خيم غسقٌ قرمزيّ ثقيل فوق أطلال العاصمة المحطمة، حيث لا يزال الدخان يتصاعد من بقايا قصر "النور الذهبي" كأرواحٍ حائرة تبحث عن أجسادها المفقودة. وقف شيطان الدم فوق شرفةٍ نصف مهدومة، رداؤه الأحمر يرفرف بهدوءٍ لا يتناسب مع صخب الدمار المحيط به. كانت عيناه القرمزيتان تجوبان الأفق، تخترقان حجاب الظلام لتستقرا على تلالٍ بعيدة، حيث تلوح قلاع "طائفة لينغ" وبعض العشائر التي كانت تظن أن المسافة ستحميها من غضبه.

خلفه، كان لينغ فنغ يقف صامتاً، وهالةٌ حمراء لزجة تنبثق من مسام جسده كأنها بخارٌ خارجٌ من فرنٍ مستعر. لم يكن يحمل سيفاً ولا نصلاً معدنياً؛ فيده اليمنى كانت متوهجة بضوءٍ دمويّ داكن وبنية عظام الشيطانية بدأت تبرز بشكلٍ طفيف تحت جلده، مما يمنحه مظهراً مرعباً لا ينتمي للبشر. كان ينظف يديه من بقايا طاقة الحرس الإمبراطوري عبر حركاتٍ دائرية، وكأنه يمحو غباراً تافهاً علق بمقدساته.

التفت شيطان الدم ببطء نحو لينغ فنغ، وساد صمتٌ طويل، صمتٌ غلفه المعلم بهالةٍ تجعل نبضات القلب تتباطأ رعباً.

"لينغ فنغ،" نطق شيطان الدم، وصوته كان يشبه حفيف الأفاعي فوق ورق الشجر الجاف. "لقد طهرنا العاصمة، ومحونا سلالة زو من سجلات الوجود.. لكنني أرى شعلةً صغيرة لا تزال توقد في صدرك. عشيرة 'لينغ'.. جذورك التي أنكرتك، ودمك الذي استباحه أهلك.. لماذا لا تزال قلاعهم قائمة تحت سمائي؟ لماذا تركتهم يتنفسون هواءً تلوث هواءي؟"

رفع لينغ فنغ رأسه، وبدت عيناه كجميراتٍ مشتعلة في ظلام الليل. ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ باردة، ابتسامة تحمل مرارة سنواتٍ من الذل والنبذ. "معلمي، الموت السريع هو رحمةٌ لا يستحقها هؤلاء الخونة. أردتهم أن يرو بريق العاصمة وهي تحترق من بعيد. أردتُ أن يغرقوا في رعب الانتظار، أن يشعروا ببرد السيف يلامس رقابهم في كل ليلة يغمضون فيها أعينهم. أردتُهم أن يعيشوا 'وهم البقاء' لبعض الوقت، ليدركوا أن حياتهم ليست سوى تأجيلٍ مؤقت لقصاصي."

ضحك شيطان الدم ضحكةً خفيضة هزت جدران الشرفة المتهالكة. "دهاء الانتقام.. أنت تتعلم بسرعة يا تلميذي. الرعب في الانتظار هو عذابٌ يفوق تمزيق الجسد. لكن الفجر يقترب.. والديون يجب أن تُسوى قبل أن تشرق الشمس على عصرنا الجديد."

ثم التفت شيطان الدم نحو يي تشين، الذي كان يجلس بوضعية التأمل في زاويةٍ مظلمة، سيفه الأسود موضوعٌ بعناية فوق ركبتيه. "يي تشين، لقد رأيتَ نية سيفي في الوادي، وأدركتَ الفجوة بين 'نية سيفي' و'نية سيفك'. اذهب.. ادخل في عزلةٍ عميقة داخل سراديب هذا القصر المحطم. استخلص من هذا الدمار جوهر الفناء. لا تخرج حتى تشعر بأن سيفك لا يقطع اللحم، بل يشق 'فكرة الوجود' ذاتها."

انحنى يي تشين بوقارٍ مطلق واختفى في ظلال الأقبية. وبمجرد خروجه، نظر شيطان الدم إلى لينغ فنغ وأومأ برأسه: "اذهب يا لينغ فنغ.. حطم القيد الأخير الذي يربطك بماضيك."

في الساعات الأولى من الفجر، عندما كان الضباب يزحف كالأكفان فوق السهول، تحرك لينغ فنغ. لم يركب خيلاً، ولم يحمل جيشاً. كانت خطواته رتيبة، منتظمة، تصدر صوتاً خافتاً فوق الحصى، لكنه كان صوتاً يتردد في أرواح حراس البوابة كأنه نعيٌ مكتوم.

وصل أمام البوابة الكبرى لعشيرة لينغ. لم يطرقها.. بل أطلق زفيراً محملاً بنية القتل. انفجرت البوابة العظيمة وتحولت إلى شظايا كأنها مصنوعة من زجاج رقيق. دخل لينغ فنغ، وكان الصمت في الداخل أرعب من أي ضجيج.

فجأة، انشقت الأرض وخرج منها ستة من شيوخ العشيرة، مزارعون في المستوى ذروة الرابع و المستوى الخامس، تحيط بهم هالات زرقاء. "أيها الهجين المتمرد! كيف تجرؤ على العودة وتدنيس حرمة العشيرة؟" صرخ الشيخ الأكبر، وهو يستل رمحاً برقياً.

لم يرد لينغ فنغ. بل أمال رأسه قليلاً، وانفجرت طاقة قرمزية من ظهره لتشكل ما يشبه أجنحةً من الظل القرمزي.

"حرمة؟" همس لينغ فنغ، وصوته تردد في الساحة كفحيح الأفاعي. "أنتم من دنس حرمة الدم حين بعتموني كالحشرة. اليوم.. سأعلمكم كيف تبدو الحرمة عندما يكتبها الشيطان بالدماء."

اندفع الشيوخ الستة معاً ككتلة واحدة. الشيخ الأول أطلق ضربة رمحه البرقية التي شقت الهواء بصريرٍ مرعب. لكن لينغ فنغ لم يتزحزح. مد يده العارية، وبحركة خاطفة، أمسك برأس الرمح. لم تحرقه الصواعق؛ بل بدأت الطاقة البرقية تذبل وتتحول للسواد بمجرد ملامسة يده.

بلمحة بصر، قبض لينغ فنغ على عنق الشيخ الأول. "ضعيف.." نطقها ببرود، ثم ضغط بقوة بنية العظام الشيطانية. تحطمت عظام عنق الشيخ وانفجرت حنجرته بفيضٍ من الدماء، ليسقط جثةً هامدة قبل أن يكمل بقية الشيوخ هجومهم.

الشيخ الثاني والثالث حاولا تطويقه بمصفوفة سيفية، لكن لينغ فنغ اختفى كالدخان وظهر خلفهما. غرس مخالبه في ظهر الشيخ الثاني، ومن خلال فن شيطان الدم، بدأ يسحب نخاع عظامه حياً. صرخ الشيخ صرخةً هزت جدران القلعة، جسده بدأ يذبل وينكمش أمام أعين رفاقه، كأنه يذوب من الداخل.

"هذا ليس قتالاً!" صرخ الشيخ الرابع برعب وهو يرى زميله يتحول لحطام بشري في ثوانٍ. "إنه يلتهمنا!"

استخدم لينغ فنغ فن شيطان الدم بيده في الهواء، وفجأة بدأ الشيوخ المتبقون يشعرون بأجسادهم تغلي. انفجرت شرايين الشيخ الرابع في عينيه، وسقط على ركبتيه وهو يتقيأ كتلًا من الدم المتخثر. لينغ فنغ لم يرحمه؛ بل داس على رأسه ببرود سيادي، محطماً جمجمته كقشرة بيضة.

الشيخان الأخيران حاولا الهرب نحو القاعة الداخلية، لكن لينغ فنغ أطلق خيوطاً من طاقة العظام الشيطانية، التي اخترقت صدورهم من الخلف وسحبتهم نحوه بعنف. رفعهما في الهواء، وبدأ يمتص طاقتهما الروحية ببطء، مستمتعاً بأنينهما الذي كان يغذي روحه المظلمة.

بحلول منتصف الفجر، كانت الساحة غارقة في دماء الشيوخ وأشلائهم. مشى لينغ فنغ بهدوء نحو قاعة العشيرة الكبرى. حطم الأبواب المرصعة بالفضة ودخل.

في نهاية القاعة، كان رئيس العشيرة، عمه لينغ تيان، يقف خلف عرشه الخشبي، وجسده يرتجف لدرجة أن سيفه سقط من يده. لم يكن يرتجف رعباً فحسب، بل كان يشعر ببرودة الموت الحقيقي. وخلفه مباشرة، كانت لينغ شياو مختبئة، وجهها شاحب كالموت، وعيناها اللتان كانتا تفيضان بالدلال يوماً، تفيضان الآن بذعرٍ لا يوصف. كانت تمسك برداء والدها، وجسدها يتلوى خوفاً من الوحش الواقف أمامها.

توقف لينغ فنغ في منتصف القاعة. الدماء كانت تغطي يديه ووجهه، وعيناه القرمزيتان تشعان بوهجٍ شيطاني لا يرحم. نظر إلى عمه الذي كان يحاول نطق كلمات الاعتذار، ثم نظر إلى لينغ شياو التي كانت تنتظر موتها المحتوم.

ارتسمت على وجه لينغ فنغ ابتسامةٌ مرعبة، ابتسامةٌ شقت وجهه الملطخ بالدماء بطريقةٍ سادية. مسح قطرة دمٍ سقطت على شفته، ونظر إليهما بعيونٍ جائعة.

"الرعب الذي تشعرون به الآن.. هو مجرد فاتح للشهية،" قال لينغ فنغ بصوتٍ رخيم يقطر شراً. ثم خطى خطوةً بطيئة نحو العرش، وهو يشعر بنبضات قلوبهم المضطربة.

"حان وقت الوجبة الأخيرة."

2026/03/20 · 3 مشاهدة · 982 كلمة
راوي
نادي الروايات - 2026