ساد سكونٌ جنائزي فوق قمة الجبل، سكونٌ لا يقطعه سوى أنين الرياح التي تداعب حواف الصخور المدببة. كان المشهد في الكوخ قد استقر بعد أن سحبت شيويه آخر مزارعي "طائفة الطب الروحي"
إلى قبوها المظلم، حيث تحولوا من مطاردين متغطرسين إلى مجرد "أدوات قياس" في مختبرها الدموي. لكن هذا الهدوء لم يمنح يي تشين الراحة التي كان ينشدها؛ بل على العكس، كان يشعر بوخزٍ خفي في نخاعه الشوكي
، إحساسٌ بالفراغ الذي لا يمتلئ، وكأن هناك عيناً عملاقة تراقب أنفاسهم من وراء حجاب الغيب.
وقف يي تشين على حافة الجرف، رداؤه الأسود يرفرف كأجنحة غرابٍ نذير، وعيناه اللتان تحملان برود السنين تحدقان في الأفق الضبابي. كان هناك سؤالٌ ينهش تفكيره بصمت: كيف؟
كيف استطاعت طائفة الطب روحي، التي مهما بلغت قوتها في القارة، أن تضع يدها على مكان شيويه في هذا الثقب المعزول من القارة؟ شيويه لم تبرح محيط الكوخ، ولينغ فنغ كان يغمر طاقته في أعماق الأرض
. كان ثمة خرقٌ أمني لا يمت بصلة للقوة الغاشمة، بل بذكاءٍ خفي استطاع التسلل عبر شقوق المكان.
أغمض يي تشين عينيه ببطء، وبدأ بتفعيل مهارة [حس الإدراك الدموي] . في تلك اللحظة، توقف العالم المادي عن الوجود في وعيه،
وتحول إلى شبكة معقدة من النبضات الحرارية والترددات الحيوية. لم تكن هذه المهارة مجرد رؤية، بل كانت "راداراً" يربط روحه بكل قطرة دم تنبض في محيط خمسة أميال.
شعر بنبضات قلب شيويه في الأسفل؛ كانت نبضاتٍ هادئة بشكلٍ مرعب، إيقاعٌ بارد لا يتناسب مع طفلة في سنها، وكأنها تضبط دقات قلبها على إيقاع تقطير الحبوب
. وشعر بنبض لينغ فنغ العنيف والمضطرب في الساحة الخلفية، حيث كانت طاقة الدماء بداخل عروقه تصطدم بجدران "بنية العظام الشيطانية" كأمواجٍ عاتية.
ثم، وجّه يي تشين إدراكه نحو السماء. في البداية، لم يلحظ شيئاً سوى حركة الرياح، لكنه سرعان ما رصد شذوذاً بيولوجياً. كانت هناك طيورٌ من فصيلة "صقور الغسق"
تحلق بدوائر منتظمة للغاية. في الحالة الطبيعية، تتبع الطيور حرارة الأرض أو فرائسها، لكن هذه الطيور كانت تحافظ على مسافة "هندسية" ثابتة من الكوخ.
ركز يي تشين إدراكه على طائرٍ واحد منها، وهنا كانت الصدمة. نبضات قلب الطائر لم تكن "بيولوجية" بالكامل؛ كانت هناك ذبذباتٌ معدنية تتداخل مع تدفق دمه
. لم تكن هذه الطيور كائناتٍ برية، ولم تكن حتى وحوشاً مُروّضة. كانت "مرايا حية" ، تقنيةٌ هجينة تدمج بين الروح والمادة، عيونٌ طائرة ترسل صوراً ذهنية عبر مسافاتٍ شاسعة.
ابتسم يي تشين ابتسامةً باردة، ابتسامة تحمل من القسوة ما يكفي لتجميد الأنهار. أدرك في تلك اللحظة أن طائفة الطب الروحي لم تكن سوى بيدقٍ تم تحريكه؛ فهذه التقنية في التجسس تتجاوز قدرات مزارعي الأعشاب. هناك طرفٌ ثالث ،
قوةٌ غير معروفة تقبع في الظلال، تراقب "شيويه" بصمتٍ وانتظار، وقد اكتفت بإرسال طائفة الطب الروحي لاختبار المياه وجس النبض.
"طوال هذا الوقت.. كنا نغلق الأبواب والنوافذ، بينما كانت السماء تسرق ملامحنا،" همس يي تشين لنفسه، وصوته يحمل نبرة من السخرية المريرة من غفلته السابقة.
لم يحرك يي تشين يده، ولم يستل سيفه الأسود الذي يسكن ظهره. بدلاً من ذلك، أطلق [نية سيف الفراغ الأبدي] مباشرةً نحو السماء. في ثانية واحدة، اهتز الهواء حول قمة الجبل اهتزازاً عنيفاً.
لم يخرج ضوء، ولم يحدث انفجارٌ مدوٍ، بل ظهرت "تموجات" غير مرئية في نسيج المكان، كأن السماء قد تحولت إلى مرآةٍ بدأت تتشقق.
فوق في الأعالي، شعرت الطيور الممسوخة فجأة بأن المكان الذي تحلق فيه قد بدأ بالتلاشي. طائرٌ تلو الآخر، بدأت أجساد الصقور تنهار على نفسها، ليس بفعل ضربة نصل، بل لأن "الفراغ" قد امتص ذراتها وأحالها إلى عدم. لم يسقط ريشٌ واحد
، ولم تهرق قطرة دمٍ على الأرض؛ لقد مُحي أثرهم تماماً من الوجود، وكأنهم لم يحلقوا يوماً فوق ذلك الجبل. لقد قُطعت الخيوط التي تربط "المراقب المجهول" بهذا المكان.
بمجرد تطهير السماء، بدأ يي تشين بالتحرك في زوايا الجبل الأربع برتمٍ بطيء ومدروس. كان يغرس طاقته في الجبل، ويرسم رموزاً معقدة بدمائه التي امتزجت بطاقة الفراغ السوداء.
كانت هذه [مصفوفة حجب الوجود] ، لكنه طعمها بنية سيف الفراغ لمحو أي محاولة للاستشعار الروحي من الخارج.
كانت المصفوفة تعمل كمصفاةٍ للواقع؛ فهي لا تخفي الكوخ فحسب، بل تقوم بثني "الإدراك الروحي" حول الجبل، بحيث إذا حاول أي مزارعٍ قوي أن يتفرس في المكان من بعيد،
فلن يرى سوى قمة جبل خالية تسكنها الرياح. اختفى الجبل تماماً عن خارطة الوجود الروحي، وأصبح بقعةً عمياء في عين أي طرفٍ يحاول التجسس.
دخل يي تشين إلى الكوخ، حيث وجد شيويه قد انتهت للتو من "تنسيق" أعضائها في القبو،
ولينغ فنغ الذي كان يمسح الدماء عن يديه بعد تدريبٍ شاق. كانت نظرات يي تشين هذه المرة مختلفة؛ لم تكن نظرات الأخ الحامي، بل كانت نظرات المحارب الذي يرى العاصفة القادمة.
"لقد طهرت السماء، وحجبت الجبل بمصفوفة الفراغ،" بدأ يي تشين وصوته يتردد بوقارٍ ثقيل. "لكن البقاء هنا لم يعد خياراً حكيماً. لدي خطة في رأسي أن نجحت سوف نبقا هنا لاكن أن فشلت سوف نغير المكان"
نظر يي تشين إلى شيويه، التي كانت تقف بهدوءٍ مخيف، وعلى ملامحها الرقيقة مسحةٌ من البرود.
"شيويه.. سآخذكِ معي. سننزل من الجبل ونغوص في قلب القارة. يجب أن نحول المطاردة إلى هجوم. لا نعرف كم عدد الطوائف التي تطمع فيكِ، ولا نعرف مَن هو ذلك الطرف الذي يراقب من السماء،"
التفت يي تشين نحو لينغ فنغ، الذي بدا عليه الاعتراض، لكن يي تشين قاطعه بصرامة.
"لينغ فنغ.. أنت ستبقى هنا. أنت 'الحارس الأخير'. قوتك في فن شيطان الدم أصبحت وحشية، وتحتاج إلى بعض الوقت لتنقية تلك الدماء التي امتصتها. تدرب هنا
، في ظل مصفوفة الفراغ، وكن أنت الخط الدفاعي الذي يحمي هذا الكوخ الذي شهد ولادتنا الثانية. إذا عاد المعلم ولم يجدنا، يجب أن يجدك أنت لتخبره بكل شيء."
مرت الساعات التالية في صمتٍ خانق. بدأ لينغ فنغ بتجهيز بعض "الحبوب الروحية" التي صنعتها شيويه كزادٍ للرحلة، بينما كانت شيويه تجمع أدواتها الطبية وإبرها الفضية ببرودٍ غريب.
وقف الثلاثة عند حدود المصفوفة. نظر لينغ فنغ إلى يي تشين وقال بصوتٍ منخفض: "يا أخ يي.. احمِ شيويه. إذا لمست شعرة واحدة منها، فأنت تعرف ما سوف يفعله المعلم"
أجاب يي تشين وهو يشد على مقبض سيفه الاسود: "لا تقلق، يا لينغ فنغ. ركز في تدريبك، فعندما نعود، سنحتاج إلى تلك القوة التي تخفيها بداخل عظامك لنواجه ما ينتظرنا في الخارج."
أما شيويه، فقد نظرت نحو الأفق، ثم نظرت إلى لينغ فنغ. "أخي لينغ.. في القبو، تركتُ لك بعض 'العينات' لتمارس عليها انتزاع الجوهر.
لا تجعلهم يموتون بسرعة، تعلم منهم كيف تفرق بين طاقة الحياة وطاقة الموت. سأعود ومعي أسرارٌ كيميائية من أجساد الطوائف التي تظن أنها تملك الحق في ملاحقتنا."
بخطواتٍ وئيدة، عبر يي تشين وشيويه حدود المصفوفة. بمجرد خروجهم، تلاشت ملامح الجبل خلفهم، ولم يبقَ سوى الغموض. نزلوا المنحدرات الوعرة برتمٍ بطيء، يراقبون كل حركة في الغابة السفلية، متجهين نحو عالمٍ لا يعرفون عنه سوى أنه غابةٌ أكبر، مليئة بالوحوش التي ترتدي أردية الطوائف.
بقي لينغ فنغ وحيداً على القمة، محاطاً بصمت المصفوفة، وعيناه تشتعلان باللون الأحمر وهو يغوص في "بحر دمائه"، مستعداً لليوم الذي سيعود فيه إخوته،