جابت أصداؤها زوايا الكهف السحيقة. كان بليك هو المصدر؛ كان يضحك ملء رئتيه، ممسكاً ببطنه وكأنه سمع أطرف نكتة في الوجود، بينما تجمد ميليوداس وبان وأكيهيكو في أماكنهم، ينظرون إليه بذهول يمتزج بالرعب من ردة فعل التنين.

توقف سموغ عن الحركة تماماً، ومال برأسه الضخم نحو بليك، وعيناه الجمرتان تضيقان بغلٍّ لم يسبق له مثيل. خرج صوته كفحيح الأفعى، مشوباً بنبرة من الحقد الدفين: "ما الذي يضحكك أيها القذر؟ هل فقدت عقلك قبل أن تفقد حياتك؟ أم أن رؤية دمار الممالك أصابت لبّك بالخبل؟"

مسح بليك دمعة فرت من عينه من شدة الضحك، ورفع رأسه بهدوء يستفز الجبال، ونظر مباشرة في عيني سموغ المتوهجتين وقال: "لا شيء حقاً.. فقط، أنت تذكرني بأولئك العجائز المملين الذين يجلسون في زوايا الحانات، يحكون حكايات طويلة، رتيبة، ومكررة عن أيام شبابهم الضائعة، وكيف كانوا أقوياء، وكيف كانت تهابهم الرجال. إنك تشبههم تماماً يا سموغ."

اتسعت عينا التنين بذهول، لكن بليك لم يمهله فرصة للرد، بل تابع بنبرة ساخرة: "لا أفهم حقاً لماذا أريتنا هذا الشيء؟ هل تعتقد أننا سنرتجف الآن لمجرد أنك دمرت بعض الممالك الهشة عندما كنت شاباً يافعاً؟ دعني أواجهك بالحقيقة التي ترفض رؤيتها بين أكوام ذهبك.. أنت مجرد عجوز الآن، عجوز مترهل يقف على شفا الموت، لا يستطيع فعل شيء سوى الاجترار في ذكريات بائدة."

انتفض سموغ فجأة، وضرب بذيله الضخم أكوام الذهب خلفه فتطايرت السبائك كالمقذوفات، وزأر بصوت زلزل أعمدة الجبل: "أيها اللعين! أتجرؤ أن تتحدث معي هكذا؟ أنا سموغ! أنا مُدمر الممالك العظيمة! أنا من أحرق إيريبور وحول ديل إلى رماد! أنا الكارثة التي لا تُرد!"

أجابه بليك ببرود مميت، واضعاً يده في جيبه دون أدنى اهتمام بزئيره: "كان هذا في الماضي البعيد يا هذا.. أما الآن، وفي هذا العالم، أنت مجرد نكرة. كيان منسي سقط من صفحات التاريخ ليجد نفسه يقتات على غبار كهف مهجور."

استشاط سموغ غضباً، وخرجت ألسنة لهب صغيرة من بين ثنايا أسنانه وهو يقول بحدة: "نكرة؟! لقد دمرت إمبراطورية كاملة قبل أيام فقط، سحقت جيوشاً ومختبرات تحت أقدامي لأنهم تجرأوا وسرقوا بعضاً من ذهبي أثناء غيابي! هل تسمي هذا نكرة؟"

هز بليك كتفيه بلا مبالاة ورد بقسوة: "هاه.. ومن يهتم؟ أنت أصلاً مدين بوجودك هنا حياً لإليزابيث. فلولا تلك الأميرة الطيبة التي أشفق قلبها على حالك، لبقيت كالكلب المنبوذ في أقبية شنغهاي، محبوساً في قفصك الفولاذي تحت رحمة البشر، وربما لمت تحت الأنقاض ونسيك التاريخ تماماً كأنك لم تكن. أنت تعيش على صدقة من فتاة، ثم تأتي هنا لتمثل دور الملك؟"

وصل غضب سموغ إلى ذروته؛ بدأ جسده يتوهج بلون أحمر قانٍ، واهتزت قشور حراشفه بصرير مرعب، والشرارات تتطاير من فمه بغزارة. تراجع ميليوداس والبقية وهم يستعدون للأسوأ، بينما صرخ سموغ بصوت يشبه انفجاراً بركانياً: "يبدو أنك تشتاق للموت بشدة أيها اللعين! سأحرقك حتى لا يبقى من عظامك ما يُدفن!"

بدأ سموغ بشحن هجمته النارية؛ تجمعت النيران في حنجرته حتى صار عنقه يلمع كالحمم المصهورة، وضغط الهواء حوله من شدة الطاقة الحرارية. في المقابل، وبشكل مفاجئ وفخم للغاية، وقف بليك بثبات مذهل، وبدأ يرفع يده اليمنى ببطء، وعيناه تلمعان بتركيز حاد، وبدأ يتمتم بكلمات قديمة، بينما بدأت دوائر سحرية برتقالية تتشكل حول كفه، وكأنه يحضر لتعويذة نارية كفيلة بشق الجبل.

حبس الجميع أنفاسهم؛ كان المنظر مهيباً، صراع بين نيران التنين الأزلية وسحر بليك الغامض. صرخ بليك في وجه التنين بكل فخامة: "حاول إن استطعت يا حطام الماضي!"

وفي اللحظة التي أطلق فيها بليك سحره بصرخة مدوية، حدث ما لم يتوقعه أحد. خرجت من كف بليك "شعلة" صغيرة، هزيلة، وضئيلة للغاية، لم تبتعد سوى بضعة سنتيمترات من يده قبل أن تنطفئ بخفوت محرج، وكأنها عود ثقاب بلله المطر.

ساد صمت ذهولي لم يشهد الكهف مثله قط. تجمد سموغ في مكانه، وانطفأ وهج حنجرته تدريجياً وهو ينظر إلى تلك الشعلة البائسة، ثم إلى بليك بملامح غارقة في الحيرة والصدمة. حتى ميليوداس وبان سقطت فكوكهم من شدة الإحراج والذهول بعد كل ذلك التحضير الأسطوري.

سكت بليك لثانية، ونظر إلى يده بصدمة، ثم صرخ فجأة وهو يضرب جبهته: "تباً! تباً تباً! لقد نسيت تماماً.. أنا لا أجيد استعمال سحر النار من دون كتاب شمس المعارف!"

استمر الصمت في القاعة للحظات، لكنه لم يكن صمت ذهول هذه المرة، بل كان الهدوء الذي يسبق العاصفة البركانية. تضخمت أوداج سموغ، وارتجفت حراشف عنقه من شدة الحنق؛ أن يسخر منه بشريٌّ بائس، ثم يحاول استعراض سحرٍ هزيل لا يرقى لمستوى طفل في مدرسة للمبتدئين، كان ذلك إهانة تفوق قدرة التنين على الاحتمال. زفر سموغ دخاناً أسود كثيفاً، وخرج صوته من بين أسنانه كأنه صرير صخور تطحن بعضها: "يبدو أنك لا تكتفي بكونك حثالة، بل تصر على أن تموت محروقاً وأنت تلعب دور الأبله.. وداعاً أيها اللعين، فلتصحبك سخريتك إلى الجحيم."

لم ينتظر سموغ ثانية واحدة؛ ارتج صدره بقوة، وانطلقت من فمه نيرانٌ مستعرة، ليست كأي نيران رآها الرفاق من قبل. كانت شلالاً من الغضب القرمزي والبرتقالي الذي صبغ جدران الكهف بلون الدم. انطلقت الموجة الحرارية بسرعة خاطفة، محولةً الهواء إلى جمر يغلي، وفي طريقها، ذابت سبائك الذهب وتفحمت الصخور الصلبة، واصطدمت النيران بالمنطقة التي كان يقف فيها بليك بقوة فجرت المكان. ارتفعت سحابة هائلة من الغبار والرماد وشظايا الذهب المنصهر، وظن الجميع، بمن فيهم سموغ، أن بليك قد تلاشت ذراته في هذا الأتون المستعر.

لكن، وسط ركام الدخان الكثيف، انشق الغبار فجأة بفعل نصلٍ لامع؛ كان أكيهيكو هو من قطع الستار الغباري بسيفه، ليكشف عما حدث. تراجعت عينا سموغ إلى الخلف بذهول؛ فقد كان بليك لا يزال واقفاً في مكانه، وبينه وبين الموت جدارٌ صخريٌّ شاهق، متين، ومنبثق من أرض الكهف مباشرة. لقد استغل بليك لحظة الشحن، وبدلاً من السحر الهجومي، غرس كفّه في الأرض مستدعياً "سحر الأرض"، محولاً التضاريس إلى درعٍ حصين امتص صدمة النيران وشتتها.

نفض بليك الغبار عن ثيابه ببرود، وخرج من خلف الجدار وهو يقول بنبرة هادئة حملت صدى القوة: "يبدو أنك استهنت بي كثيراً يا سموغ.. على الرغم من أنني لا أبرع في سحر النار، ولا أمتلك سرعة سحر البرق، ولست متمكناً من سحر الرياح، إلا أنني..." لم يكمل بليك جملته، بل ترك الفعل يتحدث نيابة عنه. ضغط على الأرض بقدمه، وانفجرت من تحت أرجل سموغ أعمدة حجرية حادة ومدببة، انطلقت كالسهام بسرعة هائلة، لترتطم بفك التنين السفلي بقوة جعلت رأسه يرتد للخلف. صرخ بليك وهو يتابع هجومه: "لكنني بارعٌ جداً في سحر الأرض!"

لم يتوقف بليك عند هذا الحد؛ رفع يده الأخرى نحو سقف الكهف، ومن الفراغ المطلق، تشكلت كرات ضخمة من المياه المغليّة التي يغطيها البخار، وانطلقت كالقذائف مباشرة نحو عيني التنين الحساستين. صرخ بليك وسط جلبة الانفجارات المائية: "وسحر الماء أيضاً!" ثم لوّح بيده في الهواء، فتجمد البخار المتصاعد في لحظة، مشكلاً عشرات السيوف الجليدية الحادة التي طفت في الهواء قبل أن تنهمر على جسد سموغ. وعلى الرغم من أن الجليد لم يخرق حراشفه الفولاذية، إلا أنه تسبب في تبريد مفاجئ وحاد أدى لتجمد بعض مفاصله وإعاقة حركته. أضاف بليك بفخر: "وبالتأكيد، سحر الجليد!"

استشاط سموغ غضباً، وصرخ بكلمة واحدة هزت أركان الجبل: "اخررررس!" وبدأ يشحن نيرانه من جديد، لكن هذه المرة كان التوهج أزرقاً، دليلاً على حرارة غير مسبوقة. وفي اللحظة التي فتح فيها فمه، انقض أكيهيكو كصاعقة من السماء؛ استدعى سحر البرق، ليتحول جسده وسيفه إلى كتلة من النور الأبيض، وهبط فوق ظهر التنين بسرعة الضوء. ضرب أكيهيكو بكل قوته، وبالرغم من أن سيفه لم يكسر الحراشف الأسطورية، إلا أن الصدمة الكهربائية شتتت انتباه سموغ وأوقفت هجمته النارية.

كانت تلك الفرصة التي تنتظرها ديان؛ وبصفتها ابنة العمالقة، قبضت على مطرقتها المقدسة "جيديون" بكلتا يديها، ودارت حول نفسها دورة كاملة لتستجمع قوة طرد مركزية هائلة، ثم أطلقت الضربة على جانب بطن سموغ. كان صوت الارتطام كأن جبلين اصطدما ببعضهما؛ طار جسد سموغ الضخم في الهواء ليرتطم بالحائط المقابل بقوة زلزالية، مما أدى إلى انهيار الدعامات الصخرية الأساسية للكهف.

بدأت الأرض تميد، وسقطت صخور بحجم المنازل من السقف. صرخ ميليوداس: "المكان ينهار! إلى الخارج الآن!" ركض الجميع بيأس وسط الغبار المتساقط؛ ديان كانت تحطم الصخور التي تعترض طريقهم، وأكيهيكو يحمل بليك الذي استنفد الكثير من طاقته، وبان وكينج يمهدان الطريق. شقوا طريقهم عبر الأنفاق التي بدأت تنغلق خلفهم، وفي اللحظة الأخيرة، قفزوا جميعاً من فتحة انهار منها الجبل، ليجدوا أنفسهم فوق قمة صخرية عالية، تحت سماء ملبدة بالغيوم السوداء.

وقفوا يلهثون، وظنوا للحظة أن الجبل صار قبراً لسموغ، لكن الأرض تحتهم اهتزت بعنف. ومن وسط الركام والحطام البركاني، انفجر الجبل من الداخل، وخرج سموغ بجباروتٍ تقشعر له الأبدان. بسط جناحيه العظيمين اللذين حجبا ضوء النهار، وطار في الهواء محلقاً فوقهم، ينظر إليهم بازدراء وهو ينفض الغبار عن حراشفه التي لم تخدش. ضحك سموغ بصوت رعدي ملأ الآفاق: "هل ظننتم حقاً أن حجارة جبلٍ أنا ملكه ستقتلني؟ لقد سئمت من ألعابكم الصغيرة.. الآن، سأريكم القتال الحقيقي!" هبط سموغ في الجو قليلاً، وبدأت السماء تمطر شرراً، معلناً بداية المعركة التي لن تنتهي إلا بالدمار الشامل.

ارتفع سموغ في كبد السماء، محلقاً بجسده القرمزي الهائل الذي كان يلقي بظلال الموت فوق القمة المحطمة، وكأن الجبل قد ولد إعصاراً من لحم ودم ونار. كانت حركاته في الهواء تحمل رشاقة لا تتناسب مع ضخامته المرعبة، حيث كانت أجنحته تضرب الهواء بقوة كانت تكفي لإحداث عواصف صغرى تخلخل توازن الواقفين على الحافة الصخرية. في تلك اللحظة، استحال اللعب إلى جحيم مستعر؛ فقد أدرك الجميع أن سموغ لم يعد يتسلى بكلماته، بل بدأ برسم ملامح الفناء.

انطلق كينج كالسهم، طافياً فوق وسادته التي تحولت إلى منصة انطلاق سريعة، وعيناه تلمعان بتركيز حاد لم يسبق له مثيل. قبض بيديه على الهواء، واستدعى سلاحه المقدس "رمح الروح تشاستيفول" في هيئته الأولى. صرخ كينج بصوت ترددت أصداؤه وسط الرياح العاتية: "لا تظن أن سماءك ستكون عصية علينا أيها الزاحف المتغطرس! إن كانت أجنحتك تحمل جسدك، فإن إرادتي تحمل موتك!"

في تلك اللحظة الحرجة، بلغت استهانة سموغ ذروتها؛ فبعد أن أدرك أن رماح كينج لم تكن سوى ألعابٍ لا تخدش كبرياء حراشفه، قرر إنهاء هذه الرقصة الهوائية المزعجة. استنشق التنين الهواء بعمق حتى تمدد صدره الفولاذي، ثم أطلق زفيراً لم يكن لهباً عادياً، بل كان سيلاً جارفاً من "النيران الكثيفة" التي بدت كأنها نهر من الذهب المصهور يتدفق من فمه. كانت الحرارة خانقة لدرجة أن الهواء نفسه بدأ يتلاشى، ولم يعد بمقدور كينج، رغم دروعه السحرية، أن يصمد أمام هذا الجحيم. تحطمت دفاعاته تماماً، وشعر بلفح الموت يلامس جلده، فهوى من الأعالي كعصفورٍ كسر الجناح، ليرتطم بالأرض الصلبة وهو يلهث

بمرارة، وجسده مثقل بحروق طفيفة وإنهاك كاد يفقده الوعي.

ضحك سموغ ضحكةً هزت السحاب، وهو يحلق فوقهم بزهوٍ قاتل، وصاح: "هل رأيت يا ملك الجنيات؟ السماء لا ترحم الضعفاء، والنار هي الحقيقة الوحيدة التي ستكتب نهايتكم!"

لكن بليك، الذي كان يراقب المعركة بعينين ثاقبتين رغم ألمه وندبته النابضة، لم يكن يخطط للاستسلام. تقدم بخطوات ثابتة وسط حطام القمة، وغرس كلتا يديه في التربة الصخرية للجبل، وهو يصرخ بصوتٍ أجش: "لا تظن أنك بعيد المنال لمجرد أنك تملك أجنحة، أيها الزاحف المتغطرس! الأرض التي تسخر منها هي التي ستسحبك إلى قبرها!"

في حركة سينمائية مهيبة، انفجرت القمة تحت أقدام بليك، وانبثق منها عمود صخريٌّ هائل، عريض كجذع شجرة أسطورية وصلب كالفولاذ. انطلق العمود بسرعة البرق نحو الأعلى، مخترقاً الضباب والدخان، ليمتد بين قمة الجبل وقلب السماء في ثوانٍ معدودة. ارتطم طرف العمود ببطن سموغ بقوة مدوية جعلت التنين يترنح في الجو ويفقد توازنه للحظة. لم يكن هذا العمود مجرد هجمة هادفة للإصابة، بل كان جسراً كونياً شيده بليك ببراعة؛ جسراً يربط بين عجز البشر على الأرض وطغيان التنين في السماء.

التفت بليك نحو بان، الذي كان يترقب الفرصة بعينين تشتعلان برغبة القتال، وصرخ: "الآن يا بان! الطريق مفتوح، اذهب وأرِه جشعك الحقيقي!"

لم ينتظر بان سماع الكلمة الأخيرة؛ فقد انطلق كالسهم فوق ذلك الجسر الصخري الشاهق. كانت قدماه تلامسان الصخر بسرعة خرافية، وهو يجري عمودياً نحو الأعلى، متجاوزاً الجاذبية بقوة إرادته. وصل بان إلى قمة العمود حيث كان سموغ يحاول استعادة توازنه ونفث نيرانه نحو هذا "الجسر" الذي اخترق مجاله الجوي. قفز بان من نهاية العمود في حركة بهلوانية جريئة، ملوحاً بسلاحه الثلاثي المقاطع، وانقض مباشرة على عنق التنين.

بدأ القتال الملحمي في قلب السماء؛ كان بان يلتف حول جسد سموغ بخفة لا تُصدق، مستخدماً قدرته "النهب" لسلب جزء من قوة التنين العضلية مع كل اقتراب. صرخ بان وهو يوجه ضربة خاطفة نحو العين الذهبية لسموغ: "يا لك من هدف ضخم وجميل! لقد مللت من النظر إليك من الأسفل، حان الوقت لنتبادل الأدوار أيها الملك العجوز!"

زمجر سموغ بغضب جنوني، وهو يحاول التقاط هذا "البرغوث" البشري بين أسنانه، أو سحقه بمخالبه التي كانت تمزق الصخر الذي يجري عليه بان. "أيها اللص القذر! كيف تجرؤ على تدنيس جسد سموغ بلمساتك النكرة؟ سأمزقك إرباً وأذيب خلودك في جوفي!"

لكن بان كان يضحك وسط الخطر، يتفادى النيران بمليمترات قليلة، ويتمسك بحراشف التنين كأنه جزء منها، بينما كان سموغ يتلوى في الهواء محاولاً الإطاحة به، لتبدأ واحدة من أعنف المواجهات التي شهدها ذلك الجبل؛ صراع بين الخلود البشري والجبروت الأسطوري، فوق جسر من الصخر المعلق بين الحياة والموت.

لوّح كينج بيده، وبدأت المعجزة القتالية؛ انقسم الرمح الوحيد إلى مئات، بل آلاف النسخ الذهبية المتوهجة التي ملأت الفراغ بين الأرض والسحاب. تحولت السماء إلى غابة من الرماح الطائرة التي انطلقت جميعها في آن واحد نحو سموغ، مشكلةً شبكة من النور تهدف إلى تمزيق أجنحته واختراق جسده. كانت الرماح تنهال كالمطر الغزير، وتصطدم بحراشف التنين محدثة أصواتاً تشبه قرع الطبول الحربية العظيمة، لكن الصدمة كانت في قوة دفاع سموغ؛ فقد كانت الرماح تنزلق فوق حراشفه أو تتكسر كأنها قضبان من زجاج أمام جدار من الماس الصخري.

ضحك سموغ، وكان ضحكه يخرج كزئير الرعد الذي يسبق الصاعقة، وقال وهو يناور وسط مطر الرماح ببراعة مذهلة: "أهذا هو ملك الجنيات؟ أهذا هو السلاح الذي أُعد لحماية الغابات؟ إن رماحك هذه ليست سوى دبابيس وخز لا تليق بجلد سموغ! هل تعتقد أن مئات الإبر يمكنها أن تقتل جبلاً طائراً؟"

لم ينتظر سموغ رداً، بل التوى جسده في الهواء في حركة لولبية مفاجئة، واندفع نحو كينج كالمذنب الساقط. فتح فمه العظيم، وانطلقت منه نفثة نارية مركزة، ليست مجرد لهب، بل كانت تياراً من البلازما الحارقة التي شقت عنان السماء. اضطر كينج لتحويل رماحه فوراً إلى "هيئة الدرع" ليحمي نفسه، وبالكاد استطاع الصمود أمام الحرارة التي كادت تذيب السلاح المقدس نفسه. وبينما كان كينج يكافح وسط الدخان والحرارة، باغته سموغ بضربة من ذيله الضخم الذي كان يتحرك كالسوط العملاق؛ ضربة أطاحت بكينج بعيداً في الهواء، لولا تدخل وسادته التي امتصت جزءاً من الصدمة.

استمر القتال الهوائي بضراوة تقشعر لها الأبدان؛ كان سموغ يستخدم جسده بالكامل كأداة للفتك. انقض بمخالبه الأمامية التي كانت أطول من السيوف العظيمة، محاولاً تمزيق كينج في الجو، وكان جسده العملاق يشكل عائقاً بصرياً ومادياً يمنع أي مناورة سهلة. كلما حاول كينج الهجوم من زاوية ميتة، كان سموغ يقلب جسده في الهواء ويطلق نيرانه من زاوية غير متوقعة، محولاً الفضاء المحيط بهما إلى فرن مغلق.

كان سموغ يصرخ وهو يطارد كينج في الأعالي: "أين شجاعتك الآن يا ملك الصغار؟ هل ترى هذا الذهب الذي يكسو صدري؟ لقد جُبل من دماء الملوك الذين حاولوا ما تحاوله أنت الآن! مخالبي ليست للزينة، وجسدي هو الحصن الذي لم يخترقه بشر أو جني قط! سأطحن عظامك في الجو قبل أن تلامس قدمك الأرض مجدداً!"

كان كينج يلهث، وقد بدأ العرق يتصبب على وجهه من شدة الجهد والحرارة، وهو يرى رماحه تتساقط يمنة ويسرة دون أن تترك خدشاً واحداً على ذلك الوحش الأسطوري، بينما يستمر سموغ في الهيمنة على السماء بامتياز مرعب، مستخدماً كل إنش من جسده العملاق ليثبت لهؤلاء الأبطال أن "القتال الحقيقي" قد بدأ للتو، وأن السماء هي مملكته التي لا تُنازع.

استمرت المناوشات الجوية بين بان وسموغ كرقصة موت بائسة فوق السحاب، حيث كان بان يتشبث بحراشف التنين كأنه طفيليٌّ يعاند الفناء، يوجه ضربات سريعة بسلاحه الثلاثي المقاطع التي كانت ترن فوق جلد سموغ كطرقات المطارق على السندان. بلغ حنق التنين ذروته؛ فقد أهانه أن يتمكن كائن بشري من "لمسه" بهذا الشكل المهين. وفي لحظة من الغضب المطبق، لم يوجه سموغ نفثة نار عادية، بل ركز كل حرارة جوفه في دفعة واحدة قصيرة ومركزة انطلقت كالقذيفة البركانية على جسد بان مباشرة.

في جزء من الثانية، استحال جسد بان إلى كتلة متفحمة؛ تفحم جلده، وذاب لحمه، وبدت عظامه سوداء وسط لهيب النار التي لا ترحم. ساد صمتٌ جنائزي لبرهة قبل أن يبدأ الخلود اللعين عمله؛ ففي مشهد يثير القشعريرة، بدأ اللحم ينمو فوق العظام المتفحمة بسرعة إعجازية، وتجددت الأنسجة والجلد في ثوانٍ معدودة وكأن شيئاً لم يكن. مسح بان الرماد عن وجهه بابتسامة مستفزة وقال بصوت أجش: "نيرانك دافئة يا سموغ، لكنها لا تكفي لطهي رجل مثلي."

استشاط سموغ غضباً من هذا التجدد المستمر، وفي حركة التفافية مفاجئة لم يتوقعها أحد، استدار بجسده الضخم في الهواء كالإعصار، وأطلق ذيله العظيم الذي كان أثقل من جذع شجرة بلوط عتيقة. ارتطم الذيل بصدر بان بضربة صاعقة، ضربة لم تكن تهدف للجرح فحسب، بل كانت تهدف للإطاحة المطلقة. انطلق بان كالمقذوف، مخترقاً جدار الصوت بدويٍّ هائل، لكنه لم يسقط نحو قمة الجبل حيث كان الرفاق، بل طوح به سموغ بعيداً نحو الهاوية السحيقة تحت الجبل.

كان السقوط مرعباً بواقعيته؛ فمن ارتفاع شاهق يناطح السحاب، هوى بان بسرعة جنونية. اصطدم جسده بالهواء بقوة جعلت ثيابه تتمزق، وعندما ارتطم بالأرض في أسفل الوادي، كان المشهد مروعاً. لم يكن هناك صراخ، بل دويٌّ صمّ الآذان لارتطام كتلة صلبة بالتراب والمنحدرات الصخرية. تهشم جسده حرفياً؛ تكسرت عظام قفصه الصدري وغرست في رئتيه، وانفصلت مفاصله، وتحولت أطرافه إلى قطع من اللحم والعظم المحطم وسط فجوة هائلة أحدثها الاصطدام في جوف الأرض. كان منظراً يجسد هشاشة اللحم أمام جبروت السقوط، ورغم أن خلوده سيعيده، إلا أن الألم في تلك اللحظة كان يفوق طاقة أي عقل بشري على الاستيعاب.

في الأعلى، لم يمنح سموغ البقية لحظة لالتقاط الأنفاس. انقض أكيهيكو، مستغلاً انشغال التنين بالإطاحة ببان، واستدعى "تنفس البرق" بكل ما أوتي من عزيمة. تحول جسده إلى شرارة زرقاء خاطفة، وانقض بكاتاناه في سلسلة من الضربات المتلاحقة التي لم تكن العين المجردة قادرة على ملاحقتها. كان يضرب العنق، الأجنحة، الظهر، وحتى المفاصل، لكن نصل الكاتانا كان يرتد مع كل ضربة بإحباط قاتل؛ فالحراشف لم تكن قوية فحسب، بل كانت كأنها مدهونة بزيوت سحرية تجعل السيوف تنزلق دون أن تترك أثراً.

وقف بليك بعيداً، ويده تضغط على جرحه الملعون الذي بدأ ينبض بسواد مخيف. كان يراقب محاولات أكيهيكو اليائسة ويفكر بعقلية القائد المحاصر. أدرك بليك الحقيقة المرة؛ سموغ في السماء يملك كل الأفضلية، فهو يملك الرؤية، والسرعة، والقدرة على الهرب أو الهجوم من زوايا ميتة. صرخ بليك وسط جلبة المعركة: "أكيهيكو! تراجع! لن نقتله وهو يحلق بهذه الطريقة.. يجب أن نسحبه إلى الأرض، هنا مكمن قوتنا وهناك يسهل حصاره!"

التفت بليك نحو ميليوداس الذي كان يراقب الموقف بعينين شيطانيتين وبدت عليه علامات الملل من دفاعات التنين، وقال بلهجة حازمة: "قائد، هل توافقني الرأي؟ الأرض هي ساحتنا، وفي السماء نحن مجرد أهداف سهلة."

أومأ ميليوداس برأسه، واختفت ابتسامته اللعوب لتحل محلها نظرة الفتك. قال بهدوء مرعب: "كنت أنتظر منك قول ذلك يا بليك.. فلننزل هذا الزاحف من عرشه الزائف."

انطلق ميليوداس كالصاروخ الأسود نحو الأعلى، متجاوزاً أكيهيكو في لمح البصر. وعندما وصل إلى مستوى رأس التنين، الذي كان يستعد لنفث نيرانه، جمع ميليوداس كل قوته الوحشية في قبضة واحدة. لم يكن سحراً، بل كانت قوة عضلية صرفة معززة بطاقة شيطانية خام. هوت اللكمة على جمجمة سموغ كأنها نيزك من الحديد الخالص. ترنحت رؤية التنين، وتكسر كبرياؤه قبل عظامه، وبدأ جسده العظيم بالترنح في الجو، قبل أن يسقط سقوطاً مدوياً نحو قمة الجبل، ليصطدم بالأرض في انفجار من الغبار والصخور، معلناً نزول ملك الجبل من سمائه لتبدأ المعركة الفاصلة على بساط الأرض الصخرية.

لم يكد جسد سموغ يرتطم بثرى القمة حتى كانت ديان بانتظاره، لم تمهله حتى لاستيعاب ألم لكمة ميليوداس. رفعت مطرقتها المقدسة "جيديون" عالياً، وبكل ما أوتيت من ثقل العملاقة وحقدها على ذاك المتكبر، هوت بالمطرقة على جمجمة التنين بهجوم "دمار شامل". كان الانفجار الصخري الناتج عن الضربة مرعباً؛ فقد تشققت قمة الجبل بالكامل وتناثرت الصخور كالشظايا، وانهارت الحواف الصخرية تحت وطأة الضغط الهائل، مما أدى إلى سقوط الجميع عن القمة في رحلة نحو الهاوية السحيقة.

كان بليك يهوي عمودياً، والرياح تصفع وجهه بقوة جعلت أنفاسه تنقطع. كان يرى الأرض تقترب بسرعة جنونية، وأدرك أن ارتطامه بها بهذه السرعة الهائلة يعني تحوله إلى حطام بشري في أقل من ثانية. مد يده بذعر محاولاً استجماع ما تبقى من سحره لاستدعاء جسر من الأرض أو وسادة صخرية، لكنه فجأة شعر بوخز حاد ومرير في موضع إصابته الملعونة. كان الألم كأن آلاف الإبر السامة تنغرس في عروقه، مدركاً في تلك اللحظة الحرجة أنه قد وصل إلى أقصى حدوده الجسدية والسحرية. تملك الرعب قلب بليك، وبدأ يرتعد خوفاً وهو يرى الموت يتجسد في الصخور المدببة بالأسفل، لكن في اللحظة التي أغمض فيها عينيه مستسلماً لمصيره، انشقت السماء عن وميض أزرق خاطف.

كان أكيهيكو هو المنقذ؛ استعمل سرعته البرقية ليلحق ببليك في الهواء، محتضناً إياه بقوة قبل أن ينزلا بسلام وثبات إلى أسفل الجبل. وبمجرد أن لامست قدماه الأرض، انهار بليك على ركبتيه وهو يشهق بالبكاء، متمسكاً بثياب أكيهيكو كطفل صغير وصرخ بنحيب: "أكيهيكو! لقد رأيت وجه الموت! ظننت أنني سأصبح جزءاً من التضاريس! أنا مدين لك بحياتي.. لن أنسى لك هذا المعروف أبداً!" نظر إليه أكيهيكو بتعبير يمزج بين الشفقة وقلة الحيلة، وقال وهو يحاول رفعه: "اعرف أنك تخاف من المرتفعات يا بليك، لكن توقف عن العويل الآن، فليس لدينا وقت لهذه الدراما."

لم يكد بليك يجفف دموعه حتى اهتزت الأرض تحت أقدامهم بدويٍّ مرعب فاق كل ما سبقه. سقط جسد سموغ الضخم أمامهم مباشرة، محطماً الصخر ومحدثاً فجوة هائلة في الأرض من شدة الارتطام. ولم تمر ثوانٍ حتى هبط خلفه ميليوداس وديان، اللذان يبدو أنهما لم يتركا التنين وشأنه أثناء السقوط، بل استمرّا في طحنه ولكمه وتوجيه الضربات له في الهواء حتى استقرا هنا.

وقف سموغ بصعوبة بالغة، وكان منظره مهيناً؛ الغبار يغطي حراشفه، والدماء القرمزية تسيل من بين شقوق درعه الطبيعي، وعيناه تشتعلان بغضب وحشي لم يعد يعرف حداً. "أيها.. الحشرات!" زمجر سموغ بصوت محطم، وبحركة خاطفة وشرسة بذيله، قذف ميليوداس بعيداً كأنه مجرد دمية، ثم التفت نحو ديان التي كانت تحاول الوقوف. فتح سموغ فمه وأطلق نفثة نارية هي الأقوى منذ بداية المعركة؛ ناراً بيضاء من شدة حرارتها. استجابت ديان في اللحظة الأخيرة بصنع حصن صخري سميك، لكن حرارة اللهب اخترقت الدفاعات، وسمع الجميع صرخة ديان المكتومة وهي تعاني من حروق بالغة في ذراعيها وجسدها.

لم يكتفِ سموغ بذلك، بل انطلق نحوها بجنون، غارساً مخالبه في كتفها، وأطبق أسنانه العظيمة على يدها العملاقة محاولاً بترها. ارتفع صراخ ديان بالألم، وكان المنظر مروعاً وواقعياً لدرجة أن الدم العملاق بدأ يتدفق كالشلال. اندفع أكيهيكو كالصاعقة لمساعدتها، مستجمعاً كل ما تبقى من طاقة البرق في سيفه، وأطلق موجة صدامية كهربائية هائلة ارتطمت برأس سموغ مباشرة، مما أجبر التنين على ترك يد ديان والتراجع للخلف وهو يترنح من شدة الصعقة، بينما كان الجميع يقفون على حافة الانهيار في مواجهة هذا الوحش الذي رفض أن ينكسر.

2026/01/30 · 7 مشاهدة · 5514 كلمة
نادي الروايات - 2026