الفصل الأول : جحيم توكوغاوا

( الصين ، قرية ليانغشان - صيف ١٧٥٠م )

____________

كان الغزو يأتي كالرياح الموسمية التي لا تنذر بقدومها، فقد كان الكل في ليانغشان مستمتعاً بمهرجان عشيرة وي حيث يصل صدى أصوات الشعب إلى آخر البلاد و روائح البخور و العطور المنتشرة في الأرجاء، والجميع مستمتعٌ مع عائلته وأحبائه وأصدقائه، وسبب هذا المهرجان هو أنها حافظت على لقبها "العشيرة المسؤولة على الصين الشرقية" لمدة ٤ قرون كاملة ،ولكن بينما كانت العشيرة تحتفل رأى حراس القرية غباراً عند حدود القرية فبدت الأرض كأنها تتنفس ببطء بعد صمت طويل .

"يبدو أن هناك بعض الرمال قادمة لنا يا سيدي" يقول أحدهم بنبرة تحذيرية و تنبيهية.

"لا أعتقد أن هذا وقت العواصف الرملية" رد وي تشاو -زعيم عشيرة وي حاليا-.

فعندما اقترب الغبار من القرية اتضح أنه كان سربا من الساموراي، و قد كانوا كالقصيدة التي تُتْلى بإيقاع صارم، كل كلمة فيها حادةٌ كحد السيف .

"هذه لم تكن سحابة بل كانت أسراباً من الساموراي بقيادة ياماموتو أراتا" يقول تشاو بنبرة فيها شيء من الغضب.

اخترق ياماموتو الحدود كسيف يقطع قماشاً رقيقاً . بدأ تشاو بسماع أصوات صيحات الفلاحين كأنها صرخة الأرض نفسها، تُجبر على الغناء تحت وطأَةِ الحديد . "لن أسمح لهؤلاء الحثالة بأن يصلوا للقرية" وي تشاو بنبرة وعيد .

"يا أيها الحرس ! أأنتم جاهزون للدفاع عن ما تملكون ." يقول وي تشاو محاولا جعل الحرس أكثر شجاعة.

أصوات تتردد من الحرس و همسات تدل على الخوف..

فيقطع تشاو هذه الأصوات

"أيها الحرسُ،

ارفعوا أعينكم قبل أن ترفعوا السيوف، فإن للعيون حكمة لا يحملها السلاح. نحنُ لا نقاتل من أجل كبرياءٍ أعمى، ولا من أجل رغبةٍ عابرة في النصر؛ نحنُ نؤمّنُ مستقبلًا لأهلٍ ينامون على سقفٍ بنيناْه معًا.

تذكّروا أن البيتَ ذاكرة…

أطفالٌ يتعلّمون أسماءنا نداءنا، وشيخوخةٌ ترتجي عودة الهدوء، ومحاصيلٌ لا تُنتج إلا إذا استمرت السلامة. منطقُ الدفاع هنا واضح وبسيط إن حفاظكم على هذا المكان يَحفظ حياةً، تاريخًا، وضمائرَ لا تستحق الضياع.

لا تدعوا الخوف يقنعكم بأن الرحيل حلٌّ شريف. الخوف يُقوّي من يواجهه، أو يُضعِف من يلتجئ إليه. الاختيار بينهما قرارٌ عقلي قبل أن يكون شعوريًا…

إن وقوفكم الآن يحول خوف الغد إلى أملٍ للغدِ.

اعلموا أن الشجاعة ليست غياب الخوف، بل انتقاء الفعل الصالح في وجوده. الوحدة ليست مجرد كلمةٍ تُقال، بل درعٌ يُصنع حين يقف الناسُ جنبًا إلى جنب. أنتم المسيطرون على هذا الدِرع إن ثبتتم، يثبت الوطن، وإن رددتم، تنهار الأساسات.

فلتكن خطواتكم محسوبة، ولنكن قلبًا واحدًا لا يصدأ. دفاعُنا ليس انتقامًا عمياءً، بل حقٌّ مشروعٌ لحماية الضعيف والحفاظ على النظام والكرامة. فلنحمل هذا الحقّ ونحن صامدون، لأن لا شيء يبرر الفرار وقت الحاجة.

انطلقوا الآن لا من أجل الغضب، بل من أجل الواجب. لا من أجل الشهرة، بل من أجل الحياة التي نحفظها بصدقنا. إن وقفتكم اليوم ستحكيها الأجيال غدًا على أنها لحظةٍ قرر فيها رجالٌ أن يحولوا الخوف إلى عملٍ مسؤول."

بدأ وي تشاو بالإستعداد لساحة المعركة فجهَّز رمحه و ارتدى درعه ليبدو مظهره كأنه طيف جموح بين الوهم و الخلود. فلما وصل لساحة فلما وصل لساحة المعركة بدأ ينادي في جيشه….

"يا جيشي !! اليوم أنتم رمحٌ في صدر الرِّيح، لا درعا عند البوابة.. فاليوم إما أن تنهضوا كالجبال، أو تسقطوا كالرماد… فلهذا ، استعدوا يا جنودي فاليوم هو نصرنا الأعظم .

وأيضاً لن نوقِفَ المهرجان لأننا نستطيع إيقاف هذه الموجة قبل أن تصل" بصوت غليظ وعالٍ

ارتفع صوت الحرس ليُكَوِّنَ هُتَافاً عالياً يصل صداه للأفق…

يظهر رجل بالعشرين من عمره ليُحدّث تشاو "سيدي كيف تقول للحرس أننا لن نوقف المهرجان" بنبرة استغراب وعدم فهم للأمر.

"لن نوقفه حقا.. لقد كان مجرد كلامٍ تحفيزي لكي يزدادوا شجاعةً" بنبرة ثابتة وهادئة .

"اذهب وأخبر ابني جون عن هذا الهجوم لكي يوقف الحفل…"

في هذه اللحظة أثناء المهرجان …

وي جون "ابن وي تشاو" مع زوجته الحامل "وي ران"

"برأيك ماذا تريدين أن نسمي ابننا ؟".

"أريد أن أسميه رون ..وي رون ."

"هذا الإسم لديه وقعٌ جميل جداً مع عشيرتنا ."

فلما أبصر جون، إذا بكايجي يصيح نحوه كمن فقد صوابه .

"ماذا دهاك يا كايجي أجننت ؟." يقول جون بنبرة استغراب و استهزاء..

" أمرني والدك أن أخبرك بأن القرية تتعرض للهجوم و أنه علينا وضع القرية في حالة إخلاء إجباري ." يرد عليه كايجي بنبرة استعجال ..

"حسنا هل أبي معهم ؟" يسأله بنبرة واثقة

" نعم . إنه معهم، ولكن هذا ليس سبباً لعدم الإخلاء " يجيبه كايجي بحيث يتوقع الأمر الذي سيقوله جون ..

"على رسلك، هذا ليس السبب الوحيد لعدم الإخلاء هناك أسبابٌ أخرى مثل أنهم ليسوا بهذه الكثرة…

وأيضا إن العدد من الناس في المهرجان يَصْعُب إخلاؤه" يقول جون بنبرة تبريرية

نعود إلى تشاو الذي نزل مع حرسه إلى الحدود ليقابل ياماموتو أراتا … الرياح تحرك شعرهم كالموج، والنظرات الثاقبة بين المُعتدى و المعْتدِي و ما زاد الجو حدة و بخاصة وجود جين تشونغ قائد الحامية مع سيده وي تشاو قائدا للجنود…

"ماذا تريد من هذا المكان ياماموتو؟" يقول تشاو بنبرة غاضبة

"هكذا إذاً… ما زلتَ على عادتك" يقول ياماموتو بنبرة باردة

"لا تُغَيِّر الموضوع ! ما الذي جاء بك إلى هنا!!" يقول تشاو بنبرة تهديدية ..

"أنت تعرف لماذا أنا هنا ! ولكن دعني أجعل جنودك يسمعون ما هو سبب وجودي…

أعطاك الشوغن مهلةً أخيرة، فاختر إما أن تُسلّم القرى والكنوز واعترف بخطئك، أو لِتستعد لمشاهدة تحطّم كلّ ما أحببت أمامك.

لا تكون سببًا في هلاك شعبك وصمت التاريخ عليك كفشلٍ لا يغتفر."

"أيها الرجال إن الشوغن يعطينا خيارًا يلوّن معنى الحياة بالعار. أنا لا أقبل أن أضع أسماء أقاربي على كفّ قاضٍ يختار الرحمة بحسب مصلحته. إن بقيتم معي فسندافع؛ وإن تركتمونا فلتعلموا أن التاريخ سيحكم عليكم كلُّ من خان ضميره. أنا أرفض، وأدعوكم أن تقفوا إلى جانبي"

رجال وي تشاو يهتفون ويصرخون بحماس شديد…

يقول ياماموتو : "رد متوقع… ويحزنني أن أُخبِرَك أن الشوغن هنا !!"

تغيرت ملامح وي تشاو فوراً من ملامح بُطولية وحماسية، إلى ملامح الصدمة ..

"أين هو؟!!" يقول تشاو بنبرة حذرة وصارمة

"إنه في الجهة الأخرى من القرية…

أعتقد أنه قد ذهب أحد حرسي ليعلمه برفضك للعرض…

يا لك من أحمق أتظن أننا سنهاجم مكاناً بجيش واحد.."

يلوح ياماموتو بكاتاناه و يوجهها نحو رقبة وي تشاو ، ولكن وبسرعة هائلة يتمكن تشاو من صدِّ الضربة برمحه…

"أتعتقِدُ أنّني لن أتمكن من إنقاذ الوضع.." يقول تشاو بنبرة واثقة..

"أووه.. على ما يبدو أنك واثق بجيشك.."

"جين..! فلتعد للقرية وخذ معك بعض الجنود للمقاومة…

سألحق بك قريباً" يأمر تشاو جين بينما يتصادم رمحه مع كاتانا ياماموتو.

"حسناً… فليأتِ معي من يريد حماية القرية" ينادي جين الجنود بنبرة حماسية.

فيذهب معه بعض الجنود ويبقى البعض الآخرُ مع وي تشاو…

"الآن ما رأيك في نزال واحدٍ لواحد.. ياماموتو!" يقول تشاو بقصد التحدِّي…

"لنبدأ إذاً !!!" يقول ياماموتو وهو متحمس ومستمتعٌ بالقتال…

يهدأ الجو في الوقت الذي نزلا فيه من الأحصنة، بدأ النظرات الحادة بينهما والجو المشحون بينهما…

"بشرف وي ستكون أولَ من يلقى نحبه في هذه المعركة" يقول تشاو طلباً لبدء النزال على الطريقة التقليدية…

"بشرف الساموراي الذي لا يعلى عليه سأقطعك لنصفين" يقول ياماموتو كعلامة على الموافقة لطلب تشاو…

يبدأ النزال… يصطدم رمح وي مع كاتانا آراتا لتظهر صوتاً رَنَّاناً… مع هذا الصوت تبدأ هتافات الطرفين وقتالهم… أصوات تضارب السبوف في كل مكان… يقتل الساموراي اعداءهم والعكس أيضاً…

بعد التصادم، يتراجع تشاو نصف خطوة، بينما يتقدم ياماموتو بخطوةٍ كاملة.

الكاتانا تدور حول الجسد بخفة، والرمح يمتد كظلٍّ يقطع الهواء.

ياماموتو يحاول الاقتراب بسرعة ليُبطل مفعول المدى الطويل للرمح.

تشاو يعرف ذلك، فيُبقي مسافة دقيقة بين قدميه وخصمه، يبدّل قبضته بسلاسة، يدور بالرّمح دورةً نصفية تُحدث صفيرًا خفيفًا في الهواء.

فيتراجع ياماموتو خطوتان للخلف "لم تفقد مهاراتك رغم سنِّك" يقول ياماموتو وهو يتنهد..

"العمرُ مجرد رقم" يقول وي تشاو وهو يزفر…

ياماموتو يندفع فجأة، يسحب الكاتانا باندفاعٍ منخفض نحو قدمَي تشاو.

في اللحظة نفسها، تشاو يرفع الرمح إلى الأعلى، لا ليتصدّى، بل ليجعل الكاتانا تفقد هدفها.

ومع دوران جسده، يستخدم مؤخرة الرمح، لا رأسه، ليضرب رسغ الخصم بخفة ضربة قصيرة وسريعة تُربك أكثر مما تؤذي.

الكاتانا تفلت للحظة من اتزانها، فيعيدها ياماموتو سريعًا لكنه يفقد توازنه للحظة، كأن الهواء صار أثقل حوله.

تشاو يرى الفراغ في حركة خصمه الثغرة التي لا تتكرر إلا مرة واحدة.

بخفةٍ مدروسة، يدور نصف دورة على كعبه، وساقه الخلفية تغرس في الأرض بثبات.

الرمح يمتد بخط مستقيم، لا غضب في الحركة، لا صرخة.

في لحظة واحدة، ينغرس الرمح في صدر ياماموتو، في نقطة القلب، بين فواصل الدرع الحديدي.

لا صوت إلا صفير الريح.

وجه ياماموتو يتجمد، عيناه تتسعان بدهشةٍ صامتة. لا ألم ظاهر، فقط إدراك، الدم يخرج من فمه بغزارة…

المطر يختلط بأنفاسه، يسقط السيف من يده في طينٍ هادئ.

"إذاً هذا هو… هذا هو الموت…

نجحت في تحقيق حلمي بالموت في قتال" يقول ياماموتو مبتسما بينما الدم يخرج من فمه…

تشاو لا يسحب الرمح فورًا. يتركه ثابتًا للحظة، كمن يمنح خصمه احترام النهاية.

ثم يسحبه ببطء، دون نظرة نصر.

جسد ياماموتو ينهار إلى الأمام، يستقر على ركبتيه قبل أن يسقط كاملًا، وعيناه ما تزالان تتابعان الرمح كأنه يرى فيه مصيره المكتوب…

يذهب تشاو تاركاً جثةَ ياماموتو …

"قائدكم قد مات.. وأنتم الآن عبارة جرذانٍ بدون قائدها…

أما زلتم تنوون الموت وأنتم على وشك الخسارة…

سأمنحكم فرصة الهروب من هنا بدون قتل أحدٍ آخرَ منكم، فهل ستوافقون ؟ أم أنّ شرف الساموراي يمنعكم ؟"

بعد كلام تشاو هذا يهرب أغلب الساموراي ليبقى البعض القليل الذي تمكن الجنود من إنهاء أمرهم بسهولة…

ليبدأ هتاف جنود القرية محتفلين بانتصارهم…

"لا تحتفلوا الآن، فكبيرهم في القرية ويجب علينا إنهاء أمره لنحتفل"

في الناحية الأخرى من القرية، وقبل أن يصِلَ جين تشونغ للقرية، ساموراي طوله ١٨٩ سنتيمتر يستل سيفه ويقسم بصوتٍ عالٍ وبأسلوبٍ غاضب…

"أقسم، أنا توكوغاوا موساشي، بسماء اليابان التي أنارت طريق السيوف منذ الأزل، وبتراب الأرض الذي سقته دماء الأسلاف،

أن لا يبقى لاسم وي ظلٌّ في دفاتر هذا العصر.

لقد خانوا الوئام، فصار لزامًا أن يُغلق تاريخهم بيدي كما يُغلق كتابٌ أنهى فصوله.

أقسم بروح الشرف أن أمحو سطر الفوضى، وأن أرفع ميزان النظام فوق كل عاطفةٍ أو رحمةٍ تُضعف الحكم.

لن أنام حتى يذوب أثرهم في الصمت، وحتى تعود الإمبراطورية إلى توازنها كما كانت تحت شمس العدالة الأولى.

هذا وعدُ شُوغنٍ لا ينكسر، قَسَمٌ من حديدٍ لا يلين، ونفَسٌ من نارٍ لا يبرد، أن تُمحى عشيرة وي من الوجود السياسي، فلا يُذكر اسمهم إلا كعظةٍ لمن يُفكِّر في العصيان."

يدخل ألاف الجنود للقرية فيبدأ الجنود بقتل ما يرونه أمامهم و كأنهم عميٌ يحملون سيوفاً يقطعون به كل من يقف في طريقهم ..فيرى الناس في المهرجان هذا المظهر المروع ..ساموراي قادمون نحوهم.. فبدأوا بالهروب و لكن بعد ماذا.. بعد حدوث مجزرة ستبقى خالدة كانتصارٍ في قلوب اليابانيين.

فلمَّا وَصَلَ جين تشونغ للقرية وجدَ هذا المشهد المروع جثث نساء مرميةٌ على الأرض، أطفال يبكون، وأطفال يموتون، وشيوخ يستسلمون..

"اللعنة… لم أصل في الوقت…"

يبدأ الجنود فجأة بالصراخ والعويل كالأطفال…

"اهدؤوا…اهدؤوا شدوا عزيمتكم انتقموا منهم لا زالت لديكم الفرصة"

فجأة صوت غليظ من خلف تشونغ "أي فُرصةٍ هذه؟!"

شعر بضغط كبير كأنه على وشك الموت، فيلتفت ليرى من هو صاحب الصوت الذي يتضح أنه الشوغن…

"إذاً ها أنت ذا… أما زلت مصرّاً على الإنتقام لهذا الحد" يقول تشونغ بنبرةٍ فيها من الخوف والحذر…

"الأحمق من ينسى قتل من ربَّاه…" يقول الشوغن بنبرة حازمة على تدمير كل ما حوله…

"وما ذنبُ هؤلاء إذاً؟" يرد عليه تشونغ محاولاً تغيير موقف جيشه…

"هؤلاء أتباع الحثالة ! فلهذا يجب أن يموتوا مع الحثالة"

ارتفعت الكاتانا كقمرٍ أسود فوق الساحة، ثم هبطت بمقدارٍ وحيد. تشونغ لم يتحرك إلا لوهلةٍ أخيرة، كمن يستوعب أنه أمام قرارٍ كُتِب سلفًا.

انقسم الهواء بصوتٍ حاد، وارتعشت كل الأجساد. سقط الرأس، وخرج الدم كما لو أنه يعلن حجابه عن حقيقةٍ لم تُرَ من قبل.

"هذه نهايةُ الطغيان وولادةُ صمتٍ جديد." موساشي وقف ثابتًا، لا فرح في محياه، بل وقار الحاكم الذي نفّذ قضاءه.

نزل موساشي من حصانه وأخذ رأس تشونغ ووجهه نحو جنود القرية المُرتعبين..

"لا تقلقوا فموتكم سيكون أرحمَ من هؤلاء"

"يا أيها الساموراي تعرفون ما هو عملكم لا تتركوا أحداً حياً إلا أطفال ونساء وشيوخ العشيرة الرئيسية" يأمر الشوغن أتباعه بأسلوب صارم… بينما بقي جيش القرية مصدومين من المشهد، مستسلمين لواقعهم المر..

نعود لوي تشاو الذي أمر جيشه بالذهاب معه للقرية…

فلما وصلوا وجدوا كل شيء مدمر…

"ماذا حدث هنا بالتحديد ؟… من المستحيل أن الإشارة قد وصلته مبكراً… هل يعقل أن كل هذا كان مكيدة لحصرنا تماماً"

يقول تشاو وكأنه فهم خطة موساشي …

الجنود مصدومون من مظهر القرية المدمرة فبدأ بعضهم يصيح والبعض الآخر يقوم بتهدئة الوضع، "كلٌّ منكم قوموا بالبحث عن عائلاتكم معاً وإياكم أن تتفرقوا.." يقول تشاو محاولاً تدارك الأمر…

"تباً لماذا لم يتوقف المهرجان؟".. "لحظة.. ابني لم يوقف المهرجان …هل يعقل؟"...

"أين هو ؟ أين هو جون ؟." -ينادي بصوت عالٍ- "جون بني !!! أين أنت ؟؟!!!!."

و بينما يدور وي تشاو في القرية وجد جون ملقياً على الأرض، وزوجته تبكي بشدة… "بني هل أنت بخير؟" -يكرر نفس الكلام بينما هو يحاول إيقاظ ابنه- "بني .. فلترقد في سلام"...

يتذكر تشاو لحظات حياته وهو يربي ابنه، ولما كان يلعب تحت المطر حافي القدمين…

ولما كان يعلمه حمل الرمح لأول مرةٍ ولم يتحمل وزنه فسقط…

لم يعد وي تشاو يتحمل فقدان ابنه فبدأ بالبكاء…

"ليس وقت البكاء الآن.. علي محاولة تدارك الوضع" يقول وي تشاو في نفسه محاولا التوقف عن البكاء…

"ماذا حدث ؟" يسأل زوجة ابنه بنبرة صارمة بعض الشيء

"لقد رفضَ ان يوقف المهرجان بحجة أن عددهم قليل…"قالت ران بينما هي تبكي…

"يجب علينا الآن إنقاذ قدر ما نستطيع من الناجين وأعتقد أن جين بدأ بهذه العملية بالفعل… فلترافقيني"

هدأت ران قليلا و رافقت تشاو ليعود لحرسه، فلما وصل تشاو إلى آخر مكان التقى فيه مع حرسه وجدهم مقتولين دون استثناء….

"مجزرة" هكذا قال تشاو وعيناه مفتوحتان من الصدمة…

"ما فائدتي؟ أحقّاً أستحق أن أبقى حياً" يقول تشاو بنبرة يائسة ومستسلمة…

"لا.. أنت لا تستحق الحياة" يظهر من خلفه موساشي الذي يقولها بتكبر منقطع النظير..

فلما التفت وجد توكوغاوا موساشي حاملاً رأس صديقه الأعز وذراعه اليمنى "جين تشونغ" .

صدم وي تشاو صدمة عمره لم تتحرك شعرة من مكانه بقي واقفا كالتمثال

يتذكر كل لحظة له مع جين، الذي كان له كالأخ عانى معه نفس المعاناة، وتقاسما نفس الرغيف، ولكن ها هو أمامه برأسٍ مفصول…

"اقتلوا هذا العجوز الخرف وقوموا بأسر قدر ما تستطيعون من عشيرة وي… من المؤكد أنهم في القصر، وأيضا لا تنسوا أسر هذه الحامل."

وي تشاو واقف في هذه الفوضى بينما يقترب الحارس شيئا فشيئا منه "هذه الحياة .. جدارٌ بلا باب .. لم يبق لي فيها سوى رماد الغياب… ابني مات و انطفأ قلبي معه… صديقي الأعز مقطوع الرأس و سقط صوته في صمت… زوجة ابني أسيرة في يد الظلم… و أنا واقفٌ… بلا ظل ولا معنى…. كل كلماتي كانت هواءً… لم تغير مصيراً و لم تنقذ روحاً فما جدوى أن أتنفس بعد الآن ؟ .. ما فائدة هذا الجسد، إن كان القلب قد مات منذ زمن ؟؟!". يخرج سكينا و يقطع به رقبته و بهذا انتحر .. انتحر وي تشاو وسَالَ دَمُهُ على الأرض كأن الأرض تبكي على فراقه .

تصرخ ران مع بكاء عال من هو ما رأت و تبدأ بالبكاء بشكل فظيع.

ينظر موساشي نظرة استكبار نحو تشاو و ران

"ألم أقل لكم أننا سنقوم بعملية بسيطة لقتل عجوز خرف ، الآن ليقم الجميع باتباع الأوامر التي أمرتها بدون معارضة !." يقول موساشي مع شيءٍ من الغرور ونشوة النصر

ران توقفت عن البكاء استسلمت لواقعها …

فأسرها الجنود هي و بعض الأطفال و الشيوخ من عشيرة وي ليصبحوا عبيداً في قصر توكوغاوا .

( قلعة توكوغاوا - كانازاوا ، اليابان ربيع ١٧٩٥م )

____________

بعد ٤٥ عاما من المجزرة و في أقبية قلعة توكوغاوا في مكان سكن عبيد توكوغاوا ولد طفل جميل بعيون زرقاء و رموش فضية و شعر أسود قرر والداه تسميته "ليان"

" ليان وي ، بني أتمنى أن تعيش حياة سعيدة يا بني و أن تكون أول من يحرر نفسه من قمع توكوغاوا ." يقول الأب <وي رون> بتفائلٍ ويأسٍ في آنٍ واحد.

كان جمال ليان كلعنة في عالم العبيد حيث انتشر بين الجاريات في القلعة شائعة تقول أن ليان "شيطان" .

( قلعة توكوغاوا - كانازاوا ، اليابان شتاء ١٨٠٠م )

____________

بينما كان وي رون ينظف البيت قد أسقط مزهرية تقدر قيمتها ٥٠٠٠ ين فعندما رآه المسؤول عن توكوغاوا "هيديتوشي" أمر الحرس بقتله فقام الحارس بفصل رأسه عن جسمه فوراً فلُطِّخ وجه ليان بدماءِ أبيه…

فهرعت إليه زوجته و هي تبكي فيقوم نفس الحارس بطعنها في قلبها فماتت و كل هذا قد حصل أمام عيني طفل صغير بريء لم يبلغ السادسة من عمره…

"هل أقتله يا سيدي؟" يسأل الحارس هيديتوشي قاصِداً ليان

"لا ، إياك أن تقتله سأستغله كل قطرة دم منه ليكسبني ذهباً….." هيديتوشي بأسلوب تحذيري

ينتهي الفصل ……

2025/10/14 · 28 مشاهدة · 2635 كلمة
نادي الروايات - 2026