فتح بليك عينيه، مستقبلاً ضوء الصباح المتسلل من شقوق الستائر، لكن ثمة ثقلاً غريباً وشعوراً بغير المعتاد كان يكبس على أنفاسه. لم تكن تلك الرائحة المألوفة لغرفته؛ كانت هناك رائحة بخور عتيق ممزوجة بعبير زهور البنفسج الفواحة. أدار رأسه ببطء، وحين استقرت رؤيته، تجمدت الدماء في عروقه وتوقف عقله عن العمل لثوانٍ بدت كهروب أزلي من الواقع.

بجانبه، وعلى ذات الوسادة التي شهدت كوابيسه في "عالم المعركة"، كانت ترقد فتاة لم يرَ لها مثيلاً إلا في لوحات العصر الفيكتوري المنسية. كان شعرها الأشقر البلاتيني ينساب كشلال من الذهب الشاحب، مموجاً بتموجات واسعة غطت مساحة كبيرة من الفراش. كانت ترتدي فستاناً فاخراً بياقة عالية مزينة بدانتيل دقيق، وأكمام منفوخة توحي بأنها خرجت لتوها من حفل ملكي. خيّم الصمت على الغرفة، ولم يكن يُسمع سوى أزيز أنفاس بليك المتسارعة وهو يحاول استيعاب كيف انتقل من مواجهة الكيانات الكونية إلى الاستيقاظ بجوار رقة متناهية لا تنتمي لزمانه ولا لمكانه.

بقي بليك متيبساً في مكانه، يخشى أن تكون أي حركة منه هي الزناد الذي سيفجر موقفاً لا يحمد عقباه. تفرس في ملامحها؛ كانت تبدو كقطعة من الخزف، فيونكاتها الداكنة لا تزال مستقرة بانتظام على جانبي رأسها رغم النوم، وفستانها ذو اللون الأزرق الشاحب (باستيل) يبدو مكويّاً بعناية فائقة.

في تلك اللحظة الحرجة، اندفع باب الغرفة بقوة محدثاً جلبة مزقت سكون الصباح. كانت مونو، التي لم يهدأ روعها منذ عودتهما، تقتحم المكان وهي تصرخ بنبرة غلب عليها القلق والاندفاع:

"بليك! هل أنت... بخير؟"

تلاشت الكلمة الأخيرة في حلق مونو وهي تتوقف بغتة في منتصف الغرفة. اتسعت حدقتا عينيها وهي تنظر إلى المشهد: بليك بملابس نومه، وإلى جانبه تلك الحسناء الشقراء الغارقة في ثيابها الفاخرة على سريره. تجمدت مونو لثانية واحدة، ثانية كانت هي الهدوء الذي يسبق الإعصار، ثم تبدلت ملامح القلق بلمحة برق من الغضب العارم. احتقن وجهها وسحبت نفساً عميقاً كأنها تستعد لإطلاق صرخة تهز أركان المنزل، ثم صاحت بحدة:

"بليك! أيها الوغد الخائن! أهذا ما كنت تفعله بينما كنا نقاتل من أجل حياتنا؟"

انتفض بليك جساً، ورفع يديه أمام وجهه في محاولة يائسة للدفاع عن نفسه، وقال بنبرة مرتجفة وسريعة:

"لحظة! مونو، أرجوكِ، لا تذهبي بظنونكِ بعيداً! أقسم لكِ أنني لا أفهم شيئاً مما يجري! لقد فتحت عينيّ ووجدتها هنا فجأة في سريري وغرفتي! لا أدري من هي ولا كيف وصلت إلى هنا!"

نظرت إليه مونو بنظرة ازدراء، وعيناها تشعان بشرر لا يهدأ، وقالت:

"أتحاول إقناعي بأن ساحرة فيكتورية سقطت من السماء لتنام بجوارك بمحض الصدفة؟ بليك، لقد تجاوزت كل الحدود هذه المرة! عقلك الباطن يبدو أنه كان مشغولاً بأمور أخرى تماماً في عالم المعركة!"

بينما كان الجدال يحتدم وصوت مونو يرتفع أكثر فأكثر، بدأت الفتاة الشقراء تتململ. بدأت أجفانها الطويلة بالاهتزاز، ثم فتحت عينيها الواسعتين ببطء شديد. كان لونهما أزرق داكن كعمق المحيط، يحملان بريقاً من البراءة الممزوجة بالارتباك الشديد. رفعت يدها الصغيرة برقة، ومسحت طرف عينها، ثم اعتدلت في جلستها ببطء، فانساب شعرها الطويل خلف ظهرها كالحرير.

نظرت الفتاة حولها بتعبير باهت، كأنها تحاول استجماع شتات وعيها. تنقلت بنظراتها بين بليك المتسمر في مكانه وبين مونو التي كانت تشتاط غضباً، ثم قالت بصوت خفيض وناعم، يحمل نبرة من الهشاشة واللطف الزائد:

"اممممم... أين أنا؟"

ساد صمت مطبق عقب سؤالها. لم تكن الفتاة تبدو خائفة بقدر ما كانت تبدو تائهة، وكأنها استيقظت في حلم لا يمت لواقعها بصلة. بقيت مونو صامتة، تراقب تفاصيل ثياب الفتاة وحالتها، بينما كان بليك يشعر بأن خيوط القدر قد تعقدت مرة أخرى، وأن عودته إلى "الحياة الطبيعية" لم تكن سوى خدعة بصرية قصيرة الأمد.

انتقل التوتر المشحون من غرفة النوم إلى ردهة المعيشة، حيث جلس الجميع في حلقة سادها وجوم ثقيل وترقب حذر. جلس بليك، نيرو، مونو، بابادوك، وأكيهيكو في أماكنهم المعتادة، لكن الهواء كان مثقلاً بأسئلة لا أجوبة لها. وعلى الأريكة الرئيسية، جلست الفتاة الغريبة، تلك الحسناء اليافعة التي بدت وكأنها لوحة فنية رقيقة وسط غابة من المحاربين والكيانات الخارقة. كانت قبضتاها الصغيرتان تلتفان حول كوب من القهوة الساخنة الذي أعده بليك على عجل؛ كان البخار يتصاعد ليلامس وجهها الشاحب، بينما استمرت في احتسائه بخجل مفرط، مطرقة برأسها نحو الأسفل، ممتنعة تماماً عن رفع عينيها الزرقاوين لتصطدم بنظراتهم المتفحصة.

كسر بابادوك الصمت، مائلاً بجسده نحو الأمام بصوت أجش يحمل نبرة من عدم التصديق والارتباك:

"إذن، ما الذي يتحدث عنه لسانكِ بحق الجحيم يا مونو؟ عالم غير مادي، وبيوندر، ومراقب كوني، وأبطال ووحوش، ثم بُعد ليمبو! كيف حدث كل هذا السخف والجنون وبليك مستلقٍ في سريره وكأنه جثة هامدة؟"

تنهدت مونو، وهي تتقلب في الهواء ببطء، محاولة صياغة الكلمات لتقريب الصورة لعقولهم:

"الأمر ليس عبثاً كما تظن يا بابادوك. كما شرحت لكم، على الأرجح تم استدعاء روحه وجوهره إلى ذلك البُعد مثل بقية الأشخاص الذين وجدهم هناك. كان استدعاءً روحياً قسرياً، والجسد المادي هنا لم يكن سوى وعاء فارغ. الشيء الجيد الوحيد في كل هذه الكارثة هو أننا عدنا سالمين، ولم تبتلعنا تلك الفوضى الكونية إلى الأبد."

تدخل أكيهيكو، واضعاً يده على ذقنه بتفكير عميق، وعيناه تلمعان بفضول المحارب والقلق في آن واحد:

"ومع ذلك، ما زال هناك الكثير من الأسرار التي تنهش المنطق. من هذا الكيان الذي يدعى البيوندر، أو الغريب كما كُشف لاحقاً؟ ومن هو ذلك المراقب الذي تدخل ضد القوانين؟ ومن هم هؤلاء الأبطال بالضبط؟ هل هم كائنات من عوالم موازية أم مجرد تجسيدات لقوى كونية؟ نحن نعيش في ضباب كثيف يا رفاق."

زفر بليك زفيراً طويلاً، ملقياً بجسده إلى الخلف على مقعده، وقد بدت علامات الإنهاك الروحي واضحة على تقاسيم وجهه:

"آه... هذا العالم مليء بالأسرار المقيتة. لقد اكتشفت حقيقة واحدة، وهي أنه كلما حللت لغزاً، انهمر فوق رأسك عشرة ألغاز أخرى أكثر تعقيداً. لذا، لا أريد أن أرهق عقلي وأستنزف ما تبقى من قواي الذهنية في التفكير بموضوع انتهى بالفعل وتجاوزناه. ما يهمني الآن هو الحاضر."

قامت نيرو من مكانها، ونظرت إلى بليك بنظرة هادئة لكنها تحمل ثقلاً من القلق المستتر، وقالت بنبرة رصينة:

"لحسن الحظ أن مونو تبعتك إلى هناك يا بليك، ولم تترك روحك وحيدة في ذلك الخلاء. لولا وجودها، فمن المحتمل جداً أنك كنت ستُهلك تماماً وتتفتت روحك بسبب بوابتك المكسورة التي لا تحتمل ذلك النوع من الضغط الروحي الهائل."

عندما نطقت نيرو بعبارة "بوابة مكسورة"، حدث شيء مفاجئ؛ ارتعش جسد الفتاة الجالسة على الأريكة لبرهة خاطفة، ارتعاشة واضحة جعلت كوب القهوة يهتز بين يديها. لم يمر هذا الفعل مرور الكرام، فقد شعر الجميع بتلك الهزة المفاجئة، لكن الفتاة استمرت في النظر للقاع بخجل، وكأنها تحاول الاختباء داخل ثيابها الفاخرة.

ضيق بابادوك عينيه، ووجه نظره مباشرة نحو الفتاة، قائلاً بنبرة مستفزة وفجة:

"إذن، حان وقت الحقيقة. من أنتِ؟ وكيف وصلتِ إلى سرير هذا الأحمق؟ انظري إلينا وأجيبي بصدق؛ لو كان بليك فعلاً قد استأجركِ لتكوني فتاة ليل خاصة به، فأخبرينا دون خوف، وسوف نلقنه درساً لن ينساه ما عاش!"

انتفض بليك في مكانه كأن صاعقة أصابته، واحمر وجهه من شدة الإحراج والغضب، وصرخ محتجاً:

"ماذا؟! بابادوك! أي نوع من القذارة يدور في عقلك؟ أقسم لك أنني لم أرها في حياتي! توقف عن إلقاء هذه التهم الحمقاء!"

رفعت الفتاة رأسها ببطء، ونظرت إلى بابادوك بعيون دامعة من الخجل والارتباك، وقالت بصوت متهدج ورقيق:

"لا... لم يفعل شيئاً من هذا القبيل. أنا... أنا حتى لا أعرف كيف أتيت إلى هنا، ولا أعرف هذا المكان."

ثم أعادت نظرها بسرعة نحو القاع، واضعةً جبهتها تكاد تلامس حافة الكوب من فرط حيائها.

في تلك اللحظة، تحركت مونو، الطفلة ذات الشعر الأسود القصير والمعطف الأصفر الزاهي، وطفت نحوها بنعومة حتى استقرت بجانبها. مدت مونو يدها الصغيرة وأمسكت بيد الفتاة المرتجفة، وقالت لها بنبرة حانية ومطمئنة:

"لا تقلقي يا عزيزتي، نحن لن نؤذيكِ أبداً. نحن فقط نحاول فهم ما يجري. أخبرينا بما تعرفينه، أياً كان."

رفعت الفتاة بصرها نحو مونو، واتسعت عيناها بذهول حين رأت مونو معلقة في الهواء دون استناد. همست بصوت يحمل نبرة من الدهشة والرهبة:

"أنتِ تطفين... أنتِ روح... لم أرَ روحاً من قبل بهذا القرب."

وقع كلامها كالصاعقة على الجالسين؛ فقد تفاجأ الجميع بأنها تدرك ماهية الأرواح وتميزها بوضوح، وهو أمر لا يدركه البشر العاديون. تبادل بليك وأكيهيكو نظرات سريعة تحمل معاني الريبة والاهتمام.

اقتربت مونو أكثر، وسألتها بهدوء:

"ما اسمكِ؟"

صمتت الفتاة للحظة، وكأنها تستجمع شتات هويتها المفقودة، ثم همست بصوت رقيق كأنفاس الصباح:

"اسمي... آلفي."

تردد صدى الاسم في أرجاء الغرفة الهادئة، وكأن حروفه تحمل عبقاً من زمن بعيد أو أسطورة منسية. كسر أكيهيكو الصمت بنبرة هادئة حملت إعجاباً عفوياً وابتسامة رقيقة ارتسمت على محياه:

"آلفي... إنه اسم رقيق، وجميل جداً، يليق بصاحبته."

لم تعقب آلفي، بل اكتفت بإطراق رأسها أكثر، بينما اقتربت مونو منها من جديد، محاولةً سبر أغوار الغموض الذي يلف وصولها المفاجئ. سألتها مونو بنبرة جادة هذه المرة:

"إذن يا آلفي، حاولي التركيز جيداً، أخبريني ما هو آخر شيء تتذكرينه بدقة قبل أن تفتحي عينيكِ وتجدي نفسكِ هنا في هذه الغرفة؟"

أغمضت آلفي عينيها الزرقاوين، وكأنها تستحضر شريطاً من الصور الضبابية، ثم قالت بصوت يملؤه الارتباك:

"أتذكر... أتذكر أنني كنت في قصر الدوق زافيريان. كان المساء قد حل، وشعرت بتعب شديد، فذهبت إلى مخدعي وكنت على وشك النوم. أذكر ملمس الحرير، ورائحة الشموع، ونمت فعلاً في سلام... لكنني حين استيقظت، لم أجد ستائر سريري ولا جدران القصر، بل وجدت نفسي في هذا المكان الغريب، وسط أشياء لم أرها من قبل."

هنا، تدخل بابادوك بصوته الأجش الذي ينم عن ريبة وقلق، وهو يتفحص فستانها وتفاصيل هندامها بدقة:

"مهلاً، قصر ودوق؟ لا تقولي لي إنكِ قادمة من العصر الفيكتوري أو شيء من هذا القبيل؟ هل نحن أمام حالة سفر عبر الزمن الآن؟"

رفعت آلفي رأسها قليلاً، ونظرت إلى الأثاث الحديث، والتلفاز، والأجهزة الإلكترونية المحيطة بها في غرفة المعيشة، وقالت بنبرة حائرة:

"لا أدري ما هو العصر الفيكتوري الذي تتحدث عنه، لكن الأرض هنا مختلفة تماماً عما أعرفه في وطني. كل شيء هنا صلب، لامع، متطور بشكل مرعب وغريب... لا أشعر أنني في منزلي."

ضرب بابادوك كفاً بكف، وقال متمتماً:

"تباً لهذا اليوم، يبدو أن لدينا مسافرة بالزمن استقرت في منزلنا."

هزت مونو رأسها نفياً وهي تطوف في مستواهم، وقالت بصوت واثق:

"لحظة يا رفاق، أرجح أن هذا ليس سفراً عبر الزمن بالمعنى التقليدي، بل هو انتقال بين الأبعاد الزمكانية."

سألها بليك باستغراب:

"انتقال بين الأبعاد؟ كيف وصلتِ إلى هذا الاستنتاج؟"

أجابت مونو وهي تشير بسبابتها نحو آلفي:

"الأمر واضح كالشمس. هي قادمة من 'بُعد السحر'. وبما أنها تدرك ماهية الأرواح دون فزع، وتعرف السحر كجزء من واقعها، وتعيش في عالم ذو طابع كلاسيكي غير معاصر، فبنسبة مائة بالمائة هي تنتمي لأحد أبعاد السحر التي تتقاطع مع عوالمنا بشكل نادر."

تساءل أكيهيكو مشككاً:

"وكيف نتأكد من صحة هذه الفرضية؟ ربما هي مجرد ضحية أخرى من ضحايا الغريب."

استدارت مونو نحو الفتاة، ونظرت في عينيها مباشرة وسألتها بوضوح:

"آلفي، أخبرينا بصدق، هل كان في عالمك الذي جئتِ منه وحوش، وقتال، وقوى غامضة تتحكم في العناصر؟"

ساد صمت ثقيل لثوانٍ، خيم فيه الحزن على ملامح آلفي، وكأن ذكريات أليمة قد استيقظت في صدرها فجأة. ارتجفت شفتيها قليلاً قبل أن تهمس بمرارة:

"نعم... كان هناك الكثير من ذلك."

قالت مونو وهي تلتفت للبقية بنظرة المنتصر:

"إذن ثبت الأمر، هي يقيناً من بُعد السحر."

عقد بليك حاجبيه، وسأل والسؤال ينهش تفكيره:

"ولكن، حتى لو عرفنا من أين جاءت، ما زلنا لا نملك أدنى فكرة عن كيفية وصولها إلى هنا، ولماذا في سريري تحديداً؟"

وضعت مونو يدها على ذقنها، وقالت بنبرة تحليلية:

"لدي نظرية منطقية. بما أن 'الغريب' هو من أعادنا، ويبدو أنه لم يفز أحد بالأمنيات الكبرى، فمن المرجح أنه قرر منح كل واحد منا مكافأة رمزية تعويضاً عن تلك اللعبة الوحشية. ويبدو يا بليك، أن مكافأتك الخاصة كانت آلفي."

اتسعت عينا بليك بصدمة، وقال مستنكراً:

"مكافأة؟ ولماذا يكافئني بهذه الفتاة بالضبط؟ وما علاقتي بها؟"

هنا، انفجر بابادوك بضحكة ساخرة، ونظر إلى بليك بنظرة خبيثة وقال:

"يبدو أن ذلك الكيان الكوني قد قرأ أفكارك الدفينة وعرف ميولك الحقيقية. عرف أنك تحب الأطفال والاعتناء بهم، لذا قرر أن يضع لك قاصراً في سريرك لتكتمل سعادتك!"

تجمد بليك في مكانه، وشعر بحرارة تندفع إلى وجهه من شدة الإحراج والغيظ. حاول النطق لكن الكلمات تداخلت في حنجرته، بينما تابع بابادوك هجومه الكوميدي اللاذع:

"هيا يا بليك، اعترف ولا تطل الجدال! ألسنا نراك دائماً تستمتع بالاستحمام مع الصغار، والنوم بجانبهم، وفرك خدي مونو ليل نهار؟ الحقيقة واضحة كالشمس... أنت 'لوليكون' يا بليك، وهذا الكيان الكوني أراد تدليلك!"

نظرت مونو إلى بليك ببرود تام وعينين ضيقتين تعبران عن اشمئزاز صامت، بينما تنهدت نيرو بهدوء وقالت بكلمة واحدة كانت كالسهم في قلب بليك:

"منحرف."

استشاط بليك غضباً وصرخ مدافعاً عن نفسه:

"توقفوا عن هذا الهراء! بابادوك، أنت تشوه سمعتي أمام الضيفة! نيرو، مونو، أنتما تعرفان أنني لست كذلك!"

لكن المفاجأة الكبرى جاءت من آلفي نفسها، التي يبدو أن الجدال قد منحها شجاعة مفاجئة. اعتدلت في جلستها وقالت بنبرة حازمة ولكن رقيقة، وهي تحاول إثبات نضجها:

"أنا لست طفلة كما تظنون... عمري أربعة عشر عاماً!"

رفع بابادوك حاجبه بتهكم، وقال ببرود:

"هممم، أربعة عشر عاماً؟ في عالمنا هذا ما زلتِ تعتبرين طفلة قاصراً، وهذا يعني قانونياً وأخلاقياً أنه يجب اعتقال بليك حالاً بتهمة حيازة مكافأة غير قانونية!"

بينما كان بليك وبابادوك يتبادلان الصياح والاتهامات في مشهد كوميدي صاخب، حدث شيء لم يتوقعه أحد. انطلقت ضحكة رقيقة وناعمة من جهة الأريكة. كانت آلفي تضحك، ضحكة بريئة وصافية خرجت من أعماق قلبهما وهي تراقب مشاجراتهما الطفولية. كان وجهها يشع بجمال طفولي أخاذ وهي تضع يدها على فمها لتحاول كتم ضحكتها، في مشهد جعل الجميع يتوقف عن الكلام لينظروا إليها بذهول، فقد كانت تلك هي المرة الأولى التي يرى فيها بليك بريق الحياة والسعادة في عينيها منذ استيقاظها.

ساد صمت مؤقت بعد تلك الضحكة العفوية، وكأن وهج براءتها قد امتص حدة الخلاف، لكن بليك، الذي كان لا يزال يحاول استعادة وقاره، تنفس الصعداء وطرح السؤال الذي كان يقبع في زاوية الغرفة كالفيل الضخم:

"إذن، ما الذي سنفعله بها الآن؟ كيف سنعيدها إلى بُعدها وموطنها الأصلي؟ لا يمكنها البقاء هنا إلى الأبد في عالم لا تنتمي إليه."

نظرت مونو إلى آلفي بتمعن، ثم قالت بنبرة واقعية:

"لا أدري يا بليك، فالسفر بين الأبعاد ليس نزهة، وفتح بوابة لبُعد السحر يتطلب طاقة وتوقيتاً دقيقاً لا نملكهما الآن. في الوقت الحالي، الخيار الوحيد هو أن تمكث معنا إلى أن نجد حلاً جذرياً. أنتِ بخير مع هذا الاقتراح، صحيح يا آلفي؟ أعني... ألا تمتلكين عائلة أو أحداً قد يصيبه القلق الشديد لغيابكِ؟"

سكتت آلفي فجأة، وتلاشت ضحكتها الرقيقة لتحل محلها نظرة شاردة ومبهمة، وكأن الكلمة قد طرقت باباً مغلقاً في دهاليز عقلها. همست بصوت خافت تملؤه الحيرة:

"عائلة؟"

في تلك اللحظة، هجمت عليها الذكريات كأمواج عاتية؛ شعرت بوخز قسوة قديمة، وصورة باهتة لصفعة قوية نزلت على وجنتها، وقيود من الحبال الخشنة تلتف حول معصميها الصغيرين، وصوت ضحكات شريرة ومكتومة تتردد في الظلام. لكن سرعان ما انقشعت تلك الغمة لتظهر صورة أخرى؛ وجه رجل شهم بملامح وقورة، وإخوة يحيطون بها بمحبة، ودلال أب حنون كان يرى فيها جوهرة القصر. انتفض صدرها بعاطفة جياشة وقالت بيقين:

"نعم، لدي عائلة تنتظرني... أريد العودة إليها بشدة."

أومأت مونو برأسها وقالت:

"أتفهم ذلك تماماً، لكن حالياً أرجو منكِ أن تحاولي التأقلم معنا والاسترخاء حتى نجد المخرج المناسب."

أومأت آلفي بالموافقة، لكن نيرو، التي كانت تراقب الفتاة بصمت مريب منذ البداية، وقفت فجأة بوقارها المهيب. ساد التوتر المكان حين وجهت نيرو نظرة حادة وثاقبة من عينيها القرمزيتين نحو آلفي، وقالت بنبرة لا تقبل الجدل:

"أنتِ... أليس لديكِ شيء لتكشفي عنه بعد؟"

انكمشت آلفي على نفسها بذعر، وتدخل أكيهيكو بسرعة محاولاً تلطيف الأجواء:

"نيرو، ما الذي تعنينه بهذا السؤال المفاجئ؟ الفتاة بالكاد استيقظت."

لم تحِد نيرو بنظرها عن آلفي، وأكملت بصوت يحمل ثقلاً معرفياً:

"أعني أنني أستشعر مانا فياضة وهائلة تنبعث من هذه الفتاة، مانا لا يمكن وصفها إلا بأنها معجزة حقيقية. طوال حياتي، لم أرَ تدفقاً للطاقة السحرية بهذا الصفاء والقوة من قبل."

اتسعت عينا مونو بذهول وقالت:

"حققاً؟ إذا كان الأمر كذلك، فلماذا لم أشعر أنا بأي شيء رغم حساسيتي للأرواح؟"

التفتت نيرو نحو مونو ببرود وقالت:

"لأن مانتها قد تم استنزافها وتدميرها لأبعد الحدود، وكأن أحداً حاول إفراغ محيط في زجاجة مكسورة. أليس هذا صحيحاً يا آلفي؟"

دمعت عينا آلفي على الفور، وبدأت مشاهد سريعة ومؤلمة تمر أمام مخيلتها، واضعة يديها على أذنيها وكأنها تحاول حجب أصوات الماضي، وصرخت بهمس متقطع:

"لا... لا، لا! لقد وعدت زافيريان-ساما أن أبقي الأمر سراً... وعدته ألا أخبر أحداً!"

تنهدت نيرو بعمق، وأدركت في تلك اللحظة أنها قست على الفتاة الرقيقة أكثر مما ينبغي. اقتربت منها ببطء، وفي حركة غير معهودة من نيرو الباردة، ربتت على شعر آلفي الأشقر بلطف، وقالت بنبرة اعتذار هادئة:

"أنا آسفة... يبدو أنني لم أهتم لمشاعركِ وضغطتُ عليكِ بهذا الكلام الجاف. أنتِ في النهاية ضيفتنا ويجب احترام خصوصيتكِ... لكني أعرف جيداً أنكِ تتألمين الآن، وهذا الألم الجسدي هو ما لفت انتباهي."

نظرت آلفي إلى نيرو بعيون دامعة، وحينها قامت نيرو بحركة سريعة من يدها، مفعلةً سحر ختم بسيط ومقدس على صدر آلفي. لم يكن سحراً هجومياً، بل كان دعماً روحياً فورياً. شهقت آلفي بعمق، وشعرت بحرارة لطيفة تسري في عروقها، وقالت بدهشة:

"أشعر أن جسدي أصبح أخف أخيراً... وكأن ذلك الثقل الذي كان يجثم على صدري قد تلاشى. من أنتِ يا أوني-ساما؟"

أجابت نيرو بهدوء وهي تتراجع خطوة للخلف:

"أنا مجرد فتاة مثلكِ، لديها فضول لمعرفة من الذي امتلك الجرأة أو القوة لاستنزاف قدرات عظيمة كهذه من جسد صغير."

جلست آلفي بهدوء، وساد صمت قصير وهي تحاول ترتيب أفكارها وقياس مدى ثقتها بهؤلاء الغرباء الذين أنقذوها. أخيراً، رفعت رأسها ونظرت إليهم جميعاً بعيون تحمل مزيجاً من الخوف والأمل، وقالت:

"حسناً... سوف أخبركم بكل شيء، لكن عدوني بشيء واحد... عدوني أنكم لن تستغلوني أبداً مثلما فعل الآخرون."

بينما كانت آلفي تحاول استجماع شجاعتها للبوح بأسرارها في عالم بليك، كانت خيوط القدر تنسج مشهداً مغايراً تماماً في بقعة بعيدة، خلف أسوار المنطق، وفي بُعدٍ لم تلوثه الآلات بل صاغه السحر في أنقى صوره وأكثرها وحشية. هناك، في "بُعد السحر"، حيث الوحوش هي الحقيقة والتعاويذ هي العملة، وحيث سبق لبليك أن خاض غمار الموت مع فرسان الخطايا، كانت الغابة العتيقة تشهد لقاءً يغلي بالترقب.

في وسط تلك الغابة الموحشة، حيث الأشجار تبدو كأنها عروق ضخمة تنبض بالحياة، وقف رجلان يمثلان ذروة النبل والقوة في هذا العالم المضطرب. على الجانب الأيسر، برز لوسيان بقامته المهيبة وهيبته التي لا تخطئها العين؛ كان شعره الداكن الكثيف يتدلى بخصلات متمردة على جبهته، محاولاً حجب نظرة عينيه الحمراوين الزاهيتين، تلك العيون التي كانت تشع بحدة تفترس المسافات وجاذبية غامضة. كان لوسيان يرتدي زيّاً أرستقراطياً فخماً، يطغى عليه اللون الأحمر الماروني الممزوج بزخارف ذهبية معقدة عند الياقة والأكمام، وكأن ثيابه قد حيكت من دماء الأعداء وذهب الملوك.

وعلى الجانب الأيمن، وقف زافيريان، الرجل الذي بدا كالنقيض الهادئ والعقل المدبر. كان شعره الفضي اللامع مسرحاً للخلف بعناية فائقة، مما أبرز ملامحه الوسيمة والأكثر نضجاً. أما عيناه الذهبيتان، فقد كانت تحملان نظرة جادة، عميقة، ومثقلة بمسؤولية تنوء بها الجبال. ارتدى زافيريان زيّاً ملكياً أسود كاحل، مرصعاً بمجوهرات نفيسة، يتوسط صدره "بروش" كبير بقلب أزرق يتلألأ، وكأنه يحمل بداخله سماءً صافية وسط هذا الليل الدائم.

كسر زافيريان الصمت وهو يضع يده على مقبض سيفه، ونظر نحو لوسيان متسائلاً بنبرة تقطر قلقاً:

"هل وجدت مقص الأبعاد يا لوسيان؟ هل تأكدت من سلامته؟"

أخرج لوسيان غرضاً معدنياً غريباً، يتوهج برقة مشؤومة، وأجاب بصوت رخيم يحمل نبرة الانتصار الممزوجة بالاستعجال:

"نعم، لقد اقتنيته من السوق السوداء بأسرع وقت ممكن. لم يكن الثمن هيناً، والوسطاء هناك كادوا يفقدون رؤوسهم قبل أن يسلموه لي، لكنه الآن بين أيدينا."

تنهد زافيريان بعمق، وبدا وكأن جبلاً قد انزاح عن صدره، وقال:

"جيد جداً... الوقت يداهمنا. يجب أن نصل إلى آلفي قبل أن يستغلوها مجدداً، أو قبل أن يدرك قاطنو ذلك البُعد القيمة الحقيقية لما تحمله في جوهرها. لا نعرف أي نوع من المصائب ينتظرها هناك، ولا نعرف طبيعة البشر الذين سقطت بينهم."

ضيق لوسيان عينيه الحمراوين، ونظر نحو الفراغ متسائلاً بشك:

"هل أنت متأكد تماماً أنها في ذلك البُعد تحديداً؟ السفر عبر مقص الأبعاد رحلة بلا عودة إن أخطأنا الوجهة."

رد زافيريان بصرامة، وعيناه الذهبيتان تلمعان بيقين مطلق:

"نعم، أنا متأكد. تعويذتي التي ربطتها بجوهرها لا تكذب أبداً. لقد عبرت بوابة زمكانية قسرية واستقرت في عالم يفتقر لنسيجنا السحري المألوف، وعلينا استعادتها الآن."

لم يتحدث لوسيان مجدداً؛ بدلاً من ذلك، قبض على "مقص الأبعاد" بكلتا يديه، وبحركة خاطفة وحادة في الهواء الطلق، بدا وكأنه يمزق نسيج الواقع نفسه. سُمع صوت تمزق يشبه تمزق الحرير الفاخر، وانبثقت في وسط الغابة بوابة أرجوانية متوهجة، يخرج منها دخان سحري كثيف يلتف حول الأشجار.

تبادل الرجلان نظرة أخيرة سادها التصميم المطلق. كانا يعرفان أن ما ينتظرهما في الجانب الآخر قد يكون حرباً لا هوادة فيها، لكن فكرة ترك آلفي وحيدة كانت غير مطروحة. استلا سيفيهما في تزامن مثالي، وخطوا خطواتهما الأولى نحو المجهول الأرجواني، مستعدين تماماً لإحراق ذلك البُعد بالكامل وإرجاع آلفي مهما كان الثمن، ومهما كانت القوة التي تحاول الوقوف في طريقهما

2026/03/28 · 6 مشاهدة · 3239 كلمة
نادي الروايات - 2026