أمام خيمة القيادة، كان الهواء مشبعًا برائحة الرماد والتوتر. خطا البارون فالريك، ضابط فرسان برزين، بخطوات ثقيلة، درعه يصدر صريرًا كأنه يسخر من السكون. وقف في مواجهة اللورد أشور، عينيه تقدحان غطرسة وكبرياء.

قال بصوت جاف لا يخلو من سخرية: "يا لورد أشور… أُرسلت لأتأكد مما حققته. والنتيجة؟ حفنة من الجثث المتعفنة. لقد أفسدت كل شيء أيها المتعطش للدماء. لم تفشل فقط في حماية الأمير، بل قتلت أيضًا الشهود الوحيدين."

اشتعلت ملامح أشور غضبًا، قبضته ترتجف، وصوته خرج أجشًّا كالرعد: "هذا افتراء! لقد بذلت كل ما بوسعي—"

قاطعه فالريك، يضحك بسخرية وهو يبصق على الأرض قرب قدميه: "وسعك لم يمنع السكاكين من أن تصل إلى قلب آريان. والآن وسعك أعدم الأسرى الخمسة قبل أن ينطقوا بكلمة نافعة. دماؤهم في عنقك كما دم أخيك."

تقدّم أشور خطوة، وجهه محمرّ كالحديد المحمى: "ويل لك إن لم تحترم مقامي! أنا لورد، وسلطتي هنا لا يمسها أمثالك!"

وضع فالريك يده على مقبض سيفه، نظرته مليئة بالاحتقار: "سلطتك؟ لقد غمرها العار. بتهورك ضاعت فرصة كشف الحقيقة. اللورد برزين أمرني بإبلاغك أن صلاحياتك في التحقيق قد أُلغيت."

صرخ أشور، عروقه تنتفض: "أتجرؤون على تقييد يدي وأنا أسعى للقصاص لدم الأمير؟!"

اقترب فالريك حتى كاد أنفه يلامس أنف خصمه، صوته انسكب جليديًا: "انتقامك الأعمى قتل الشهود. من الآن سيُعيَّن محققون أكفأ. تعاونك الكامل هو ما سينقذك من مقصلة البلاط."

للحظة، ساد الصمت، لكن شرر الغضب في عيني أشور كاد يحرق الهواء. كان يعرف ثقل نفوذ عائلة برزين، ويعلم أن عصيانه قد يجرّ عليه حكمًا بالموت. فتمتم بصوت مبحوح مليء بالمرارة: "إذن… لن تمنحوني شرف القصاص لقاتل أخي؟"

ابتسم فالريك ببرود قاتل: "ستُقام العدالة… لكن بطريقتنا الخاصة. ابتعد عن الطريق، يا لورد."

في الخلف، كان كيان واقفًا عند حافة الخيمة، يصغي لكل كلمة بعينين متجهمتين. استنتاجه حول السم الذي قتل الأسرى تعارض مع اتهامات فالريك. وجه كيان ينظر بتمعن إلى اللورد أشور وضابط برزين. يستمع لكل كلمة بتركيز شديد. استنتاجه حول السم يتضارب مع اتهامات ضابط برزين فالريك الصريحة بأن التعذيب هو سبب موت الأسرى. يبدأ يشعر بقوة بأن اللورد أشور قد يكون مظلومًا في هذه الاتهامات، وأن هناك قوى أخرى تحاول استغلال الموقف.

ليناور رغم اصابتها النفسيه بسبب موت أخيها ورغم أنها أصبحت مريضة لكن كانت تنظر إلى اللورد أشور وهو يواجه اتهامات ضابط برزين بغضب مكبوت. ترى في عينيه ألمًا حقيقيًا لفقدان أخيها وإصرارًا على تحقيق العدالة. تشعر بصدق كلماته ومرارة عجزه أمام هذه الاتهامات.

يلتفت ضباط برزين ويتحركون بثقة نحو خيمة التحقيق، تاركين اللورد أشور واقفًا كتمثال من الغضب العاجز، بينما تتطاير شرارات الكراهية من عينيه. واصبح الاتهام مباشرًا وواضحًا من ضابط برزين للورد أشور بالتقصير في حماية الأمير وقتل الأسرى.

وبينما كان ضباط برزين يبتعدون بخيلائهم نحو خيمة التحقيق، اقترب أحد الحرس من حارس آخر بصوت خافت يخشى أن يسمعه أحد: "هل رأيت الشعار على دروعهم؟ إنه ليس شعار المملكة فحسب… بل شعار عائلة برزين نفسها. فاللورد برزين ليس مجرد لورد عادي، إنه ابن أخ الملك، ابن الملك السابق قبل الدرامان. برزين يقف في البلاط بثقل لا يزاح، ونفوذه يتغلغل في كل ركن من أركان الحكم. خصومه لا يجرؤون على رفع أعينهم في حضرته."

في خيمة كيان المتواضعة. يجلس كيان على طاولة خشبية وعيناه تحدقان في الفراغ، بينما تسكن ملامحه نظرة تحليل عميقة. لقد ربط الخيوط في ذهنه: الاغتيال الدقيق للأمير، موت الأسرى المتزامن والمريب برائحة الزرنيخ الخفيفة، والوصول السريع لرجال برزين واتهامهم المباشر للورد أشور. يدرك كيان الآن بوضوح أن كل هذا مدبر بحكمة وذكاء خبيث. هناك عقل مدبر يقف وراء كل شيء، وعملية القتل والتخلص من الشهود تمت بدقة متناهية. لا يثق كيان بأحد في هذا المعسكر المليء بالولاءات المتضاربة. يعتقد أن اللورد أشور، بغضبه المتسرع ووحشيته، قد يكون أداة غير واعية في هذه المؤامرة، أو حتى كبش فداء مثالي لإبعاد الشبهات عن المجرم الحقيقي. لكن من هو هذا العقل المدبر؟ هذا ما يؤرق كيان بشدة.

نهض كيان يسير كيان بخطى واثقة نحو خيمة صغيرة كان يجلس فيها الشاب الكاتب الذي يسجل محاضر تحقيق اللورد أشور مع الأسرى. يأمل كيان في الحصول على نسخة من هذه التحقيقات ليتمكن من دراسة أقوالهم ربما يجد فيها ما فات الجميع. لكن سرعان ما يواجهه اثنان من فرسان اللورد برزين يقفان بصلابة أمام الخيمة. فارس برزين الأول (بنبرة آمرة): "إلى أين تظن نفسك ذاهبًا أيها الأمير غير الشرعي؟" كيان (بصوت هادئ): "أريد نسخة من تحقيقات اللورد أشور مع الأسرى." فارس برزين الثاني (يضحك باستهزاء): "تحقيقات؟ لقد انتهى الأمر. ومثل هذه الأمور لا تعنيك. اللورد برزين حريص على عدم انتشار أي نسخ." فارس برزين الأول (بنظرة استحقار): "عد إلى خيمتك يا لقيط. هذه ليست شؤونك."

في خيمة الأميرة ليانور. تجلس ليانور شاحبة ومتعبة على فراشها، تحاول استجماع قواها بعد صدمة فقدان أخيها والإغماءة التي أصابتها. يدخل كيان إلى خيمتها. كيان: "ليانور، أحتاج مساعدتك." ليانور (تنظر إليه): "ماذا هناك يا كيان؟" كيان: "أنتِ أميرة ومن دم العائلة الحاكمة. نفوذكِ قد يفتح لي أبوابًا مغلقة. أحتاج نسخة من تحقيقات أشور مع الأسرى. رجال برزين يمنعونني."

أمام خيمة ليانور بعد قليل. تقف ليانور ، ورغم حزنها يبدو عليها تصميم جديد. تطلب من أحد حراسها استدعاء ضابط برزين المسؤول عن منع انتشار التحقيقات. يصل الضابط . ليانور (بصوت ملكي حازم): "أريد نسخة كاملة من تحقيقات اللورد أشور مع الأسرى. فورًا." ضابط برزين (بتلعثم): "لكن سمو الأميرة... أوامر اللورد برزين..." ليلى (بنظرة حادة): "أوامري أنا أعلى هنا. أحضر النسخة، وإلا ستواجه غضبي." خيمة ليانور. بعد قليل، يستلم كيان نسخة من التحقيقات من ليانور. تنظر إليه بعيون قلقة. ليانور: "كن حذرًا يا كيان. هناك شيء مظلم يحدث هنا." كيان (يهز رأسه بجدية): "سأكشف الحقيقة يا ليانور. من أجل آريان."

في تلك الليلة، دخل اللورد أشور بنفسه خيمة الأميرة. بدا كأنه رجل مكسور، عيناه تغليان بالندم. اعتذر لها بصوت مبحوح: «لقد خذلتكم… لم أستطع حماية أخيكِ.» رأت ليانور في عينيه صدق الألم، فأدركت أنه رجل مخلص، وإن كان غليظاً في طباعه، لكنه ليس خائناً.

خيمة كيان. يجلس كيان لساعات طويلة تحت ضوء شمعة خافت، يقلب صفحات محضر تحقيق اللورد أشور حينما كان كتفه مصاب وامتلى القماش بدم لكنه استمر في القراءة. الكلمات المدونة تبدو عادية، وصفًا تقليديًا لاعترافات مجرمين تحت وطأة التعذيب. لا يوجد ذكر لأي مؤامرة داخلية واضحة، أو أي تفاصيل غير منطقية قد تدعم شكوكه حول التسميم. تبدو الاعترافات متقطعة، مليئة بالأنين والتوسلات، لكنها في المجمل تتفق على وصف الرجل القصير ذي الأصابع الغريبة. وجه كيان يعلوه الإحباط. قراءة التحقيقات لم تقدم له أي دليل ملموس يدعم استنتاجه حول سم الزرنيخ. ربما كان مخطئًا؟ لكن الرائحة الغريبة لا تفارق ذاكرته. يعود إليه شعور العزلة القاتل. في هذا المعسكر الغريب، المحكوم بالولاءات المتضاربة والصراعات الخفية، لا يثق كيان بأحد. قوته ونفوذه هنا معدومان، ومكانته كابن غير شرعي تجعله مهمشًا. في فناء المعسكر في ضوء الفجر الباهت. يقف كيان ناظرًا إلى خيمة ليانور. يشعر بخوف حقيقي عليها. إخبارها بحقيقة شكوكه قد يعرضها للخطر في هذا المكان الموبوء. رجال برزين يراقبون الجميع، وسلطتهم تتزايد. يدرك كيان أنه لا يستطيع التحرك بحرية هنا. في خيمة كيان. يتخذ كيان قرارًا حاسمًا. البقاء في هذا المعسكر لن يوصله إلى الحقيقة، بل قد يعرضه وليانور للخطر. يجب أن يعود إلى العاصمة زمير، حيث تتركز السلطة وحيث قد يجد حلفاء أو معلومات أكثر. البدء في التحري الحقيقي يجب أن يكون هناك، بعيدًا عن أعين رجال برزين وسلطتهم المتزايدة هنا. كيان يقف أمام خيمة ليانور. يبدو عليه التصميم. كيان (لنفسه بصوت خافت): "يجب أن نعود إلى زمير."

مع انبلاج فجرٍ ثقيل، بدا المعسكر الشرقي كمدينة منقسمة على نفسها. أعلام برزين ارتفعت إلى جانب رايات المملكة، والجنود يتبادلون النظرات المرتابة كأنهم يتهيأون لحرب داخلية لا لمعركة ضد عدو خارجي.

اللورد أشور كان يقف عند خيمته، ملامحه يكسوها الصمت. لم يكن اعتاد أن يُهان أمام رجاله، وها هو يجد نفسه محاصرًا بين اتهامات البلاط وغطرسة فالريك و ادراك خطر فالريك إن حضوره ليس فقط "إلغاء صلاحياته"، لكن كأنه يضع أشور تحت المراقبة، أو حتى يهدده بمحاكمة رسمية لاحقا .

أما الأميرة ليانور، ما تزال آثار الإعياء بادية على وجهها، إلا أن عزمها لم يتزعزع. كانت تفكر في كلمات فالريك وصرامة أشور، وتدرك أن الانقسام بين القادة لن يجلب إلا الخراب. لكن قلبها، الممزق بفقدان آريان، كان يميل إلى تصديق إخلاص أشور أكثر من أي أحد آخر.

مع أول خيوط الفجر، كان الضباب يتلاشى ببطء، جهّزت الأميرة ليانور جوادها الأبيض، بينما كان كيان، رغم جراحه، يشد لجام حصانه بعزمٍ لا يلين. ارتدى فرسان الحرس دروعهم الخفيفة، وأوقدوا مشاعل صغيرة قبل أن يطفئوها مع بزوغ النهار. وتحركوا لخارج المعسكر لم يتبادلوا الكثير من الكلمات؛ نظراتهم وحدها كانت تحمل القرار. وجهتهم كانت واحدة: العاصمة

ابتعد فالريك بخطواته المتغطرسة، غير مدرك أن الشرارة التي أشعلها قد تتحول غا إلى حريق يلتهم المملكة أما كيان، فشد قبضته على سيفه بصمت وعرف أن المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد.

2025/09/27 · 19 مشاهدة · 1369 كلمة
Atu4o B 511
نادي الروايات - 2026