كان الليل قد أرخى سدوله على المنزل، والهدوء يعم الغرفة باستثناء همهمة التلفاز الخافتة التي تبث برنامجًا وثائقيًا عن المحيطات العميقة. الضوء الأزرق المتقطع ينعكس على جدران الغرفة، يرسم ظلالاً خفيفة على وجه بليك الذي كان جالسًا على الأريكة، ساقاه ممدودتان أمامه، ورأسه مستند إلى الخلف. بجانبه جلست مونو، ركبتاها مرفوعتان قليلاً، وذراعاها متشابكتان حول نفسها كأنها تحمي شيئًا داخليًا. كانا يشاهدان الشاشة دون تركيز حقيقي، كل منهما غارق في أفكاره الخاصة.بعد لحظة طويلة من الصمت، التفتت مونو إليه قليلاً، عيناها الذهبيتان تلتقطان ضوء التلفاز."هل هناك شيء يؤلمك الآن؟"نظر إليها بليك ببطء، ثم هز رأسه برفق."لا. أنا بخير.""بوابتك... هل تؤلمك؟"ابتسم ابتسامة خفيفة، متعبة."قليلاً فقط. لكنها ليست مؤلمة كما كانت في الأيام الأولى. أعتقد أنني اعتدت عليها."نظرت إليه مونو لحظة طويلة، كأنها تدرس تعبيرات وجهه بحثًا عن أي علامة كذب."جيد."ساد صمت آخر، ليس ثقيلاً، بل مريحًا نوعًا ما. ثم نهضت مونو بهدوء، اتجهت نحو الرف الجانبي حيث كانت تضع الكتاب مؤقتًا قبل أن تنقله إلى القبو. أمسكت "شمس المعارف" بكلتا يديها، كأنها تحمل شيئًا هشًا وحيًا في آن واحد، ثم عادت وجلست مقابله على الأريكة المقابلة، الكتاب موضوع بينهما على الطاولة المنخفضة."حسنًا إذًا... أردت أن أؤجل هذا الأمر حتى تشفى وتكون على أحسن حال، لكن يجب أن نفعله الآن."نظر إليها بليك باستغراب واضح."ما الذي تقصدينه؟"

فتحت مونو الكتاب ببطء، أصابعها تنزلق على الصفحات بحرص، حتى توقفت عند صفحة معينة. كانت الصفحة تحمل رسمًا دائريًا معقدًا، محاطًا بحروف قديمة متشابكة، وفي الوسط كلمة واحدة بارزة بخط عريض: "الارتباط".رفعت عينيها إليه."يا بليك... يجب ألا يتكرر ما حدث مرة أخرى."صمت لحظة، ثم واصلت."هروب ليو تشنغ بالكتاب... سرقة ميساكي له قبل أشهر... كل ذلك كان خطأً فادحًا. عرض حياتك وحياة الكثيرين للخطر. لو لم نستعد في الوقت المناسب، لكان العالم قد دفع ثمنًا لا يُحتمل. لذا يجب أن نقوم بهذه التعويذة."نظر بليك إلى الصفحة، ثم رفع عينيه إليها."وماذا تفعل هذه التعويذة بالضبط؟"أشارت مونو إلى الدائرة المرسومة."إنها تصنع ارتباطًا. عقدًا لا يُكسر بينك وبين الكتاب. نستطيع تحديد مدة الارتباط مهما طالت، ونستطيع وضع الشروط التي نريدها. والآن يجب أن تصنع عقدًا مع الكتاب بحيث إذا ضاع مجددًا، تستطيع معرفة مكانه فورًا، أينما كان في أي عالم أو بعد."أومأ بليك برأسه ببطء، يفكر في الكلام."وهل هناك سلبيات؟"نظرت إليه مونو بنظرة جادة."الارتباط غير قابل للكسر. إذا حدث ما لا يُحتمل، إذا وقع شيء سيء للكتاب، أو إذا حاول أحد تدميره، أو إذا أُجبر الكتاب على فعل شيء يتعارض مع إرادتك... قد ينعكس الأمر عليك مباشرة. قد تشعر بألمه، قد تفقد جزءًا من قوتك، قد يصبح الارتباط عبئًا بدلاً من نعمة. هذا هو الثمن."صمت بليك لحظة طويلة، ينظر إلى الكتاب المفتوح أمامه."لكن... إذا لم نفعل شيئًا، قد نفقده مرة أخرى. وقد لا نستطيع استعادته في الوقت المناسب. لا أريد أن أصاب بلعنة الثلاثة عشر يومًا مجددًا، ولا أريد أن يقع الكتاب في يد شخص آخر يستخدمه لأغراضه."رفعت مونو حاجبها قليلاً."إذًا أنت متأكد؟""نعم. لقد وعدت نفسي – ووعدتكِ – أن أكون مالك شمس المعارف. وسأبقى كذلك حتى موتي."ابتسمت مونو ابتسامة خفيفة، ليست ساخرة، بل تحمل نوعًا من الرضا."جيد. إذًا هيا بنا."مدت يدها فوق الصفحة، وبدأت تقرأ التعويذة بصوت منخفض، واضح، كل كلمة تخرج منها وكأنها تُنحت في الهواء. كانت اللغة قديمة، حروفها متشابكة كالأشواك، لكنها كانت تتدفق بسلاسة من شفتيها. مع كل جملة، بدأ ضوء ذهبي خافت ينبعث من الصفحة، يتشكل تدريجيًا إلى ورقة رقيقة شفافة تطفو فوق الكتاب.توقفت لحظة، ثم نظرت إليه."الآن... بنود العقد."رفعت الورقة الذهبية بين أصابعها، وبدأت تقرأ بصوت أعلى قليلاً، كأنها تُشهد العالم نفسه:"أولاً: إذا ضاع الكتاب أو سُرق أو أُخفي، يستطيع المالك معرفة مكانه فورًا، مهما كان بعيدًا، مهما كان في أي بعد أو عالم."توقفت، نظرت إليه."ثانيًا: إذا مات المالك، ينتهي العقد تلقائيًا، ويعود الكتاب إلى حالته الطبيعية دون ارتباط.

"أومأ بليك."ثالثًا: لا أحد يستطيع استخدام تعويذات الكتاب أو قواه إلا المالك نفسه. أي محاولة من غيره ستفشل، وسيُرد الأذى عليه."صمتت لحظة، ثم أضافت:"هذه هي البنود الأساسية. يمكننا إضافة شروط أخرى إن أردت، لكن كل شرط إضافي يزيد من تعقيد الارتباط وقوته... وربما خطورته."نظر بليك إلى الورقة الذهبية الطافية، ثم إلى عيني مونو."لا حاجة لشروط إضافية. هذه كافية."ابتسمت مونو ابتسامة صغيرة."حسنًا."مدت يدها اليسرى نحو يده اليمنى، أمسكتها برفق، وضعتها فوق الكتاب مباشرة، فوق الصفحة المفتوحة. شعر بليك بدفء خفيف ينتقل من أصابعها إلى جسده، ثم تحول إلى تيار بارد يسري في عروقه.بدأت مونو تردد الكلمات الأخيرة، صوتها يعلو تدريجيًا:"باسم المانا الأولى، وباسم الضوء الذي لا ينطفئ، وباسم الذي يحمل الكتاب... أُقسم أن يرتبط المالك بالكتاب ارتباطًا لا يُفك، حتى يأتي الموت أو ينقضي العهد."مع الكلمة الأخيرة، اندلعت الورقة الذهبية بنور ساطع للحظة، ثم تلاشت في الهواء، تاركة أثرًا ذهبيًا خافتًا يتسلل إلى صدر بليك، ثم يختفي تحت جلده.شعر بليك بدوخة خفيفة، كأن الأرض تميل قليلاً تحت قدميه. أغمض عينيه لثانية، ثم فتحهما ببطء، يتنفس بعمق."انتهى الأمر؟"أومأت مونو."نعم. الآن... إذا ضاع الكتاب، ستشعر به. ستعرف مكانه كما تعرف مكان يدك."نظر إلى الكتاب المغلق أمامه، ثم إلى يده التي لا تزال تحت يدها."شكرًا... مونو."سحبت يدها برفق، وابتسمت ابتسامة هادئة."لا تشكرني. هذا واجبي كحارسة. والآن... يجب أن ترتاح. المانا التي استخدمناها اليوم ليست قليلة، وجسدك لا يزال يتعافى."أومأ بليك، ونهض ببطء."حسنًا... سأذهب لأنام."وقف لحظة، نظر إليها."وماذا عنكِ؟""سأبقى هنا قليلاً. أريد التأكد من أن الارتباط مستقر."ابتسم ابتسامة خفيفة."لا تتعبي نفسكِ.""لن أفعل."خرج بليك من الغرفة بخطوات هادئة، تاركًا مونو جالسة أمام الكتاب، عيناها مثبتتان على الغلاف، كأنها تحرسه من العالم كله.

في صباح الغد، كان الضوء الشاحب للفجر يتسلل من خلال الستائر الرقيقة، يرسم خطوطًا باهتة على أرضية غرفة بليك الخشبية. كان لا يزال نائمًا بعمق، جسده مسترخٍ تحت الغطاء الخفيف، أنفاسه منتظمة وبطيئة كأن التعب الذي حمله لأسابيع قد أخذ أخيرًا إجازة قصيرة. لكن الهدوء لم يدم طويلاً.سمِع صوت خطوات خفيفة تقترب، ثم شعر بيد تمسك بكتفه وتهزه برفق لكن بحزم."بليك... استيقظ."كان صوت مونو هادئًا، لكنه لا يقبل الرفض. فتح عينيه ببطء، الرؤية ضبابية في البداية، ثم وضح وجهها أمامه: شعرها الأصفر مربوط بعشوائية، عيناها الذهبيتان تنظران إليه بتركيز، وتعبيرها يحمل مزيجًا من الجدية والعزم.حاول أن يرفع رأسه، لكنه عاد وسقط على الوسادة."دعيني أنام قليلاً أكثر... اليوم مبكر جدًا."

"لا وقت لذلك. هيا، قم."أمسكت بذراعه وسحبته بقوة معقولة، لكنها كانت كافية لتجبره على الجلوس. تنهد بعمق، فرك عينيه بظهر يده، ثم نهض ببطء، قدماه تلامسان الأرض الباردة. كان لا يزال يرتدي قميص النوم الرمادي القديم وسروالًا قصيرًا، شعره الأسود مبعثر تمامًا."ما الذي تريدينه في هذا الصباح الباكر؟"لم تجب فورًا. سحبته من يده نحو الباب، ثم عبرت به الرواق القصير حتى خرجا إلى الحديقة الخلفية. كانت الحديقة صغيرة، محاطة بسياج خشبي منخفض، عشبها أخضر لكنه مبلل بندى الصباح، وفي الزاوية شجرة تفاح صغيرة لا تزال تحمل بعض الثمار الخضراء. الهواء كان باردًا، نقيًا، يحمل رائحة التراب الرطب والأوراق.وقف بليك في منتصف الحديقة، يتثاءب بصوت مسموع، ذراعاه مرفوعتان فوق رأسه."حسنًا... الآن أخبريني. ما الأمر؟"نظرت إليه مونو بهدوء، ثم مدت يدها إلى الأمام. في كفها ظهر فجأة شيء ملفوف بقماش أبيض ناعم، كأنه خرج من لا شيء. فكت الرباط بأصابعها الدقيقة، وانكشف ما بداخله.كانت عصا سحرية خشبية قصيرة، طولها لا يتجاوز المقدار الذي يمكن أن يمسكه اليد بسهولة، سطحها أملس بلون بني داكن غامق، وفي نهايتها جوهرة حمراء صغيرة محاطة بحلقة معدنية رفيعة تلمع بلمعان خافت تحت ضوء الفجر.توقف بليك عن التثاؤب. اتسعت عيناه قليلاً."هذه...""نعم. عصا سحرية."رفع يده ببطء، لمس سطح الخشب بحذر، كأنه يتأكد أنها حقيقية."لم أرَ عصا سحرية من قبل... لم أكن أعلم أنها موجودة بهذا الشكل.""ليست كل السحر يحتاج إلى عصا، لكن في حالتك الآن... هي ضرورية."نظرت إليه بعينين جادتين."بوابتك مكسورة، واستخدام السحر مباشرة دون وسيط سيؤذيك أكثر. هذه العصا ستساعدك. ستكون قناة آمنة، تقلل من الضغط على بوابتك، وتسمح لك باستخدام تعاويذ بسيطة دون أن تفقد السيطرة. كما أنها لا تستهلك الكثير من المانا، لذا يمكنك استخدامها لفترة أطول حتى تشفى تمامًا."أمسك بليك بالعصا، شعر بوزنها الخفيف في يده، والدفء الخافت الذي ينبعث من الجوهرة الحمراء."اسمها... بليك."ابتسم ابتسامة صغيرة."أنتِ من سميتها؟"

"نعم. لأنها صنعت لك. الآن... دعني أشرح لك كيف تعمل."جلسا على العشب الرطب قليلاً، والندى يلتصق ببنطالهما. أمسكت مونو يده التي تمسك العصا، ورفعتها أمامه."الاستخدام سهل، لكنه يحتاج تركيزًا. لا يمكنك إلقاء التعويذة فورًا كما كنت تفعل. يجب أن تقول اسم التعويذة أولاً، ثم توجه العصا نحو الهدف. الجوهرة ستجمع المانا وتطلقها بشكل منظم. هذه هي التعاويذ الأساسية التي يمكنك استخدامها الآن بأمان:"بدأت تعد على أصابعها."Fura – تعويذة نار أساسية. ضعيفة، لكنها آمنة. El Fura – نسخة أقوى. Ul Fura – نار قوية جدًا... لكن لا تستخدمها الآن. بوابتك لن تتحمل."أومأ بليك."Huma – جليد بسيط. El Huma – أقوى. Ul Huma – شديد القوة... مرة أخرى، تجنب Ul.""مفهوم.""Dona – سحر أرض بسيط. El Dona – أقوى. Ul Dona – أرض قوي جدًا.""Aqua – ماء بسيط. El Aqua – ماء قوي. Ul Aqua – ماء شديد القوة."نظرت إليه بحزم."لا تستخدم أي تعويذة من مستوى Ul. إنها قوية جدًا، وقد تفتح الشقوق في بوابتك أكثر. ابقَ على المستويات الأساسية والمتوسطة فقط حتى تتعافى.""حسنًا. لن أجازف."رفع العصا أمامه، أمسكها بكلتا يديه، ثم تنفس بعمق."سأجرب... Aqua."رفع العصا قليلاً، أغمض عينيه لثانية، ثم نطق الكلمة بصوت واضح."Aqua."اندلعت من طرف العصا رذاذ ماء خفيف، ليس قويًا، بل كرذاذ ناعم يتطاير في الهواء، يبلل العشب أمامه ببقع صغيرة. لم يكن هناك اندفاع قوي، ولا موجة، فقط رذاذ يشبه رذاذ الرذاذ في الحمام، لكنه كان مستقرًا ومنضبطًا.نظر إلى العصا بدهشة."هذا... كل شيء؟"نظرت مونو إليه بهدوء."نعم. هذا أحسن ما يمكنك فعله الآن. بوابتك مكسورة، وأي شيء أقوى سيؤذيك. لكن هذا آمن، ويمكنك استخدامه دون خوف."نظر إلى الرذاذ الذي بدأ يتبخر ببطء تحت أشعة الشمس الأولى."كيف سأواجه الأعداء بهذا؟"

"أنت لن تواجه أعداء الآن."كان صوتها حازمًا."الفترة القادمة يجب أن تكون هادئة. لا معارك، لا مخاطر كبيرة. ركز على التعافي. هذه العصا ليست للقتال الآن، بل للتدريب البسيط، للحفاظ على تدفق المانا دون إجهاد بوابتك. عندما تشفى، ستستطيع العودة إلى قوتك الكاملة. لكن حتى ذلك الحين... كن حذرًا."أنزل العصا ببطء، ونظر إليها."شكرًا... مونو. أعني ذلك."ابتسمت ابتسامة خفيفة."لا تشكرني. هذا واجبي. الآن... جرب مرة أخرى. ركز أكثر هذه المرة."رفع العصا مرة أخرى، أخذ نفسًا عميقًا، ونطق:"Aqua."خرج الرذاذ مرة أخرى، أقوى قليلاً هذه المرة، يرسم قوسًا صغيرًا في الهواء قبل أن يسقط على العشب. شعر بليك بتدفق خفيف في يده، ليس ألمًا، بل إحساسًا بالاتصال، كأن العصا جزء منه."أفضل."قالت مونو."استمر هكذا. كل يوم، قليلاً فقط. لا تجهد نفسك."أومأ برأسه، ونظر إلى العصا في يده."بليك... هكذا ستسميها؟""نعم. لأنها ملكك الآن."ابتسم ابتسامة صغيرة، وأمسك العصا بقوة أكبر قليلاً."حسنًا... بليك إذًا."كان الصباح لا يزال باردًا، والشمس ترتفع ببطء، تضيء الحديقة الخلفية بضوء ذهبي خافت. جلسا معًا على العشب، يتحدثان بهدوء عن التعاويذ، عن كيفية استخدامها بأمان، عن الفترة الهادئة التي يجب أن يعيشاها. لم يكن هناك استعجال، ولا خوف، فقط صبر هادئ، وشعور بأن الأمور، ربما، بدأت تستقر.

كان الصباح الباكر لا يزال يحمل برودة الليل المتسللة من النوافذ المفتوحة قليلاً، والضوء الشاحب يتسرب ببطء إلى الشوارع الخالية. مشى أكيهيكو بخطوات منتظمة، يداه في جيوب سترته الرياضية الداكنة، وحقيبته الصغيرة تتأرجح على كتفه الأيسر. كان الهواء نقيًا، يحمل رائحة الرطوبة والأسفلت المبلل من مطر خفيف سقط قبل الفجر. لم يكن يفكر في شيء محدد، فقط يركز على إيقاع خطواته، كأن كل خطوة تُعيد ترتيب شيء داخلي مشتت منذ عودته.وصل إلى المستودع المهجور في أطراف الحي الصناعي القديم. الباب الحديدي الصدئ كان مواربًا كعادته، وصوت همهمة خافتة تتسرب من الداخل. دفع الباب بكتفه، فانفتح بصرير خفيف مألوف. داخل المستودع، كان الجو كما تركه دائمًا: رائحة الزيت والعرق والخشب القديم، أضواء نيون متذبذبة معلقة من السقف، وأرضية خرسانية مليئة بخدوش وآثار أقدام."صباح الخير، أكيهيكو!"كان الصوت الأول من تايشي، الذي كان يجلس على صندوق معدني، يمسح عصاه الملفوفة بالأسلاك الشائكة بقطعة قماش. رفع يده تحية سريعة، وتبعه آخرون بتحيات متفرقة: تومياما يومئ برأسه من زاوية بعيدة، توباكينو يبتسم ابتسامة عريضة وهو يمد له قارورة ماء، إيندو يرفع حاجبه بصمت كعادته. حتى توغامي، الذي كان يقف متكئًا على جدار، رفع يده ببطء.رد أكيهيكو بإيماءة خفيفة، ثم خلع سترته ورماها على كومة من الصناديق القريبة."صباح الخير."بدأ الروتين كالمعتاد. لم يكن هناك مقدمات طويلة. اقترب منه أحد الأعضاء الأصغر سنًا، فتى يدعى ريو، يرتدي قميصًا أسود مكشوف الأكمام، ونظر إليه بتحدٍ واضح."هل أنت جاهز اليوم، أكيهيكو؟ سمعت أنك كنت في رحلة طويلة. لا أظن أنك لا تزال بنفس القوة."ابتسم أكيهيكو ابتسامة صغيرة، ليست ساخرة، بل هادئة."جربني وستعرف.

"لم ينتظر ريو طويلاً. اندفع نحوه بسرعة، قبضته موجهة نحو وجه أكيهيكو. تحرك أكيهيكو بخفة جانبية، أمسك ذراع الفتى، ولفها بسلاسة حتى وجد نفسه خلفه، يضغط على كتفه برفق كافٍ ليجعله يتأوه دون أن يؤذيه حقًا."سريع، لكن توقعاتك واضحة جدًا."أطلق الفتى، وتراجع خطوتين، يفرك كتفه ويبتسم رغم الألم."تبًا... أنت أقوى مما كنت أتذكر."لم يرد أكيهيكو، لكنه شعر بشيء يتحرك داخل صدره: فخر خفي، ليس متعجرفًا، بل شعور بأن الوقت الذي قضاه في التدريب والقتال لم يذهب سدى. الآن، لم يعد أحد في العصابة قادرًا على هزيمته في قتال يدوي. كانوا يعرفون ذلك، وهو يعرف أنهم يعرفون.استمر الروتين. تلو الآخر، جاءوا ليختبروا قوته. تومياما حاول خداعه بحركات سريعة، لكن أكيهيكو قرأ توقعاته قبل أن ينفذها. تايشي هاجم بعنف، لكن أكيهيكو تفادى الضربات ورد بضربة واحدة دقيقة أسقطته على ركبتيه. حتى إيندو، الذي كان دائمًا صامتًا وقويًا، حاول مواجهته بقوة خام، لكن أكيهيكو استخدم سرعته وذكاءه ليجعله يتعثر ويسقط.في كل مرة، كان ينتهي الأمر بنفس الطريقة: يمد يده ليساعد خصمه على النهوض، ويتبادلان نظرة احترام صامتة. لم يكن يتباهى، لكنه كان فخورًا. كان يعرف أن هذا التدريب ليس مجرد قتال، بل طريقة ليبقى حيًا، ليبقى قادرًا على حماية من يهمه أمرهم.بعد ساعة ونصف تقريبًا، خرج أكيهيكو إلى الخارج ليأخذ قسطًا من الراحة. الشمس بدأت ترتفع، والضوء الذهبي ينعكس على الأرضيات الرطبة. جلس على صندوق معدني قديم، فتح قارورة الماء، وشرب ببطء، يشعر بأنفاسه تستقر تدريجيًا.سمع خطوات خفيفة تقترب."صباح الخير، أكيهيكو."كان الصوت ناعمًا، متعبًا قليلاً، مصحوبًا بتثاؤب خفيف. رفع عينيه ليجد توراكو تقف أمامه، شعرها الأسود القصير مبعثر، عيناها نصف مغمضتين، ترتدي قميصًا واسعًا فوق بنطال رياضي.تفاجأ للحظة، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة."صباح الخير. يبدو أن الوقت تأخر عن التحية الصباحية.""آه... آسفة. نمت متأخرة اليوم."

"لا بأس."جلست بجانبه على الصندوق نفسه، مسافة صغيرة بينهما. أخرجت قارورة ماء من حقيبتها الصغيرة، وشربت رشفة طويلة."بالمناسبة... هل حقًا كنت في شنغهاي؟"نظر إليها، ثم أومأ برأسه ببطء."نعم.""حقًا؟ لطالما أردت الذهاب إليها. لكن... للأسف، هي مدمرة الآن بسبب هجوم إرهابي، أليس كذلك؟"صمت لحظة، ثم أضاف بصوت منخفض:"أوه... هل يعني هذا أنكم... كنتم السبب في دمارها؟"نظر إلى الأرض أمامه، يرى انعكاس الشمس في بركة صغيرة من الماء."نوعًا ما."ضحكت توراكو ضحكة خفيفة، لكنها لم تكن ساخرة."تبًا... حياتكم حافلة بالمشاكل.""لا أريد سماع ذلك من إحدى أفراد عصابة."ضحكت مرة أخرى، هذه المرة بصوت أعلى قليلاً.ساد صمت قصير بينهما. لم يكن صمتًا محرجًا، بل صمتًا مريحًا، كأنهما يعرفان أن الكلمات ليست ضرورية دائمًا.نظر إليها أكيهيكو من زاوية عينه. كانت توراكو لا تزال تتثاءب، لكن ابتسامتها كانت موجودة، صغيرة ودافئة. شعر بشيء يتحرك في صدره، خجل خفيف ممزوج بفرح غريب. لم يرها منذ فترة طويلة، وكان يشعر أن شيئًا بداخله لم يتغير. كان يحبها سرًا، منذ زمن، لكنه لم يكن ليجرؤ على قول ذلك.كسر الصمت أخيرًا، صوته هادئ."بالمناسبة... هل فعلاً ستتخرجين من الإعدادية هذا العام؟"نظرت إليه، ثم أومأت برأسها."نعم. والعام القادم سأدرس في نفس الثانوية التي تدرس فيها."تسارعت دقات قلبه قليلاً، لكنه حاول أن يبدو طبيعيًا."حقًا؟""نعم. افرح يا أكيهيكو، سوف نقضي وقتًا كثيرًا معًا."مدت يدها وضربت كتفه ضربة خفيفة مرحة. شعر بحرارة خفيفة في وجهه، لكنه ابتسم رغم ذلك."أجل... سيكون ذلك... جيدًا."ضحكت بخفة."لكن الآن عطلة الصيف. يجب أن ننتظر شهرين حتى تبدأ الدراسة.""صحيح."نظر إليها وهي تبتسم، ابتسامتها الجميلة التي تجعل عينيها تضيء قليلاً. في داخله، تردد صوت خافت:تبًا... أتمنى أن تكون لدي الشجاعة للاعتراف لها يومًا ما.رفعت توراكو رأسها، ونظرت إليه مباشرة."هيا، لندخل. أريد أن أقاتلك اليوم. حسناً؟"ابتسم أكيهيكو، ونهض معها."حسنًا. لكن لا تشتكي إذا هزمتك."ضحكت وهي تدفعه بخفة."حلمك جميل. هيا."دخلا معًا إلى المستودع، خطواتهما متزامنة، والشمس ترتفع خلفهما ببطء، تضيء الطريق أمامهما.

بعد ساعات من القتالات المتتالية، كان الجو داخل المستودع قد أصبح خانقًا، مزيجًا من رائحة العرق والغبار والمعدن الساخن تحت أشعة الشمس التي تتسلل من النوافذ العالية المكسورة. توقف أكيهيكو أخيرًا، يمسح العرق عن جبهته بكم قميصه، أنفاسه منتظمة لكنها ثقيلة. نظر حوله: تايشي جالس على الأرض يضحك وهو يفرك كتفه الموجوع، تومياما يشرب ماء ببطء، إيندو يقف صامتًا كعادته يراقب الجميع. لم يكن هناك حاجة لكلمات وداع؛ كان الجميع يعرف أن الجلسة انتهت.أمسك سترته، ارتداها على كتفيه دون أن يدخل ذراعيه في الأكمام، واتجه نحو الباب الحديدي الصدئ. دفع الباب بكتفه، فانفتح بصرير خافت، وخرج إلى ضوء الظهيرة الحارق. الشمس كانت في أوجها، تسكب حرارتها على الأسفلت الذي يبدو وكأنه يذوب تحت قدميه. الهواء خارج المستودع كان أثقل، مشبعًا برائحة الغبار والإطارات المحترقة من الطريق القريب.لم يمشِ خطوات حتى سمع صوت خطوات خفيفة تتبعه. التفت ليجد توراكو تسير خلفه بخطى هادئة، يداها في جيوب بنطالها الرياضي، شعرها الأسود القصير يتحرك مع نسمة خفيفة.توقف، ونظر إليها باستغراب خفيف."لماذا خرجتِ معي؟ ظننتُ أنكِ ستبقين هناك."نظرت إليه بعينين ناعستين قليلاً، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة."في الواقع... شعرت بالملل. وأيضًا... لم أرَك منذ فترة يا أكيهيكو. لذا يجب أن نستمتع معًا اليوم."كلمة "نستمتع" جاءت ببساطة، لكنها ضربت أكيهيكو كموجة خفيفة. شعر بحرارة ترتفع في وجهه، وأفكار متفرقة مرت في ذهنه بسرعة: مواعيد، أماكن، كلمات يقولها أو لا يقولها. ابتلع ريقه، وحاول أن يبدو طبيعيًا."نستمتع... إذًا ماذا تريدين أن نفعل؟""نشتري آيس كريم."كانت الإجابة سريعة، عفوية، كأنها أبسط شيء في العالم. نظر إليها لحظة، ثم ابتسم ابتسامة خجولة، سعيدة في الوقت نفسه."حسنًا."مشيا معًا في الشارع الضيق الذي يفصل بين المنطقة الصناعية والأحياء السكنية. الشمس كانت قاسية، تجعل الظلال قصيرة وحادة تحت أقدامهما. كان الهواء ساكنًا تقريبًا، لا نسيم يخفف الحر، فقط صوت أحذيتهما على الأسفلت وصوت سيارة بعيدة تمر في الشارع الرئيسي. لم يتحدثا كثيرًا في البداية، لكن الصمت بينهما لم يكن ثقيلاً. كان صمتًا مريحًا، كأنهما يعرفان أن الكلمات ستأتي عندما تحتاج.بعد دقائق، رفع أكيهيكو عينيه ورأى من بعيد شخصين يسيران في الاتجاه المعاكس. كان بليك، يرتدي قميصًا أبيض خفيفًا وسروال جينز، يمشي بخطوات هادئة، وبجانبه نيرو على هيئتها البشرية، ترتدي قميصًا واسعًا فوق تنورة قصيرة، شعرها الأسود القصير يتحرك مع خطواتها.لوحت توراكو بيدها بحماس."بليك! نيرو!"توقف الاثنان، ثم اقتربا. عندما وصلا، رفعت توراكو يدها تحية عالية."لم أركما منذ فترة! كيف حالكما؟"ابتسم بليك ابتسامة خفيفة."بخير. وأنتِ؟""جيدة جدًا. لم أتوقع رؤيتكما هنا.

"نظر أكيهيكو إلى نيرو، ثم إلى بليك."من غير المعتاد أن أراكِ على هيئتك البشرية في الشوارع."نظرت نيرو إليه بهدوء، ثم أجابت:"سنذهب إلى الصالة الرياضية، لذا لا حاجة لهيئة العصفور.""صالة رياضية؟"استغرب أكيهيكو، لكن بليك أجاب بسرعة:"اكتشفنا صالة رياضية بجانب المدرسة تُسمى الصندوق الأزرق. أعجبت نيرو بها جدًا، لذا أصبحت عادتنا أن نذهب إليها."ضحك أكيهيكو ضحكة خفيفة، مندهشة."من الغريب أن تجدي شيئًا يعجبكِ، سيدة نيرو."انتفخت خدود نيرو قليلاً، ونظرت إليه بنظرة حادة."ما الغريب في ذلك؟""لا شيء... فقط... لم أكن أتخيلكِ تحبين الرياضة.""أحب ما يجعلني أتحرك. وهناك... يمكنني أن أفعل ذلك دون قيود."ابتسم بليك بخفة."هي محقة. المكان واسع، والناس هناك يركزون على أنفسهم. لا أحد ينظر إليها كشيء غريب."نظرت توراكو إلى نيرو بفضول."وهل أنتِ جيدة فيها؟""أتعلم بسرعة."ضحكت توراكو."هذا يبدو ممتعًا. ربما يجب أن نذهب جميعًا يومًا ما.""ربما."قالت نيرو باختصار، ثم أمسكت بذراع بليك فجأة."هيا، لنذهب. لا وقت للكلام."بدأت تسحبه بخفة، خطواتها سريعة. ابتسم بليك وهو يتبعها، ولوح لأكيهيكو وتوراكو بيده."إلى اللقاء."بعدما ابتعدا قليلاً، التفتت توراكو إلى أكيهيكو."لم أكن أعرف أن بليك معجب بالرياضة."نظر أكيهيكو إلى الجهة التي ذهبا فيها، ثم هز رأسه."هو ليس معجبًا بالرياضة. لكنه يفعل ما بوسعه لإسعاد نيرو."نظرت إليه توراكو بابتسامة صغيرة."هذا لطيف منه.""نعم... هو كذلك."ساد صمت قصير بينهما مرة أخرى، لكن هذه المرة كان الصمت يحمل شيئًا آخر، شيئًا دافئًا وخفيفًا. مشيا جنبًا إلى جنب، خطواتهما متزامنة تقريبًا، والشمس ترتفع أعلى، تضيء الطريق أمامهما بضوء صيفي حارق ولكنه مريح في الوقت نفسه.

وصل بليك ونيرو إلى الصالة الرياضية في منتصف الظهيرة، حين كانت الشمس قد بلغت أوجها، تسكب ضوءًا أبيض حادًا من خلال النوافذ العلوية الطويلة. دفع بليك الباب الزجاجي الثقيل، فانفتح بسهولة نسبية مع صوت احتكاك خفيف.

دخلا معًا، وفورًا امتلأت أذنيهما بصوت مألوف: احتكاك الأحذية الرياضية بالأرضية الخشبية المصقولة، ارتطام الكرة بالأرض في إيقاع منتظم، ضحكات متقطعة، صافرة مدرب بعيدة، وصوت ريشة تنس الريشة تقطع الهواء بحدة.كان المكان كما تركاه قبل أسبوع: نفس الرائحة الممزوجة بين المطاط والعرق والخشب الدافئ، نفس الضوء المنتشر من النوافذ العالية، نفس التقسيم الواضح بين ملعبي كرة السلة وتنس الريشة. لكن شيئًا ما تغير خلال الأسبوع الماضي: الناس هنا اعتادوا عليهما. لم يعد وجودهما يثير النظرات المتسائلة أو الهمسات. كان بعض اللاعبين يومئون لهما برؤوسهم تحية، وآخرون يبتسمون بلا كلام، كأنهما جزء من الروتين اليومي.جلس بليك على المقعد الخشبي الطويل الموازي لملعب تنس الريشة، وضع حقيبته الصغيرة بجانبه، ومد ساقيه أمامه. كان يرتدي قميصًا رياضيًا أسود بسيطًا وسروالًا قصيرًا، شعره الأسود لا يزال رطبًا قليلاً من الاستحمام السريع قبل الخروج. رفع عينيه نحو الملعب: كان تايكي يلعب مباراة مزدوجة مع شريكه ضد فريق آخر. كان تايكي يتحرك بسرعة مذهلة، جسده النحيف ينحني ويمتد بسلاسة، مضربه يصطدم بالريشة بحدة تجعلها تطير كالسهم. عيناه البنيتان الواسعتان تلمعان بحماس حقيقي، وشعره الشائك البني الداكن يتحرك مع كل قفزة. كان يصرخ بكلمات قصيرة لشريكه، يشجعه، يضحك عندما يفوتان نقطة، يرفع قبضته عندما يسجلان.بجانب بليك جلس كيو، صديق تايكي المقرب منذ الطفولة. كان كيو يرتدي قميصًا بياقة زرقاء تحت سترة خفيفة، نظارته البيضاوية ذات الإطار الرفيع تجلس على أنفه، شعره الأشقر الرمادي منسدل بطريقة مرتبة نسبيًا. كان يتابع المباراة بعينين هادئتين، يداه متشابكتان في حضنه.بعد لحظة صمت، التفت كيو إلى بليك."تايكي في حالة جيدة اليوم. يبدو أنه نائم جيدًا الليلة الماضية."ابتسم بليك بخفة."يبدو كذلك. حركاته أسرع من المعتاد.""هو دائمًا هكذا عندما يشعر أن هناك من يشاهده بجدية. أنت تعرف كيف هو... يحب أن يثبت نفسه."أومأ بليك برأسه."نعم. لديه شغف حقيقي بهذه اللعبة. ليس مجرد هواية بالنسبة له."نظر كيو إلى الملعب، ثم عاد إلى بليك.

"نحن أصدقاء منذ الروضة. كان يلعب بهذه الطريقة حتى عندما كنا صغارًا. كان يأخذ مضربه الصغير ويضرب الكرة ضد الحائط لساعات. كنت أجلس أشاهده وأقول له إنه سيصبح محترفًا يومًا ما. يضحك ويقول إنه لا يريد أن يكون محترفًا، فقط يريد أن يلعب لأنه يحب الشعور عندما تصطدم الريشة بالمضرب."ابتسم بليك."هذا يشبهه. لا يبحث عن الشهرة. فقط يحب اللعبة.""بالضبط. حتى عندما يخسر، لا يغضب. يقول إن الخسارة جزء من المتعة، لأنها تجعله يريد أن يتحسن. أحيانًا أشعر أنه أكثر نضجًا مني في هذا الجانب."صمتا لحظة، يشاهدان تايكي يقفز ليضرب الريشة بقوة، فيسجل نقطة. رفع قبضته وصرخ بفرح، ثم التفت إلى شريكه وضحك."هو لا يتوقف عن الابتسام أبدًا أثناء اللعب.""نعم. حتى لو كان متعبًا، يبتسم. هذا ما يجعله مميزًا."نظر كيو إلى بليك."وأنت؟ هل جربت اللعبة من قبل؟""قليلاً. لكنني لست جيدًا. أفضل أن أشاهد.""ربما يجب أن تجرب معه يومًا ما. سيفرح كثيرًا."ابتسم بليك."ربما."ساد صمت مريح بينهما، لا يحتاج إلى كلمات. كان صوت الريشة والمضارب يملأ الفراغ، وكأنه موسيقى خلفية هادئة.بعد لحظات، سمع بليك صوتًا خفيفًا من جانبه. التفت ليجد هينا تقف قربهما، يدها قرب فمها، تبتسم ابتسامة خجولة ولكن مرحة. كانت شعرها الوردي الفاتح مربوطًا بذيل حصان مزدوج منخفض، عيناها الواسعتان تلمعان بحماس خفيف. ترتدي سترة رياضية بيضاء مع أجزاء سوداء، وقميصًا رياضيًا أزرق وأبيض تحته."مرحبًا يا بليك! يا كيو!"رفع كيو يده تحية خفيفة."مرحبًا، هينا."نظرت هينا إلى بليك، ثم إلى الملعب، ثم عادت إليه."مرة أخرى جالس تشاهد ولا تلعب؟ أنت حقًا كسول، أليس كذلك؟"ضحك بليك بخفة."لست كسولًا. أنا فقط... أفضل أن أشاهد."

"دائمًا نفس الإجابة. لكنك تعرف أن تايكي سيفرح لو انضممت إليه. يتحدث عنك كثيرًا، يقول إنك جيد في التركيز.""هو يبالغ.""لا يبالغ. أنت فقط لا تعرف نفسك جيدًا."نظرت إلى كيو، ثم عادت إلى بليك."على أي حال، أنا ذاهبة للتدريب على الجمباز الآن. لكن إذا غيرت رأيك، تعالَ إلى الجانب الآخر. سأعلمك بعض الحركات."ابتسم بليك."ربما في يوم آخر.""حسنًا. لا تتأخر كثيرًا."لوحت لهما بيدها وذهبت بخفة نحو الجانب الآخر من الصالة.بعد دقائق، انتهت المباراة. سجل تايكي وشريكه النقطة الأخيرة، فرفع تايكي مضربه عاليًا وصرخ بفرح. ثم التفت، ورأى بليك. ابتسم ابتسامة عريضة، واتجه نحوه بخطوات سريعة، وجهه لامع بالعرق."بليك! جئت!"نهض بليك ومد يده."نعم. مباراة جيدة جدًا."ضحك تايكي وهو يمسح وجهه بمنشفته."شكرًا! كانت صعبة، لكننا نجحنا. هل رأيت الضربة الأخيرة؟""رأيتها. كانت دقيقة.""كدت أفوتها، لكنني تذكرت ما قلته لي الأسبوع الماضي: ركز على الريشة، لا على الخصم. ففعلت."ابتسم بليك."أنا سعيد أنها نفعت.""بالتأكيد نفعت. أنت جيد في الملاحظة."نظر تايكي إلى الملعب، ثم عاد إليه."حان دورك الآن. هل أنت جاهز؟"أومأ بليك."جاهز.""جيد. سأشاهدك هذه المرة."ضحك بليك بخفة، ثم اتجه نحو الملعب، مضربه في يده. كان الجو حول الملعب يتحرك ببطء، أصوات اللاعبين في الخلفية تتلاشى قليلاً، والشمس من النوافذ العلوية تضيء الأرضية الخشبية بضوء دافئ. وقف في مكانه، تنفس بعمق، ونظر إلى الخصم المقابل. كان مستعدًا.

بدأ بليك مباراته على ملعب تنس الريشة المزدوج، واقفًا في الجهة اليمنى من الشبكة، مضربه في يده اليمنى، قدماه متباعدتان قليلاً على الأرضية الخشبية اللامعة. كان خصمه اليوم فتىً طويل القامة يُدعى يوكي، يلعب بجانب شريكه الذي كان أقصر ولكنه أسرع. لم يكن بليك يحب الرياضة، ولم يكن جيدًا فيها بالمعنى التقليدي. لم يتدرب عليها يومًا، ولم يكن يمتلك تقنيات متقنة أو لياقة بدنية خارقة.

لكنه كان يمتلك شيئًا آخر: حواس محسنة منذ أن أصبح مالك "شمس المعارف"، وتنفس الصوت الذي يستخدمه على مستوى خفيف جدًا، يكفي ليجعل الهواء حوله ينقل له أصواتًا لا يسمعها الآخرون.عندما أطلقت الريشة من الجهة المقابلة، شعر بليك بحركة الهواء قبل أن يراها العين. كان تنفس الصوت يلتقط الاهتزازات الدقيقة: صوت احتكاك الريش بالهواء، تغير ضغط الهواء حولها، حتى نبضات قلب اللاعب الذي أطلقها. تحرك بليك بخفة غير متوقعة، جسده يميل إلى اليسار دون أن يرفع قدميه كثيرًا، وضرب الريشة بزاوية حادة أعادتها إلى الجهة الأخرى بسرعة جعلت يوكي يتردد لثانية قبل أن يتحرك."يا إلهي... تلك الضربة كانت دقيقة جدًا."همس أحد المتفرجين من على المقاعد الجانبية. كان الجميع يراقبون الآن. لم يكن بليك يركض أو يقفز كثيرًا، بل كان يتحرك بكفاءة مخيفة: خطوة صغيرة إلى الأمام، ميل بسيط للجانب، ضربة سريعة ومحسوبة. كل مرة كانت الريشة تعود إلى مكان يصعب التنبؤ به، وكأنه يقرأ مسارها قبل أن تتحرك."كيف يفعل ذلك؟ إنه لا يبدو متعبًا على الإطلاق."قال أحد الفتيان الذين كانوا ينتظرون دورهم. كانوا يقفون في دائرة صغيرة خلف خط الملعب، يتبادلون النظرات المندهشة."أقسم أنه يعرف من أين ستأتي الريشة قبل أن يضربها الخصم.""ربما لديه عينان في مؤخرة رأسه."ضحكوا بخفة، لكن الضحك كان مشوبًا بالإعجاب. استمر التبادل لدقائق طويلة، وكلما طال الوقت، زاد التركيز حول الملعب. حتى المدرب الذي كان يراقب من بعيد توقف عن الحديث مع لاعبيه وانضم إلى المتفرجين. كان بليك يسجل نقاطًا باستمرار، ليس بقوة مفرطة، بل بدقة تجعل الريشة تهبط دائمًا في الزوايا الصعبة، أو تعود بزاوية تجعل الخصم يخطئ في التقدير.في النهاية، انتهت المباراة بانتصار واضح لفريق بليك. رفع يده تحية خفيفة لخصومه، ومد يده لمصافحتهم. كان وجه يوكي مليئًا بالدهشة والاحترام."يا رجل... أنت مذهل. لم أرَ أحدًا يلعب بهذه الطريقة من قبل.""شكرًا. لقد لعبت جيدًا أنت أيضًا.""لا تتواضع. أنت محترف. لماذا لا تنضم إلى الفريق الرسمي؟ لدينا مباريات محلية قريبًا، ونحتاج شخصًا مثلك."نظر إليه بليك للحظة، ثم هز رأسه برفق."شكرًا على العرض، لكنني لا أستطيع. أنا هنا فقط... لأستمتع."

"حسنًا... لكن الباب مفتوح دائمًا إذا غيرت رأيك."ابتسم بليك ابتسامة صغيرة، وعاد إلى مقعده. كان الجميع لا يزالون ينظرون إليه، بعضهم يهمس، وآخرون يصفقون بخفة. لم يكن يحب الأضواء، لكنه لم يمانع هذه المرة. كان يشعر بشيء قريب من الرضا.في الجهة الأخرى من الصالة، كانت نيرو تلعب في ملعب كرة السلة النسائي. كانت تقف تحت السلة، ترتدي قميصًا رياضيًا أسود قصير الأكمام وسروالًا رياضيًا قصيرًا، شعرها الأسود القصير مبلل بالعرق قليلاً. لم تكن تلعب كالمبتدئة. كانت تتحرك بخفة غير طبيعية، تقفز عاليًا لتسدد، تتحرك جانبيًا بسرعة تجعل المدافعات يفقدن توازنهن، تمرر الكرة بدقة حادة إلى زميلاتها. كانت تسجل نقاطًا بسهولة، ليس بقوة خام، بل بحساب دقيق: تخطيط للمسارات، توقع لتحركات الخصم، ضربات محسوبة تصل إلى السلة بأقل مجهود.بدأ بعض الفتيان من ملعب تنس الريشة يتجمعون حول السياج الفاصل ليشاهدوها. حتى تايكي، الذي كان لا يزال يمسح عرقه، وقف بجانب بليك، عيناه متسعتان."يا إلهي... هي مذهلة.""نعم. إنها كذلك."كانت نيرو تقفز لتسدد من مسافة بعيدة، الكرة تدور في الهواء بمسار مثالي، ثم تسقط داخل السلة دون أن تلمس الحافة. صاحت الفتيات في الفريق فرحًا، وصفقن لها. نظرت نيرو إليهن بابتسامة خفيفة، ثم عادت إلى موقفها الدفاعي، عيناها الحمراوان تلمعان بحماس هادئ.بينما كان بليك يتابع المباراة، التفت برأسه قليلاً ورأى تايكي ينظر إلى جهة أخرى من الملعب. كانت تشيناتسو تقف هناك، شعرها البني الفاتح يصل إلى حدود رقبتها، غرة أمامية تغطي جبهتها، عيناها الداكنتان واسعتان وهادئتان. كانت ترتدي قميصًا أبيض بياقة رسمية مع ربطة عنق زرقاء فاتحة، وحقيبة ظهر تظهر منها حزام أبيض على كتفها، وفي يدها قارورة ماء بلاستيكية بيضاء. كانت تقف على جانب الملعب، تشاهد زميلاتها، وتبتسم ابتسامة خجولة كلما سجلن نقطة.لاحظ بليك أن عيني تايكي مثبتتان عليها، وابتسامته أصبحت أكثر ليونة، أكثر هدوءًا. لم يقل شيئًا، لكنه فهم. سكت، وعاد ينظر إلى نيرو التي كانت لا تزال تلعب بتركيز كامل.في نهاية اليوم، وبعد ساعات من التدريب، اقترب بليك من نيرو التي كانت لا تزال تحت السلة، تمسك الكرة بين يديها، أنفاسها منتظمة رغم الجهد."حان وقت المغادرة."نظرت إليه، ثم تنهدت تنهيدة خفيفة."حسنًا... على مضض."وضعت الكرة على الأرض، وتبعته نحو الباب. قبل أن يخرجا، التقيا بتايكي وكيو وهينا في الطريق إلى الخارج. كان تايكي لا يزال يحمل مضربه، وكيو يعدل نظارته، وهينا تمسك بقارورة ماء.اقترب كيو أولاً، ونظر إلى نيرو بإعجاب واضح."طريقتك في اللعب مذهلة حقًا. كنتِ تسيطرين على الملعب كأنك تلعبين منذ سنوات."نظرت نيرو إليه بهدوء.

"شكرًا. أنا فقط... أحاول أن أكون دقيقة.""دقيقة؟ كنتِ لا تُخطئين تقريبًا. حتى الفتيات في الفريق كن ينظرن إليكِ بدهشة."ابتسمت نيرو ابتسامة صغيرة."أنا سعيدة أنني لم أزعجهن."تدخل تايكي، ونظر إلى بليك."بالمناسبة... ألم تفكرا في الانضمام رسميًا إلى الصندوق الأزرق؟ أنتما تأتيان كل يوم تقريبًا، وأداؤكما ممتاز. يمكننا تسجيلكما كأعضاء دائمين، وستحصلان على خصومات على المعدات، وستكونان جزءًا من الفريق."نظر بليك إليه بدهشة خفيفة."لم أكن أعرف أن هناك تسجيلًا رسميًا.""نعم، إنه مجرد إجراء بسيط. لكن... أنتما تبدوان كأنكما تنتميان إلى المكان بالفعل."نظر بليك إلى نيرو، التي كانت تنظر إلى الأرض، ثم عاد إلى تايكي."أنا... لا أستطيع الالتزام بشكل دائم. أنا هنا فقط لأجلها."أشار برأسه نحو نيرو."وهي لا تستطيع القدوم وحدها لأنها ليست طالبة في المدرسة. لذا... أنا مجرد مرافق."ابتسم تايكي."حسنًا... الباب مفتوح دائمًا إذا غيرتما رأيكما."فجأة، قاطعته هينا بصوت مرح."بالمناسبة... ما هي العلاقة التي تربطك أنت ونيرو؟"نظر بليك إليها بدهشة."ماذا؟""هل أنتما حبيبان؟"كانت تبتسم ابتسامة شقية، عيناها تلمعان بالفضول.تنهد بليك تنهيدة طويلة، وهز رأسه."بالطبع لا. نحن مجرد..."توقف للحظة، كأنه يبحث عن الكلمة المناسبة."نحن مجرد أصدقاء."نظرت هينا إليه بمكر."هاه... ولماذا سكتّ قبل أن تقول أصدقاء؟""اصمتي يا هينا."قال كيو بصوت هادئ، لكنه حازم، وهو يدفعها بخفة من كتفها.ضحكت هينا بخفة، ثم لوحت لهما."حسنًا، حسنًا. إلى اللقاء!"ودّع بليك ونيرو الجميع بإيماءة خفيفة، ثم خرجا من الصندوق الأزرق معًا. كانت الشمس قد بدأت تميل نحو الغروب، والسماء تأخذ لونًا برتقاليًا خفيفًا. مشيا جنبًا إلى جنب في الطريق إلى المنزل، خطواتهما هادئة، والصمت بينهما مريح، كأن اليوم كان كافيًا ليملأ الفراغ بينهما دون حاجة إلى كلمات إضافية.

كانت الشمس البرتقالية العملاقة تغيب ببطء خلف خط الأفق، تلون السماء بتدرجات من البرتقالي الدافئ إلى الأحمر الخافت، ثم إلى الأرجواني العميق. كان الضوء ينعكس على سطح النهر الصغير أسفل الهضبة، يجعل الماء يلمع كشريط من النار الهادئة. مشى بليك ونيرو جنبًا إلى جنب على الممر الترابي الضيق الذي يعلو الهضبة، خطواتهما هادئة على العشب الجاف الذي يصدر صوتًا خفيفًا تحت أحذيتهما. لم يتحدثا كثيرًا في البداية، فقط صمت مريح يملأ المسافة بينهما، مصحوبًا بصوت الريح الخفيفة التي تهز أوراق الأشجار القريبة وصوت الماء الجاري أسفل المنحدر.توقف بليك فجأة.كانت قدماه قد توقفتا دون أن يدرك، كأن شيئًا داخليًا أوقفه. وقفت نيرو بعده مباشرة، استدارت نحوه ببطء، عيناها الحمراوان تتسعان قليلاً في الاستغراب."بليك... ما بك؟"نظر إليها للحظة طويلة، ثم أنزل عينيه إلى الأرض، يرى العشب الذي ينحني تحت قدميه. أخذ نفسًا عميقًا، كأنه يجمع شجاعة لم يكن يعرف أنه يحتاجها."أنا... لطالما أردت أن أخبرك بهذا يا نيرو. لكنني كنت أظن أن الوقت غير مناسب. كنت أؤجله دائمًا. لكن الآن... سأخبرك.

"رفعت حاجبها قليلاً، لكنها لم تقاطعه. وقفت ثابتة، تنتظر."أنا آسف."كانت الكلمة بسيطة، لكنها حملت وزنًا ثقيلًا. طأطأ رأسه، شعره الأسود يتدلى قليلاً على جبهته."على ماذا تتأسف بالضبط؟"رفع عينيه إليها ببطء."نيرو... منذ أن التقينا، كنت أضع الشك عليك. كنت أظنك شخصًا شريرًا يستهدف الكتاب، تضعين قناع البراءة والهدوء لتخفي نواياك. كنت أراقبك، أحلل كل كلمة تقولينها، كل حركة تفعلينها. كنت مقتنعًا أنك تخططين لشيء، وأنني يجب أن أكون حذرًا منك. لكن مع الوقت... اكتشفت أنني كنت مخطئًا تمامًا."صمت لحظة، يبتلع ريقه."أنت شخص رائع حقًا. ساعدتيني في أمور كثيرة، خاطرتِ بحياتك من أجلي أكثر من مرة، وقفتِ بجانبي في أصعب اللحظات دون أن تطلبي شيئًا بالمقابل. ومع ذلك... كنت لا أزال أشك فيك. كنت أحتفظ بذلك الشك في داخلي، حتى بعد كل ما فعلتِ. لذا أنا آسف حقًا. أنا آسف لأنني لم أثق بكِ كما كان يجب."نظرت إليه نيرو بهدوء، عيناها لا تتحركان عن وجهه. لم تظهر عليها علامات انزعاج أو غضب، فقط هدوء عميق، كأنها كانت تنتظر هذه الكلمات منذ زمن."أتعرف... حتى أنا كنت أشك بك."كانت صوتها هادئًا، لكنه واضح."في البداية، كنت أظنك شخصًا سيئًا. وجود شمس المعارف في يد شخص مثلك كان أمرًا خطيرًا بالنسبة لي. كنت أراقبك، أدرس تصرفاتك، أحاول أن أفهم ما الذي يدفعك. كنت أخشى أن تستخدم الكتاب بطريقة خاطئة، أو أن تكون مجرد شخص آخر يطمع في قوته. لكن مع الوقت... عشت معك، راقبتك عن قرب، رأيتك في لحظات ضعفك، في لحظات قوتك، في لحظاتك العادية. عرفت شخصيتك. أنت لطيف حقًا يا بليك. تستحق بجدارة أن تكون مالك الكتاب."نظر إليها بدهشة خفيفة."لكنني... لم أفعل ما يستحق أن تصفيني بهذا. كل ما فعلته أنني كنت عبئًا عليكِ أحيانًا."ابتسمت نيرو ابتسامة صغيرة، ناعمة."أنت لم تكن عبئًا يومًا. هذه هي وظيفتي: أن أساعدك. أليس يجب علينا أن نساعد بعضنا دائمًا، وأن نكون بجانب بعضنا وقت الحاجة؟""أجل... لكنني لم أساعدكِ بالقدر نفسه."سكتت نيرو لحظة، نظرت إلى النهر أسفل الهضبة، حيث كان الضوء البرتقالي ينعكس على سطح الماء كأنه نار سائلة."قبل أن أعرفك يا بليك... كنت أعيش كعصفور وحيد. أطير من أجل هدف واحد، لا أهتم بأي شيء سواه. كنت وحيدة طوال الوقت، لا أشعر بشيء، لا أرتبط بشيء. لكن عندما عرفتك... تغير كل شيء."نظرت إليه مباشرة."استمتعت. استمتعت بالغولف. استمتعت بتنس الريشة. استمتعت بكرة السلة. استمتعت بالحمامات الساخنة. استمتعت بالكثير من الأشياء الأخرى... وبالتأكيد استمتعت بصحبتك أكثر من أي شيء آخر. أنت تذكرني بشخص... شخص أحترمه كثيرًا وأحبه."رفع بليك رأسه، وابتسم ابتسامة خفيفة، دافئة.

"إذًا استعدي... لأنكِ سوف تستمتعين أكثر في المستقبل."ابتسمت نيرو بدورها، ابتسامة هادئة وصادقة."بالطبع."ساد صمت قصير بينهما، ليس صمتًا محرجًا، بل صمتًا مريحًا، كأن الكلمات التي قيلت كانت كافية لتملأ الفراغ الذي كان موجودًا منذ زمن. مد بليك يده فجأة، قبضته مغلقة برفق. نظرت إليه نيرو، ثم مدت يدها هي الأخرى، قبضتها مغلقة بنفس الطريقة. تلامست القبضتان في الهواء، ضغط خفيف، دافئ، معلنًا نهاية الشكوك وبداية صداقة حقيقية، صافية، خالية من أي ظلال."صداقة... بدون شكوك بعد الآن."قال بليك بهدوء."بدون شكوك."ردت نيرو بنفس الهدوء.استدارا معًا، وكملا طريقهما نحو المنزل. كانت السماء قد تحولت إلى أرجواني عميق، والنجوم الأولى بدأت تظهر بخجل. مشيا جنبًا إلى جنب، خطواتهما متزامنة، والهواء البارد يحمل رائحة العشب والماء.بعد لحظات، بدأ بليك الحديث."بالمناسبة... كنت أفكر في أمر ما."نظرت إليه نيرو."ماذا؟""الصندوق الأزرق... أنتِ تحبينه كثيرًا. لكنكِ لا تستطيعين الذهاب إليه بمفردك لأنكِ لستِ طالبة في المدرسة.""صحيح.""ماذا لو... دخلتِ المدرسة الثانوية معي العام القادم؟ يمكنكِ التسجيل كطالبة عادية، وهكذا تستطيعين المشاركة في الصالة دون الحاجة إليّ كل مرة."توقفت نيرو للحظة، ثم نظرت إليه بعينين متسعتين قليلاً."أدخل المدرسة... معك؟""نعم. ليس هناك ما يمنع ذلك. يمكننا أن نرتب الأوراق، وأنتِ ذكية بما يكفي لتكوني طالبة عادية. ستكونين قادرة على اللعب متى شئتِ، ولن تحتاجي إلى الانتظار حتى أفرغ."سكتت نيرو لحظة، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة."فكرة... جيدة.""إذًا توافقين؟""أوافق.""جيد. سنبدأ في ترتيب الأمر غدًا."كملا المشي، والحديث يتدفق بينهما بسلاسة، عن المدرسة، عن الصالة، عن الأشياء الصغيرة التي يمكن أن يفعلاها معًا. كان الطريق إلى المنزل طويلاً، لكنه لم يشعرا بطوله. كان الهواء باردًا، والسماء صافية، والصداقة بينهما أقوى من أي وقت مضى.

نهاية المجلد 11

2026/03/09 · 11 مشاهدة · 5621 كلمة
نادي الروايات - 2026