فتحت البوابة المكانية في وسط غرفة المعيشة بهدوء غريب، كأنها تتنفس قبل أن تُطلق من في داخلها. ضوء أزرق خافت امتلأت به الغرفة للحظة، ثم تلاشى تاركًا وراءه رائحة خفيفة من الثلج والحجر القديم. دخل بليك أولاً، خطواته ثقيلة، كتفه الأيمن مائل قليلاً بسبب الجبيرة، لكنه رفع رأسه نحو السقف المألوف وابتسم ابتسامة باهتة، متعبة، لكنها صادقة."ما أجمل العودة إلى المنزل."دخل بعده أكيهيكو، يسند نفسه على إطار الباب لحظة قبل أن يرمي حقيبته الصغيرة على الأرض ويستقر على أقرب أريكة، يتنفس بعمق كأنه يستعيد هواءً افتقده منذ زمن. تبعته مونو بخطوات صامتة، عيناها تتفحصان الغرفة بسرعة كمن يتأكد من سلامتها، ثم جلست على طرف الأريكة المقابلة، تضع يديها على ركبتيها. نيرو دخلت آخرًا، شاحبة، شعرها الأبيض مبعثر، لكنها رفعت ذقنها بكبرياء وجلست بجانب مونو دون كلمة. أما بابادوك فقد تقدم بخطى بطيئة، جسده البالغ الآن يبدو أثقل مما كان عليه في هيئة الطفل، واستقر على كرسي جانبي، يده اليمنى تمسك بمظلته المطوية كعكاز مؤقت.ساد صمت قصير، ليس صمت الإرهاق وحده، بل صمت من يعودون إلى مكان يعرفونه لكنه لم يعد كما كان.نظر بليك إلى بابادوك، وابتسم ابتسامة صغيرة."إذًا... كيف عدتَ إلى شكلك البالغ هكذا؟"تنهد بابادوك، وأمال رأسه قليلاً، كأنه يفكر في الإجابة قبل أن ينطق بها."استغرق الأمر وقتًا

لم يكن تجديد الجسد صعبًا بحد ذاته، لكن الطاقة... كانت شحيحة بعد تلك المعركة. اضطررت أن أركز كل ما تبقى لدي على إعادة تشكيل الهيكل الأساسي. الآن أنا هنا، لكن القوة لم تعد كما كانت. أشعر بثقل في العضلات، وكأن الجسد لا يزال يتذكر أنه كان طفلاً قبل أيام."رفع بليك حاجبه."لكنك تبدو... أقوى من ذي قبل، على الأقل في الهيئة.""الهيئة خدعة بصرية. الجوهر نفسه ضعيف. لو واجهني خصم من المستوى السابق الآن، لكنت قد انتهيت في دقائق."صمت الجميع لحظة، ثم نهضت مونو بهدوء، تحمل اللوحات المنقوشة الثلاث بين يديها بحرص كأنها تحمل أجنة حية. اتجهت نحو باب القبو دون كلمة، فتحته، ونزلت الدرج بخطوات ثابتة. سمع الجميع صوتها وهي تضع اللوحات على الرف الحجري، ثم صوت نقش حماية خفيف، كأنها تُحكم غلق صندوق أسرار. عادت بعد دقائق، وجلست مجددًا، تنظر إلى بليك مباشرة."ماذا ستفعل بها الآن؟"تنهد بليك، وأسند ظهره إلى الأريكة، ينظر إلى السقف."سأتركها هنا، في القبو، تحت حراستك وحمايتك. لن أستعجل فهمها. النبوءات – إن كانت نبوءات حقًا – ليست شيئًا يُفهم بالقوة. أريد أن أعرف أولاً ما المقصود بـ«الملك المنتظر» وهذه الأرض التي تضم خمسمئة مملكة. وأكثر ما يقلقني هو اللوح الثالث المكسور. إن كان فيه شيء يستحق أن يُكسر، فأنا أريد أن أعرف ما هو قبل أن يعرفه أحد آخر."نظر إليه أكيهيكو من مكانه المستلقي، ورفع حاجبه."وإن لم نستطع إصلاحه؟""لن نعرف إلا إذا حاولنا. لكن اللوحات ليست من مادة عادية. لا معدن ولا حجر بالمعنى التقليدي. إنها... كأنها مزيج من الزمن والضوء. لا أظن أن خبير آثار أو عالم آثار سيستطيع لمسها دون أن تتفاعل معه بطريقة غريبة."صمت أكيهيكو لحظة، ثم قال بهدوء:

"إذًا ماذا بعد؟"نظر بليك إلى نيرو التي كانت جالسة صامتة، عيناها مثبتتان على يديها المشدودتين."بالمناسبة يا نيرو... هل تعرفين شيئًا عن هذه النبوءات؟ أو عن هذا الاسم... البوني؟"رفعت نيرو عينيها ببطء، وكأنها تستعيد ذكرى بعيدة."ليس تمامًا. اسم البوني ليس مألوفًا عندي، ولا النبوءات نفسها. لكنني فكرت في الأمر كثيرًا ونحن في طريق العودة. من الممكن ألا تكون نبوءات بالمعنى الذي نعتقده. نحن لا نعرف بعد إن كانت تنبؤات أم مجرد تسجيلات لأحداث وقعت بالفعل."تدخل أكيهيكو بسرعة:"وإن كانت قد تحققت بالفعل؟ ألا يعني هذا أن العالم قد انتهى بالفعل، خاصة إذا كان اللوح الثالث يتحدث عن ثلاثة أشخاص من مصر القديمة سيدمرون العالم؟"ابتسم بابادوك ابتسامة خفيفة، ساخرة قليلاً."من الممكن أنها ليست مؤكدة حتى. لماذا نضع ثقة تامة في منحوتات عمرها آلاف السنين؟ ربما هي مجرد قصص كتبها شخص ما ليخيف أعداءه."نظرت مونو إلى بابادوك بنظرة حادة قليلاً."الياتي لم يكونوا يحرسون هذه المنحوتات بدون سبب. أنا أؤيد أنها نبوءات، وأنها لم تتحقق بعد. لكن حتى لو كانت كذلك، فلا أحد يستطيع تدمير هذا العالم بهذه السهولة. العالم أوسع مما تظنون، وأقوى مما يعتقد أي مخلوق."ضحك بليك ضحكة خافتة، متعبة."معكِ حق."ساد صمت قصير، ثم رفع بابادوك رأسه فجأة."بالمناسبة... أنا سمعت هذا الاسم من قبل. البوني."تجمد الجميع. نظر إليه بليك بعينين متسعتين."ماذا؟"أومأ بابادوك برأسه ببطء."في عالمي، عالم الجن، هناك أسماء بشرية يتداولها الجن كثيرًا. بعضهم يُعبد، وبعضهم يُبغض. والبوني واحد منهم. ساحر جزائري، يُقال إنه كان قويًا للغاية، لدرجة أن بعض الجن يعتقدون أنه لم يمت حتى الآن.

لكنني لم أسمع من قبل أنه هو من صنع شمس المعارف. كل ما أعرفه عنه سطحي، لأنني لم أكن منتميًا إلى الطوائف التي تبجله أو تخافه."نظر إليه الجميع بترقب."وهل تعرف المزيد؟"هز بابادوك رأسه."لا. مجرد أساطير متداولة. لا أسماء أماكن، ولا تواريخ دقيقة. لكن مجرد سماع الاسم في هذا السياق... يجعل الأمر أكثر غرابة."صمت الجميع مجددًا، وكأن كلمات بابادوك أضافت طبقة أخرى من الغموض إلى ما كانوا يحملونه.رفعت نيرو رأسها أخيرًا، ونظرت إلى بليك بنظرة هادئة."هيا يا بليك. يجب أن تستحم."نظر إليها بليك بدهشة، ثم ضحك ضحكة خفيفة."حسنًا... صحيح. لم أستحم منذ... منذ متى بالضبط؟"نظر أكيهيكو إلى السقف وهو يحسب."حوالي الشهر. ربما أكثر قليلاً."اتسعت عينا بليك."شهر؟"نهض ببطء، يده تمسك بالأريكة ليدعم نفسه."يعني هذا أنني فوتّ كل امتحانات نهاية السنة. تبّاً... من الممكن أن أضطر لإعادة العام كاملاً."نظر إليه الجميع بدهشة، ثم انفجر أكيهيكو ضاحكًا رغم ألمه."أنت تفكر في الامتحانات الآن؟ بعد كل ما مررنا به؟"تنهد بليك، وهو يتجه نحو الحمام بخطوات متعثرة."إذا لم أفكر في أمور عادية... سأجن."أغلق باب الحمام خلفه، وترك الجميع في غرفة المعيشة، صامتين، ينظرون إلى بعضهم، وكأن العودة إلى المنزل لم تكن مجرد عودة إلى مكان، بل عودة إلى واقع لم يعد كما كان.

كان بليك جالسًا في حوض الاستحمام، والماء الساخن يغمر جسده حتى منتصف صدره. بخاره يتصاعد ببطء، يملأ الحمام برائحة الصابون العادي الذي اشتراه منذ أشهر ولم يستخدمه إلا نادرًا. أسند رأسه إلى الحافة الباردة للحوض، وأغمض عينيه لحظة، يترك الماء يذيب عنه طبقات التعب والغبار والدم الجاف الذي علق بجسده منذ أسابيع. لم يكن يفكر في شيء محدد، فقط يتنفس، ويستمع إلى صوت قطرات الماء التي تتساقط من الحنفية بإيقاع بطيء منتظم.بعد لحظات، فتح عينيه ونظر إلى يديه المغمورتين. رفع اليمنى ببطء، يتفحصها تحت الضوء الخافت. كانت الندبة التي خلّفها خيط كاكيوين لا تزال بارزة، خط أسود مزرق يمتد من أعلى الكتف إلى منتصف الصدر، كأنه رسم حبر دائم على الجلد. لم تكن الندبة جميلة، لكنها لم تكن قبيحة بالنسبة إليه. كانت مجرد علامة، دليل على أنه نجا من شيء كان ينبغي ألا ينجو منه. حرّك أصابعه، شعر بشدّة خفيفة في العضلة، لكنه لم يتألم. ابتسم ابتسامة صغيرة، ساخرة من نفسه."حسنًا... على الأقل ستبدو يدي أكثر فخامة الآن.

"لم يكن من النوع الذي يهتم كثيرًا بمظهره أمام الآخرين. نادرًا ما يخلع قميصه أمام أحد، وإن فعل فسيكون في ظروف لا تسمح بالتدقيق. الندبة لن تكون مشكلة. ربما تكون ميزة، تذكير دائم بأن الجسد الذي يحمله ليس ملكه وحده، بل هو نتاج كل ما مر به.نهض ببطء، سمح للماء أن يتساقط من جسده، ثم خرج من الحوض. لف المنشفة حول رقبته، وارتدى سروالًا قصيرًا أسود اللون كان معلقًا على الشماعة. مسح شعره الأسود المتوسط الطول بأصابعه، يتركه مبللاً ومبعثرًا، ثم خرج من الحمام.الرواق كان هادئًا، ضوء المصباح الأصفر الخافت ينعكس على الأرضية الخشبية. توجه نحو غرفته بخطوات متثاقلة، يده اليسرى تمسك بالمنشفة، واليمنى تتحسس الجدار ليدعم توازنه. دفع الباب بكتفه، ودخل.توقف فجأة.كانت نيرو جالسة على طرف سريره.لم تكن ترتدي ما اعتاد رؤيتها به. كانت ترتدي شورتًا قصيرًا أسود، ينتهي فوق منتصف فخذيها مباشرة، يكشف عن بشرتها البيضاء الناعمة التي تبدو أكثر وضوحًا تحت ضوء الغرفة الخافت. وعلى صدرها قميص داخلي ضيق، أقرب إلى قطعة قماش خفيفة، يلتف حول جسدها بإحكام، يكشف عن خطوط بطنها المشدودة ويترك كتفيها مكشوفتين تقريبًا. شعرها الأسود القصير مبعثر قليلاً، وقرناها الصغيران يبرزان بوضوح، يعكسان الضوء بلمعان خافت.كانت تنظر إليه مباشرة، عيناها الحمراوان ثابتتان، لا تتحركان.تسارعت دقات قلب بليك للحظة. لم يكن مستعدًا لهذا. دخل غرفته متوقعًا سريره وملابسه وصمت الليل، لا فتاة شبه عارية تنتظره على طرف السرير. مئات الأفكار غير المناسبة مرت في ذهنه في ثانية واحدة، سريعة ومشوشة، لكنه أطبق فكّيه بقوة، وأجبر نفسه على التنفس بهدوء."أخيرًا أتيت."صوتها هادئ، لكنه حاد بما يكفي ليقطع أي خيال جامح.بلع ريقه، حاول أن يبدو طبيعيًا."لماذا تنتظرينني هنا؟"لم تجب فورًا. نظرت إليه لحظة طويلة، كأنها تدرس رد فعله، ثم أشارت بيدها إلى مكان بجانبها على السرير.

"تعالَ هنا. اتكئ عليّ."توقف الزمن في ذهنه.الجملة كانت بسيطة، لكنها حملت في طياتها كل ما يمكن أن يتخيله عقل شاب في مثل هذه اللحظة. تخيّل نفسه يتقدم، يجلس بجانبها، يضع رأسه على كتفها، يشعر بدفء جسدها، رائحتها، ثم... ثم توقف. أغلق عينيه لثانية، وأخذ نفسًا عميقًا جدًا، كأنه يستنشق الهواء من أجل حياته."لماذا...؟"كان صوته أجش قليلاً، محاولاً أن يبدو هادئًا.لم تجب. ظلت تنظر إليه، عيناها لا تتركان وجهه.في تلك اللحظة، انفتح الباب خلفه بقوة خفيفة.دخلت مونو.كانت ترتدي قميصًا واسعًا وقصيرًا كعادتها، شعرها الأصفر مربوط بعشوائية، وعيناها تلمعان بجدية واضحة."هيا، اجلس. سوف نبدأ بعلاج البوابة المكسورة خاصتك."تجمد بليك.نظر إلى مونو، ثم إلى نيرو، ثم عاد إلى مونو.شعر بموجة من الغباء تغمره كالماء البارد."البوابة المكسورة... آه، ذلك."أغلق عينيه لثانية، وتنهد تنهيدة طويلة، كأنه يطرد كل ما دار في ذهنه في الثواني السابقة.نظرت نيرو إليه بنظرة جانبية، ورفعت حاجبها قليلاً."منحرف."كان صوتها هادئًا، لكنه حاد كشفرة.نظر إليها بليك بدهشة مصطنعة."أنا؟ أنا لست منحرفًا. أنا فقط... ولد.""ولد يفكر بكل شيء إلا العلاج.""أنتِ من جاءت إلى غرفتي مرتدية... هكذا!"أشارت مونو إلى نيرو بيدها."إنه ضروري. علاج البوابة يتطلب تلامسًا جسديًا مباشرًا. المانا تحتاج إلى قناة حية، والجلد هو أفضل موصل. وأنت تعرف أنني لا أحبذ أن يلمسني أحد، لذا..."نظرت نيرو إليه بنظرة تحدٍ."لذلك أنا من ستقوم بالأمر. ولا تظن أن هذا يعني شيئًا. إنه مجرد علاج."بليك رفع يديه استسلامًا."حسنًا، حسنًا. فهمت. لست بحاجة إلى تذكيري بأنني لست في حلم."جلس على طرف السرير ببطء، محاولًا أن يبقي مسافة محترمة. لكنه شعر بجسد نيرو قريبًا جدًا. رائحتها خفيفة، مزيج من الياسمين والمعدن البارد، شيء لا يشبه رائحة البشر تمامًا.مونو جلست على كرسي قريب، وأشارت إليه.

"استلقِ على ظهرك. ارفع قميصك – أو ما تبقى منه – حتى الصدر."امتثل بليك، رفع المنشفة عن كتفه، وكشف عن الندبة السوداء المزرقة التي تمتد كشجرة ميتة عبر كتفه وصدره. كانت الندبة أكثر وضوحًا الآن تحت ضوء الغرفة، كأنها تنبض بخفة.نظرت نيرو إليها لحظة طويلة، ثم قالت بهدوء:"هذه الخيوط السوداء... لعنة قوية. لم تُشفَ بعد. إنها تأكل المانا ببطء، وكلما استخدمت قوتك، زادت سرعتها.""أعرف.""لن تستطيع استخدام أي تعويذة كبيرة حتى نصلح البوابة. وإن لم نفعل، فسوف تصل إلى قلبك خلال أشهر، ربما أسابيع."صمت بليك لحظة."وكم يستغرق العلاج؟""أسابيع. ربما أشهر. يعتمد على مدى عمق الضرر."تنهد."حسنًا... لنبدأ."مدّت نيرو يدها، وضعت كفها على صدره مباشرة، فوق الندبة. شعر بليك بحرارة خفيفة تنتقل من يدها إلى جسده، كأنها تيار كهربائي ضعيف لكنه مريح. أغمضت عينيها، وبدأت تردد كلمات خفيفة بلغة لم يفهمها، لكنها بدت قديمة وعميقة.ظلّت مونو تراقب بتركيز."لا تتحرك. دع المانا تتدفق بحرية.""أنا لا أتحرك.""أنت تتنفس بسرعة.""لأن يدكِ باردة.""هذا طبيعي. المانا الباردة أنقى."صمتت نيرو لحظة، ثم فتحت عينيها."اللعنة متجذرة بعمق. لن نستطيع إزالتها كاملة اليوم. لكن يمكننا إبطاؤها.""كم من الوقت يمكن أن نبطئها؟""شهور إضافية. ربما سنة إذا واصلنا العلاج يوميًا."نظر إليها بليك."يوميًا؟""نعم. وفي كل مرة، يجب أن يكون التلامس أطول."تنهد بعمق."حسنًا... أظن أنني سأعتاد على ذلك."نظرت إليه نيرو بنظرة جانبية."لا تفرح كثيرًا. هذا علاج، لا تسلية.""لم أفرح. أنا فقط... أحاول أن أبقى إيجابيًا."ابتسمت مونو ابتسامة صغيرة."هذا جيد. لأنك ستحتاج إلى كل إيجابية ممكنة في الأيام القادمة."ظلّت يد نيرو على صدره، والحرارة الباردة تتدفق ببطء. شعر بليك بجسده يسترخي رغم كل شيء، كأن التعب الذي حمله لأسابيع بدأ يذوب قليلاً."شكرًا... لكما."لم تجب نيرو، لكنها ضغطت يدها قليلاً، كأنها تقول: لا تشكرني بعد. لم ننتهِ.وظلت الغرفة هادئة، لا يسمع فيها سوى أنفاسهم الثلاثة، وصوت الماء الذي لا يزال يقطر من الحنفية في الحمام البعيد.

في أعالي جبال الهيمالايا، حيث يصعب على الريح أن تجد طريقًا بين القمم، كان القبر الإمبراطوري لا يزال يئن تحت وطأة الدمار الذي أصابه. الثلج يتساقط ببطء، يغطي الحطام المتشقق، ويحاول أن يعيد إليه شيئًا من الهدوء الذي كان يسوده قبل أسابيع. كان الياتي يتحركون في صمت، أجسادهم الضخمة تترك آثارًا عميقة في الثلج، يرفعون الأحجار المتساقطة ويعيدون ترتيب ما يمكن ترتيبه من جدران المعبد المحطمة. لم يكونوا يتحدثون، لكن حركاتهم كانت دقيقة ومنسقة، كأنها طقس قديم يعيدونه للمرة الألف.فجأة توقف أحدهم.رفع رأسه الضخم، أذناه تتحركان ببطء، كأنه يستمع إلى شيء لا يسمعه الآخرون. ثم تبعه الآخرون، واحدًا تلو الآخر، حتى أصبحوا جميعًا ينظرون نحو مركز الحطام.بدأت صخرة صغيرة تتحرك.لم تكن تتدحرج، بل ارتفعت ببطء، كأن يدًا خفية ترفعها من تحت. ثم تبعتها صخرة أخرى، ثم ثالثة. الحطام كله بدأ يطفو، يتحدى الجاذبية بصمت مخيف. قطع الرخام المتصدع، شظايا الأعمدة، حتى التراب المتجمد، كلها ارتفعت في الهواء، تتراقص ببطء كأنها في حلم.ثم ظهر اللون.قرمزي داكن، ينبثق من العدم كأنه يتسرب من شقوق الواقع نفسه. لم يكن ضوءًا، بل كان حضورًا. بدأ يتشكل، يأخذ هيئة، ينسج جسدًا من الظلال واللون. أولاً ظهرت الأطراف، ثم الخصر، ثم الكتفان، ثم الرأس. شعر طويل بني كثيف ينساب للخلف وكأن ريحًا غير مرئية تدفعه. ثم اكتمل الشكل.كانت امرأة.تطفو فوق الأنقاض، ذراعاها مرفوعتان خلف رأسها في وضعية استجماع قوة، جسدها مغطى ببدلة لامعة ضيقة تتدرج من الأحمر القرمزي الفاتح إلى الداكن كالدم المتجمد. قفازات طويلة تصل إلى ما فوق الكوع، وجوارب طويلة تلتف حول ساقيها بنفس الألوان. على جبهتها غطاء رأس مدبب بحواف حادة تشبه قرونًا صغيرة، ويحيط بها رداء أحمر ضخم يتطاير بلا ريح، كأنه يعيش حياة مستقلة.فتحت عينيها.كانتا قرمزيتين داكنتين، كأن فيهما بحيرة من الدم المتجمد.نظرت حولها ببطء، ثم همست بصوت هادئ، واضح، يقطع صمت الثلج:"يبدو أنني أخيرًا... عدت."لم يجبها أحد. الياتي تراجعوا خطوة إلى الوراء، أجسادهم مشدودة، لكنهم لم يهاجموا. كانوا يعرفون. هذا لم يكن عدوًا يمكن مواجهته بالقوة الخام.ابتسمت ابتسامة خفيفة، باردة.ثم اختفت.لم تتحرك، لم تطير.

فقط تلاشت، كأن الواقع نفسه رفض أن يحتفظ بها أكثر.بقي الثلج يتساقط في صمت.في الصباح التالي، كان الجو في المنزل لا يزال يحمل رائحة الإرهاق والعودة. الشمس تسللت من الستائر نصف المفتوحة، ترسم خطوطًا ذهبية خافتة على الأرضية الخشبية. نهض بليك مبكرًا، رغم أن جسده كان لا يزال يشتكي من كل حركة. ارتدى قميصًا أبيض بسيطًا وسروال جينز، وحمل حقيبته المدرسية القديمة على كتفه الأيسر.وقفت نيرو على كتفه في هيئة العصفور الصغير، ريشها الأسود اللامع يلمع تحت ضوء الصباح. نظرت إليه بنظرة جانبية."هل أنت متأكد أن هذا ضروري اليوم؟""نعم. إذا لم أذهب الآن، سأضطر إلى إعادة السنة كلها. وأنا لا أملك رفاهية إضاعة عام آخر."تنهدت نيرو، لكنها لم تعلق أكثر. استقرت على كتفه، وانطلق بليك يركض بخفة نحو المدرسة.كانت الشوارع هادئة، صيفية، رائحة الأشجار تملأ الهواء. وصل إلى بوابة المدرسة في أقل من عشر دقائق، ودخل دون تردد. الممرات كانت فارغة تقريبًا، فصل الصيف يعني أن معظم الطلاب غائبون، لكن مكتب الإدارة كان مفتوحًا.طرق الباب بخفة، ثم دخل.كان المدير جالسًا خلف مكتبه، يرتدي قميصًا أبيض مكوٍ بعناية، نظارته على طرف أنفه. رفع عينيه عن الأوراق، ورأى بليك."بليك إيثر... تفضل."جلس بليك على الكرسي المقابل، وضع حقيبته بجانبه."جئت بخصوص الغياب. أعرف أنني فوتّ الكثير، وأريد أن أعرف إن كان بإمكاني تعويض الامتحانات أو..."رفع المدير يده بهدوء، وقاطعه."لا داعي للقلق. لقد تم تبرير غيابك بالكامل."توقف بليك."ماذا؟""وصلنا خطاب رسمي من عائلتك قبل شهرين تقريبًا. ذكر أنك سافرت لحضور جنازة قريب مهم جدًا، وأن الظروف كانت طارئة ومؤلمة. وقّع الخطاب والدك، وأُرفقت معه وثائق سفر وصورة للتأكيد. لقد اعتبرنا الأمر عذرًا شرعيًا، وتم تسجيل غيابك بعذر مقبول."نظر بليك إليه للحظة طويلة، ثم أغمض عينيه وتنهد."والدي... لم يكن موجودًا منذ سنوات. ولا توجد جنازة."ابتسم المدير ابتسامة خفيفة، ليست ساخرة، بل متفهمة."نعرف. لكن الخطاب كان مقنعًا جدًا. التوقيع مطابق تمامًا للتوقيع القديم في ملفك. والوثائق بدت رسمية. لم نكن لنرفض طلبًا كهذا دون دليل قاطع على التزوير. وفي النهاية... أنت هنا الآن، وهذا يكفي."صمت بليك لحظة."من فعل هذا؟""لا نعرف. لكن الخطاب وصل في الوقت المناسب، وكان فيه تفاصيل دقيقة جدًا عن عائلتك. شخص يعرفك جيدًا."خرج بليك من المكتب بهدوء، يفكر. لم يكن غاضبًا، لكنه كان مرتبكًا. من يهتم بمصيره إلى هذا الحد؟وفي الممر، وقف أمامه أونيزوكا.كان يرتدي قميصه الأبيض المفتوح على صدره كعادته، شعره المبعثر، وابتسامته العريضة التي لا تفارقه أبدًا.

"يا إلهي! بليك! مرّ وقت طويل!"مد يده بقوة، وضرب كتف بليك ضربة خفيفة مرحة."كيف حالك يا فتى؟ سمعت أنك كنت في جنازة أو شيء من هذا القبيل. آسف لسماع ذلك."نظر إليه بليك بنظرة متسائلة."أنت من فعلها؟"ضحك أونيزوكا ضحكة عالية، ثم خفض صوته قليلاً."نعم. أنا من كتب الخطاب. وأنا من زوّر التوقيع والوثائق. كنت أعرف أنك لن تكون موجودًا لفترة طويلة، ولم أرد أن تعود لتجد نفسك مضطرًا لإعادة السنة كلها. أنت فتى ذكي، وأنت تستحق فرصة."توقف بليك لحظة، ثم سأل بهدوء:"لماذا؟"نظر إليه أونيزوكا بنظرة جادة لمرة نادرة."لأنني أعرف أنك لست مجرد طالب عادي. أعرف أن لديك أمورًا أكبر من المدرسة. رأيتك تختفي لأيام ثم تعود وكأن شيئًا لم يكن. رأيت الندوب، رأيت التعب في عينيك. لم أسألك يومًا، لأنني أعرف أنك لن تجيب. لكنني لم أرد أن يضيع مستقبلك الدراسي بسبب أمور لا تستطيع التحكم فيها."صمت بليك طويلاً."شكرًا.""لا تشكرني. فقط لا تفشل في الامتحانات التعويضية التي سأرتبها لك. لن تكون سهلة."ابتسم بليك ابتسامة صغيرة."لن أخذلك."نظر أونيزوكا إلى نيرو على كتفه، التي كانت تنظر إليه بنظرة متفحصة."ومن هذه الصغيرة الجميلة؟""صديقة.""تبدو وكأنها قادرة على أكلك إن أخطأت.""هي كذلك."ضحك أونيزوكا مرة أخرى، ثم صفق على كتف بليك."اذهب واسترح. سأرسل لك جدول الامتحانات غدًا. و... بليك."نظر إليه بليك."مهما كنت تفعله خارج هذه الجدران... لا تدع ذلك يأكلك. أنت لا تزال طالبًا هنا. وأنا لا أحب أن أخسر طلابي."أومأ بليك برأسه بصمت، ثم استدار وغادر الممر.ظلت نيرو صامتة حتى خرجا من المبنى."كان يمكنك أن ترفض.""لم أكن لأفعل.""لماذا؟""لأنه فعل شيئًا لم يكن مضطرًا إليه. ولأنني... أحتاج أن أشعر أن هناك شيئًا طبيعيًا في حياتي بعد كل هذا."نظرت إليه نيرو لحظة طويلة."أنت غريب.""وأنتِ أغرب."ابتسمت ابتسامة صغيرة، ثم استقرت على كتفه مجددًا."هيا. لنعد إلى المنزل. لا يزال أمامك الكثير لتتعلمه قبل الامتحانات."انطلق بليك يمشي تحت شمس الصيف، خطواته أخف قليلاً، وكأن العالم، للحظة، عاد إلى طبيعته.

خرج بليك من بوابة المدرسة، خطواته ثقيلة قليلاً على الأرض المرصوفة بالحصى الناعم. الشمس كانت في منتصف السماء، حارة ولكن ليست لاهبة، والنسيم الصيفي يحمل رائحة العشب المقصوص حديثًا من الملاعب البعيدة. كان يشعر بثقل خفيف في كتفه الأيمن، ليس ألمًا حادًا، بل إحساسًا بأن الجسد لا يزال يتذكر ما مر به. توقف لحظة عند البوابة، أغمض عينيه وأخذ نفسًا عميقًا، كأنه يتأكد أن الهواء هنا مختلف عن هواء الجبال أو الغابات أو الضريح.على كتفه الأيسر، كانت نيرو لا تزال في هيئة العصفور الصغير، ريشها الأسود يلمع تحت الشمس، رأسها الصغير يميل يمينًا ويسارًا وكأنها تستمع إلى شيء لا يسمعه هو. فجأة، تحركت.

رفعت جناحيها الصغيرين، وانطلقت تطير بسرعة منخفضة نحو الجهة اليمنى من المبنى الرئيسي."نيرو؟"استغرب بليك، لكنه لم ينتظر إجابة. تبعها بخطوات سريعة، يتجاوز صفوف الأشجار الصغيرة التي تفصل بين المبنى الإداري والملاعب. لم تذهب بعيدًا. توقفت أمام مبنى ضخم، مستطيل الشكل، يرتفع شاهقًا مقارنة ببقية مباني المدرسة. كان المبنى مصممًا بعناية ليتناسب مع الرياضات الداخلية: جدران رمادية مائلة إلى البياض، نوافذ طويلة مستطيلة تقع في أعلى الجدران، قريبة من السقف، تسمح بدخول ضوء النهار بكميات وفيرة دون أن تشتت اللاعبين. تحيط بالمبنى مساحات مفتوحة مرصوفة، وممر مشجر يربطه بالمبنى الرئيسي.هبطت نيرو على كتفه مجددًا، لكنها تحولت في اللحظة ذاتها إلى شكلها البشري. وقفت بجانبه، عيناها الحمراوان تتسعان قليلاً وهي تتفحص المبنى."ما هذا المكان؟"كان صوتها هادئًا، لكنه يحمل نبرة فضول حقيقي، نادرة عندها.نظر بليك إلى اللافتة الصغيرة المثبتة بجانب الباب الزجاجي الكبير: "الصندوق الأزرق – الصالة الرياضية الداخلية"."إنها صالة رياضية تابعة للمدرسة. يسمونها الصندوق الأزرق بسبب لون جدرانها الداخلية. تستخدم لكرة السلة وتنس الريشة وبعض الرياضات الأخرى في أيام الشتاء أو عندما يكون الجو سيئًا."دفع الباب الزجاجي الثقيل، فانفتح بسهولة نسبية. دخلا معًا.كانت الصالة واسعة بشكل مذهل. السقف مرتفع جدًا، يحمل هيكلاً معدنيًا مكشوفًا مطليًا باللون الرمادي الفاتح، والأرضية خشبية مصقولة تلمع تحت الضوء الطبيعي القادم من النوافذ العلوية والمصابيح القوية المعلقة. الهواء داخل الصالة كان دافئًا قليلاً، يحمل رائحة المطاط والعرق والخشب المصقول. الأصوات تملأ المكان: احتكاك الأحذية الرياضية بالأرضية، ارتطام الكرة بالخشب، صياح اللاعبين، صافرة مدرب من بعيد.كان التقسيم واضحًا. في الجهة اليسرى، ملعب كرة الريشة. شبكة بيضاء مشدودة، خطوط زرقاء دقيقة على الأرض، وعدد من الفتيات والفتيان يتحركون بخفة، مضاربهم ترتفع وتنخفض بسرعة. كان الجو هناك أكثر هدوءًا، تركيزًا، لا صخب كبير، فقط صوت الريشة وهي تقطع الهواء وارتطامها بالمضرب.أما في الجهة اليمنى، فكان ملعب كرة السلة. سلتان معلقتان في نهايتي الملعب، صوت الكرة وهي تضرب الأرض بإيقاع منتظم، ضحكات وصياح خفيف، أجساد تتحرك بسرعة، تقفز، ترمي، تتصدى.

كانت المجموعة هنا أكثر حيوية، أصواتهم تملأ الفضاء.وقفت نيرو بجانبه، عيناها تتحركان ببطء بين الجانبين. لم تتحدث فورًا، لكن بليك لاحظ شيئًا غريبًا: تعبير وجهها تغير. لم يكن مجرد فضول. كانت هناك ابتسامة خفيفة، صغيرة جدًا، لكنها حقيقية. لم تكن تلك الابتسامة الباردة أو الساخرة التي اعتادها منها. كانت ابتسامة طفلة ترى شيئًا ممتعًا لأول مرة."ما هذا المكان الممتع يا بليك؟"نظر إليها بدهشة."ممتع؟ إنها مجرد صالة رياضية.""لكن... انظر إليهم. الفتيات هناك، اللواتي يلعبن بتلك الكرة البرتقالية... يبدون سعيدات جدًا. يضحكن، يتحركن بحرية، يصرخن عندما يسجلن. وهناك، الآخرون مع المضارب... يركزون بشدة، لكنهم يبتسمون أيضًا. لم أرَ هذا من قبل."كانت عيناها تلمعان بشكل خفيف،وابتسامتها اتسعت قليلاً. كانت تقف متجمدة تقريبًا، كأنها تخشى أن تتحرك فتفقد هذا المشهد.نظر بليك إليها طويلاً. لم يكن يتذكر أنه رآها تبتسم هكذا من قبل. دائمًا كانت هادئة، باردة، متحفظة، حتى عندما تكون سعيدة. لكن الآن... كانت تبدو كمن اكتشف شيئًا جديدًا تمامًا.لم يرد أن يخذل تلك الابتسامة."ما رأيك أن نشارك معهم؟"اتسعت عيناها."أيمكننا؟""بالطبع. يبدو أنها مجرد تدريبات، وليست مباريات رسمية. يمكننا أن نطلب الانضمام لبعض الوقت."لم ينتظر إجابتها. تقدم نحو ملعب كرة السلة، حيث كانت مجموعة من الفتيات يتدربن. كن يرتدين زيًا رياضيًا موحدًا: تيشيرتات زرقاء فاتحة وسراويل قصيرة سوداء، وأحذية رياضية بيضاء. كان عددهن سبعًا أو ثمانيًا، يمررن الكرة بسرعة، يمارسن تمريرات سريعة وتسديدات من مسافات بعيدة.توقف على بعد خطوات من الملعب، رفع يده بخجل واضح.

"عذرًا... هل يمكنني الانضمام لبعض الوقت؟"نظرن إليه الفتيات جميعًا. إحداهن، طويلة القامة، شعرها مربوط بذيل حصان، ابتسمت."بالطبع! لكن هل تلعب جيدًا؟""أحاول."ضحكن بخفة، وأشارت إحداهن إلى الكرة."تعالَ. جرب تسديدة من هنا."نظر بليك إلى نيرو، التي كانت لا تزال واقفة على بعد، تنظر إلى ملعب تنس الريشة بترقب. أومأ لها برأسه، فذهبت بخطوات سريعة نحو الجانب الآخر.اقتربت نيرو من ملعب تنس الريشة. كان هناك أربعة لاعبين، اثنان من الفتيان واثنتان من الفتيات، يتدربون على ضربات مزدوجة. توقفوا لحظة عندما رأوها تقترب."عذرًا... هل يمكنني المشاركة؟"نظر إليها أحد الفتيان، طويل القامة، نظارة رياضية على عينيه."هل تعرفين كيف تلعبين؟"نظرت إليه بهدوء."سوف أتعلم بسرعة. ولن أزعجكم. أعدكم."تبادلوا النظرات، ثم أومأ الفتى الآخر."حسنًا. تعالي. نلعب مزدوجًا. أنتِ معي."ابتسمت نيرو ابتسامة صغيرة، وأمسكت مضربًا من الزاوية.في الجهة الأخرى، كان بليك يحاول ألا يبدو مترددًا. أمسك الكرة، وقف عند خط الرمي الحر، تنفس بعمق، ثم رمى. الكرة ارتطمت بالحافة، ثم سقطت داخل السلة."جيد!" صرخت إحدى الفتيات."لست سيئًا!" قالت أخرى.ابتسم بليك ابتسامة محرجة."شكرًا. لم ألعب منذ فترة.""لا بأس. تعالَ، سنلعب مباراة صغيرة. أنت معنا."نظر إلى الجهة الأخرى، حيث كانت نيرو قد بدأت تلعب. كانت حركاتها في البداية مترددة، لكنها سرعان ما أصبحت دقيقة بشكل مخيف. كانت تراقب الكرة بعينيها الحمراوين، تضربها بقوة محسوبة، تتحرك بخفة لم تكن تتناسب مع مظهرها الهادئ. في غضون دقائق، كانت قد سجلت نقطتين متتاليتين، وابتسامتها لم تفارق وجهها.نظر إليها بليك من بعيد، ورأى شيئًا لم يره من قبل: سعادة نقية، غير مقيدة، كأنها طفلة تكتشف لعبة جديدة. لم تكن تبتسم لأحد، بل لنفسها، للحركة، للكرة وهي تطير، للإحساس بالريح على وجهها.شعر بليك بشيء يتحرك في صدره. لم يكن يعرف اسمه، لكنه كان دافئًا."حسنًا..." قال لنفسه بهمس، "لنلعب."أمسك الكرة، وانطلق نحو الملعب، خطواته أخف، وابتسامة صغيرة على شفتيه. لأول مرة منذ زمن طويل، شعر أن العالم ليس كله حربًا ودمارًا وخسارة. هناك أيضًا لحظات صغيرة، بسيطة، تستحق أن تُعاش.

2026/03/08 · 8 مشاهدة · 3719 كلمة
نادي الروايات - 2026