في قلب القارة قامت مملكة زيمرغان، عرشها في العاصمة زمير، محاطة بأقاليم يحكمها خمسة دوقات.
كان الملك العجوز إلدرامان زيمروند، الكفيف الطاعن في السن، لا يزال رمز الشرعية الذي يمنع الأقاليم من الانقسام، لكن قوته لم تعد كما كانت.
نظام المملكة قائم على الإقطاع: الملك في القمة، ثم الدوقات، يليهم اللوردات والبارونات، ثم الفرسان، ثم عامة الشعب.
منذ قرون، لم تهدأ نار الحرب بين زيمرغان وعدوتها القديمة أسترماك.
كل انتصار مؤقت يعقبه رد، وكل حصن ينهدم يُبنى من جديد. لكن بينهما ظل هناك فاصل لا يُكسر: نهر الملوك، الحد الطبيعي الذي رسم التوازن بين المملكتين قرونًا طويلة.
إلى أن خرج ولي العهد الشاب آريان زيمروند ليقود جيوش زيمرغان. كان جريئًا في خططه، شديد الثقة بسيفه ورجاله. وفي حملات سريعة، اخترق جيوش أسترماك، وانتزع حصونًا ومناطق واسعة على الضفة الشرقية للنهر، وهو ما لم يجرؤ عليه أحد من قبله. عندها أدركت أسترماك أنها أقرب للهزيمة من أي وقت مضى، واضطرت للجلوس إلى طاولة السلام.
تمت صياغة معاهدة قاسية، مالت كفتها لصالح زيمرغان وولي عهدها المنتصر. لكن حين بدأت البنود تُرسل إلى العاصمة، ظهرت التوترات: بعض الدوقات رأوا أنهم لم ينالوا الغنائم التي طمحوا إليها، وآخرون خافوا أن النصر لم يزد المملكة قوة بقدر ما زاد العائلة الحاكمة زيمروند نفوذًا وسطوة.
وهكذا، بينما ظن الناس أن الحرب انتهت…
لم يكن أحد يعلم أن النصر العظيم لم يكن سوى بداية الكارثة.
في ليلة باردة، وفي المراحل الاخيرة من توقيع معاهدة السلام مع أسترماك وانتهاء القتال والحرب، كان معسكر ولي العهد آريان زيمروند قائمًا على ضفة نهر الملوك.
اصطفّت الخيام الكبيرة على مسافة آمنة من الماء، والمشاعل المتقدة تنثر ضوءها كجزر صغيرة وسط الظلام. وفي قلب المعسكر ارتفعت خيمة ولي العهد، تحرسها عيون السهر.
لم يكن الموقع اعتباطيًا؛ فالقرب من النهر يعني قربًا من العدو القديم، وفي الوقت نفسه قربًا كافيًا من العاصمة زمير لإرسال الرسل والسعاة بما يحملونه من أخبار المعاهدة ورسائل الطوارئ.
المعسكر هذه المرة لم يكن ميدان حرب، بل ميدان انتظار. فرسانه، الذين اعتادوا صليل السيوف وصهيل المعارك، كانوا يترقبون لحظة مختلفة: لحظة اكتمال المعاهدة ليعودوا إلى أهلهم بالنصر، ويملؤوا الشوارع بأهازيج الفرح بدلًا من صرخات الحرب.
وإلى جانب آريان، لم يفارقه رجل واحد: كيان، أخوه غير الشرعي. لم يعترف به البلاط يومًا، لكن الأمير رآه دومًا أخًا حقيقيًا، يقف معه كتفًا إلى كتف، كما يضع ثقته بسيفه وفرسانه.
المعسكر بدا ساكنًا، والجنود غارقون في النوم بعد يوم طويل، والخيول مربوطة تنتظر الفجر.
بدا المعسكر كأنه يتهيأ لصباحٍ يبشر بالنصر، لكن الليل كان يخبئ شيئًا آخر... شيئًا لن ينساه التاريخ.
كان الليل يلفّ معسكر الأمير الشاب آريان زيمروند بسكون ثقيل. الحرب وضعت أوزارها تقريبًا، ومعظم الجيوش عادت إلى قلاعها. هنا، على ضفة نهر الملوك، لم يتبقَّ إلا نخبة صغيرة من الفرسان والمراسلين يحيطون بخيمته، فالمعركة الكبرى انتهت، والسلام صار على الأبواب. ولهذا، كان الحرس هذه الليلة قليلين، متراخين بعض الشيء، واثقين أنهم في أرضهم وبين حدود وطنهم.
من بين الظلال، ظهر خمسة رجال. أربعة منهم يرتدون ملابس الجنود نفسها، خوذ داكنة وسيوف على خواصرهم، كأنهم جزء من المعسكر، فلم يشكّ بهم أحد. أما الخامس، فقد بقي بعيدًا عند طرف السهل، ممسكًا بخمس خيول مربوطة، يربّت على أعناقها بيدٍ ثابتة، في انتظار لحظة الهروب.
انقسم الأربعة كما اتفقوا: اثنان بقيا في الأطراف يراقبان الطريق بعيون متوجسة، فيما واصل الاثنان الآخران السير بخطوات ثابتة نحو خيمة الأمير.
عند مدخل الخيمة، انقضّ المغتالان على الحارسين الواقفين. خناجر قصيرة غُرست في أعناقهم قبل أن يتمكنوا من رفع أصواتهم. سقطا صامتين، والدم يسيل على التراب المبتل بالندى.
في اللحظة نفسها، رفع المغتالان ستار الخيمة ودخلا بسرعة. كان آريان غارقًا في نوم متعب، ملامحه المرهقة ما تزال تحمل أثر الحملات الطويلة. لم يكد يفتح عينيه حتى غرس أحد المهاجمين خنجره في صدره. شهق شهقة قوية، قبض على ذراع الرجل بكل ما تبقى من قوته، لكن الثاني ضغط على عنقه ليمنعه من الصراخ.
تتابعت الطعنات، وسالت الدماء على الأغطية البيضاء كأنها زهور قانية تتفتح في الظلام. حاول الأمير الشاب المقاومة، حتى بدا للحظة أن سيف المعارك عاد إلى يده، لكنه لم يصمد أمام طعناتٍ مدروسة، قاسية، سريعة.
ما إن خرج القاتلان من الخيمة، حتى لوّح المراقبان لهما من بعيد. لم ينطق أحدهم بكلمة، لكن العيون تبادلت يقينًا بأن المهمة قد اكتملت. انطلق الأربعة معًا نحو رفيقهم كان بنتظارهم مع الخيولٍ الخمسة كانت مخبأة عند طرف السهل. امتطوا ظهورها بسرعة، ودمدمت الحوافر فوق الأرض القاسية كالرعد المكتوم.
بينما ظلّ المعسكر هادئًا للحظات أخرى، كان الموت قد مرّ بخيمته وغادر راكبًا، تاركًا وراءه جسد الأمير الشاب غارقًا في صمته
لم تمضِ سوى لحظات حتى اخترق السكون صوت غريب، وقع أقدام مسرعة على التراب، ثم ارتطام مكتوم كأن جسدًا سقط أرضًا. بعدها، صهيل خيل قصير تردّد في أطراف المعسكر.
انتبه بعض الجنود من نومهم، خرجوا من خيامهم والمشاعل بأيديهم، يتبادلون النظرات في حيرة. همسات سريعة ارتفعت بينهم:
"سمعت ذلك؟"
"كأنها خيول… من هذا الذي يرحل في منتصف الليل؟"
ركضوا نحو مصدر الصوت، وهناك وجدوا جسدي الحارسين ممددين أمام خيمة الأمير، والدم يتفجر من أعناقهما. شهقات الفزع تحولت في لحظة إلى صرخة مدوية:
"إلى السلاح! الأمير! الأمير في خطر!"
تدافع الفرسان من خيامهم، نصف نائمين، نصف مذعورين، والمشاعل اشتعلت كالنيران المتراقصة على وجوههم القاسية. ارتجّ المعسكر كله في لحظة، وارتفعت أصوات الحديد وهو يُستَل من أغماده.
كان كيان أول من اندفع نحو الخيمة، قلبه يسبق قدميه. مزّق الستار، وما رآه جمد الدم في عروقه: أخوه، الأمير الشاب آريان، راقد على الفراش، صدره مثقوب بالطعنات، والدم قد غطى الأغطية البيضاء. ركع بجانبه، أمسك بيده الباردة، يهتف باسمه كأن الصوت قد يعيد الروح:
"آريان! آريان!"
دخل اللورد أشور بعده بلحظات، للاطلاع على حجم إصابة سموه ولنظر لأي مدى إصابة الأمير آریان الوريث الشرعي لمملكة زيمرغان عيناه مسمرتان على المشهد، وعلى الجثث الملقاة أمام الباب. رفع المشعل بيده، فانكشفت ألوان الدم المتخثر، وبدا وجهه مزيجًا من غضب وحزن وذهول.
لم يعد ذلك الجسد المهيب الذي يقودهم للنصر، بل كتلة
بائسة غارقة في دمها
قام الكيان بالإسراع في طلب الطبيبة أركانث، وطلب منها الحضور على الفور لإبلاغها بإصابة سمو ولي العرش. ومع ذلك، سرعان ما تبين أن سموه قد كان مقتول.
كانت عينان اللورد أشور تائهتين، كمن يرفض أن يصدق أن بضعة حثالة استطاعوا إسقاط من لم تهزمه جيوش أسترماك.
وفي الخارج، استمر الاضطراب؛ الجنود يركضون في كل اتجاه، بعضهم يلاحق آثار الخيول التي سُمعت قبل لحظات، وبعضهم يصرخ بالأسئلة التي لا جواب لها. لكن في قلب الخيمة، كان الجواب حاضرًا: موت الأمير الشاب الذي كان الجميع يظن أنه سيقودهم إلى الانتصارات وعهد جديد.
خارج الخيمة، كان كولونيل قائد فرسان النخبة جراح واقفًا كالطود، وجهه لا يحمل صدمة ولا حيرة، بل صرامة رجل يعرف أن كل لحظة تأخير تمنح القتلة فرصة للهرب. رفع يده وأشار بقوة:
"أنتَ، وأنتَ، وأنتم الثلاثة… معي! أريد نخبة من الذين لا يخطئون أثرًا."
اقترب أحد الجنود محاولًا أن يسأله:
"مولاي، هل ننتظر أوامر اللورد أشور؟"
لكن جراح قاطعه بحدة:
"الأوامر الآن هي أن نلحق بالقتلة قبل أن يبتلعهم الليل. من يريد أن ينتظر، فليبقَ هنا مع صدى صرخاته!"
اختار مجموعة من فرسان النخبة، رجالًا اشتهروا بالسرعة والشراسة، ثم نادى ثلاثة آخرين من الكشّافين ممن يعرفون الممرات الجبلية والأنهار الضحلة حول النهر. كان بينهم فرسان يعرفوا كل شجرة وصخرة في المنطقة.
انحنى جراح ليتفحص الأرض بنفسه، مرر أصابعه على التراب حيث انسكبت الدماء وآثار الأقدام. رفع رأسه وقال ببرود:
"مرّوا من هنا… خيولهم تتجه نحو الشمال الشرقي. لن يبتعدوا كثيرًا."
في هذه اللحظة، خرج كيان من الخيمة. عيناه جامدتان، لكن خطواته حاسمة. لم يسأل، لم يطلب إذنًا، فقط شد حزام سيفه واقترب من جراح. التقت نظراتهما للحظة قصيرة، كأنهما تبادلا فهمًا صامتًا.
كولونيل جراح، قال:
"حسنًا… ابن الدم نفسه معنا. لعلنا نقتصّ له الليلة."
ثم أطلق صوته عاليًا:
"إلى السروج! الليلة لا نعود إلا ومعنا رؤوسهم!"
قفز الفرسان إلى خيولهم، وصهيلها ارتفع كأنه يقطع سكون الليل. ومع أول إشارة من يده، انطلقوا كالسهم في الظلام، يحملهم الغضب والعزم، يقودهم جراح بصلابة رجل يعرف أن هذه المطاردة ليست مجرد ثأر… بل مسألة كرامة مملكة.