خيم صمتٌ جنائزيٌّ ثقيل داخل الطابق الأول من "برج التصفيات التسعة"، صمتٌ لم يكن هدوءاً، بل كان البرزخ الذي يفصل بين الحياة والفناء. كانت القاعة الرخامية الشاسعة، بأعمدتها الشاهقة ونقوشها الإمبراطورية، تبدو وكأنها معبدٌ ينتظر قربانه الأكبر. في المركز، وقف الشابان اللذان صارا حديث العاصمة؛ يي تشين بهدوئه المرعب الذي يشبه سكون المقابر، ولينغ فينغ بشعره الأبيض الذي بدا ككفنٍ يرفرف وسط الظلام، وعينيه القرمزيه تفيضان برغبةٍ جامحة في التدمير.
أمامهم، احتشد المئات من التلاميذ؛ نخبة الطوائف والبيوتات النبيلة. كان هواء القاعة مشبعاً برائحة الغرور الزائف. معظم الحاضرين كانوا في ذروة المستوى الثالث، والبعض الآخر قد وطأت أقدامهم عتبة المستوى الرابع حديثاً. بالنسبة لهم، كان العدد هو الضمانة، والكثرة هي الدرع.
"انظروا إليهما.. طفلان يظنان أن لقب 'تلاميذ شيطان الدم' سيحمهما منا،" صرخ أحد تلاميذ طائفة "النصل القاطع"، وهو يلوح بسيفه العريض بسخرية.
تعالت الضحكات المستهزئة في القاعة. "خمس مئة مزارع ضد اثنين؟ حتى لو كانوا وحوش سنسحقهم تحت أقدامنا كالحشرات. !"
كان لينغ فينغ يستمع إلى كلماتهم، ولم تكن ملامحه تحمل غضباً، بل كانت تحمل شفقةً مرعبة. مالت زاوية فمه بابتسامةٍ شيطانية أظهرت أنيابه الحادة. خطى خطوةً للأمام، تاركاً خلفه يي تشين الساكن كتمثالٍ أسود.
"أخي الأكبر يي تشين،" نطق لينغ فينغ، وصوته يحمل بحّةً اهتزت لها جدران البرج، "المعلم قال إن القمة تتسع للأقوياء فقط. وهؤلاء.. هؤلاء مجرد ضجيجٍ يزعج أذني. ابقَ مكانك، لا تلوث ثيابك بدماء الصراصير. هذا الطابق.. ملكي أنا."
أومأ يي تشين برأسه ببطء، وعيناه الزرقاوان تنظران نحو الأفق وكأنه يرى نهايتهم المحتومة قبل وقوعها. "لا تتأخر يا فنغ..."
"اقتلوووووووه!" صرخ مزارعٌ ضخم من طائفة "القبضة الحديدية"، مندفعاً نحو لينغ فينغ.
في تلك اللحظة، حدث التحول. لم يعد لينغ فينغ بشراً؛ تداخلت طاقته الروحية مع جوهر "بنية الهيكل الشيطاني" التي حصل عليها من معلمه. سُمع صوت طقطقةٍ مرعبة داخل جسده، وكأن عظاماً فولاذية تنمو وتتموضع من جديد. برزت عروق وجهه بلونٍ أرجواني داكن، وفاضت منه هالةٌ ضاغطة جعلت الهواء يتجمد في صدور المندفعين.
انفجر لينغ فينغ من مكانه بقوةٍ حطمت الرخام تحت قدميه. كان أول اصطدام له مع عشرة مزارعين دفعة واحدة. لم يستخدم سيفاً، ولم يستخدم تقنياتٍ معقدة؛ استخدم جسده فقط.
طاااااااااااخ!
قبضته العارية اخترقت صدر المزارع الأول، محطمةً عظام القفص الصدري وكأنها ورق يابس، لتخرج من ظهره وهي تحمل قلباً لا يزال ينبض. وبحركةٍ دائرية، أطاح برؤوس ثلاثة آخرين بضربة واحدة من ساعده الفولاذي. لم تكن ضربات، بل كانت انفجاراتٍ جسدية.
بدأت المذبحة. تحول لينغ فينغ إلى إعصارٍ من اللحم والعظام. كان يغوص وسط مئات التلاميذ، يمزق الأذرع كما تُنزع أغصان الشجر، ويقتلع الفكوك بلمسةٍ واحدة. الصرخات بدأت تعلو، لكنها لم تكن صرخات قتال، بل كانت صرخات استغاثةٍ يائسة.
مع مرور الدقائق، اختفت ملامح القاعة الرخامية. الأرضية الناصعة اختفت تحت طبقةٍ لزجة وكثيفة من الدماء القرمزية. الأطراف المبتورة كانت تتطاير في الهواء كأنها أمطارٌ ملعونة. لينغ فينغ لم يعد يُرى منه خصلة شعرٍ بيضاء واحدة؛ لقد اصطبغ بالكامل بلون الدماء. أصبح عبارة عن "كتلة حمراء" متحركة، شيطانٌ خرج من رحم المجزرة ليعيد تعريف معنى الألم.
كان يمسك برأس مزارع من المستوى الرابع، وبكل برود، ضغط بأصابعه حتى انفجرت الجمجمة بين يديه كالفاكهة الناضجة، وتناثرت الأدمغة على وجهه، فلحس الدماء عن شفتيه بضحكةٍ مجنونة.
"أين ذهبت شجاعتكم؟!" صرخ لينغ فينغ وهو يقتلع عموداً فقرياً لأحدهم ويستخدمه كـ "سوطٍ بشري" ليحطم به وجوه البقية. "ألم تقولوا إنكم كثيرون؟ أين شجاعتكم الآن!"
التلاميذ الذين كانوا يسخرون منذ قليل، تحولوا إلى قطعانٍ من الماشية المذعورة. الخوف الذي زرعه لينغ فينغ في قلوبهم كان أقوى من أي فن قتالي. رأوا زملاءهم يُقطّعون إرباً، ورأوا "بنية الهيكل الشيطاني" تصد سيوفهم وأسلحتهم وكأنها دبابيس ورق. لم يستطع أحدٌ خدش جلده، بينما كانت كل لمسةٍ منه تعني الموت المحتم.
تحول الذعر إلى هستيريا جماعية. المئات من التلاميذ الذين نجو—أو الذين لم يصلهم لينغ فينغ بعد—بدأوا يتدافعون بجنون نحو السلالم المؤدية للطوابق العليا. سقطوا فوق بعضهم البعض، وداس القوي منهم على الضعيف هرباً من ذلك "الوحش الأحمر" الذي كان يقف وسط بركةٍ من الأحشاء الممزقة.
"إنه ليس بشرياً! ارحلوا! ارحلوا للطوابق العليا!" صرخ أحدهم وهو يزحف على يديه بعد أن فقد قدميه.
توقف لينغ فينغ في منتصف القاعة، والدماء تقطر من أطراف أصابعه بغزارة. كان يتنفس بصعوبة، ليس من التعب، بل من النشوة القتالية التي غمرت حواسه. نظر نحو يي تشين الذي كان يقف بعيداً، ولم تمس ثوبه الأسود قطرة دماء واحدة.
"أخي الأكبر.. لقد هربوا،" قال لينغ فينغ وهو يمسح الدماء عن عينيه بصعوبة.
ابتسم يي تشين ببرود. "دعهم يهربون يا فنغ. الطوابق العليا ستكون سجنهم الأبدي. لقد أديتَ مهمتك في الطابق الأول ببراعة."
في الخارج، وفي ساحة العاصمة الكبرى، كانت المرايا السحرية تنقل كل تفصيلٍ من هذه المجزرة. ساد صمتٌ مطبق بين آلاف الحاضرين. كبار الشيوخ، والجنرالات، وحتى الإمبراطور نفسه، تسمروا في أماكنهم. لم يسبق لتاريخ "برج التصفيات" أن شهد مذبحةً بهذا الحجم في الطابق الأول.
"خمسماية تلميذ.. أبيد نصفهم في دقائق؟" تمتم أحد القادة العسكريين وهو يشعر ببرودةٍ في ظهره. "من أين أتى شيطان الدم بهؤلاء الوحوش؟"
النساء أغمي عليهن، والمحاربون القدامى قبضوا على مقابض سيوفهم برعب. لقد كانت رسالةً واضحة للعالم أجمع: شيطان الدم لم يعد وحيداً.. لقد صنع جيشاً من رجل واحد، جيشاً سيبدأ من البرج وينتهي بالعالم.
نظر لينغ فينغ نحو الدرج، ثم نحو يي تشين. "لنذهب.. الخرفان تنتضر الذبح."
تحرك "الرجل الأحمر" و"سيد السيف الصامت" نحو الطابق الثاني، تاركين خلفهم مقبرةً جماعية في الطابق الأول، ومسجلين أول سطرٍ في ملحمة الدم التي لن تنساها الإمبراطورية لآلاف السنين.