لم يكن صوت الصرخات ولا ضجيج السيوف ما هزّ قلب المعسكر تلك الليلة… بل الصمت الثقيل الذي تبِع موت الأمير.
خرج اللورد أشور من خيمة آريان بخطوات متثاقلة، وعيناه غارقتان في الدماء التي ما زالت تلطخ الأرض. كان وجهه وجه رجلٍ رأى انهيار العالم أمامه، وعجز عن إنقاذه.
عند مغادرة خيمة سموّه، ثارت مشاعر أشور المتضاربة بين الغضب والحزن والقلق والخوف، راغباً في الصراخ والانتقام والفهم، لكنه وجد نفسه عاجزاً عن الحركة، ثابتاً كتمثالٍ محطّم، تتقلب ملامح وجهه بسرعة بين الغضب والحزن والقلق، وكأنه يعيش مشاعر متعددة في آن واحد.
لم يعد ذلك القائد الصارم الذي يعرفه جنوده، بل بدا كظلٍّ يتحرك بخطوات عمياء. تتبدل ملامحه بين الغضب العارم، والحزن الجارف، والذهول الذي يكاد يفقده عقله. كل نفس يتردد في صدره كان كأنه يوشك أن ينفجر صرخة، لكنه ظل مكتومًا، حبيسًا خلف أسنانه المشدودة.
همس بعض الجنود من حوله، يتهامسون بقلق، ينتظرون منه كلمة، أمراً، إشارة… أي شيء يعيد لهم يقينهم. لكنه وقف كتمثال محطم، عيناه لا تفارقان باب الخيمة، كأن روحه قد تُركت بالداخل مع جسد الأمير المسجّى.
وأخيرًا، بصوت أجشّ مبحوح بالكاد خرج من حنجرته، قال أشور لرجل من حاشيته:
"أرسلوا مرسولًا إلى زمير… ليعلم البلاط أن وارث العرش قد سقط."
ثم استدار نحو الظلام، يحدّق في الفراغ بعينين مضطربتين. ويداه ترتجف كان الغضب يكاد يقتله، والحزن يمزق صدره، والذهول يجرّه إلى حافة الجنون. لم يكن جنوده بحاجة إلى أن يُقال لهم… لقد رأوا بأعينهم: اللورد أشور لم يعد الرجل ذاته بعد تلك الليلة.
مع بزوغ الفجر الرمادي الذي بدأ يكشف عن تضاريس التلال الوعرة، كان فرسان النخبة يلاحقون المغتالين الخمسة بلا هوادة. لم يكونوا مجرد جنود عاديين، بل رجال تمرّسوا في ميادين القتال تحت راية الأمير آريان نفسه، يحملون بأسًا وشجاعة تجعلهم أرفع من أي خصم مأجور.
كان كولونيل جراح يقود المطاردة من الخلف، صوته يعلو بالأوامر، فيما اندفعت مجموعة من الفرسان أمامه تتبع الآثار. بعض الرجال ممن يعرفون المنطقة كانوا يركضون مع الخيول، يشيرون بأصابعهم إلى أماكن انحرفت فيها الحوافر، أو إلى أعشاب مدهوسة لم تجف بعد.
في لحظة، صاح جراح وهو يلوّح بيده:
"انظروا… أحد خيولهم عرج هنا!"
لم يتوقف للحظة؛ خبرته مع رجاله وعيون الكشّافين كانت كافية ليميز أن القتلة حاولوا تضليلهم بالمرور عبر مجرى مائي ضحل. لكن رغم أن الماء أخفى بعض العلامات، إلا أن الذكاء الجمعي للفرسان فضح الأثر: بضع قطرات دماء متناثرة على الصخور، وحصى منثور بطريقة غير طبيعية.
قسم جراح رجاله بسرعة:
– "أنتم، التفّوا من اليسار عبر التلة!"
– "والبقية معي… سندفعهم نحو الممرات الضيقة!"
كان كيان بين الصفوف، يركب صامتًا، لكنه لم يكن صامت القلب. عيناه تترصدان كل حركة، وصدره يموج بغليان من الغضب والحزن. لم يُمسك سيفه ليقود الهجوم، بل ركّز على مراقبة صفوف الفرسان وتنظيم تماسكهم، يصرخ أحيانًا ليعيد فارسًا إلى مكانه أو ينبه آخر إلى أثر على الطريق. كان عقله حاضرًا في اللحظة، أشبه بظل أخيه الذي يوجّه من خلف المشهد.
وعند مدخل أحد الممرات الجبلية الضيقة، ارتفع صهيل الخيول فجأة. كان المرتزقة يحاولون الانسلال، لكن أمامهم ظهرت فرقة صغيرة من فرسان النخبة الذين التفوا من الجهة الأخرى كما كان متوقع من خطط جراح.
حوصِر القتلة في فخ محكم.
انفجر المكان بأصوات الحديد المتصادم، ورنين السيوف وهي تُستل بسرعة. الخيول تضرب الأرض بحوافرها فتثير غبارًا كثيفًا يلفّ المشهد، وأنفاسها اللاهثة تختلط بصرخات القتال.
حاول أحد المرتزقة الاندفاع بسيفه وهو يصرخ كالمجنون، لكن فارسًا من النخبة كان أسرع، أدار رمحه بدقة وطعنه في خاصرة حصانه. صهل الحصان وسقط على الأرض، وقبل أن ينهض صاحبه كان الفارس الآخر يضع حد السيف على رقبته.
مرتزق آخر حاول القفز عن صخرة جانبية ليهرب، لكن فارسًا آخر ألقى حبلاً معقودًا حول جسده، جذبه بقوة فسقط أرضًا متدحرجًا وسط التراب، والغبار يتطاير من حوله كدخان معركة.
أما الثالث، فاندفع بتهور نحو فارس من النخبة، و المرتزق ضرب بكامل قوته وبسيف كبير لكن الدرع الصلب اعترض ضربته برنين مدوٍّ، ورد الفارس الضربة بدفعة قوية جعلت المرتزق يتهاوى من على صهوة حصانه.
أحد الفرسان اندفع مباشرة نحو المرتزق الرابع، لكنه في اللحظة الأخيرة انحرف بحصانه وقفز به على صخرة مرتفعة صغيرة من هناك هوى بسيفه على خوذة المرتزق ضربة جانبية قوية أطاحت به أرضا وقيدوه بالأصفاد الحديدية الثقيلة صفق زملاؤه إعجابا بمهارته، وكأنها كانت عرضا أكثر منها قتالاً.
"في مشهد مهيب، يظهر كيان صاحب الدم الملكي ممتطياً جواده، يراقب المشهد بنظرة ثاقبة من مسافة، مرافقاً لقائد فرسان النخبة جراح. كان كيان على دراية تامة بتفوق الفرسان الذهني والجسدي على المرتزقة، وأن كل تحركاتهم تبدو واضحة ومُتوقعة."
ورغم هذا كيان كان يريد أن يشارك في القتال بنسفه وبجسده في سبيل كشف حقيقة موت الأمير آريان
وانطلق كيان بجواده إلى مواجهة المرتزق الخامس، السيفان يلتقيان بصرير حاد، شرر الحديد يتطاير، وأنفاس الخيول الساخنة تلهب الهواء. كان المرتزق يقاتل بجنون، سيفه ينهال بضربات ثقيلة يائسة، فيما كيان يصدها بحذر وسرعة، يضغط بأسنانه وكأن كل طعنة تُشعل في صدره صورة أخيه الغارق في الدماء.
في تلك اللحظة، دوّى صوت كولونيل جراح خلف الفرسان:
"لا أحد يتدخل! هذا الدم يجري فيه دم الملك… ودم أخيه المقتول!"
ثبت الفرسان في مواقعهم، يراقبون بترقب، كأنهم يشهدون مشهدًا مقدسًا لا يحق لهم أن يشاركوا فيه.
لكن المرتزق لم يكن خصمًا سهلاً، بحركة خبيثة ومباغتة، غرس نصل سيفه عميقًا في كتف كيان، مخترقًا اللحم حتى كاد يبلغ عظم الكتف. انفجر الدم بغزارة، دفقة حمراء غمرت درعه وانسكبت على جنبه. شهق كيان، صرخة ألم حادة خرجت من حنجرته، وجسده ترنح بقوة حتى كاد يسقط عن جواده.
ورغم أن الألم كاد يفتك به، فإن الغضب أنقذه. قبض بيده الأخرى على مقبض السيف، ورفع نصلًا أثقل من ذراعه الجريحة، وانقض بضربة يائسة لكنها قاطعة. اخترق دفاع المرتزق، وغرس نصله في خاصرته بعمق. تهاوى القاتل أرضًا، يتلوى بين الغبار والدم، فيما ظل كيان متشبثًا بسرج جواده، وجهه شاحب وعرقه ممزوج بدمه.
تقدّم فارس من النخبة بسرعة، كبّل المرتزق وهو ما يزال يتنفس بصعوبة، لكن أعين الجميع اتجهت نحو الأمير كيان. كان وجهه يزداد بياضًا، أنفاسه متقطعة، والدم ينزف بغزارة من جرحه المفتوح.
صرخ أحد الفرسان بأعلى صوته:
"! الأمير ينزف بشدة! الطريق حالًا!"
تقدم اثنان من الفرسان، أمسك أحدهما بزمام جواده والآخر أسند جسده كي لا يسقط. لم يعد قادرًا على الإمساك بسيفه، سقط من يده ملوثًا بالدم، وذراعه الجريحة تدلت بلا حول.
قادوه بسرعة بعيدًا عن الميدان، الغبار يلاحقهم، فيما صرخات الفرسان الآخرين تتعالى معلنة نهاية المطاردة. لم يكن انتصار كيان مجرد أسرٍ لمرتزق، بل كان ثمنه جرحًا خطيرًا سيبعده عن الأحداث القادمة، تاركًا خلفه فراغًا لا يملؤه أحد.
كان جراح يراقب بعينين تقدحان شررًا بين الفخر والقلق، لكنه أخفى مشاعره خلف صرامة القائد.
في دقائق معدودة، كانت المعركة قد انتهت. الخمسة رجال كانوا قبل ساعات في قلب معسكر الأمير، أصبحوا الآن أسرى مكبلين، يُساقون بالدماء والغبار والذل، فيما فرسان النخبة يرفعون سيوفهم المضرجة، يتنفسون بصوتٍ عالٍ وسط صمت الفجر الموحش.
وبعد حلول الاشراق الكامل ببضع ساعات، كان فرسان الأمير قد ألقوا القبض على المرتزقة الخمسة جميعًا دون أن يفقدوا أيًا منهم. مكبلين بالأصفاد ومذلولين، تم
اقتياد المرتزقة عائدين إلى المعسكر، حيث سيواجهون غضب اللورد أشور وأسئلته التي لا ترحم حول من يقف وراء جريمتهم.
دخول الفرسان يدخل الفرسان إلى فناء المعسكر الواسع ببطء وثقل، وكأنهم يحملون على أكتافهم عبء الفاجعة والانتقام يقودون أمامهم خمسة رجال مكبلين بالأصفاد الحديدية الثقيلة، سلاسلهم تصدر رئينا مكتوما يخترق الصمت المتوتر رؤوسهم منكسة في ذل وهزيمة، وملابسهم ممزقة وملطخة بدماء الأمير ودماء مقاومتهم اليائسة. يسود صمت ثقيل في الفناء، يقطعه فقط صوت أنفاس الخيول اللاهثة، وتبدو خيولهم منهكة، جوانبها تلهث بقوة، وعليها طبقة سميكة من الغبار الذي التصق بعرقها . وحفيف الرياح الخفيفة التي تحمل رائحة الغبار والدماء، وهمسات الجنود المتجمعين لمشاهدة هذا المشهد المؤثر.
وصول كولونيل جراح يتقدم الفارس قائد فرقة النخبة وقائد المطاردة جراح، ينزل عن جواده الأسود الضخم بحركة متعبة لكن واثقة. يتوجه الفارس وقائد المطاردة بنظرة حادة مباشرة نحو خيمة القيادة، حيث يشعر بوجود اللورد أشور ينتظر الأخبار بفارغ الصبر وعلى وشك الانفجار.
ولم يكن أشدهم توقعا أن هذه السلاسل الثقيلة لن تقيد أجساد المرتزقة وحدها ... بل ستفتح على المملكة بابًا من الدماء لم يغلق بعد.