--
كان ضباب "وادي الأنفاس" الأرجواني يتلوى بكثافة مريبة، كأنه قطيعٌ من الأفاعي الأزلية التي تخشى اللدغ فتكتفي بالحصار. لم يكن الوادي صامتاً، بل كان يضجّ بمعزوفة بائسة من أصوات استغاثة النباتات الروحية النادرة التي سحقها حضور **شيطان الدم**. كل خطوة يطأها كانت تترك خلفها أثراً من العدم، حيث تجف الحياة وتتحول لرمادٍ أسود بمجرد اقتراب ظله.
كان شيطان الدم يمشي ببرودٍ يثير الرعب في أوصال الطبيعة ذاتها. شعره الأسود الطويل يرفرف كراية حربٍ صامتة، وعيناه الحمراوان تخترقان الضباب الأرجواني كأنهما نصلان صُقلا من جمر الجحيم. وجهه الوسيم، الذي يبدو في الثلاثين من عمره، لم يكن يحمل أي تعبير بشرى؛ كان قناعاً من الرخام الصمّام الذي نحتته قرونٌ من العزلة والدماء، وجهٌ لا ينحني لعواصف القارة المركزية، بل العواصف هي من تنحني أمامه.
ومض النظام في وعيه بذبذبات ملحة، لكن شيطان الدم تجاهله بحدة ودفعه لأعماق عقله. لم يكن بحاجة لشاشة شبه شفافة لتعرف أن "القدر" يصرخ قريباً منه بذبذبات التوتر. كان يشعر بارتجاجٍ ملموس في طاقته السيادية، اهتزازٌ غريب، عميق، ومهيج لم يألفه منذ قرونٍ خلت، اهتزازٌ يذكره بوجود شيءٍ مكسور يحتاج لإعادة صياغة.
---
خلف صخرةٍ عملاقة نخرها السم واستحال لونها للسواد، كانت **شيويه** (14 عاماً) تحاول حفر الأرض الصلبة بأظافرها الدامية المكسورة. لم تكن تبحث عن كنز، بل كانت تحاول يائسة تخبئ نبتةً صغيرة، ذابلة، ذات لُبٍّ قرمزي باهت. وجهها الطفولي كان شاحباً كالموت، ملطخاً بالتراب والدموع المتجمدة، وعيناها اللتان تشبهان بياض الثلج النقي كانت تفيضان بذعرٍ أصم، ذعرٍ جاوز حدود البكاء ووصل لمرحلة التجمد الروحي. شعرها الأسود الطويل كان ملطخاً بالأوساخ والدم اليابس، متشابكاً كأغصانٍ ميتة.
كانت محاصرة بستة مزارعين من طائفة الطب الروحي الكبرى. كانوا يرتدون أرديةً بيضاء ناصعة، لكنها بدت قذرة، ملوثة بجشعهم، أمام نقاء بؤسها الانكساري.
"توقفي عن الزحف أيتها الحشرة،" قال قائد المجموعة بلهجةٍ تفيض بالغطرسة المقززة، وهو يغرس نصل سيفه في كتفها النحيل ببطءٍ قاتل، مستمتعاً بصرختها المكتومة التي حبستها خلف أسنانها المشرعة. "تلك النبتة هي ملكٌ حصري للطائفة، ورفضكِ لتسليمها يعني أننا سنقطع أطرافكِ قطعةً قطعة، ونرمي جسدكِ المشوه للكلاب الجائعة."
لم تبكِ شيويه، ولم تهتم بما سمعته؛ فقد جاوزت مرحلة الخوف من التهديد. نظرت إلى السماء الرمادية عبر فجوات الضباب بعينين غائرتين، واهنتين، وهمست بنبرةٍ لم تكن استغاثة، بل كانت تسليماً مطلقاً للموت، نداءً أخيراً لروحٍ غادرت: "أخي.. أنا قادمة إليك.."
---
على بُعد خطواتٍ قليلة، تجمد شيطان الدم في مكانه كأنه صخرةٌ عتيقة. الكلمة لم تخترق أذنيه فحسب، بل اخترقت "روحه المحرمة" المعزولة بآلاف الطبقات من الجليد والدماء.
"أخي.."
في تلك اللحظة الخاطفة، تلاشت غيوم الضباب الأرجواني من أمامه، ولم يرَ "وادي الأنفاس"، بل رأى حطام منزلٍ قديم يشتعل بنيرانٍ قرمزيّة تحت سماءٍ سوداء حالكة. رأى طفلةً صغيرة، لا تتجاوز السبع سنوات، تشبه شيويه تماماً بملامحها الانكسارية، بنفس تلك النظرة المنكسرة، اليائسة، وهي تناديه باسمه القديم قبل أن تختفي للأبد تحت الركام المشتعل. ذكرى أخته التي ظن أنه أحرقها، عادت لتنتصب أمامه الآن بوضوحٍ مرعب، موقظةً ألماً ظن أنه تلاطم مع بحار الدماء التي سفكها.
انقبضت قبضة شيطان الدم ببطء، وتحطمت الصخور العتيقة المحيطة به وتناثرت كالغبار بمجرد هذا الفعل البسيط العفوي. لم يكن غضباً عادياً، كان انفجاراً لبركانٍ أزلي من الذكريات المدفونة بعناية. غطرسته السيادية التي كانت تجعله يرى البشر كحشراتٍ تافهة تلاشت تماماً، لتحل محلها رغبةٌ متوحشة، عارمة، في إبادة الوجود بأسره لثانية واحدة، لمجرد أنهم جعلوا هذا "الوجه" يتألم، لمجرد أنهم أيقظوا شبح أخته الراحلة.
---
خرج شيطان الدم من بين طيات الضباب ببطءٍ مرعب. لم يكن هناك ضجيج، لا انفجارات طاقة ولا صرخات حرب، فقط صمتٌ ثقيل، خانق، جعل المزارعين الستة يشعرون فجأة بأن قلوبهم قد توقفت عن النبض رغماً عنهم، وبأن الهواء قد تحول لرصاصٍ سائل في صدورهم.
"مَن أنـ...؟" حاول القائد الكلام، حاولت حنجرته تشكيل الكلمات، لكن صوته اختفى تماماً كأنه أُعدم قبل أن يولد.
نظر شيطان الدم إليه، فقط نظر. عينيه الحمراوان كانت تفيضان بـ "نية قتل" كثيفة جداً، لزجة، لا يمكن وصفها بالكلمات البشريّة؛ كانت نية قتلٍ قادرة على تجفيد الأرواح قبل الأجساد.
"أأنتَ مَن غرس الحديد في كتفها؟" سأل شيطان الدم. كان صوته هادئاً جداً، ناعماً كالحرير، لكنه حمل برودةً صقيعيّة جعلت دماء المزارعين تتجمد في عروقهم. هدوؤه كان أرعب من أي صراخ.
"إنها.. إنها مجرد خادمة فانية.. نحن.. نحن من طائفة الطب الروحي العظمى..." حاول المزارع استعادة غطرسته الواهنة، متشبثاً باسم طائفته كدرعٍ واهٍ أمام جبل الفناء الواقف أمامه.
ضحك شيطان الدم. كانت ضحكةً باردة، قصيرة، هزت أركان الوادي بعنف، وجعلت الأشجار السامة تتساقط أوراقها رعباً. "طائفة الطب الروحي؟ اليوم، أيتها الديدان الجاهلة، سأعلمكم أن كل 'طب' العالم وكل قواكم الروحيّة لا يمكنها شفاء ما سأفعله بأرواحكم القذرة."
لوح بيده لوحةً بسيطة، عرضية. وبدلاً من قتلهم بضربةٍ واحدة، جعل الجاذبية حول أجسادهم تتضاعف مائة مرة دفعةً واحدة. سُحق المزارعون على الأرض بقوةٍ هائلة، وتحطمت عظامهم عظمةً عظمة، ببطءٍ شديد ومؤلم، وهم يشاهدونه بعيون جاحظة يمتلئها الرعب الخالص وهو يمشي ببرودٍ نحو شيويه الجاثية. لم يقتلهم فوراً؛ أرادهم أن يشاهدوا "عجزهم" المطلق، أرادهم أن يتمنوا الموت فلا يجدوه إلا بإذنه.
---
جثا شيطان الدم على ركبةٍ واحدة أمام شيويه. مد يده الطويلة، الشاحبة، ولمس وجهها الملطخ بالتراب والدموع بعناية فائقة. كانت يده ترتجف برقةٍ غير معهودة، رقةٍ لم يستعملها منذ أن أنتقل الى هذه العالم
"شيويه.." نطق اسمها بصوتٍ خفيض، كأنه تعويذة قديمة، منسيّة، أعيدت للحياة للتو.
نظرت إليه الفتاة بذهولٍ مطلق. لم ترَ مزارعاً قوياً، بل رأت شاباً وسيماً لدرجةٍ غير بشرية، يملك عينين حمراوان تفيضان بحزنٍ عميق، حزنٍ يشبه حزنها الانكساري. "هل أنت.. ملك الموت؟" سألته بصوتٍ طفولي مرتعش، خالٍ من الخوف، ممتلئ بالتسليم.
ابتسم شيطان الدم، وهي ابتسامةٌ لو رآها تلميذه يي تشين لمات رعباً من فرط غرابتها. "أنا مَن سيمحو الموت من طريقكِ يا شيويه. أنا مَن سيجعل العالم بأسره يبكي دماً لأنكِ ذرفتِ دمعة واحدة."
التفت ببطء نحو المزارعين الستة الذين كانوا يئنون تحت وطأة ضغطه الروحي، وعظامهم تتحول لحطام. "انظري إليهم جيداً يا شيويه. هؤلاء ليسوا بشراً.. هؤلاء هم حطبُ فرنكِ الأول. سأعلمكِ كيف تحولين صرخاتهم وكيانهم إلى حبوبٍ لزراعتكِ القادمة."
وبحركةٍ بسيطة من إصبعه، انفجر المزارعون الستة في آنٍ واحد. لم يتحولوا إلى دماء وأشلاء تلوث المكان، بل تبخرت أجسادهم وأرواحهم وتحولت إلى طاقةٍ حمراء نقية، كثيفة، استقرت بهدوء داخل قارورةٍ زجاجية شفافة ظهرت فجأة أمام شيويه. لقد قام بتصفية كينونتهم بالكامل وتحويلها إلى مواد خام نقية لصقل الحبوب الروحيّة.
" شيويه... كوني تلميذتي " قال شيطان الدم بصوت هادئ وهوه يلتفت إلى شيويه
تفاجئت شيويه من طلب شيطان الدم كانت مترددة قليلا لاكن ترددها لم يستمر طويلاً أمام رجل الذي أنقذها
" حسنا.." نطقت شيويه بكلمة واحده
ومض النظام ببرودٍ في عقل شيطان، كسر الصمت الداخلي:
**[دينغ! تم اكتشاف "ابن القدر الثالث"]**
**[الحالة: تم الارتباط بنجاح]**
**[المضيف أتم الشروط بنجاح]**
**[المكافأة: أصبحت 'شيويه' تلميذة المضيف الثالثة]**
**[تم الحصول على كتاب: 'كيمياء الدم الأزلية']**
---
حمل شيطان الدم شيويه برفقٍ بين ذراعيه القويتين. شعر بضعف جسدها النحيل، وصغر حجمها، وذكراه القديمة كانت تصرخ في عقله بقسمٍ جديد: "هذه المرة،، لن أفشل في حمايتكِ. سأحرق الكون قبل أن يسمح لأحدٍ بلمس شعرة منكِ."
"يي تشين هو سيفي الذي أقطع به، ولينغ فنغ هو درعي الذي أصد به،" همس في أذنها برفق وهو يطير نحو أفق القارة المركزية، حيث تنتظره آلاف الطوائف التي سيهتز وجودها. "أما أنتِ يا شيويه... أنتِ قلبي الذي ظننتُ أنني فقدته للأبد وسط بحر الدماء. سأبني لكِ طائفةً من جماجم أعدائكِ، وسأجعل القارة المركزية بأسره تركع تحت قدميكِ الصغيرتين."
لم ينظر شيطان الدم إلى النظام ولا المكافأة؛ فكتاب "كيمياء الدم الأزلية" لم يكن سوى أداة، أما الجوهر فهو هذه الطفلة التي نامت من فرط الإرهاق بين يديه، معتقدةً أنها أخيراً وجدت الأمان في حضن ملك الموت. وفي تلك اللحظة، أقسم شيطان الدم أن كل طائفة في القارة المركزية ستدفع ثمن كل كدمة، وكل دمعة، وكل ألم ذرفته تلميذته الثالثة.
توقف شيطان الدم في الهواء لثانية، ونظر لأسفل نحو وادي الأنفاس الذي بدأ يذبل ويموت بالكامل تحت تأثير هالته المتبقية، وابتسم ببرود؛ .
---