كان الفناء يغصّ بالجنود، صمتهم يثقل الهواء أكثر من صرخات الحرب. وقفوا مصطفّين كأنهم في طابور جنازة حينما الشمس كانت فوقهم ، يراقبون فرسان النخبة العائدين من المطاردة. الغبار كان يلف المكان كستارٍ كئيب، ورائحة الحديد والعرق والدماء تختلط فيه حتى صارت كأنها نَفَس واحد للموت نفسه. في مقدّمة الموكب، خمسة رجال مكبّلون بالسلاسل، منكّسو الرؤوس، يجرّون أقدامهم جرًّا كأشباح مذلولة.
وعند أطراف الفناء، وقف اللورد أشور، كالنمر الجريح الذي يتأهّب للانقضاض. عيناه تقدحان نارًا، وفي ملامحه اجتمع الغضب والفقد والجنون. لمّا التقت عيناه بالأسرى، ارتجف فكه وغاص صوته من صدره كهدير وحش: "هؤلاء الحثالة… تجرأوا على قتل آريان؟ سأجعلهم يبوحون بالحقائق قبل أن يتمنّوا الموت ألف مرة!"
تقدّم العقيد جراح بجواده، نبرته تحمل فخرًا صلبًا: "لقد قبضنا عليهم جميعًا، مولاي. لم يفلت أحد."
لكن أشور قاطعه بحدة، صوته كسيفٍ يقطع الهواء: "العدالة لن تُترَك للغد… عدالتي أنا ستتحقق هنا. خذوهم إلى خيمة التحقيق، حالًا!"
في تلك اللحظة، شقّ صرخةٌ متوترة صفوف الجنود: فارس يقود جوادًا يتمايل تحته جسد مثخن بالجراح. كان كيان، ذراعه اليسرى مضرّجة بالدم، وكتفه ملفوف بضماد مرتجل سرعان ما تشرّب بلون القرمز. رأسه مائل، وسيفه قد أفلت من يده وتدلّى بلا قوة. ما إن رآه الجنود حتى اندفع أحدهم صائحًا بفزع: "أسرعوا! أحضروا الطبيبة أركانث!"
ركض رجلان ليمسكا به قبل أن يهوي عن صهوة جواده، حملوه الى خيمة ليرتاح، فيما بعض الجنود يلاحقونه بأعين ملؤها الحزن والقلق.
وفي الداخل، كانت خيمة التحقيق تنتظر. المشاعل تشتعل على جوانبها، تُلقي بظلال طويلة على أدوات التعذيب المرصوصة فوق طاولة خشبية ثقيلة. دخل أشور بخطواته المتوترة، قبضته مشدودة كأنها قادرة على تحطيم الحديد نفسه. اندفع نحو أول المغتالين المقيد، قبض على رأسه بعنف، وهزّه كمن يريد أن يقتلع روحه من جسده. صوته دوّى مبحوحًا، لكنه كان أشد وقعًا من أي سيف: "من أرسلكم أيها الجبناء؟ من دفع لكم ثمن دماء أميري؟ تكلم… قبل أن أجعل موتك أمنيةً لا تنالها!"
الأسرى انكمشوا، يرمقون الأدوات الباردة التي تلمع تحت ضوء النيران، وقد أيقنوا أن ما ينتظرهم لم يكن استجوابًا… بل لعنة أشد قسوة من الموت.
في ظهيرة اليوم التالي، لم يكد الحزن يهدأ في أرجاء العاصمة زمير حتى جاءت الأخبار المروّعة كالعاصفة. فالمعسكر الشرقي، الذي كان قد جُهز أصلًا ليكون محطة للمراسيل الخاصة بمعاهدات السلام، كان يعج بالرسل الذين انطلقوا في كل اتجاه. ولهذا، لم يلبث خبر اغتيال الأمير آريان أن وصل إلى أسوار القصر الملكي، حاملاً معه وقع الصاعقة.
داخل القاعة الكبرى، حيث يقبع العرش الأبنوسي المرصّع بالذهب، جلس الملك الدرامان زيمروند كأنه جبل يوشك أن ينهار. عيناه العمياوان لا تبصران، لكن ملامح وجهه كانت تصرخ بالفاجعة. بجواره وقف المستشار سينهام، ساكنًا كسيف مغمد، بينما اندفعت الأميرة ليانور بخطوات مرتجفة، شاحبة الوجه، دامعة العينين، وكأنها كانت تعرف ما سيُقال قبل أن تسمعه.
دخل رسول يلهث، يحمل ختم المعسكر الشرقي. انحنى حتى كاد يسقط: "مولاي… فاجعة عظيمة حلّت بالشرق!"
أشار سينهام له بصرامة: "تكلّم." فتح الرسول الرسالة، وصوته يرتجف وهو يقرأ: "الأمير آريان… ولي العهد… قد اغتيل."
وقع الخبر كان كالسيف على العرش. اهتز جسد الملك العجوز، وارتجف صدره، ثم أطلق صرخة مبحوحة اخترقت جدران القاعة: "آريان… ولدي… سندي وقوتي… لماذا يا إلهي؟!"
انهارت ليانور على ركبتيها، تضع يديها على وجهها لتكتم شهقتها، فيما سالت دموعها بغزارة. أما المستشار سينهام فظل ثابتًا، لكن عينيه كانتا تعكسان غضبًا عارمًا وخوفًا دفينًا من مستقبل المملكة.
رفع الملك رأسه المرتجف، وصوته مبحوح لكنه حاد: "استدعوا مجلس البلاط… حالًا! دم وريثي لن يذهب هباء."
لم تحتمل ليانور ثقل الصمت في القصر بعد الفاجعة. رفعت رأسها بوجه شاحب وصرخت: "أحضروا خيولي… وحرس الفرسان حالًا!"
لم تمضِ لحظات حتى كانت عشرة من فرسانها المخلصين مصطفّين في الفناء، دروعهم لامعة، وسيوفهم عند خواصرهم. ارتدت عباءة سفر داكنة، شدّت غطاء الرأس، ثم امتطت صهوة جوادها الأبيض بثباتٍ صلب يخفي انكسار قلبها.
اندفعت القافلة الملكية الصغيرة عبر بوابات زمير، الغبار يتطاير خلفها كستار يبتلع آثارهم. لم تعد ليانور ابنة الملك المفجوعة فحسب، بل أصبحت أميرةً تحمل في عينيها عزيمة مشتعلة، عازمة على الوصول إلى المعسكر الشرقي، حيث ينتظرها جسد أخيها المسجّى بالدماء.
محاولات التكتم وانتشار الخبر الحتمي حاول البلاط الحاكم في زيمر في البداية التكتم على نبأ اغتيال الأمير آريان، خوفا من إثارة الفوضى والذعر بين عامة الشعب واستغلال الأعداء لهذا الضعف المفاجى صدرت الأوامر الصارمة بمنع أي تسريب للأخبار من داخل القصر. لكن هيهات أن تبقى مثل هذه الفاجعة طي الكتمان طويلا. فسرعان ما بدأت الأخبار تتسرب كالنار في الهشيم من المعسكر الشرقي، حيث كان عدد الشهود كبيرًا والجنود المصدومون تبادلوا الروايات المروعة انتقلت الهمسات المذعورة بين الجنود ، لتتحول تدريجيا إلى صرخات غضب ودهشة في الأسواق
والشوارع تكاثرت الشائعات كالفطر فتحدث البعض عن مؤامرة داخل القصر، بينما أشار آخرون بأصابع الاتهام إلى مملكة أسترماك. وبسرعة لا تقل، و الأخبار تنتقل سريعا لحدود زيمرغان.
داخل خيمة التحقيق في المعسكر الشرقي، كان الهواء ثقيلاً مشبعًا بدخان المشاعل ورائحة الحديد المحمّى.
وقف اللورد أشور في وسط الخيمة، وجهه متصبب عرقًا، ويداه ملطختان بالدماء. نظر إلى الأسرى المقيّدين أمامه، عيونهم متسعة رعبًا، وأجسادهم ترتجف فوق الأرضية الترابية. بصوت غليظ متحشرج من الغضب، صاح فيهم:
"آريان كان أخي! دمي ودميه واحد! من امركم بهذا؟ من ارسلكم؟ من باع نفسه لينهي حياة وارث العرش؟ تكلموا قبل أن أجعلكم تتمنون الموت ولا تجدونه!"
اقترب من أحدهم، جذب رأسه بعنف من شعره حتى انعوج رقبته ، ثم ضغط وجهه نحو سيخ حديدي يتوهج جمراً، حتى بدأ لحم خده يتفحّم. الآخرون يصرخون ويحاولون التملص من قيودهم، لكن السلاسل تئنّ وتشدهم إلى الأرض.
أشور لم يكتفِ. رفع أسيرًا ثانيًا وعلّقه من معصميه، حتى صار جسده يتأرجح كدمية محطمة، ثم هوى عليه بعصا غليظة، كل ضربة تترك صدى عميقًا في صدره الممزق. ومع الثالث، غمر رأسه في دلو ماء بارد، أمسكه حتى تلاشت حركته وكاد يلفظ أنفاسه، ثم سحبه في اللحظة الأخيرة ليلهو بأنفاسه المتقطعة.
الجنود الواقفون عند مدخل الخيمة تبادلوا نظرات صامتة، لكن لم يجرؤ أحد على التدخل. كانوا يشاهدون سيدهم كأنه تجسيد للغضب نفسه.
أشور: باسم كل لحظة قضيناها معا يا آريان...سأجعلهم يتوسلون الموت.
موت تحت برائن الغضب بعد ساعات قليلة، يرقد مغتال
على الأرض جثة هامدة، جسده محطم بفعل غضب أشور الذي لا يرحم. يقف فوقه، يتنفس بصعوبة، وعيناه تشتعلان بنیران
وقف أشور أخيرًا فوق جسدٍ هامد، أسير لم يحتمل. نظر إليه بحتقار
"هذا ليس كافيًا... لن يكفيني موتكم. سأعرف من أطلقكم، وأجعل رؤوسهم تتدحرج تحت قدمي كما تتدحرج جثثكم الآن."
وفي تلك اللحظة، بدا وكأن الصمت ذاته في الخيمة صار يراقب غضب رجلٍ لم يعد يرى سوى الدم وسيلة للعدالة.
لقطة قريبة: وجه أشور متصلب بالغضب، يستمع إلى كلمات جراح ورجال النخبة المحيطين به بقلق. جراح (بصوت هادئ لكن جاد يضع يده على كتف اللورد أشور بحذر): "يا أشور... أقسم ،أن قلبي يحترق مثلك. لكن... ألا تخشى أن
تفقد المعلومات بموتهم؟
"أشور، نحن نفهم ألمك وغضبك. لكن يجب أن نفكر بوضوح. هؤلاء الأسرى هم فرصتنا الوحيدة لمعرفة من يقف وراء هذا العمل الشنيع."
أحد رجال النخبة: "إذا ماتوا قبل أن يتكلموا، فستضيع كل فرصة للانتقام الحقيقي." أشور يستدير بحدة: عيناه تشتعلان غضبًا. أشور (يهدر): "انتقام حقيقي؟ الانتقام الحقيقي هو أن أرى هؤلاء الكلاب يتألمون كما تألم آريان! لن أتوانى لحظة واحدة عن تعذيبهم حتى ينطقوا بكل ما يعرفون!" لقطة على خيمة التعذيب: أصوات أنين مكتومة تقطع صمت المعسكر. رجل نخبة آخر: "لكن يا أشور، التعذيب الشديد قد يدفعهم إلى الكذب أو إلى الموت السريع. نحتاج إلى معلومات دقيقة، لا إلى اعترافات تحت وطأة الألم." جراح (بنبرة أكثر إلحاحًا): "أشور، فكر في الأمر بمنطقية. نريد أن نعرف من دبر هذا. موت هؤلاء لن يعيد الأمير. معلوماتهم قد تقودنا إلى الرأس المدبر." أشور يتجاهلهم: ينظر نحو الخيمة، لا يزال الغضب يعمي بصيرته.
لقطة على وجوه جراح ورجال النخبة: يتبادلون نظرات قلقة ويائسة، مدركين أن غضب أشور قد يعرض مهمتهم للخطر. في خيمة صغيرة اخرى . كيان مستلقيًا على الفراش، وجهه شاحب وملامحه متصلبة من شدة الألم. فوقه، الطبيبة أركانث انتهت تواً من خياطة الجرح الغائر في كتفه. يداها الملطختان بالدم ترتجفان قليلاً من شدّة التركيز، لكنها أبقت صوتها هادئًا رغم خطورة الموقف.
رفعت رأسها إلى الجنود الواقفين قرب الباب وقالت بصرامة: "لقد أوقفت النزيف… إصابته خطيرة. لن ينجو إلا إذا بقي ساكنًا ولم يُجهد نفسه."
فتح كيان عينيه بصعوبة، ووجهه يكسوه العرق. نظرت إليه أركانث، وعيناها بين القسوة والشفقة، ثم تمتمت بنبرة تحمل عتابًا وقلقًا: "كنتَ ستترك دمك على هذه الأرض سدى، أيها الأمير… شجاعتك عظيمة، لكن تهورك قد يقتلنا جميعًا."
أدار كيان رأسه قليلًا، ابتسامة باهتة مرت على شفتيه رغم الألم، كأنه يقول بصمته: لن أموت الآن… لم يحن دوري بعد.
داخل خيمة التحقيق يستمر أشور في تعذيب المغتال الثاني بوحشية، متجاهلا تحذيرات جراح ورجال النخبة. صرخات الألم تتعالى، لكن أشور مصمم على الحصول على الأجوبة.وبين فترات التعذيب الوحشي، كانت الطبيبة العجوز أركانث، تقوم بفحص المغتالين بشكل روتيني بناءً على أوامر أشور، للتأكد من بقائهم على قيد الحياة لأطول فترة ممكنة. لكن نظراتها كانت زائغة ومليئة بالخوف والتوتر،
موت أول فجأة، يخمد صوت الأنين يرخي جسد المغتال الثاني المقيد، ورأسه يتدلى بلا حياة. ينظر إليه أشور ببرود للحظة و يضرب راسه بقدمه، ثم يلتفت
نحو الباقين.
أشور بصوت قاس): "واحد أقل. من التالي الذي سيختار الموت على الكلام ؟"
الخوف يدب في الباقين يشاهد المغتالون الثلاثة الباقون مصير.
يستمر اللورد أشور بتعذيب المغتالين بأشد التعذيب وبقسوة ولا يرحم أحد بأساليب فضيعه مخيفة.
يجلس كاتب شاب في زاوية الخيمة، يده تتحرك بسرعة فوق لفافة من الورق، يسجل كل كلمة تخرج من أفواه المغتالين المعصوبي الأعين تحت وطأة الخوف والرجاء والتوسل، أشور يستمع بغضب وتصميم على كشف الحقيقة.