ساد صمتٌ جنائزي في أعماق الغابة المحرمة، صمتٌ لم تكن تكسره سوى القطرات الثقيلة للدماء التي كانت تسقط من أطراف أوراق الأشجار العتيقة. كان الهواء مشبعاً برائحة الموت الصرفة، والضباب يزحف ببطء كأنه كفنٌ يغطي ساحة المجزرة. وسط هذا الجحيم البارد، وقف رجلٌ كان حضوره وحده كفيلاً بجعل الطبيعة ترتجف؛ بملامح وسيمة حادة كالسيف، وشعرٍ أسود فاحم ينسدل على كتفيه، وعينين حمراوين تتوهجان ببريقٍ مرعب يخترق حلكة الظلام.
لقد كان هو.. "شيطان الدم".
وقف شيطان الدم وسط عشرات الجثث المشوهة والأطراف المنتشرة التي بدت كقطع شطرنج محطمة في لعبةٍ لم يستغرق حسمها سوى دقائق. لم يكن ينظر إلى الضحايا، ولم يبدِ أي اهتمام بصرخاتهم التي لا تزال أصداؤها تتردد في ثنايا الأشجار. بدلاً من ذلك، رفع رأسه نحو السماء، مثبتاً نظره القرمزي على القمر المكتمل.
في تلك اللحظة، شرد ذهنه بعيداً.. بعيداً جداً عن هذا العالم المليء بالدماء والزراعة الروحية. تذكر حياته الماضية، تذكر عالماً لم تكن فيه السيوف هي الحاكمة، بل الكتب والشاشات. تذكر الساعات التي قضاها يقرأ روايات "النظام" و"التجسد"، متخيلاً نفسه بطلاً يمتلك لوحة تحكمٍ إلهية. لكنه مات، وتجسد هنا، وفي هذا العالم الجديد، لم يجد نظاماً، ولم يجد بطلاً ينقذه؛ وجد فقط القوة الغاشمة، وصقل نفسه بدمائه ودموع خصومه حتى ارتقى لقمة "الذروة التاسعة"، ليصبح الكابوس الذي يخشى الجميع ذكره.
"همممم.." همس بصوتٍ أجش، وهو يشعر باهتزاز غريب في نسيج الفضاء من حوله.
---
فجأة، تشوه الفضاء أمام عينيه مباشرة، وكأن يداً خفية قامت بتمزيق حجاب الواقع. خرجت من بين الشقوق لوحةٌ شفافة، متوهجة بلهيبٍ أزرق وأحمر، تنبعث منها نصوصٌ تتحرك وكأنها كائناتٌ حية تتنفس. تراجع شيطان الدم خطوة واحدة، وارتسمت على وجهه الوسيم ابتسامةٌ ساخرة وممتزجة بالمرارة.
> **[النظام: مُعلم أبناء القدر]**
> **الحالة:** تم التفعيل بعد وصول المضيف للذروة المطلقة.
> **المهمة:** لقد تم اختيارك لتصبح مرشداً وسيداً لأبناء القدر في هذا العصر.
ضحك شيطان الدم ضحكةً مدوية، اهتزت لها الأشجار وتساقطت منها الأوراق الميتة. "ها ها ها ها! نظام؟ الآن؟ بعد أن شققتُ طريقي بين آلاف الجثث؟ بعد أن صرتُ سيداً لنفسي ولا أحتاج لعونٍ من أحد؟" قال وهو يشير بإصبعه نحو اللوحة المتوهجة بتهكم. "لقد تأخرت كثيراً أيها النظام التافه. لم أعد بحاجة إليك، ولا أريد أن أكون معلماً لأحد. أنا أقتل، ولا أرشد."
لم تهتز اللوحة، بل بدأت النصوص تتغير بسرعة، وانبعث صوتٌ آلي بارد اخترق وعيه مباشرة:
{"رفضك مسجل.. ولكن، هل أنت متأكد؟ ألا تشعر بالفراغ في هذا العالم؟ ألا تتساءل عن إخوتك الذين تركتهم خلفك في حياتك الماضية؟"}
---
تصلبت ملامح شيطان الدم فوراً، وانطفأت ضحكته لتحل محلها نظرةٌ من الشك والذهول. "إخوتي؟" همس والشرر يتطاير من عينيه الحمراوين. "ماذا تقصد؟ لقد مات ذلك العالم، وماتوا معه."
رد النظام ببرودٍ قاتل: {"هناك طريقة.. إذا أرشدت أبناء القدر ووصلت لمستوى السيادة الكوني، يمكن لهذا النظام فتح بوابات الزمان والمكان. يمكنك لقاؤهم مجدداً، ليس كذكرى، بل كحقيقة. القوة التي تكتسبها من تلاميذك هي المفتاح الوحيد لكسر قيود هذا العالم والعودة لما فقدته."}
ساد صمتٌ طويل. كان صراع الأفكار يدور في عقل شيطان الدم كالإعصار. الشك كان ينهش قلبه، لكن الأمل—ذلك الشيء الذي ظن أنه دفنه منذ زمن—بدأ ينبض مجدداً. مسح دماءً كانت قد علقت بوجنته من معركته الأخيرة، ثم رفع رأسه بكبرياءٍ لا يلين.
"حسنٌ.." قال وصوته يقطر حزماً، "سأقبل بهذا العبث. لكن استمع جيداً أيها النظام، فإني لن أقولها مرتين: أنا سيد نفسي، ولن تتدخل في طريقتي في الإرشاد. لا أوامر، لا قيود، ولا دروس أخلاقية تافهة. سأرشدهم بأسلوبي، بأسلوب الدم والموت. وإذا لم يثبتوا أنهم يستحقون وقتي، سأقتلهم بيدي وأمزق نظامك هذا."
---
لم يرد النظام بالكلمات، بل توهجت اللوحة بضوءٍ أبيض ساطع أعمى الأبصار للحظات، وكأن الفضاء نفسه يبصم على هذا الميثاق المحرم.
> **[الموافقة مسجلة]**
> **الوضع:** سيد مستقل (المضيف يمتلك السلطة المطلقة).
> **ملاحظة:** كل تطور للتلميذ يزيد من قوة المعلم بنسبة مضاعفة.
تحركت النصوص بسرعة البرق، وبدأت خريطةٌ روحية تظهر على الشاشة، تشير إلى نقطةٍ بعيدة داخل الإمبراطورية، نقطةٌ تشع بوميضٍ ذهبي خافت وسط بحرٍ من السواد.
> **[تم تحديد الهدف]**
> **الحدث:** وُلد "ابن القدر" الأول.
> **الموقع:** غابات العاصمة
> **الحالة:** تجسيد من العوالم العليا
ابتسم شيطان الدم، وكانت ابتسامته هذه المرة تحمل وعداً بالدمار. رفع يده وكأن العالم كله صار قطعةً من العجين بين أصابعه. "ابن القدر الأول.. لنرى إن كان بإمكانك تحمل جحيمي. استعد يا تلميذي العزيز، فمعلمك ليس قديساً، بل هو الشيطان الذي سيقودك للقمة.. أو للقبر."
انطلق شيطان الدم من مكانه، تاركاً خلفه ساحة الجثث، ومختفياً وسط الضلال كشبحٍ لا يرحم، متجهاً نحو مكان هدفه ليبدأ عهداً جديداً، عهداً لن يرحم فيه أحداً، عهداً يقربه خطوة واحدة من إخوته الذين ضاعوا في طيات الزمن.
-