---
مرت ستة أشهر على دخول شيطان الدم في عزلته العظمى. كان الكوخ يلفه سكونٌ جنائزي، يقطعه فقط فحيح الطاقة القرمزية وطاقة السيف التي تتسرب من يي تشين و لينغ فينغ و شيويه خلال هذه الأشهر القليلة،
تحول الجو في المرتفع إلى ساحة انتظار باردة؛ يي تشين صار يراقب الغابة بعين الصقر،
ولينغ فنغ يتدرب بصمتٍ غير معهود، أما شيويه.. فقد انزوت في ركنها، يحيط بها غبار الأعشاب ورائحة الدم، وهي تقلب صفحات كتاب "كيمياء الدم الأزلية" بعينين جافتين من النوم.
في صبيحة أحد الأيام، انكسر هذا السكون بصوت تكسر الأغصان تحت أحذيةٍ ثقيلة، وضحكاتٍ تحمل غطرسة مَن يظن أنه امتلك العالم.
"الإشاعات كانت صادقة تماماً!" صرخ رجلٌ يرتدي رداءً أبيض فاتحاً مطرزاً برموز الأعشاب الذهبية، وهو الزي المميز لـ "طائفة الطب الروحي" .
"تحدث المسافرون في القرى السفلية عن فتاةٍ غامضة ذات شعرٍ أسود داكن شوهدت في هذا الجبل المعزول.. لا شك أنها هي الفتاة التي نبحث عنها!"
اندفع خمسة محاربين من الطائفة نحو ساحة الكوخ، يتقدمهم شابٌ ذو ملامح حادة يُدعى "تشن لان". توقفوا فجأة عندما رأوا شيويه تجلس بهدوء
أمام مرجلها تحت شجرة عتيقة، تمسك بإبرة فضية طويلة وتغمسها في سائلٍ لزج، غير مبالية بسيوفهم المسلولة. كان شعرها الأسود ينسدل كالحبر على ردائها، العلامة الوحيدة التي قادتهم إليها وسط هذا الضياع.
"أيتها الصغيرة.. أخيراً وجدناكِ،" قال تشن لان بابتسامة مفترسة وهو يشير بسيفه نحوها.
"تلك الإشاعات عن 'الفتاة ذات الشعر الأسود' التي تسكن الجبال قادتنا إليكِ مباشرة. سلمي نفسكِ بهدوء، فطائفة الطب الروحي لديها اهتمامٌ خاص بموهبتك وما تخفينه، وإلا حوّلنا هذا المكان إلى محرقة لأعشابكِ."
لم ترفع شيويه رأسها، ولم تهتز ملامحها الرقيقة. بدلاً من ذلك، حركت أصابعها في الهواء بحركة انسيابية بطيئة، كأنها تنسج خيوطاً من العدم
. وفجأة، انبعثت من تحت أكمام ردائها خيوطٌ دموية رفيعة جداً، وفي نهاية كل خيط كانت هناك إبرة فضية مشبعة بسمومٍ استخلصتها تواً من كتاب كيمياء الدم.
"أزعجتم هدؤي." همست شيويه بصوتٍ هادئ يقطر برودة لم يعهدها يي تشين فيها من قبل.
"وانا احتاج إلى السكون لكي يزداد فهمي لاكن من الجيد انكم أتيتم في هذه الوقت فأحتاج إلى 'عينات' طازجة لمختبري. لقد جئتم في الوقت الذي بدأت فيه أبرتي بالجوع."
قبل أن يتمكن تشن لان من إدراك الخطر، انطلقت الإبر كالصواعق الحمراء. حاول محاربو طائفة الطب الروحي استخدام فنونهم العلاجية لصد الضغط
، لكن الإبر كانت أسرع. وبمهارة طبية فائقة تتجاوز كل ما تعلموه في طائفتهم، لم تستهدف شيويه بنية القتل، بل استهدفت "نقاط التدفق الروحي والمراكز العصبية" المسؤولة عن الحركة.
"ما هذا؟! عضلاتي.. لا أستطيع السيطرة عليها!" صرخ أحد المحاربين وهو يسقط على ركبتيه،
بينما بدأ سيفه يسقط من يده. شعر بأن دمه قد بدأ يتخثر في عروقه ببطء، بينما بدأت ذراعه ترتفع رغماً عنه كأنها تُسحب بخيوط خفية.
بلمحة بصر، كانت الإبر قد انغرزت في أجسادهم الخمسة بدقة جراحية لا تخطئ. تحكمت شيويه بخيوط الدم، فجعلت المحاربين يتصلبون في أماكنهم كالتماثيل.
كان تشن لان يرتجف، يحاول إطلاق صرخة استغاثة، لكنه وجد أن إبرةً غرزت في أسفل فكه قد شلت حباله الصوتية تماماً، محولةً صرخته إلى حشرجة مكتومة.
---
اندفع يي تشين ولينغ فنغ من خلف الكوخ، والسيوف في أيديهم جاهزة لإنهاء الأمر، لكن شيويه رفعت يدها الصغيرة لتوقفهما، وعيناها الزمرديتان تشعان بنورٍ بارد ومظلم.
"لا تقتلوهم،" قالت شيويه وهي تقف وتمسح يدها ببرود، ثم عدلت خصلات شعرها الأسود.
"الموتُ السريع هو إهدارٌ لموادٍ طبية قيمة. هؤلاء أطباء من طائفة الطب الروحي، وأجسادهم تملك معرفة بمسارات الطاقة وتركيبة دموية مدعمة بالأعشاب. أريد أن أعرف كيف تتفاعل معرفتي مع أجساد مزارعين من صنفهم."
مشى يي تشين ببطء، وشعر بقشعريرة وهو يرى نظرة شيويه. لم تكن نظرة طفلة خائفة، بل نظرة "طبيبة دماء سادية" .
سحبت شيويه خيطاً قرمزياً بقوة، فجرت تشن لان خلفها على الأرض كأنه دمية محطمة، وهو مشلول تماماً وعيناه جاحظتان من الرعب.
"سأقوم بتشريح مسارات الطاقة لديهم وهم أحياء.. سأدرس كيف يتدفق الدم عندما أغلق صمامات القلب بواسطة الكيمياء المحرمة. هذا سيساعدني على تطوير 'حبوب في المستقبل'. وبما أنهم مزارعون أطباء، فأجسادهم ستتحمل تجاربي لفترة أطول قبل أن تنهار."
أمسكت شيويه بمِبضعٍ صغير يشع بهالة خضراء داكنة، وقالت وهي تنظر في عيني تشن لان مباشرة
: "لا تقلق.. سأعالج جروحكم وأخيط جلودكم في كل مرة أنتهي فيها، لكي لا تموتوا سريعاً. كتاب كيمياء الدم الأزلية رائعة في 'إبقاء الضحية على قيد الحياة' للدراسة. ستكونون مفيدين جداً لتطوري."
---
نظر لينغ فنغ إلى يي تشين وهمس بذهول: "لقد أصبحت مرعبة.. هل هذا ما كانت تتعلمه من ذلك الكتاب؟"
هز يي تشين رأسه بوقار وهو ينظر إلى السماء: "المعلم يقتل الجسد، أما شيويه.. فهي تفكك الوجود من الداخل. لقد وجدت طريقها الخاص للانتقام، وهي الآن الحامي الأكثر قسوة لهذا الجبل."
جرّت شيويه "عيناتها" البشرية الخمسة نحو قبوٍ جانبي تحت الكوخ. كانت الخيوط القرمزية تربط الرجال خلفها كأنهم دمى، يسيرون خلفها قسراً بفضل تحكمها المطلق في أعصابهم ودقائق دمائهم.
---
لم تُسمع صرخات من القبو في تلك الليلة، لأن شيويه قامت بـ "خياطة" أحبالهم الصوتية بواسطة إبرها
لكي لا يزعج ضجيجهم تدريب إخوتها. لكن الضوء الأخضر الخافت المنبعث من شقوق القبو، ورائحة الدم الممزوجة بالأعشاب، كانت تخبر الجبل بأن "طبيبة السادية" قد بدأت بتشريح أجساد أطباء "الطب الروحي".
---