ساد صمتٌ جنائزيّ داخل قاعة العرش الكبرى بقصر "النور الذهبي". لم يكن صمتاً طبيعياً، بل كان فراغاً صوتياً مرعباً خلّفه الحضور الطاغي لـ **شيطان الدم**. الرخام الأبيض الذي صُقل لآلاف السنين ليعكس ضياء القنديل الملكي، بدا الآن شاحباً ومطفأً، وكأن الألوان والأنوار قد سُحبت منه رعباً من الوقع الرزين لخطوات المعلم وتلميذيه. الهواء في القاعة أصبح ثقيلاً، لزجاً، يفوح برائحة النحاس؛ رائحة الدماء التي كانت لا تزال تقطر من أطراف رداء شيطان الدم القرمزي.

صعد شيطان الدم السلالم العظيمة المؤدية للعرش، وكل درجة يطأها كانت تصدر أنيناً مكتوماً، تصدعات دقيقة تشققت كخيوط العنكبوت تحت قدمه. خلفه، كان **يي تشين** يسير كملكٍ مخلوع استعاد كبرياء بحد السيف، يده على مقبض سيفه الأسود الذي كان يصدر طنيناً خفيضاً يتردد صداه في أرواح الأحياء كتحذيرٍ أزلي. أما **لينغ فنغ**، فقد كان جسده ينبض بطاقة حمراء غامضة، شعره الأبيض يتطاير ببطء في هواءٍ راكد، ونظرته كانت ثابتة، باردة، وخالية من أي ذرة رحمة بشرية.

---

في نهاية القاعة، فوق العرش الذهبي الذي كان يوماً رمزاً لسيادة القارة، كان الإمبراطور **زو تاي** يجلس كحطام رجل. لم يعد يشبه الأباطرة في شيء؛ تاجه المرصع بالياقوت قد سقط ليتدحرج على السلالم بضجيج معدني بائس، ورداؤه الإمبراطوري كان مبتلاً بالعرق البارد. كانت عيناه جاحظتين، تراقب بذهولٍ مطلق كيف انتهى ملكه في لحظات.

توقف شيطان الدم أمام الدرجة الأولى للعرش. "زو تاي،" نطق بصوتٍ هادئ، لكنه كان كوقع الصواعق المتتالية في عقل الإمبراطور. "لقد أطلتَ النظر إلى السماء وظننتَ أنك نجمٌ لا يأفل. واليوم، جئتُ لأريك كيف يبتلع الظلام النجوم الزائفة."

"أرجوك..." تمتم زو تاي، وصوته يخرج كحشرجة الموت. "سأعطيك كل شيء... الخزائن... الطوائف... فقط اترك لي حياتي."

ابتسم شيطان الدم ابتسامةً لم تصل لعينيه القرمزيتين. "الحياة؟ أنت تطلب شيئاً لم تعد تملكه منذ اللحظة التي فكرت فيها في محاصرة واديّ. لكن قبل أن ترحل، عليك أن تدفع ثمن 'ضيافتك' لي في هذا القصر."

التفت شيطان الدم نحو تلميذيه وأومأ برأسه إيماءة بسيطة. "يي تشين، لينغ فنغ... أحضرا 'القرابين'. أريد للإمبراطور أن يرى ثمار غطرسته."

---

بلمحة بصر، اختفى يي تشين ولينغ فنغ من القاعة، ليعودا بعد دقائق وهما يجران خلفهما بقايا العائلة الحاكمة. صرخات الرعب ملأت القاعة؛ كانت هناك الملكة، والأمراء الصغار، والوزراء المقربون. الجميع كان مقيداً بسلاسل من الطاقة الحمراء التي كانت تنخر في أجسادهم.

أُلقي بهم جميعاً في ساحة القاعة، تحت أنظار زو تاي المحطمة. "لاااا! اتركهم! هم لا ذنب لهم!" صرخ الإمبراطور وهو يحاول النهوض، لكن ضغط هالة شيطان الدم سحقه مجدداً ليجثو على ركبتيه فوق الرخام.

"الذنب هو دمك الذي يجري في عروقهم،" قال شيطان الدم ببرود سيادي. "لقد حاصرتَ واديّ محاولاً خنقي. والآن، سأخنق روحك برؤية كل ما تحب وهو يتلاشى."

بدأ الجحيم الحقيقي. أشار شيطان الدم نحو الأمير الأكبر، وريث العرش الذي كان يرتجف رعباً. وبحركة بسيطة من إصبعه، بدأت نية السيف الكاملة تتغلغل في جسد الأمير. لم يقتله فوراً؛ بل بدأت تمزق مفاصله واحداً تلو الآخر ببطءٍ مرعب.

كانت صرخات الأمير تمزق سكون القاعة، وزو تاي يرى ابنه يُقطع إرباً أمام عينيه. كان يرى العظام وهي تبرز، والدماء وهي تطلي الرخام الأبيض. حاول زو تاي إغلاق عينيه، لكن شيطان الدم نطق بكلمة واحدة: "انظر."

بقوةٍ لا تُقاوم، أُجبرت أجفان زو تاي على البقاء مفتوحة. "انظر يا زو تاي.. هذا هو ثمن التحدي. كل صرخة تسمعها هي مسمارٌ في قلبك وروحك"

انتقل شيطان الدم للملكة. وبكل برود، جعل لينغ فنغ يستخدم "فن شيطان الدم" لامتصاص طاقة حياتها أمام زوجها. رأت زو تاي وجه زوجته وهو يذبل، وجلدها وهو يتجعد، وعيناها وهما تنطفئان في ثوانٍ، لتتحول في النهاية إلى حفنة من الرماد الأسود الذي تطاير في الهواء القرمزي.

واحدٌ تلو الآخر، قُتلت عائلة زو بأبشع الطرق. يي تشين كان يقطع الرؤوس بنية سيفه الرمادية التي تترك أثراً من الذبول الأزلي، ولينغ فنغ كان يمزق الصدور بيده العارية، منتزعاً القلوب النابضة ليرميها تحت أقدام زو تاي.

كان زو تاي قد فقد عقله تماماً. كان ينتحب، يتوسل، يلعق الأرض تحت قدمي شيطان الدم. "اقتلني أنا! أرجوك... كفى! سأفعل أي شيء... سأكون كلبك المطيع! فقط توقف عن ذبحهم!"

---

توقف شيطان الدم، ونظر إلى الساحة التي تحولت إلى بحيرة من الدماء والأطراف المبتورة. لم يبقَ من عائلة زو سوى جثث مشوهة. مشى شيطان الدم ببطء نحو زو تاي الجاثي وسط دموع ودماء عائلته.

"لقد انتهت المسرحية يا زو تاي،" قال شيطان الدم، وصوته يحمل رنيناً ميتافيزيقياً. "لقد أصبحتَ الآن وحيداً، تماماً كما أردتَ لي أن أكون في وادي الأرواح المنسية."

رفع شيطان الدم قدمه، ووضعها ببطء فوق رأس الإمبراطور. زو تاي، الذي كان يوماً يحكم الملايين، وجد وجهه ملتصقاً بالرخام البارد، والدم يتجمع حول أنفه.

"تاجك لم يحمك، وجيشك لم ينقذك، وأسلافك صاروا صناديق من اللحم العفن،" همس شيطان الدم وهو يزيد الضغط. "تذكر هذا في جحيمك: شيطان الدم لا يغفر، ولا ينسى."

*(طـق.. كراك!)*

بضغطٍ بسيط من قدمه المشبعة بطاقة المستوى العاشر، تحطمت جمجمة زو تاي كقشرة بيضة هشة. تناثرت الأدمغة والدماء لتختلط بدموع الإمبراطور الأخيرة. مات زو تاي ذليلاً، تحت قدم الرجل الذي ظن أنه يستطيع محوه.

---

وقف شيطان الدم وسط الحطام، ونظر نحو يي تشين ولينغ فنغ. كانت عيناه تفيضان بنورٍ مظلم يبتلع ضوء القناديل.

"يي تشين... لينغ فنغ،" نادى المعلم بصوتٍ رصين. "هذه العاصمة بنيت على وهم 'النور الذهبي'. لم يعد لها مكانٌ في عالمي. طهرا المكان. لا أريد حجراً فوق حجر. أريد لهذه المدينة أن تكون عبرة لكل من تسول له نفسه رفع عينه نحو سمائي."

انحنى يي تشين بوقار، وسحب سيفه الأسود بالكامل لأول مرة. انبعثت نية سيفٍ رمادية غطت آفاق المدينة، نية تحمل رائحة الموت والذبول. "بأمرك معلمي.. سأجعل هذه الأرض لا تنبت إلا الذكرى الملعونة."

أما لينغ فنغ، فقد أطلق صرخةً شيطانية، وتحول جسده إلى كتلة من النار الحمراء. "سأحرق ذكراهم حتى ينسى التاريخ أسماءهم!"

بدأ التطهير. تحرك يي تشين كالبرق وسط شوارع العاصمة. كل لوحة سيف منه كانت تمحو حياً بأكمله. لم يقتل البشر فحسب، بل كان يقطع "الطاقة الروحية" للمباني والقصور، مما جعلها تنهار وتتحول لغبار في ثوانٍ. كان يتحرك بصمت، وبكل حركة، كان يترك خلفه خندقاً من العدم.

لينغ فنغ، من جهة أخرى، كان يمثل الفوضى الدموية. كان يحرق المعابد، ويحطم التماثيل الإمبراطورية، ويطارد بقايا الحرس السري في السراديب المظلمة. لم يترك روحاً تنبض، ولم يترك حائطاً قائماً. كان يضحك ب جنون وهو يرى "النور الذهبي" ينطفئ للأبد تحت لهيبه الأحمر.

من فوق قمة القصر، كان شيطان الدم يراقب مشهد الفناء ببرودٍ مطلق. العاصمة التي كانت فخر القارة، كانت تذوب الآن تحت وطأة غضبه. الدخان الأسود غطى السماء، وصراخ الملايين تلاشى ليحل محله صوت انهيار الجدران العظيمة.

بحلول الفجر، لم تعد عاصمة "النور الذهبي" موجودة. تحولت إلى مساحة شاسعة من الرماد والركام. القصر الإمبراطوري صار أطلالاً مسكونة بالأشباح، والساحة الكبرى صارت مقبرةً جماعية لا اسم لها.

---

في وسط هذا الحطام، توقف يي تشين بجانب معلمه. كان سيفه يقطر دماً، لكن ثوبه ظل نظيفاً بفعل نية السيف المحيطة به. نظر إلى الأفق، حيث بدأت شمسٌ شاحبة في البزوغ وسط دخان الحرائق.

"معلمي،" همس يي تشين بفضولٍ فلسفي، "لقد محونا الماضي. فماذا سنبني فوق هذا الرماد؟"

نظر إليه شيطان الدم ببرود، وكانت عيناه تعكسان نهاية العصور. "نحن لا نبني يا يي تشين.. نحن نهدم ونمحو فقط."

نظر يي تشين إلى شيطان الدم وقال في قلبه ' يا لك من وحش '

لينغ فنغ اقترب منهما، والدماء تغطي وجهه وشعره الأبيض. كان يلهث بنشوة قتالية. "معلمي.. لم يبقَ أحد. العاصمة صارت صمتاً."

"جيد،" قال شيطان الدم وهو يخطو نحو الفراغ، ليمشي في الهواء مبتعداً عن الأطلال.

مشى الثلاثة فوق سماء العاصمة المحطمة، تاركين خلفهم رماد التيجان، ومرارة الندم التي سكنت في أرواح القلة الذين نجوا ليروا نهاية عصر، وبداية كابوسٍ سيطلق عليه المؤرخون في المستقبل "عصر السيادة الحمراء".

---

يي تشين نظر للخلف لمرة أخيرة، ورأى الغبار يغطي ما كان يوماً عرش القارة، وابتسم ببرود؛ فالآن فقط، بدأ العالم الحقيقي بالظهور من خلف حجاب الأوهام الذهبيه.

---

2026/03/20 · 2 مشاهدة · 1231 كلمة
راوي
نادي الروايات - 2026