الأمنية 63: مبهم
______________
في ذلك الوقت…
كنت على عتبة الشروع في تحقيق أمنيتي التي خططت لها لمدة طويلة…
طويلة للغاية.
خرجت من فضاء القاعة النجمية واذا بي ألتقي به قبل أن أغادر وأختفي للأبد…
الغضب…
مع انني سيد مساره ومنفذ أمانيه…
الا انه كان ولازال خروجه المفاجئ عن السيطرة شيء قد كرهته وبغضته كثيرا…
"متأكد أنت؟ خطتك ناجحة حقا؟؟"
رغم كوني من جعل شخصيته هكذا.
"يا فخرنا!"
كانت نظرته الساخطة الظاهرة على وجهه الأبيض وأعينه الحمراء خارج فضاء القاعة مرعبة لأعتى الفضائل قوة…
كالعادة…
يفقد السيطرة على ذاته ويأتي ويداه ملطخة بالدماء في كل مرة يفقد السيطرة على مساره…
ويسألني نفس السؤال.
"أمنيتنا… خطتك… حريتهم ستتحقق صحيح؟؟!"
وفي كل مرة كنت أجيبه بنفس الجواب الذي كان يمقته هو الآخر…
"كل نتيجة بيد القدر…"
مع انه كان لقائنا الأخير…
الا ان الغضب ولأول مرة كشر أنيابه على فخره…
"اذا أتى ذلك القدر دون تحقيق أمنياتنا اقسم لأحطمن رأسه!!!"
ثم افترق فخري عن غضبه…
وفي اللقاء المقدر سيلتقي الغضب بيأسه.
………
"فقط… أخبرني، متى وصلت إلى هذا العالم؟"
سؤال غريب…
سايرو الذي تدخل في هذه القصة بغرابة يسأل هذا السؤال؟
هو الذي يتجول حرا بين العوالم والأبعاد…
يسألني انا عن قدري وموعد وصولي لهذا العالم؟
خلافا للعوالم الأخرى، حيث كل من أدرك معدن القوة والسمو ويتجول بين العوالم لخبرة أكثر وقوة أعلى مثل سايرو…
لكن هذا العالم حيث يقيد الجشع ابناء عالمه، غير معلمي لا أحد قادر مغادرته طوعا.
وهذا يعيدني لنفس السؤال…
متى وصلت الى هذا العالم؟
ألم يكن في الوقت الذي ولدت فيه في هذا العالم؟
لكن جسدي ولد قبل ان تصل روحي الى هذا العالم حسب ما اخبرتني به والدتي…
اذا ما الذي كنت افعله قبل ان أعي بوجودي في هذا العالم؟
لا…
ماذا كنت افعل في حياتي السابقة؟؟
لا اتذكر…
حقا انا لا اتذكر!
لماذا؟ أنا متأكد اني مت بشكل طبيعي وولدت في هذا العالم…
لكن ما الذي كنت افعله قبل ان اموت؟
سحقا… هل ما يحدث معي الآن بسبب نسيان الذات مجددا؟؟
لكنني أتذكر حياتي في العالم الأول وحياتي عندما التقيت بسايرو…
"هاي…"
لماذا لا أتذكر اي شيء آخر غير هاتين الحياتين؟؟
"أنت! يا ¿¿¿ اين سافرت بأفكارك أمامي؟"
ما الذي ناداني به؟ هل هو الاسم الذي كنت أنادى به في عالم سايرو؟
تذكري لهذا جعلني أعي أنني لم أخبره بعد باسمي الحقيقي بعد…
"اسمي الحقيقي هو…"
هاه؟
لماذا لا أستطيع تذكر اسمي الحقيقي؟؟
لا… هل كان لدي اسم حقيقي منذ البداية…
" ماذا؟ "
"اقصد… اسمي الآن هو تيلوديس…"
"اذا تيلوديس، هل الجواب صعب لهذه الدرجة؟"
حدق بي سايرو بنظرة غريبة لم أرها من قبل…
وبسبب شعوري بالقلق من نظرته تلك حاولت المماطلة.. لا، بل تغيبت في الاجابة بشكل غريزي.
"ماذا عنك؟ متى أتيت إلى هذا العالم؟"
لتتغير تلك النظرة الغريبة وتظهر عليه ملامح الهدوء…
قام من كرسيه ثم بدأ في اعداد ابريق آخر من الشاي…
وفي الوقت ذاته أجاب…
"مر على وصولي الى هنا 500 سنة."
شعرت بقشعريرة مفاجِأة من جوابه…
هذا يعني أنه كان هنا قبل ان أولد في هذا العالم، بل ربما حتى قبل تولد جدتي سيئة السمعة…
لكن ما فاجأني حقا هو طول المدة التي قال انه بقي فيها هنا.
500 سنة، انها ليست بالمدة البسيطة حتى لصاقل فنون قتالية كسايرو.
بعد ان جهز الشاي قام باعادة ملئ الأكواب ونظر الي بينما يدفع بالكأس ببطء نحوي…
"لا أعلم ما تفكر به، لكن قوانين الزمن في هذا العالم تم افسادها والأغرب أن هذا العالم ليس الوحيد الذي تضررت قوانينه…"
ما الذي يعنيه؟
"لهذا السبب سألتك عن المدة التي قضيتها في هذا العالم…"
هناك شيء غريب في كلامه…
مفرداته انتقيت بعناية عن السابق، بحديثه بشكل مبهم عن قوانين هذا العالم التي أفسدت بعد تفكيري في الزمن…
طبعا أنا أدرى بفساد قوانين هذا العالم، بعد كل شيء فمن قيد هذا العالم على الأقل هي…!
فهمت!
انها سلطة الجشع.
وقد تكون ايضا سلطة الفخر التي تمنعه من حرق مستقبل مقدر…
مستقبلي…
ومنعه من توجيهي نحو قدر مغاير.
"هل لسؤالك علاقة بالقدر؟"
أجاب سايرو بابتسامة غاضبة…
"سعيد أنك فهمت…"
ارتشف بضع مرات من كأس الشاي خاصته وسط صمت لعدة ثوان…
ثم قال:
"بما أنني وجدت المفتاح الذي كنت أبحث عنه فسأترك الخيار بيد المفتاح في وجه هذا القدر المقيت…"
صمت سايرو مجددا للحظات وكأنه يتأكد من الكلمات التي ستخرج من فمه بعناية فائقة ثم أكمل…
"تغلب على ذاتك التي رمتك في الجحيم وأطمئن… سأحمي هذا البعد من أيادي السلط العشر العليا واخفيه عن أعينهم."
هل أصف شعوري الحالي بالطمأنينة والأمان؟
أو الغضب و الحسرة التي تحبس عني أنفاسي؟
فهمت كلمات كثيرة من ألغازه بينما جهلت معنى الآخر…
لكن ما باليد حيلة، فهذه قصتي لا قصته.
ودوره ينتهي هنا…
" تسك اللعنة! "
رغم أنني اظنه على وشك الانفجار غضبا أكثر مني هاها!
……..
مرت ساعات منذ أن ألقى سايرو بألغازه تلك…
جالسا أفكر فيما تبقى من معنى بها بعمق، نفذ ابريق الشاي الرابع الذي أعده سايرو.
بعد أن استسلمت عن فهم ما تبقى اجتاحني فضول مفاجئ نحو سايرو…
لم يكن فضول عن سبب وجوده هنا او كيف وصل هنا حتى…
بل شيء آخر تماما.
"هل تخليت عن مسار العدم؟"
كان لسايرو في الماضي عدت مسارات لكنه اشتهر بإثنين منهم…
مسار السيف والعدم.
بكوني أحد مدركي مسار السيف فقد شعرت بأن سايرو مدرك له أيضا…
لكن مسار العدم ذاك، المسار الخانق النافي لكل شيء لم أشعر به طوال فترة التقائنا.
" نوعا ما، لازلت اتدرب على مسار العدم وخصوصا في الفترة الأخيرة صرت استعمله أكثر من مسار السيف لكن مساري الرئيسي…. كيف أقولها؟ كأنه يلتهم كل مسار أدركه…"
أظنني أفهم شعوره نوعا ما…
فنفس الشيء يحدث معي بسبب مسار اليأس.
هذا يذكرني بشيء آخر…
تلك الفترة بعد أن حصلت على وظيفة ⟦فضيلة اليأس⟧ وبدأت بإدراك مسار اليأس…
تلك الرغبة الفضيعة في القتل والتعذيب، الغباء المفرط وحرارة الأعصاب…
"هل… كنت تمر بمرحلة جنون بعد ان بدأت تدرك مسارك الجديد؟ "
نظر سايرو الي بنظرة شفقة…
هل علي القول أنه يشعر بالشفقة علي…
أم… شعر فجأة بالشفقة على نفسه؟؟
تنهد سايرو بينما يغطي عيناه بيده…
"رغم أني لم أمر بتلك المرحلة السوداء هذه المرة لكن… فقط لا تذكرني، سأنفجر حرجا بسبب هذه الذكريات السوداء"
اذا حتى قديس العدم العظيم مر بمرحلة الجنون تلك…
الآن ولسبب ما… شعرت بنفس شعوره…
بالشفقة على كلينا نحن الاثنين.
……..
بعد حديث طويلٍ بيننا، أدركت أن علي إنهاء هذا اللقاء.
ما زالت أمامي أمور لا تحتمل التأجيل، ومسارات يجب أن أتابعها قبل أن تُغلق أبوابها.
رفعت رأسي نحوه وقلت بهدوء:
"يبدو أن وقتي هنا قد انتهى، يجب أن أغادر…"
ابتسم سايرو بخفة وقال وهو يمد يده نحو خاتم غريب الشكل يزين إصبعه…
"قبل أن ترحل… لا أعلم إن كنا سنلتقي مجددا، لذلك علي أن أقدّم لك شيئًا مقابل الشاي الرائع الذي أحضرته معك."
مرّر المانا خاصته عبر الخاتم، لتظهر أمامي ومضة قصيرة تلاشت بسرعة، تاركة خلفها سيفًا حديديًا صدئًا.
رفعه بيده وقال بنبرة هادئة:
"مع أنه ليس سوى سيف عادي، أتمنى أن ينفعك في دروسك القتالية القادمة. اعتبره هدية وداع بسيطة… من صديق قديم."
أمسكت السيف، وفور أن لامست مقبضه، أحسست بتردد طاقته بين يدي…
لم يكن سيفا مقدسًا، لكنه لم يكن عاديا أيضا…
كان يحمل بين طياته شيئًا يشبه الذكريات القديمة المختومة بعمق في روح سيف مثيرة للشفقة.
همست بابتسامة خفيفة…
"سيف عادي تقول؟ لا أظن أنني سأصدق هذا أبدا… شكرا على الهدية، إنها رائعة حقًا."
كنت أفكر في الطريقة التي سأختتم بها دروسي الأخيرة، ولم أتوقع أن تكون الهدية المناسبة ستصلني هكذا، من صديقٍ لم أره منذ زمن بعيد.
ربطت السيف عند خصري، ثم وقفت استعدادا للمغادرة.
"إذن… هذا وداعنا."
رفع سايرو بصره إلي وقال بنغمة غامضة وهو ينظر نحو الأفق…
"لا تنس أن تمرّ على البحيرة العاكسة لضوء القمر… إن كنت ما تزال راغبًا في لعن قدرك، كما فعلت أنا ذات يوم."
تنهدت بخفة، حتى في لحظات الوداع، لم يتخلّ عن ألغازه.
"الوداع يا سايرو."
خرجت من منزل الشاي، حيث كانت الفتيات بانتظاري، والقلق واضح على وجوههن.
قلت لهن وأنا أنظر نحو الأفق:
"لقد تأخرنا… يجب أن نكمل طريقنا. حان الوقت للقاء الهدف التالي."
رفعت رأسي نحو السماء، وشددت قبضتي على السيف الجديد.
"أعذرني على التأخير… يا سيد جميع الأبراج."
ثم انطلقت، محلقًا في السماء، عائدًا نحو القصة التي توقفت هذا اليوم بسبب سايرو…
لأجعلها تستمر!
_________________
لمعرفة المزيد عن "سايرو" يرجى قراءة رواية 'عودة بشري'
طبعا الأمر اختيار ووجوده لن يأثر في جودة قراءتكم لأمنية سوداء أبدا.
تأليف: Souhayl TP