بينما كان "وادي النصال المكسورة" يشهد ولادة نصل الفراغ على يد يي تشين في صمتٍ أزليّ ومطبق، كانت العاصمة الإمبراطورية "النور الذهبي" تعيش فصلاً آخر من فصول الجحيم الأرضي، فصلاً لم يكتبه النصل الواحد

بل كتبه الجوع الأزلي للدماء والجوهر الروحي. فوق تلال الجثث المتراكمة التي خلفها غزو شيطان الدم، وقف لينغ فنغ وحيداً، يحيط به صمت الموتى الثقيل وضجيج الأرواح المعذبة التي لم تجد مستقراً بعد.

كانت السماء فوق العاصمة قد تلونت بلونٍ نحاسي كئيب، وأشعة الشمس الباهتة تفشل في اختراق سحب الدخان الكثيف المتصاعد من بقايا القصور المحترقة.

في وسط الساحة الكبرى، حيث كانت تقام الاحتفالات الإمبراطورية المهيبة يوماً، نصب لينغ فنغ آلاف الجثث محولاً مركز الحضارة إلى مسلخٍ كوني.

بدأ لينغ فنغ عمله برتمٍ جنائزي بطيء، خطواته كانت ترن فوق الرخام المحطم كدقات ساعة القيامة.

لم يكن يستخدم يديه فحسب لتجميع هذا الحصاد البشري، بل كان يستخدم "فن شيطان الدم" لتمديد خيوطٍ من الطاقة الحمراء المظلمة، تسحب الجثث من الزوارق الغارقة، من تحت ركام البيوت المهدومة، ومن خنادق الدفاع التي استحالت مقابر جماعية.

آلاف الجثث؛ جنودٌ بملابسهم الممزقة ودروعهم المحطمة، نبلاءٌ بوشاحاتهم الحريرية التي تلطخت بالوحل ولم تحمهم من الفناء،

وعامة الناس الذين سُحقوا في صراع الجبابرة. كان يكومهم في دوائر هندسية معقدة، دائرة تلو الأخرى، حتى أصبح الميدان يشبه وردةً عملاقة، بتلاتها من اللحم المتيبس وقلبها من العظام المكسورة.

كان وجه لينغ فنغ شاحباً كالكفن، وعيناه القرمزيتان غائرتين في محجريهما كأنه لم يذق طعم النوم منذ قرون. كل جثة يلمسها بخيوطه الطاقية كانت ترسل نبضة من "الذكريات الميتة" إلى عقله؛ صرخة أخيرة لم تصل للسماء، ندمٌ متأخر على خطايا لم تُغتفر، أو توسلٌ يائس لآلهةٍ صمتت في وقت الحاجة.

"أحتاج المزيد.. هذا الجوهر لا يزال باهتاً،" همس لينغ فنغ، وصوته كان أشبه بحفيف الأفاعي فوق الرخام البارد،

يحمل بحةً شيطانية لم تكن فيه من قبل. "المعلم قال إن الكنوز المادية والكنوز الروحية لا تكفي لبناء أساسٍ خالد.. السيادة المطلقة تتطلب ثمنها من جوهر الحياة الخام، من الزخم الذي يخلفه الموت."

جلس لينغ فنغ في مركز دائرة الموت، متربعاً فوق كومة من العظام. أغمض عينيه وبدأ بتفعيل [فن شيطان الدم] بأقصى طاقته. في تلك اللحظة، اهتزت الأرض تحت العاصمة "النور الذهبي" اهتزازاً عنيفاً، وتصدعت جدران القصر الإمبراطوري المتبقية.

بدأت الجثث المحيطة به تهتز اهتزازاً منتظماً، ليس لأن الحياة عادت لأطرافها الميتة، بل لأن الدماء الراكدة بداخل عروقها بدأت تغلي وتفور تحت تأثير الجذب الشيطاني،

مخترقةً الأنسجة والجلود لتخرج على شكل رذاذٍ قرمزي ناعم. تصاعد بخارٌ أحمر لزج، كثيف لدرجة أنه حجب الرؤية تماماً في الساحة، محولاً الهواء إلى سائلٍ ثقيل يصعب استنشاقه.

بدأ هذا البخار، المحمل بجوهر آلاف الحيوات، يتدفق نحو مسام لينغ فنغ وجسده المفتوح للقوة. لم يكن امتصاصاً عادياً للطاقة، بل كان هجوماً كاسحاً من آلاف الأرواح المحطمة التي تحاول، بوعيها المتبقي المشوه، العودة للوجود عبر جسده.

مع كل قطرة دم تدخل عروقه، كان لينغ فنغ يشعر بقوةٍ جبارة تنمو بداخل "دانتيان" كإعصارٍ هائج، لكن مع هذه القوة المفرطة، جاء الضيف الثقيل والمظلم: الجنون.

داخل عقل لينغ فنغ، لم تعد هناك ساحة ولا عاصمة، بل تحول وعيه إلى محيطٍ لا متناهٍ من الدماء القانية. رأى نفسه يغرق في لجةٍ من السواد والأحمر، وآلاف الأيدي الشاحبة، الباردة، تخرج من قاع العدم لتمسك بأطرافه، وتجره نحو الأسفل، نحو النسيان.

"لماذا قتلتنا؟ نحن لم نكن جزءاً من حربك!" صرخت روح جنرال إمبراطوري سقط وهو يحمي بوابة القصر، صوته كان يمزق طبلة أذن لينغ فنغ الذهنية.

"ألا تكتفي بدم أهلِك وعشيرتك؟ هل ستبني عرشك فوق جماجم الأبرياء؟" همست روح شيخٍ من "عشيرة لينغ" بمرارةٍ تفيض بالسم، محاولاً بث الشك في قلب الشاب.

بدأ عقل لينغ فنغ يتشقق تحت هذا الضغط الجبار. الجنون الكامن في "فن شيطان الدم" ليس مجرد هذيان، بل هو "تلوث روحي" ناتج عن دمج آلاف البصمات الوراثية والروحية المختلفة.

كل قطرة دم يمتصها تحمل معها رغبات الضحية، أحقادها، صرخات أطفالها، وآلام فراق أحبتها. إذا لم يستطع المزارع صهر هذه المشاعر المتضاربة في نيران إرادته الحديدية، فسيتحول في لحظةٍ واحدة إلى وحشٍ هائج بلا عقل، أداة قتل صماء تخسر كيانها وهويتها لتصبح مجرد وعاءٍ للألم الجماعي.

في هذه الأثناء، كان جسده المادي يئن تحت وطأة الاندماج. [بنية العظام الشيطانية] كانت تعمل بأقصى طاقتها، تحول عظام الهيكل العظمي للينغ فنغ إلى صلابةٍ أسطورية لتتحمل ضغط الدماء المتدفقة،

لكن هذا التحول كان مؤلماً بشكلٍ مرعب. شعر بعظامه وهي تتكسر وتُعاد صياغتها مئات المرات في الثانية، وأنه يكاد يتفحم من الداخل تحت تأثير حرارة الطاقة الدموية.

"اسكتوا.. تراجعوا إلى الظلال حيث تنتمون!" زأر لينغ فنغ في وعيه، وهو يمسك برأسه الذي بدأ يخرج منه بخارٌ أحمر يغلي.

في قمة هذه المعركة الذهنية، تراءت له صور تعذيب عمه وسحق عظامه، وصور لينغ شياو وهي تتوسل في ذلٍ منقطع النظير. لم تكن تلك الذكريات مصدراً للألم، بل كانت مرساته الوحيدة في بحر الجنون؛ كانت تذكره لماذا بدأ هذا الطريق، ولماذا يجب أن يستمر.

"أنا لستُ فريسةً لندمكم، ولا وعاءً لأحزانكم.." تابع لينغ فنغ بمرارة، وبدأت هالته الروحية تتحول من الأحمر القاني الساطع إلى الأحمر الداكن العميق المائل للسواد.

"أنتم لستم بشرًا الآن.. ولا حتى أرواحاً.. أنتم مجرد 'وقود' لناري. أنا الوريث الذي اصطفاه المعلم ، وأنا الذي سيمحو ضعف الماضي بدمائكم!"

استمرت هذه العزلة الدموية لأيامٍ بليالها، والزمن داخل القبة الحمراء بدا وكأنه توقف. كانت العاصمة الإمبراطورية تبدو من بعيد وكأنها مغطاة بقبة حية تنبض بنبضٍ منتظم وثقيل كقلبٍ لعملاقٍ نائم تحت الأنقاض.

في الداخل، كان لينغ فنغ يخوض حرب استنزافٍ وحشية ضد ذاته. كان يطبق تعاليم شيطان الدم بحرفية قاسية؛ كلما حاول الجنون والشفقة السيطرة على جزء من عقله، كان يحرق ذلك الجزء بنار الحقد المركز تجاه العالم الذي نبذه واستباح دمه يوماً.

ببطءٍ شديد، بدأ البخار الأحمر ينحسر، ممتصاً بالكامل داخل مسام لينغ فنغ التي انفتحت كأفواهٍ جائعة. الجثث التي كانت تحيط به تحولت فجأة إلى غبارٍ رمادي ناعم تذروه الرياح، سلب منها كل ذرة حياة، وكل شرارة طاقة، وحتى كل جوهر مادي.

فتح لينغ فنغ عينيه أخيراً. لم تعد عيناه قرمزيتين فحسب، بل كان فيهما بريقٌ معدني بارد، لمعةٌ مخيفة لشخصٍ لم يعد ينتمي لعالم البشر؛ شخصٌ رأى الجحيم من الداخل، تصارع مع شياطينه،

وقرر في النهاية أن يتربع فوق عروشهم. جسده أصبح أكثر نحالة وتناسقاً، لكنه صار صلباً كالفولاذ الروحاني، وبشرته اكتسبت شحوباً مرعباً يشبه شحوب الأباطرة القدامى الذين سكنوا القبور لآلاف السنين.

وقف لينغ فنغ وسط الغبار والرماد الذي غطى الساحة الكبرى. شعر بقوة المستوى السادس المتوسط تتدفق في عروقه كأنهارٍ من الرصاص المنصهر؛ قوةٌ ثقيلة، داكنة، ملوثة بآلاف الأرواح لكنها الآن

خاضعة تماماً لإرادته الفردية. لقد حافظ على عقله، ليس بالرحمة ولا بالتأمل، بل بفرض سيادةٍ مطلقة فوق كل ذرة ألم امتصها.

نظر نحو الأفق البعيد، حيث تقع القارة المركزية، وحيث ينتظره معلمه.

"المعلم.. لينغ فنغ جاهز للخطوة التالية."

الآن، لم يعد لينغ فنغ ذلك الشاب المنكسر الذي يسعى للانتقام الشخصي من عشيرة صغيرة فحسب؛ لقد أصبح "خزان دماء" يمشي على الأرض، كارثةً بشرية متنقلة تنتظر إشارةً واحدة من معلمه لتبدأ ذبح العالم

انتهى الفصل ولينغ فنغ يقف وحيداً وسط صمت العاصمة المطبق، والريح تذرو رماد آلاف ال

ناس من حوله وتلقيه في وجه التاريخ، كأنه إله الموت الذي فرغ للتو من حصاده الأخير.

2026/03/20 · 2 مشاهدة · 1118 كلمة
راوي
نادي الروايات - 2026