مقدمة

تحطم الخشب، وتناثرت شظاياه في عتمة الممر الضيق.

قبل أن يستوعب دو-هيون ما يحدث، كانت ركلة عنيفة قد اقتلعت قفل باب شقته المتآكل، ليدخل من خلالها جسدان ضخمان كظلين للموت. تراجع غريزياً إلى الخلف، لكن ظهره ارتطم بحافة الطاولة الخشبية الصغيرة.

"دو-هيون، لما تتعبني هكذا كثيراً؟ ألاحقك من مكان لآخر؟"

دوى الصوت الخشن في أرجاء الغرفة الضيقة ببرود مرعب. وقبل أن يتمكن دو-هيون من فتح فمه، امتدت يد غليظة لتقبض على شعره بقوة هائلة، ساحبةً رأسه إلى الخلف حتى شعر بجلد فروة رأسه يوشك على التمزق. انحبست أنفاسه وأظافره تنغرس في رسغ الرجل الضخم محاولاً تخفيف الضغط بلا فائدة.

مال الرجل فوقه، وهتف بنبرة فحيح تفيض بالتهديد بجانب أذنه: "لم تترك لي خياراً سوى دخول منزلك وأنا لا أحب ذلك، وأنت تعرف هذا جيداً... أين نقودي؟"

"أقسم... أقسم أنني أعمل ليلاً ونهاراً..." نطق دو-هيون بالكلمات والدموع تحرق عينيه من شدة الألم، "أسبوع واحد فقط... رئيس العمل سيعطيني أجري الجزئي..."

لم ينتظر الرجل سماع بقية الأعذار؛ وبحركة خاطفة، ألقى بدو-هيون بقوة نحو الجدار المقابل كأنه دمية قماشية. ارتطم رأسه بالإسمنت، وتلاشت الرؤية لثانية خلف غشاوة بيضاء صاخبة، قبل أن يهبط حذاء ثقيل على صدره ليثبته أرضاً، حارماً رئتيه من الهواء. شعر بضلوعه تئن تحت الثقل الكاسح.

انحنى جابي الديون مجدداً، ممسكاً بفك دو-هيون بضغطة كادت تهشم عظامه، ثم سحبه بقسوة ليميل بنصف جسده خارج نافذة الشقة المفتوحة في الطابق الثالث.

تطاير الهواء البارد في وجهه، ونظر إلى الأسفل ليرى الشارع المظلم البعيد. شعر بالدوار، وتشبث بجنون بحافة النافذة وأظافره تنغرس في الطلاء المقشر.

"إن لم تدفع بحلول الجمعة، لن نكلف أنفسنا عناء صعود هذه السلالم مجدداً"، همس الرجل وهو يضغط على عنقه، "سنلقي بك من هنا وننهي الأمر. هل كلامي واضح؟"

أومأ دو-هيون برأسه برعب، ودموعه تختلط بالعرق والدم السائل من جبهته.

قذفه الرجل فجأة إلى الداخل ليرتطم بأرضية المطبخ الصلبة. وبحركة استعراضية أخيرة، ركل الرجل الآخر الطاولة لتتحطم تماماً، وتتناثر أوراق الفواتير المتراكمة، وبقايا طعام شحيح في أرجاء المكان، قبل أن يستديروا ويغادروا الشقة تاركين خلفهم الباب يترنح على مفصلة واحدة مكسورة.

ساد صمت خانق، لم يقطعه سوى صوت أنفاس دو-هيون المتلاحقة واللاهثة. كان جسده يرتجف بعنف، ليس فقط من ألم الكدمات التي بدأت تنبض في ظهره وصدره، بل من حقيقة مرعبة: الجمعة هي بعد ثلاثة أيام فقط، وهو لن يستطيع جمع هذا المبلغ الكافي حتى لو باع روحه.

"الجمعة..." همس بها برعب، والنظر إلى النافذة المفتوحة جعله يشعر باقتراب الموت.

لم يكن هناك خيار آخر. لن ينتظر حتى يلقوا به من الطابق الثالث.

تحامل على آلامه وجرّ جسده المنهك بسرعة هجينة، والأدرينالين يتدفق في عروقه مطفئاً شعور الألم مؤقتاً. سحب من زاوية الخزانة المكسورة حقيبة ظهر قماشية قديمة وبدأ يحشو فيها أغراضه بجنون. لم يكن يملك الكثير؛ بضع قطع من ملابسه، هويته الشخصية، مدخراته الشحيحة المخفأة تحت فراشه، وصورة قديمة لوالديه.

كانت يداه ترتجفان وهي تلتقط شاحن هاتفه، وعيناه تراقبان الباب المخلوع بترقب، كأن جباة الديون سيعودون في أي لحظة. كل صوت في الممر الخارجي كان يجعله يتجمد في مكانه، حابساً أنفاسه.

أغلق سحاب الحقيبة بقوة وقذفها فوق كتفه المصاب ليئن ألمماً. ألقى نظرة أخيرة على الشقة التي عاش فيها سنوات بؤسه، ثم تسلل عبر الباب المكسور متفادياً استخدام المصعد المتهالك، ونزل السلالم ركضاً في العتمة، مقراً في غياهب نفسه أنه لن يعود إلى هنا أبداً. يجب أن يختفي تماماً عن الأنظار قبل الصباح.

خرج دو-هيون إلى الشارع الخلفي مستظلاً بالظلام، يشد حزام حقيبته على كتفه بقلب ينبض في حلقومه. مشى بضع خطوات سريعة حذرة، يتلفت حوله عند زاوية الزقاق الرئيسي.

فجأة، تجمد الدم في عروقه.

على بعد أمتار قليلة، تحت ضوء عمود إنارة خافت، وقف الرجلان اللذان كانا في شقته قبل قليل. كان أحدهما يدخن سيارة بنفاد صبر، بينما يلتفت الآخر ببطء ليتفحص مدخل الشارع.

تراجع دو-هيون غريزياً إلى الخلف، ملتزقاً بجدار الإسمنت البارد، حابساً أنفاسه كأنهم قد يسمعون دقات قلبه المتسارعة. إنهم يراقبون مخارج الحي. يسمع صوت تاه وو قابض الديون يتحدث عنه بغضب بينما يرمي سيجارته أرضا، "دو-هيون ذلك اللعين لن ألاحقه طويلا، إن لم يسلمني نقودي هذه المرة سأحصل عليها ببيع أحشاءه و اقتلاع عينيه"

يرتجف جسده عند سماعه للتهديد وعرف أن هربه من المدينة لن يكون بهذه السهولة. استدار بسرعة وعاد أدراجه من حيث أتى، متسللاً عبر الأزقة الفرعية المظلمة والمتعرجة للحي القديم ليجد طريقاً بديلاً. كانت أنفاسه لاهثة، وجسده المتعب يصرخ ألماً مع كل خطوة.

وفي ممر ضيق بالكاد يصله الضوء، كاد أن يصطدم بامرأة عجوز تجلس في العتمة على عتبة باب خشبي عتيق. كانت ترتدي ملابس داكنة غريبة لا تناسب هذا الوقت من الليل، وتحدق فيه بعينين حادتين ولامعتين بشكل مريب.

"اهرب من البشر إن شئت، لكن لا تنظر خلفك الليلة..."

خرج صوتها المبحوح فجأة ليخترق سكون الليل، مسبباً قشعريرة في جسده. تابعت وهي تميل برأسها: "الظلام يلتف حولك.. لهذا حياتك سيئة."

شعر دو-هيون ببرودة غريبة تجتاح المكان، لكنه في تلك اللحظة لم يكن في وضع يسمح له بسماع خرافات أو دجل. تراجع خطوة للخلف بنظرة مليئة بالارتياب والخوف، ثم تجاوزها بسرعة البرق دون أن ينطق بكلمة، تاركاً إياها تهمس بخلفه بكلمات غير مفهومة. كل ما كان يهمه هو النجاة من رجال الديون الذين قد يلمحونه في أي لحظة.

ركض لعدة دقائق أخرى، يغير مساره من زقاق لآخر حتى تأكد أنه ابتعد تماماً عن محيط بيته. أخرج هاتفه بيد ترتجف، وضغط على اسم الشخص الوحيد الذي يمكنه اللجوء إليه الآن. لم يكن لديه خيار سوى الذهاب إلى منزل صديقه ليبيت عنده هذه الليلة، حتى يستجمع قواه ويفكر في خطوته القادمة.

2026/06/18 · 4 مشاهدة · 859 كلمة
Hye soo
نادي الروايات - 2026