في العادة تكون الشوارع مزدحمة بالناس حتى في الليل لكن هذه الليلة لا.. جميع المتاجر و المطاعم و المقاهي مغلقة في شارع بيكا لذا لا أثر لأي أحد في ذاك الحي.. لا أحد إلا رجل و طفل صغير يمشي بجواره..

كان الاثنان يجوبان أزقة الحي بحثا عن أي مطعم مفتوح ليتناولا طعام العشاء هناك.. لكن لا فائدة فجميعها مغلقة و معلق على أبوابها ورقة تعلم الزبائن بأن مالك هذا المطعم ذهب في رحلة مع جمعية الحي إلى منتجع الينابيع الحارة..

- لما اليوم من بين جميع الأيام ذهبوا للينابيع؟

صرخ ذلك الرجل غاضبا..

- من حقهم أن يأخدوا إجازة متى شاؤوا..

أجابه الطفل..

- هل كان على ران أن تذهب إلى ذاك المخيم التدريبي السخيف؟ كيف طاوعها قلبها أن تترك أباها المسكين يموت من الجوع؟

- لا تنس أن بطولة الكراتيه الوطنية على الأبواب و عليها أن تتدرب يا عمي كوغورو..

كوغورو: لا حل آخر.. لنبحث عن مطعم مفتوح في حي آخر يا كونان..

كونان: حاضر..

و هكذا استمرت رحلة العم كوغورو و الصعلوك الصغير كونان في البحث عن مطعم ليتناولا فيه عشاءهما و يسكتا عصافير بطنهما.. و من حسن حظهما أنهما وجدا واحدا في أحد الأزقة..

وقف الصغير مع عمه أمام المطعم يحدقان بشكله الخارجي الغريب فقد كانت جدرانه الخارجية سوداء قاتمة تناسب سواد الزقاق.. و علقت أعلى بابه لوحة كبيرة بنفس اللون كتب عليها اسم المطعم بخط أبيض عريض..

كونان: مطعم الهلاك.. أي مختل قد يسمي مطعمه بهذا الاسم؟

كوغورو: لا يهم المهم أنه مطعم.. هيا لندخل فأنا أكاد أموت من الجوع..

و بالفعل دخلا المطعم الذي لم يكن تصميمه الداخلي يختلف كثيرا عن الخارجي..

جدرانه سوداء و طاولاته المستديرة سوداء و كذاك الكراسي سوداء.. أي نوع من المطاعم هذا المطعم؟

هذا ما فكر به كونان و هو يحدق في أرجاء المطعم الغريب إلى أن ناداه كوغورو من إحدى الطاولات..

جلس كونان على أحد كراسي الطاولة التي اختارها عمه كوغورو و راح يحدق في الناس من حوله..

يجلس حول الطاولة التي على يمينه شابان في ريعان الشباب خمن كونان أنهما طالبان جامعيان يحتفلان بانتهائهما من مذكرة التخرج..

و على يساره خمسة رجال في منتصف العمر تبدو على ملامحهم الثمالة حتى أن أحدهم قد غط في النمو من فرط ما شرب..

و كذلك من خلفه كانت ثلاث طاولات محجوزة.. الأولى بها سيدتان تتناولان عشاءهما و تتبادلان أطراف الحديث في هدوء.. و الثانية رجل يجلس وحده يعبث بحاسوبه بيد و يرتشف القهوة باليد الأخرى.. أما الثالثة فكان يجلس إليها ثلاثة أشخاص رجل و امرأة يبدو أنهما زوجان و معهما طفلة صغيرة تتناول كعكة فراولة و السعادة تبدو جلية على وجهها..

ابتسم كونان لما يراه.. في النهاية هذا مطعم عادي كبقية المطاعم رغم أثاثه الغريب و ديكوره المظلم..

- ماذا تريد أن تأكل أيها الشقي؟

سأل كوغورو الطفل الجالس أمامه..

انتبه كونان لعمه فاعتدل في جلسته حين أدرك أن النادل ينتظر منه أن يقرر طلبه..

قال كونان بلكنته الطفولية المعتادة: سأطلب مثلك يا عمي..

كوغورو: حسنا..

ثم وجه كلامه للنادل: نريد صحنين من الحساء و صحنين آخرين من السمك المشوي مع الأرز المدخن.. و للتحلية كوبي عصير برتقال و قطعتين من حلوى الشوكولا من فضلك..

دون النادل الطلب ثم غادر بعد أن ابتسم لهما..

لم يمض على مغادرته سوى بضع دقائق حتى عاد حاملا معه طلبهما.. و بعد أن وضعه على الطاولة وانصرف شرع الاثنان يأكلان ليسكتا عصافير بطنهما..

أنهى كونان عشاءه و جاء وقت التحلية لكن العم لم يشبع بعد لذا نادى النادل ليطلب طبقا آخر و هذا تحت أنظار كونان الذي رغم الفترة الطويلة التي عاشها مع عمه لكنه لم يستطع أن يستوعب بعد أين يذهب بكل ذاك الطعام الذي يكله..

قال كونان محدثا نفسه: أظن أن ما في داخله ثقبا أسود و ليس معدة..

ابتسم لهذه النظرية السخيفة التي جاء بها ثم شرع يتناول حلوى الشوكولا الخاصة به..

لكنه توقف فجأة حين أبصر خلف عمه شخصا لم يكن يتوقع أن يراه..

اعتلت وجهه ملامح الصدمة و ارتعد جسده لما يراه حتى أن الملعقة قد سقطت منه على الأرض محدثة صوت ارتطام مزعج..

قال كوغورو موبخا الطفل: أيها الشقي.. كف عن اللعب و إلا لن أصحبك معي مجددا..

أفاق كونان من صدمته على صوت العم كوغورو فاعتذر ثم نزل يلتقط الملعقة و أنظاره المرتعبة لا تزال موجهة نحو ذاك الشخص..

كونان محدثا نفسه: ماذا يفعل جين هنا؟ إنها المرة الثانية التي ألقاه فيها في مكان قريب من الحي الذي أسكن فيه..

جلس مجددا على مقعده و هو لا يزال يراجع شكوكه: هل يعقل أنه علم بحقيقة تقلصي أنا و هايبرا؟

لا.. اهدأ يا كونان.. إنها مجرد مصادفة لا غير.. يستحيل أن يعرف بالأمر.. نعم مستحيل..

و في تلك الطاولة التي تقع خلف كوغورو جلس رجلان ذوي ملابس سوداء أحدهما طويل القامة ذو شعر رمادي طويل.. أما الآخر فممتلئ الجسد تغطي عينيه نظارة سوداء مع قبعة على رأسه..

أحس ذو الشعر الطويل بنظرات تراقبه فوجه نظره نحو مصدرها فإذا به طفل صغير ذو نظارات طبية..

التقت أعينهما مع بعض.. عينان باردتان تنذران بالموت.. و عينان بريئتان مرتعبتان.. كلاهما حدق في الآخر.. مع أن الصغير كان مرتعبا لكنه لم يستطع أن يزيح عينيه عنه ربما لأن الآخر قد جمد حركته و أسره بسلاسل وهمية تمنعه من الحركة..

- ما الأمر أنكي؟

سأل صاحب النظارات السوداء الرجل الذي أمامه..

أجابه جين: لا شيء.. طفل صغير يحدق بنا هذا كل ما في الأمر..

التفت فودكا نحو الطفل ثم استطرد: يبدو مرتعبا.. لقد أخفته بنظراتك الباردة يا أنكي..

وضع جين سيجارة في فمه ثم أخرج قداحة من جيبه و أشعلها.. أخد رشفة طويلة منها ثم نفث الدخان في الهواء..

- هيا لنغادر..

قال جين و هو يقف من مقعده..

فودكا: لكن أنكي.. ماذا عن الصفقة؟

جين: سنعيد الاتصال بالعميل و نغير مكان اللقاء..

قال ذلك و سار مبتعدا عن الطاولة يتبعه فودكا الذي لم يجد حلا سوى السمع و الطاعة لكن ذلك لم يمنعه من السؤال عن السبب..

توقف جين عن المسير و أجابه: أشم رائحة دماء.. هناك جريمة على وشك أن تحدث.. لن يكون من مصلحتنا أن تستجوبنا الشرطة إن بقينا هنا..

لم يفهم فودكا عن أي جريمة يتحدث شريكه لكنه أذعن له بدون تذمر فهو أكثر خبرة منه و حدسه الحاد لا يخطئ أبدا.. لذا سار خلفه لكنه حين بلغ الطاولة التي يجلس إليها كوغورو و الصغير كونان قام هذا الأخير بدفع كوب ماء بمرفقه فسقط على الأرض و بلل حذاء فودكا..

- أنا آسف يا سيدي..

قال كونان و هو ينهض من مقعده حاملا بيده منديلا..

- لا تقلق سأجففه لك..

مسح كونان بمنديله على حذاء فودكا محاولا تجفيف الماء ثم قال بطفولية بعد أن انتهى: لقد جففته.. أعتذر إليك مجددا يا سيدي..

رد فودكا بلا مبالاة: لا بأس..

ثم أسرع يلحق بجين الذي قبل أن يخرج من المطعم وجه أنظاره نحو الصغير الذي كان لا يزال يراقبه ثم غادر يتبعه شريكه..

في تلك اللحظة كان كونان أمام خيارين أحلاهما مر.. هل يتبعه و يكتشف سبب وجوده هنا؟ أم يبقى رفقة عمه و يحافظ على حياته؟

لم يعرف ماذا يفعل..

و قبل أن يتخذ قراره سمع صوت صراخ امرأة هز المطعم كله.. فعلم أن أمرا فضيعا قد حدث..

.

.

.

.

.

يتبع

2023/08/28 · 41 مشاهدة · 1123 كلمة
نادي الروايات - 2026