القافلة الصغيرة كانت تشق طريقها عبر سهول زيمرغان الشرقية، والشمس تميل نحو الغروب، تاركة الأرض في ظلال طويلة تمتد كأصابع حزينة فوق الحقول. في المقدمة، كانت الأميرة ليانور تمتطي جوادًا أبيض قويًا، عباءة سفر داكنة تخفي ملامحها النبيلة، إلا أن عينيها الحادتين ظلتا تحدقان في الأفق بعزم لا يلين.

بجوارها كان فارس من حرسها المخلصين، يمتطي حصانًا أسود لماعًا. تبادلا كلمات مقتضبة، إذ همست ليانور بصوت هادئ لكنه مشحون بالقلق:

«هل نصل قبل الفجر؟»

فأجاب الحارس وهو يرفع بصره نحو السماء: «إن واصلنا السير، سنبلغ المعسكر مع أول خيوط النهار.»

لكن الأميرة لم يهدأ لها خاطر، عقدت حاجبيها وقالت: «أخشى أن يكون الوقت قد سبقنا.»

ومع عبورهم لقرية صغيرة، توقف الفلاحون عن العمل في الحقول وراحوا يراقبون الموكب بصمت ثقيل. بعض الأطفال ركضوا للحاق بالخيول، تبهرهم الدروع والأسلحة اللامعة، فيما انحنت امرأة عجوز بخشوع حين أبصرت شعارات العائلة المالكة رغم محاولات إخفائها. كان واضحًا أن الناس قد سمعوا الخبر، فالهمس في عيونهم سبق كلماتهم.

التفت الحارس نحو سيدته وقال بصوت خافت: «الأخبار تسبقنا يا مولاتي.»

ردّت ليانور، وصوتها يرتجف رغم صلابته الظاهرة: «وهذا ما كنت أخشاه. إذا وصل خبر اغتيال آريان إلى هذه القرى بهذه السرعة، فلا شك أنه يزلزل العاصمة الآن.»

مع أول خيوط الصباح، كانت قافلة الأميرة ليانور تقترب من المعسكر الشرقي. ضباب الصباح يلفّ السهول، والندى يتشبّث بالأعشاب كدموع الأرض. ارتجف قلبها وهي ترى خيام الجنود تلوح في الأفق، تنتصب كأنها صمت ثقيل ينتظرها.

عند مدخل المعسكر، وقف الجنود مصطفّين، يحيّون الأميرة بوجوهٍ متجهّمة أثقلها السهر والحزن. لكن عينيها لم تلتقط سوى مشهد واحد: كيان، أخوها غير الشرعي، يخرج من بين صفوف الفرسان، كتفه مضمد بضمادات مشبعة بالدم، ووجهه شاحب من أثر الجراح. رغم الألم، وقف ثابتًا ينتظرها، كأن وجوده وحده شهادة على الولاء والنجاة.

حين التقت نظراتهما، لم يكن هناك كلام. كان يكفيهما أن كليهما فقد نفس الرجل، نفس الأخ، نفس السند. تقدمت نحوه بخطوات مترددة، وحين وقفت بجواره، وضع يده الجريحة على صدره في تحية صامتة.

قادها كيان بصمت إلى خيمة كبيرة في وسط المعسكر، كان الحرس يقفون أمامها بعيون محمرة من السهر والدموع. رفعوا الستار ببطء، لتدخل الأميرة.

في الداخل، ساد سكون مهيب. جسد الأمير آريان كان ممددًا على فراش نظيف، وقد غُسل جسده الطاهر من دماء الغدر، وكُفّن برداء أبيض ناصع. فوق صدره امتدّ علم المملكة الأصفر، يغطّيه كأرض احتضنته أخيرًا. الشموع المحترقة تحيط به، تضيء قسماته الهادئة وكأنه نائم في سفر بعيد.

وقفت ليانور مشدوهة للحظة، ثم انهارت على ركبتيها قربه. يداها ترتجفان وهي تمسح على جبينه البارد، وانفجرت دموعها غزيرة كأنها لم تعد تملك القدرة على حمل الحزن.

همست بصوت مكسور:

"آريان... أخي... سندي... كيف تتركني في هذا العالم وحدي؟"

كيان ظل واقفًا خلفها، وجهه مشدود، عينيه تحبسان دموعًا عنيدة. بدا كأن جراحه الجسدية لا تعني شيئًا أمام النزيف الذي يعتصر قلبه.

في تلك الخيمة، حيث اجتمع الحزن والحب والولاء، بدأ يتشكل قدر جديد لكل واحد منهم.

دخلت الأميرة ليانور، يتبعها كيان المتكئ على ساعده المصاب، إلى خيمة القيادة في قلب المعسكر. الهواء مشبع برائحة الرماد والدم، والجنود على الأبواب انتصبوا في صمت كأنهم تماثيل.

نهض اللورد أشور من مقعده فور أن رآهما، صوته يجلجل في الخيمة:

"لم أتوقع أن تأتي الأميرة بنفسها إلى هذا الجحيم... لكن حضورك يا ليانور هو شرف، ووصمة عار على قاتلي آريان، إذ سيشهدون أن العدالة لن تُؤجَّل."

اقترب بخطوات ثقيلة، ثم انحنى برأسه احترامًا، وعيناه تشتعلان بلهيب لا يهدأ:

"أقسم لكِ، يا أخت الأمير الراحل، كما أقسم لك يا كيان، أن دم آريان لن يضيع. سنقتص له… وسنجعل من تجرأ على خيانته عبرة تُروى."

رفعت ليانور عينيها الدامعتين نحوه، صوتها يرتجف لكنه يحمل صرامة:

"هل تكلموا؟ ماذا قال هؤلاء الخمسة؟"

شدّ أشور قبضته، ثم أشار إلى رقعة جلدية على الطاولة:

"نطقوا ليكشفوا الطريق… قالوا إن رجلًا غامضًا هو من استأجرهم. قصير القامة، نحيل الجسد، وجهه حاد كالسيف، يرتدي عباءة سوداء… لكن أكثر ما أثار رعبهم، أصابعه المتصلبة.

حين سألت ليانور، بصوتٍ حاد يخفي خلفه مرارة الفقد:

"هل عرفتم من هو؟"

أشور هز رأسه، ملامحه مشدودة كحجر:

"ليس بعد. اثنان منهم ماتوا تحت الاستجواب… والثلاثة الباقون بالكاد يتنفسون."

شددت الأميرة قبضتها على عباءتها، عيناها كالسيف:

"أريد أن أراهم."

أشار أشور بيده الثقيلة، ثم قادها بصحبة كيان الجريح نحو خيمة محاطة بحراسة مشددة. أصوات الأنين الخافتة تتسرب من الداخل، كأنها أشباحٌ تنازع في الظلام.

داخل الخيمة، كان المشهد أقرب إلى جحيمٍ أرضي. ثلاثة رجال مقيدون إلى أعمدة خشبية، أجسادهم مضرجة بالدماء، وجوههم مشوهة ومتورمة، وملابسهم بالكاد تغطيهم. في الزاوية، الطبيبة العجوز أركانث ترتب المراهم والضمادات، عيناها لا تفارقان الأجساد المتهالكة.

اقترب كيان بخطوات متثاقلة، عيناه مليئتان بالصلابة والاشمئزاز. همس لأخته:

"لن يعيشوا طويلًا."

التفتت ليانور إلى أشور:

"ماذا قالوا بالضبط؟"

أشور، صوته غليظ لكنه لا يخلو من السخرية المرة:

"اعترفوا أنهم التقوا برجل غامض في حانة بزمير. هو من سلّمهم الذهب، ووضع في أيديهم خريطة دقيقة للمعسكر… كان يعرف كل شيء."

كيان عقد حاجبيه، صوته خرج خافتًا لكنه مسموم باليقين:

"إذن، بيننا خائن."

ساد صمت ثقيل، حتى الطبيبة أركانث قطعت حدّته بانحناءة سريعة:

"سموكِ… أحاول أن أبقيهم أحياء من أجل التحقيق، لكن اللورد أشور… كان قاسيًا إلى حد لا يُطاق."

لم تجبها ليانور، لكن عينيها كانتا تقدحان شررًا نحو الأسرى.

اقترب كيان من أحد المغتالين، تفحّص فمه المتيبس، ولاحظ آثار مادة بيضاء جافة حول شفتيه. مد إصبعه، مسح قليلًا منها، ثم رفعها إلى أنفه. فجأة اتسعت عيناه، وتراجع خطوة إلى الوراء:

"هذا ليس دواءً مهدئًا… هذه رائحة زرنيخ أبيض!"

يستنتج كيان في صمت أن هؤلاء الرجال لم يموتوا فقط بسبب تعذيب اللورد أشور الوحشي، بل هناك شيء آخر. السم الأبيض الذي شمه لا يترك مجالاً للشك.

كانت ليانور واقفة تحدّق في الأسرى بعينين مثقلتين بالحزن،. فجأة، اهتز جسدها وتمايلت كغصنٍ تحت ريحٍ عاتية، ثم وضعت يدها على جبينها، وارتخت ركبتاها. قبل أن تهوي إلى الأرض، مدّ أشور ذراعيه القويتين والتقطها بسرعة، يسندها إلى صدره.

كيان، الجريح، اندفع رغم ألمه، صوته مبحوح ممتزج بالقلق:

"ليانور!"

كيان ينظر حوله في الخيمة المكتظة بالجنود واللورد أشور وأركانث. كيان يشعر بشك عميق تجاه الجميع. لا يمكنه أن يثق بأحد بعد مقتل أخيه بهذه الطريقة الغامضة. الكشف عن استنتاجه الآن قد يعرضه وليانور للخطر.

كيان يتخذ قرارًا صامتًا. سيحتفظ بمعلومة السم لنفسه مؤقتًا. كونه ابنًا غير شرعي، يعرف أن كلمته قد لا يكون لها وزن كافٍ أمام نبلاء وقادة الجيش. يحتاج إلى دليل قاطع أو شخص موثوق به ليشاركه هذا الاكتشاف الخطير.

اقترب بخطوات بطيئة، عضّ على شفتيه من الألم، ثم مد ذراعه ليساعد أخته على النهوض. تماسكا معًا، وخرجا من خيمة التحقيق بخطوات مثقلة.

تاركًا اللورد أشور وأركانث ينظران إليهما بوجوم.

لقد مر وقت على إعلان الطبيبة أركانث عن موت الأسرى الثلاثة بسبب تعذيب أشور الوحشي لهم والإرهاق الشديدين.

في المساء لنفس اليوم، ظهرت عند مشارف المعسكر قافلة جديدة من الفرسان يمسكون مشاعل من النار في ظلام الليل دروعهم تلمع تحت ضوء القمر، تحمل شعارات ملكية مختلفة عن تلك التي كانت مع الأميرة ليانور كانوا كالأشباح القادمة من الظلام، يقودهم ضابط متغطرس الملامح، في عينيه بريق لا يشي إلا بالكبرياء والغطرسة.

توقفت الخيول عند خط المعسكر، وصوت حوافرها ارتجف في صدور الجنود وينبئ بالكارثة. رفع الضابط يده، وصوته يخرج بنبرة واثقة، أقرب إلى الأمر منه إلى التحية:

"منذ هذه اللحظة… نحن هنا بأمر البلاط الملكي."

وصاح الضابط بنبرة حادة كالسيف:

"من الآن… نحن أصحاب الأمر في هذا المعسكر. أوامر البلاط فوق الجميع."

وبينما تنفّس الجنود الصعداء ظانّين أن الأسوأ قد مضى، كانت أعين الغرباء تخبّئ خلف لمعانها وعدًا بفاجعة أشد.

2025/09/22 · 29 مشاهدة · 1169 كلمة
Atu4o B 511
نادي الروايات - 2026