تحت قبة "برج العاصمة" العظيم، كانت الأضواء تعمي الأبصار والموسيقى تملأ الأرجاء، لكنها لم تكن قادرة على حجب رائحة النفاق التي تفوح من مزارعي الطوائف الكبرى. كان هذا المساء مخصصاً للاحتفاء بـ "النخبة"، وأي نخبة؟ إنهم أولئك الذين بنوا أمجادهم على جثث الضعفاء. وفي قلب هذه الجلبة، كانت عائلة "لينغ" تجلس كطواويس فخورة. "لينغ تيان"، العم الذي قتل اخية، كان يرتدي رداءً من حرير، وعيناه تلمعان بزهوٍ مريض وهو يرى ابنته "لينغ شياو" تُحاط بنظرات الإعجاب من عباقرة القارة.

"اليوم يا ابنتي،" قال لينغ تيان بصوتٍ غليظ وهو يرفع كأسه الذهبي، "نثبت للعالم أن دماء عائلة لينغ هي الأنقى. القوة التي نمتلكها الآن ستجعلنا على نفس المستوى مع اقوى قوة في العاصمة."

ضحكت لينغ شياو ببرود، وهي تمسح شفتيها بمنديل مطرز. "القوة للأنقى دائماً يا أبي. والضعفاء.. مكانهم هو النسيان."

لم تكد تكمل جملتها حتى حدث ما لم يكن في الحسبان.

بوووووم!

انفجرت الأبواب الضخمة، ليس بفعل ضربة جسدية، بل بفعل "ضغط روحي" هائل حوّل الخشب الصلب إلى شظايا متطايرة جرحت وجوه الحراس القريبين. ساد صمتٌ مفاجئ، صمتٌ مرعب لدرجة أن صوت سقوط قطرة نبيذ على الأرض أصبح له صدى كقصف الرعد.

من وسط غبار الدمار، برزت ثلاثة ظلال بدت وكأنها خرجت للتو من أعمق طبقات الجحيم.

في المركز، مشى شيطان الدم. كان حضوره ثقيلاً لدرجة أن الثريات الكريستالية بدأت تهتز وتتشقق. وعن يمينه، سار يي تشين، الذي كانت عيناه الزرقاوان تنضحان ببرود أزلي، يده تلامس مقبض سيفه بوضعية توحي بأنه مستعد لقطع المكان بمن فيه في طرفة عين. وعن يساره.. كان هناك "هو".

لينغ فنغ. الشاب ذو الخمسة عشر عاماً، بشعره الأبيض القصير الذي بدا كأنه تاج من ثلج فوق وجهه الوسيم والحاد. عيناه الحمراوان لم تكن تنظر للأشياء، بل كانت تخترقها. كان يسير بخطوات هادئة، لكن كل خطوة كانت تترك أثراً محترقاً على السجاد الفاخر.

تجاهل شيطان الدم آلاف العيون المصعوقة، وسار مباشرة نحو المنصة الشرفية حيث يجلس "باي مو"، كبير طائفة السيف السماوي.

"هذا المقعد.." نطق شيطان الدم بصوت هادئ لكنه حمل سلطة إلهية، "أعجبني."

انتفض باي مو، وهو خبير في المستوى السابع (ذروة)، واحمرّ وجهه غضباً. "من أنت لـ..؟" لم يكمل جملته، فقد نظر شيطان الدم في عينيه. في تلك الثانية، شعر باي مو أن روحه تُسحب إلى هاوية من الدماء، ورأى مليارات الأرواح تصرخ في وجهه. تصبب العرق البارد من جبينه، وبيدين ترتجفان، نهض وتراجع للخلف دون نطع اي كلمة اخره

جلس شيطان الدم ببرود، ووضع قدماً فوق الأخرى. "استمروا في لهوكم.. نحن هنا للمشاهدة فقط.. حالياً."

في هذه الأثناء، كان "لينغ تيان" يحدق في لينغ فنغ بجنون. سقط الكأس من يده وانسكب النبيذ على ردائه الفاخر. "لا.. مستحيل.. شياو، انظري.. ألا يشبه ذلك اللعين؟"

ارتجفت لينغ شياو، وأصبح وجهها شاحباً كالكفن. "أبي.. مستحيل. ذاك القمامة مزقتَ دانتيانه بيدك. لقد تركناه ينزف حتى الموت في زقاق قذر. هذا الشاب.. هالته تذكرني بـ.."

قاطع شرودهما شاب يُدعى "تشاو رين"، وهو عبقري في المستوى الرابع من طائفة السيف، أراد استعراض عضلاته أمام لينغ شياو التي كان يطمع في الزواج منها.

"أيها المهرجون!" صرخ تشاو رين وهو يتقدم بوقاحة نحو لينغ فنغ. "تظنون أن رداءً أسود وعيوناً مصبوغة ستجعل منكم سادة هنا؟ أنت يا صاحب الشعر الأبيض، انحنِ وقبّل حذاء الآنسة لينغ اعتذاراً عن دخولك الهمجي، وإلا سأقطع لسانك وأطعمه للكلاب!"

ضحك لينغ فنغ. لم تكن ضحكة بشرية، بل كانت حشرجة قادمة من قبر. "تقطع لساني؟" قال لينغ فنغ وهو يخطو نحو تشاو رين. "أيها الصرصور الذي يتغذى على فتات الأباطرة.. هل تعرف كيف يكون شعور أن تُنزع روحك وأنت لا تزال تصرخ؟"

"اصمت!" صرخ تشاو رين وأطلق طاقة "سيف الرياح" الذهبية، محاولاً ضرب وجه لينغ فنغ.

لكن لينغ فنغ لم يتفادَ الضرب. ببساطة، رفع يده اليسرى وقبض على طاقة السيف وكأنها قطعة من الورق. (تشششششش) تلاشت الطاقة بين أصابعه وتصاعد منها دخان أحمر. اتسعت عينا تشاو رين رعباً، وقبل أن يرمش، كانت يد لينغ فنغ قد قبضت على وجهه بالكامل.

"تحدثت عن المكانة؟" همس لينغ فنغ في أذن تشاو رين المحطم. "مكانتك هي تحت قدمي."

بضغطٍ بسيط، حطم لينغ فنغ عظام فك تشاو رين، ثم أطلق طاقة "دماء الجحيم" بداخل جسد الشاب. في ثوانٍ، بدأت عروق تشاو رين تبرز بلون أسود مخيف، وانفجرت من مسام جلده دماء مغلية صبغت ثيابه البيضاء باللون القرمزي القذر. ألقاه لينغ فنغ بعيداً كأنه جيفة حيوان، ليصطدم بطاولة عائلة لينغ مباشرة، محطماً أواني الطعام فوق رؤوسهم.

ساد ذعرٌ لا يوصف. لكن لينغ فنغ لم يهتم بالجمهور. سار ببطء وثبات نحو "لينغ تيان". كان يي تشين يراقبه من الخلف، ويده على مقبض سيفه، مستعداً لذبح أي خبير يحاول التدخل.

توقف لينغ فنغ أمام عمه مباشرة. كانت المسافة بينهما تسمح للينغ تيان برؤية انعكاس وجهه المرعوب في عيون لينغ فنغ الحمراء.

"عمي العزيز.." نطق لينغ فنغ بمرارة ممزوجة بسخرية لاذعة. "أرى أنك استبدلتَ رداءك القديم بحريرٍ مسروق. هل تعتقد أن الحرير يغطي رائحة الخيانة التي تخرج من مسامك؟"

تراجع لينغ تيان وهو يرتجف. "أنت.. أنت لينغ فنغ؟ كيف؟ كيف نجوت؟"

مال لينغ فنغ برأسه قليلاً نحو لينغ شياو، التي كانت تتنفس بصعوبة كأنها تختنق. "آه.. شياو. خطيبتي الجميلة. هل تذكرين ما قلتِهِ لي في تلك الليلة؟ 'القمامة مكانها المزبلة'؟ حسناً.. لقد ذهبتُ إلى هناك، والتقيتُ بالشيطان، وقد أخبرني أن مكاني الحقيقي هو فوق جماجمكم."

"لينغ فنغ، اسمعني.." حاول لينغ تيان الكلام، لكن لينغ فنغ قبض على الكأس الذهبي الذي كان عمه يمسكه، وبدأت طاقته الحمراء تذيب الذهب بين أصابعه كأنه شمع.

"لا داعي للكلام يا عمي. لقد جئتُ اليوم فقط لأعيد لك شيئاً نسيته معك." اقترب لينغ فنغ من أذنه وهمس بصوت تقشعر له الأبدان: "دماؤك.. وعظامك.. وقوة عائلتك.. سأستعيدها قطعة قطعة. لن أقتلك اليوم، فهذا سيكون رحمة لا تستحقها. سأجعلك تشاهد كيف أحطم كل ما بنيته بدمي، سأجعلك ترى 'ابنتك العبقرية' وهي تتوسل للموت فلا تجده."

اعتدل لينغ فنغ، ونظر إلى القاعة بأكملها بوقار وغطرسة مطلقة. "غداً، في ساحة التدريب الملكية.. كل من يمثل طائفة أو عائلة ساندت هؤلاء الخونة، فليعتبر نفسه ميتاً. سأكون هناك.. ليس لأنافس، بل لأحصد الأرواح."

نهض شيطان الدم من مقعده، وضحكته المجلجلة هزت جدران البرج. "أحسنت يا تلميذي. العالم يجب أن يعرف أن دماءنا لا تُسرق دون ثمن."

التفت شيطان الدم إلى يي تشين. "يي تشين، إذا حاول أي مزارع في هذه القاعة مغادرتها قبل أن نخرج، فاقطع أرجله."

أومأ يي تشين ببرود، وبرز مليمتر واحد من نصله الأسود، فأطلق نية قتل جعلت أقوى الخبراء في القاعة يتسمرون في أماكنهم كالتماثيل.

خرج الثلاثة من القاعة المحطمة، مخلفين وراءهم جحيماً من الخوف والذهول. كانت لينغ شياو قد سقطت على ركبتيها وهي تبكي بهستيريا، ولينغ تيان كان يحدق في يده المرتجفة، مدركاً أن الكابوس الذي ظن أنه انتهى، قد عاد ليلتهمه حياً.

في الخارج، وتحت ضوء القمر، نظر لينغ فنغ إلى السماء وزفر نفساً حاراً. "معلم.. غداً، أريد أن أصيغ اسمي بالدماء على رمال الساحة."

ابتسم شيطان الدم بمرارة وغطرسة. "غداً يا لينغ فنغ.. غداً سيعرف العالم لماذا اخترتك لترثني"

2026/03/19 · 2 مشاهدة · 1080 كلمة
راوي
نادي الروايات - 2026