خيم صمتٌ جنائزيٌّ ثقيل فوق "وادي الأرواح المنسية" ، لكنه لم يكن صمتاً طبيعياً، بل كان الهدوء الذي يسبق تمزق السماء. على مد بصر الأفق، كانت الجيوش الإمبراطورية تحتشد كجرادٍ بشريٍّ لا ينتهي؛ مئات الآلاف من الجنود بمدارعاتهم الثقيلة، تتقدم للإمام. وفي المقدمة، وقف الجبابرة السبعة، أسلاف الطوائف العظمى، يقودهم زو شيان ، سلف الإمبراطورية الأقوى بوقاره المهيب وذروة مستواه التاسع الذي يكاد يلامس عنان السماء.
كان الحصار يطبق خناقه على الوادي، وكأن القارة بأكملها قد اجتمعت لتقتلع جذور "شيطان الدم" وتلاميذه من الوجود.
---
وسط هذا الحشد الأسطوري، تقدم فارسٌ يحمل رايةً إمبراطورية، وأطلق سهماً روحياً مشحوناً بطاقة زو شيان . اخترق السهم الضباب الكثيف للوادي واستقر عند مدخل الكهف. كان يحمل رسالةً مكتوبة بـ "نية السيادة"، كلماتٌ تهتز لها القلوب الضعيفة.
التقط يي تشين الرسالة ببرود، وبجانبه وقف لينغ فينغ الذي بدأت عيناه الحمراوان تشعان بـ "نية قتل" مكبوتة. فتح يي تشين الرسالة وقرأ بصوتٍ هادئ:
> "إلى العالقين في جحر الشيطان.. أمامكم أسبوعٌ واحدٌ فقط. سلموا أنفسكم، وسلموا رأس شيطان الدم، أو سيكون الوادي مقبرتكم الجماعية. بعد سبعة أيام، لن تشرق الشمس على كائنٍ يتنفس داخل هذه الحدود."
نظر لينغ فينغ إلى يي تشين، والشرر يتطاير من جسده: "أخي، هل سننتظرهم ليذبحونا؟"
ابتسم يي تشين ابتسامةً غامضة، تلك الابتسامة التي توحي بأن خلفها دهاءً يزن الجبال. "لينغ فينغ، القوة الغاشمة تصنع الانتصارات، لكن الدهاء يصنع التاريخ. نحتاج للوقت.. والمعلم يحتاج للصمت ليكمل اختراقه. سنمنحهم الأسبوع الذي طلبوه.. وسنأخذ منهم أسبوعاً إضافياً فوقه."
---
كرس يي تشين الأيام الأولى في عملٍ مضنٍ لا يتوقف. لم يكن يبني جدرانًا، بل كان يبني "كابوساً". استخدم خبرته العميقة في فنون المصفوفات المحرمة، وقام بدمج "نية السيف" الحادة الخاصة به مع "قطرات من دم لينغ فينغ" التي تحتوي على جوهر بنية العظام الشيطانية.
كانت المصفوفة معقدة لدرجة الإعجاز؛ صمم يي تشين "مصفوفة وهمٍ سرمدية" تتداخل مع "مصفوفة دفاعية سيادية" . الدماء الشيطانية أعطت المصفوفة طابعاً مرعباً يجعل من يقترب منها يشعر وكأن آلاف الشياطين تنهش في روحه، بينما "نية السيف" جعلت الهواء المحيط بالوادي قاطعاً كالشفرات.
"هذه المصفوفة لن تمنعهم من الدخول للأبد،" همس يي تشين وهو يمسح العرق عن جبينه، "لكنها ستجعل كل خطوة يخطونها داخل الوادي ثمنها قطراتٌ من عقولهم ودمائهم."
---
مرت الأيام السبعة الأولى والأسلاف في الخارج يراقبون في صمت. لم يخرج ردٌ واحد من الوادي. لم تظهر علامة حياة، ولا صرخة استسلام. كان الوادي يبتلع الضوء والوقت ببرودٍ مريب.
كان زو شيان يقف فوق منصته العالية، يراقب الضباب الكثيف الذي يزداد اسوداداً مع مرور كل ساعة. "هل ماتوا خوفاً؟ أم أن شيطان الدم يخطط لشيء؟" تساءل سلف طائفة البرق السماوي بحذر.
رد زو شيان بصوتٍ جهوري: "انتهى الوقت. إذا كانوا يريدون الموت في جحورهم، فليكن لهم ذلك. تقدموا! دمروا المداخل!"
--
بمجرد أن تقدم الجيش الإمبراطوري وخطت أقدام الجنود الأولى داخل حدود الوادي، اندلع الجحيم. فجأة، تحول الضباب إلى جدرانٍ من المرايا الدموية. بدأ الجنود يصرخون؛ لم يكن هناك عدوٌ يقاتلونه، بل كانت المصفوفة تجعلهم يقاتلون ظلالهم.
دخل الجيش في "مصفوفة الوهم" التي صممها يي تشين بعناية. رأى الجنود رفاقهم يتحولون إلى وحوش، فبدأوا يذبحون بعضهم البعض في حالة ذعرٍ جماعي. أما الأسلاف السبعة، فقد اصطدموا بـ "المصفوفة الدفاعية المدمجة" . كلما أطلقوا ضربةً طاقية، كانت المصفوفة تمتصها وتعيد توجيهها نحوهم مشبعة بـ "نية السيف" الحادة.
خمسة أيامٍ كاملة ضاعت من عمر الحصار. خمسة أيام وزو شيان يزأر غضباً وهو يرى جيشه يتآكل من الداخل بفعل الأوهام، وقوته تتبدد أمام جدارٍ غير مرئي من الدماء والسيوف. كان يي تشين ولينغ فينغ يراقبان من القمة، يريان كيف يتخبط الجبابرة في شباك العنكبوت التي نسجاها.
"لقد نجحنا يا اخي،" قال لينغ فينغ وهو يشعر بارتعاش الأرض تحت قدميه، "لكن المصفوفة بدأت تنهار."
نظر يي تشين نحو الكهف العميق، حيث كانت تنبعث نبضاتٌ طاقية حمراء تجعل الجدران تتصدع. "لم يعد يهم يا لينغ فينغ.. لقد حصل المعلم على وقته الكامل."
---
في نهاية اليوم الخامس من الهجوم (والثاني عشر من الحصار الإجمالي)، أطلق زو شيان والأسلاف السبعة ضربةً موحدة زلزلت القارة. انفجرت المصفوفات أخيراً، وتلاشى الضباب الدموي ليكشف عن مدخل الكهف.
"أخيراً!" صرخ زو شيان وهو يتقدم بنصلٍ ذهبي عملاق، "اخرج يا شيطان الدم! لم يعد لديك جدرانٌ تختبئ خلفها!"
لكن الصمت الذي رد عليه كان أرعب من أي ضجيج. وفجأة.. توقفت الرياح. توقفت العصافير عن الزقزقة. حتى الجنود المتبقون تجمدوا في أماكنهم وكأن الزمان قد توقف.
(ببببببببمممممممممممم!)
لم ينفجر الكهف فحسب، بل بدا وكأن الفضاء نفسه قد انشق. انبعثت موجةٌ من الطاقة السيادية السوداء، طاقةٌ لم تكن تنتمي للمستوى التاسع، بل كانت تفيض بـ جبروت المستوى العاشر الحقيقي . سحقت الموجة كل المصفوفات الذهبية للأسلاف في ثانية واحدة، وجعلت مئات الآلاف من الجنود يسقطون على ركبهم رغماً عنهم، والدم ينزف من أنوفهم وآذانهم.
من وسط الغبار والظلام، خرج شيطان الدم .
لم تكن هناك حاجة لـ "هالة وهمية" الآن. كانت خطواته على الأرض تخلق تصدعاتٍ في الواقع. كانت عيناه القرمزيتان تشعان بنورٍ يبتلع الضوء، وشعره الطويل يتطاير كأنه منسوجٌ من دماء الأباطرة الراحلين. خلفه، وقف يي تشين ولينغ فينغ، نظراتهما تفيض بالفخر والولاء المطلق.
نظر شيطان الدم إلى زو شيان، الذي كان يقف شاحباً كالموت، سيفه الذهبي يرتجف في يده لأول مرة في حياته.
"لقد منحتموني الوقت الكافي لاختراقي" قال شيطان الدم، وصوته كان يشبه حفيف الشفرات على الرقاب، "لقد كنتم حراساً جيدين لبابي طوال هذه المدة.. والآن، سأمنحكم الأجر الذي يليق بانتظاركم."
رفع شيطان الدم يده ببطء، وفي تلك اللحظة، أدرك الأسلاف السبعة الحقيقة المرة: لقد منحوا "الوحش" الوقت ليصبح "إلهاً للموت"، والآن.. لم يعد هناك مكانٌ للهرب في هذه القارة الواسعة.
---