في ذاك المستودع المهجور كان جالسا على الأرض تملأ الخدوش جسده الصغير و علامات الرعب تزين وجهه الطفولي اللطيف.. و بالقرب منه وقف رجلان أحدهما ذو شعر رمادي طويل يكسو جسده معطف أسود طويل يتناسب لونه مع لون بنطاله.. حاملا بيده اليسرى مسدسا من نوع والترP99 مصوبا إياه نحو ذاك الطفل صاحب النظارات..
أما الثاني فقد كان جسده ممتلأً نوعا ما يرتدي هو الآخر ثيابا سوداء من رأسه إلى أغمس قدميه و على عينيه نظارة سوداء تحجبهما عن الأنظار لكنك تستطيع الإحساس بنظراتهما الثاقبة التي يتطاير منها شرر الحقد..
- هل ظننت أنك ستهرب مني للأبد؟
قالها الرجل رمادي الشعر و ابتسامة شيطانية تعلو وجهه..
لم يجب الصغير و كيف يجيب أصلا فالكلمات قررت ألا تخرج من فمه لخوفها من تلك العينين.. تلك العينين المخيفتين.. نظرة واحدة منها كفيلة بإردائك قتيلا.. أتعجب من قدرة ذاك الطفل على الصمود أمام قوتها التي ترعب أشد الرجال..
- سطع ضوء موري كوغورو في نفس اليوم الذي أجبرت فيه على تناول العقار.. هل ظننت أني حقا لن أنتبه لذلك؟
انتظر منه ردا و حين لم يتلقه استطرد يقول: وجدت الأمر غريبا فمن عادتنا نحن رجال المنظمة ألا نهمل أي صغيرة و كبيرة فخطأ صغير فقط قد يؤدي لكشف أمرنا.. لذا تسللنا لمنزل موري و منازل كل من لهم علاقة بك حتى منزلك و زرعنا فيه أجهزة تنصت.. بفضل ذلك عرفنا هويتك الحقيقية يا كونان أم يجب أن أدعوك شينيتشي كودو..
عم صمت رهيب في الأرجاء قطعه دوي قوي لم يدم طويلا لكنه أسفر عن جثة انسابت منها الدماء بغزارة تكاد لا تصدق أن تلك الكمية الكبيرة من ذاك الجسد الصغير..
جسده لم يعد يقوى على الحركة و عيناه بدأتا تفقدان الضوء شيئا فشيئا.. هل هذه نهايته يا ترى؟ في هذا الجسد الصغير؟ أين ذاك الأمل في أنه سيعود يوما ما لحجمه الطبيعي و يقبض على تلك المنظمة ثم في النهاية يعود لران صديقة طفولته العزيزة؟
كان كل ذلك يندثر أمام عينيه.. لم يعد قادرا على فعل شيء و ها هي ذي نهايته قد حلت أخيرا.. يا له من أحمق.. بعد كل ما عاناه سينتهي أمره هكذا و بكل بساطة..
سحقا لهذا الجسد الصغير.. و سحقا لفضوله ذاك اليوم حين قرر تتبع ذلكما الرجلين.. أكان يجب أن يكون فضوليا لهذه الدرجة؟ لما لم يستمع لصديقته ران حين حذرته من التهور في السعي وراء القضايا؟
- آسف.. ر.. ران.. أ.. أنا.. لم أعد... أستطيع..
همس بتلك الكلمات بصعوبة ليغمض عينيه ببطئ مودّعا حياته..
- كونان
كن.. كونان
بينما هو يغرق تدريجيا في الظلام تمكن من سماع صوت مؤلوف ينادي باسمه.. هذا الصوت... إنه صوتها بلا شك..
- يخيل لي أني أسمع صوت ران.. ران..
- كونان_كن استيقظ..
فتح عينيه بقوة فإذا به يرى ران جاثية عليه..
صرخ كونان فجأة: ران.. أهربي.. سيقتلانك أيضا..
تعجبت ران مما قاله فسألته مستفسرة: من سيقتلني؟
كان كونان الصغير يرتعش من الخوف فما كان من ران سوى أن مسحت على رأسه بلطف و قالت بابتسامة هادئة تزين وجهها الجميل: لا بأس.. كان مجرد حلم سيء.. كل شيء على ما يرام.. لا تخف..
أعادت كلمات ران الحنونة كونان إلى رشده فاستعاد هدوءه حين أدرك أنه بالفعل كان يحلم و أنه لايزال في فراشه في غرفة عمه موري..
- كان حلما سيئا بالفعل..
قال و هو يحك مؤخرة رأسه..
ردت عليه ران و هي لاتزال مبتسمة: هيا أسرع و جهز نفسك ستتأخر عن المدرسة..
رد ببراءة: حاضر.. أختي ران..
*
- إذن فقد تمكن منك جين يا كودو..
قالت تلك الفتاة الصغيرة ذات الشعر البني القصير مخاطبة الطفل صاحب النظارات الذي كان يسير بجانبها..
كونان: أنا سعيد أنه مجرد حلم.. لكنني لم أتوقف عن الشعور بالقلق لذا طلبت من السيد سوبارو أن يعيرني كاشف أجهزة التنصت..
هيبارا: أحمق.. لو كانت هناك أجهزة تنصت فعلا لكنت الآن ميتا..
كونان: أعرف ذلك لكن الحذر واجب..
هيبارا: بالمناسبة.. لماذا يملك السيد سوبارو كاشف أجهزة التنصت؟
ارتبك كونان من سؤالها.. صحيح أن سوبارو حليف لكنه ليس مستعدا بعد ليكشف عن حقيقته أمامها.. أمام شقيقة صديقته أكامي..
أنقذه من ورطته تلك الأشقياء الصغار حين ناداوهما لأنهما قد تخلفا عنهم في المسير..
كونان: ليس هذا الوقت المناسب للحديث.. هيا بنا قبل أن يغضب الصغار..
قال ذلك ثم انطلق راكضا نحو الأطفال..
رمقته هايبرا بنظرة شك ثم ما لبثت أن جرت هي أيضا..
لكنها قبل أن تصل إليهم توقفت فجأة و قد اعتلت وجهها قسمات مرتعبة كأنها رأت شبحا..
تعجب كونان من فعلتها فاقترب منها ليطمئن عليها..
كونان: هايبرا.. هل أنت بخير؟
لم تجب هايبرا بل اكتفت بتوجيه إصبعها الصغير في الهواء..
تتبع كونان اتجاه إصبعها فإذا به يراهما.. جين و فودكا بلباسهما الأسود المعتاد.. كانا يسيران على نفس الرصيف لكن بالإتجاه المعاكس لهم.. تعتلي وجهيهما تلك النظرة المرعبة التي تخفي خلفها حقدا كبيرا و رغبة في قتل كل من حولك لإشباع نفسك المتعطشة للدماء..
في تلك اللحظة تذكر كونان الكابوس الذي رآه في نومه فاعتلت وجهه قسمات مرتعبة و تصبب العرق غزيرا على وجهه.. لكنه تمالك أعصابه.. جين لا يعرف هويته الحقيقية.. بالطبع كيف سيعرف؟ كونان طفل صغير في السابعة من العمر أما شينيتشي كودو فهو شاب في المرحلة الثانوية.. لا سبيل لمعرفته هويته.. نعم يستحيل أن يعرف..
هذا ما أقنع به كونان نفسه و هو يرى الرجلين يقتربان منهم شيئا فشيئا.. عليه أن يحافظ على رباطة جأشه و لا يظهر خوفه أمام هؤلاء الصغار الذين ظلوا يسألونهما عن سبب خوفهما هذا..
- نحن بخير.. هايبرا تشعر ببعض التعب فقط..
قال ذلك ليطمئن الصغار ثم خلع قبعته و وضعها فوق رأس هايبرا مما جعل هذه الأخيرة تستيقظ من شرودها و تنظر إليه بتعجب..
اقترب كونان منها و همس في أذنها: إنهما لا يعرفان أننا تقلصنا.. لا تخافي و تصرفي بطبيعية..
هايبرا: الكلام أسهل من الفعل..
أخدت هيبارا نفسا عميقا ثم أخفت شعرها تحت القبعة و واصلت السير مع كونان و المتحرين الصغار مخفضة رأسها كي لا تتلاقا أعينها بأعين ذاك الرجل.. و كذلك فعل كونان حتى تجاوزوهما فتنفسا الصعداء بعد كل ذلك الرعب الذي لقياه عندما مروا بقربهما..
كونان: أرأيتي؟ لم يحدث شيء..
قال ذلك ثم استدار ليتأكد أن الرجلين قد ابتعدا عنهم..
هايبرا: ما يدهشني أنك لم تتهور كما هي عادتك..
اعتلت وجهها ملامح مستفزة ثم أضافت: يبدو أن ذلك الحلم قد أرعبك حقا يا سيدي المحقق..
كونان: أصمتي.. ما المانع إن كنت أكثر حذرا فهم خصم لا يستهان بهم؟
قاطع حديثهما الصغيرة أيومي بعد أن اكتفت من التحديق بكليهما دون أن تفهم أي شيء من كلامهما..
أيومي: عن أي خصم تتحدثان؟ هل يعقل أنكما تنويان التحقيق في قضية من خلف ظهورنا؟
بعد أن قالت جملتها الأخيرة اندفع كل من جينتا و ميتسوهيكو إليهما غاضبين..
جينتا: هذا ليس عدلا يا كونان ألسنا فريقا واحدا؟
أضاف ميتسوهيكو داعما صديقه: هذا صحيح يا كونان.. من اللؤم أن تحتفضا بالمجد لكما وحدكما..
أمام نظرات الصغار الغاضبة لم يجد كونان ما يقوله فهو لا يريدهم أن يتورطوا مع تلك العصابة التي لا ترحم..
لحسن حظه أن هايبرا تدخلت لتنقذ الموقف و هذا أثار استغراب كونان فمن عادتها أن تتركه في المأزق مع الصغار بل و كانت تضحك عليه أيضا.. لكنها الآن تزيل سوء الفهم بنفسها..
هايبرا: كنا نتحدث فقط عن لعبة الفيديو الجديدة التي صممها البروفيسور أغاسا.. العدو فيها قوي جدا و سنحتاج مساعدتكم لهزيمته..
انفرجت أسارير الأطفال عند سماعهم لكلامها فهم مغرمون جدا بهذه الألعاب و بالطبع سيسرهم مساعدتهما في القضاء على العدو..
هذا ما قرره الأشقياء الصغار لينطلقوا بعدها راكضين باتجاه منزل البروفيسور يتبعهم كل من هايبرا و كونان..
.
.
.
.
.
.
.
يتبع..