الفصل الثاني : حياةٌ أو مَوت

( قلعة توكوغاوا - كانازاوا ، اليابان شتاء ١٨٠٠/١٨٠١م )

__________

بعد قرار هيديتوشي بإبقاء ليان حياً، أمر باقي العبيد بدفن والديه في ساحة القلعة وعدم إقامة جنازة لهما…

فدفنوهم بعيونٍ بائِسة، لكن قلوبهم كانت تصرخ دون صوت..

"مَن أنا ؟ لعلي الفراغ الذي يملأه الحنين، الحنين الكَائِنُ في الجحيم" قال ليان في سرِّه أثناء دفن والديه بينما العبيد يمرون حوله يبكون…

الصدمة خلفت في قلبه جرحاً لا يلتإِم "هل الموت راحة؟ أم مُجرَّدُ شكلٍ آخرَ من التَّعب؟…" رأى في عينيه صدى والِدَيْهِ وتَساءَل "هلْ وَجَدُوا السَّلَامَ هناك؟" شَعَرَ أن الموت رغم قسوته أنه أَصدقُ من حيَاةٍ تُهان فيها الكرامة كل يومٍ، أدرك أن الموت ليس رغبةً في الرّحيل، بل رغبةً في السكون، إلى عالَمٍ لا يُضربُ فيه أحد، ولا يُجبَرُ فيه أحدٌ على أن يخاف…

في اليوم التالي استيقظ ليان في زنزانته الكئيبة، التي لم تكن سوى مكعباً من الصمت و الرماد، بلا نافذةٍ ،ولا مرحاض، كأنها ليست مكانا للعيش فيه بل قالب من النسيان ضبَّ حوله، قرر ان ينهض و يتحرك متجها إلى الساحة الرئيسية، فلما وصل كانت رائحة العطور تغطي المكان، أصوات الطبول، جواري القلعة تتحرك من هنا وهناك بين الساموراي، أصوات الأغاني الشعبية يغطي المكان، موكب الأويران مزدحم بشكلٍ كبير، فبينما كانَ هيديتوشي يتجول في الساحة فرأى ليان فسأله "ماذا تفعل هنا يا صعلوك ؟!" بنبرة متعجرفة .

"فقط أردت أن آتِيَ إليك يا سيدي لأرى هل يوجد شيءٌ بإمكاني فعلُه" رد ليان بنبرة طاعة و يأس..

يقطع هذا الحديث رجل بلحية خفيفة و شعر بني طويل يقول لهيديتوشي : "أبدعت في تنظيم هذا الحفل يا هيديتوشي، ولكن لم تقل لي ما مناسبته؟"

"انتظر يا حضرة الشوغن، فإنها مفاجأة" رد هيديتوشي بنبرة تدل على حماسه..

ليان في نفسه : "الشوغن؟! ليون شيناري بشحمه ولحمه هنا"

الشوغن يلتفت نحو ليان ثم يسأل هيديتوشي "من هذا الطفل؟"...

"هذا عبدٌ عندي.. لا أعرف اسمه حقيقةً" يبدأ هيديتوشي بالضحك مع الشوغن …

"ليان اذهب و تناول طعامك الذي ستحضِّره لك مي لين في القبو هناك" يقول هيديتوشي؛ وكأنه يريد طرد ليان ولكن بطريقة لكي لا يقلل من احترام الشوغن ..

يذهب ليان إلى القبو الذي يبدو وكأنه قبر كبير يجمع اكثر من ألف جثة الأجواء صامتة و كئيبة لا توجد سوى طاولات بها عبيد يائسون يأكلون إفطارهم ..

"أهلاً ليان طعامك جاهز" تقول مي لين بصوت رقيق لتخفف عنه حَمل يوم أمس ..

"أشكرك" رد ليان ببرود وآثار فقدان أبويه لا زالت على وجهه .

يبدأ ليان بتناول الطعام … كل قضمةٍ أعطت له معنىً جديداً للوجود.. ولكن أمل الحياة لا يزال في الحضيض ..

بعد انتهاء ليان من افطاره قرر أن يعود و يشاهد الحفل بعيداً عنِ الأنظار..

فلما وصل رأى هيديتوشي يوقف الأحاديث و يوجه الأنظار نحوه ليقول "أشكركم أيها السيدات و السادة على قبولكم دعوتي و حضوركم لهذا اليوم المميز عند قلعتي …

أصوات تصفيق

في هذا اليوم أعلن عن فكرتي و إقتراحي لهذه التجربة التي ستكون أفضل تجربة مرت على اليابان …"

"وما هي ؟!!" يسأله الحضور بنبرة حماسية و فضولية ..

"تَحْوِيلُ الوجود الحيِّ إلى سلاح.. بمعنىً مُختصر سلاحٌ بَشَرِي"

ليان بعدما سمع صدى هذه الكلمة "سلاحٌ بشري.. من هو هذا السلاح؟؟"

هَمهَمَمةٌ مُستغربة من الحضور يصلُ صداها إلى هيديتوشي "

من سيكون هذا السلاح؟.. فكرةٌ رائِعة ولكِنْ ممنوعٌ استِغْلالُ الشعبِ…

ما هذا الهراء الذي يَهذي به؟!"

يَبْتسِمُ هيديتوشي ابتسامة نصر واكتسابٍ لإنفعالِ الحضورِ "طفلٌ من الْعَبِيدِ سيشهد كيف تتحول الفكرة إلى واقع لا رجعة فيه." يقول بنبرة واثقة و حماسية

"التجربة التي أُعدها ليست عقوبةً جسديةً بل مجسّ للضمير؛ أريد أن أعرف إن كان قادراً على الإحتضان أو أن يبقى وحشاً يبتلع كل إنسانية"

صَوْتُ هتاف الحضورِ يؤيد فكرةَ هيدِيتوشي الذي يقف على المنبر و يفرد يداهُ للسماء كعَلامةٍ على النَّصْرِ..

"أنا العبدُ الوحيد الطفل .. هذا يعني.. إنه يقصدني!!" يقول ليان بنبرة خائفة .

استمر الحفل لساعات و ساعات، أُمِر فيها ليان بتنظيف أرضيات القلعة الداخلية، فانتهى من التنظيف في أواخر اليوم، فدخل إلى المعبد الخلفي كمن يعود لبيت مهجور. صعد ببطء على السلالم الحجرية وجلس، والأفق محاط ببلايين الأضواء البعيدة؛ نجوم تزهر في صمتٍ. لم يطلب الدفء، بل انتظر أن يهمس له الليل شيئاً يقنعه أنه مازال حيّاً رغم انسداد الطرق.

في صباح اليوم الذي يليه …..

( قلعة توكوغاوا ، كانازاوا - اليابان شتاء ١٨٠١م )

___________

صوت عالٍ وكأنه من بعدٍ آخر، فاستيقظ ليان ليرى أمامه هيديتوشي "ماذا تريد مني يا سيدي؟" ليان بنبرة يأس و فقدان أمل ..

"أن تُصبح كما أُريدُ، وكينغو من سيصنعك" قال هيديتوشي بنبرة متكبرة …

يذهب ليان و خلفه هيديتوشي نحو ساحة القلعة الخارجية، فيرى ليان أن الشمس لم تشرق بالكامل بعد، والجو مثلج وهو لا يرتدي سوى قميص واحد خفيف "برد.. ما هذا الجو؟؟ -مع طقطقة أسنانه-" فيدفعه هيديتوشي ويقول له "أكمل طريقك" بنبرة برود و عدم مبالاة.

فلما وصلا وجدا ساموراي طويل القامة؛ حوالي ١٨٧سم .

يحمل سيفا خشبياً …

"أهلاً هيديتوشي !!..." تجاهل ليان بالكامل ولم يهتم لأمره .

"أهلا بك أيضاً يا كينغو، لم أرك منذ وقت طويل، شكراً لأنك وافقت على طلبي"

"لا شكر على واجب، فأنا أدينُ لك بحياتي يا هيديتوشي" يقول كينغو بنبرة مسالمة ..

"إذا قم بالبدء بتدريب هذا الصعلوك سأذهب لأجلب لنا شيئاً لِنأكله.." يرد هيديتوشي.

يرمي كينغو السيف الخشبي لليان، فيقول له "تدريبك الأول هو ضرب الهواء ألفا مرة باستخدام هذا السيف" بنبرة تعالٍ و عدم اهتمام …

يبدأ ليان بالتمرين الضربة الأولى كانت سهلة و الثاني لازالت بنفس السهولة … حتى وصل للضربة ١٩٩ بدأت يدهُ بالارتخاء و التباطؤ … وفي الضربة ٥٠٠ لم تعد يده تَقْوى على حمل السيف الخشبيِّ فرماه على الأرض، فقال كينغو "حسناً يبدو أنه فشلٍ في التدريب وعقابه جَلْدٌ بسوط من جلد الجاموس.."

يتحرك كينغو نحو ليان خطوةً بخطوة .. كل خطوة كانت زلزالاً في عيني ليان…

"سوطٌ من جلد الجاموس ! أينوي هيديتوشي هذا قتلي ؟" ليان في نفسه …

فضرب كينغو ليان على أسفل رأسه فأُغمي عليه …

بعد حوالي ساعتين وجد ليان نفسه في غرفة صغيرة فارغة مضاءةٍ بشمعة واحدة، معلقاً بالمقلوب؛ قدماهُ مربوطتان و رأسُهُ في الأسفل لا يلامس الأرض..

"آه.. لقد استيقظت إذاً حان وقت الجلد" يقول كينغو بينما ينهض من على الكرسي.

أشهر كينغو السوط، وانفجرت الضربات على ظهر ليان كالصاعقة..

لم تكن الضربات مجرد ألمٍ للجسد، بل كانت محاضرةً في السلطة، درساً يُعلِّم كيف يصْنعُ الخوفُ انساناً بلا قلب..

كانت كل جلدةٍ في نَظَرِ ليان أَلفَ سَنَةٍ في الجحيم قال في داخلِه "لِماذَا لا أَنْتحر؟ ولماذا نفسي تأبى الموت؟" … "الموت لا يطاردني… الحياة هي التي ترفض أن تتركني وشأني.".

بعد انتهاء الجلد أُمرَ ليان بالعودة إلى زنزانته لينام، وحين تهاوى إلى زنزانته، أدرك ليان أن الجسد يمكن أن ينكسر، لكن شيئاً آخر يولد في آخره عند الحافة الأخيرة من الألم، كان الموت فكرةً رحيمة، ولكن فهم فجأةً الرحمة لا زالت مبكرةً عليهِ، أدركَ أن عليه أن يعيش الآن ليس لأنه يريد الحياة بل لأن شرارة قد ولدت في قلبه تسمى "الإنتقام"، فقد شكلت هذه الشرارة لهُ شكلاً آخَرَ مِنَ الوجودِ، ولن تنطفئ أبدا طالما أنه يتنفَّسُ..

"سيعلمُ ذاكَ الذِي ظنَّ أنَّ القوةَ خالدة، أنَّ أكْثَرَ ما يُفني الحُكَّامَ هُوَ صمتُ من ظلموهُم.

فأَنا لَسْتُ عَدُوَّهُ بل مرآتهُ الأخيرة؛ كُلَّما نظرَ في المجْد رأى

وجْهِي.

سَيَهْرُبُ مِنَ الموتِ فلا يَلقاه، لأنَّنِي سأَكونُ المَوتَ نفسَهُ بِوَجْهٍ لاَ يفْنى، وبعيْنٍ لاَ ترْحَمُ.

مِنْ رَحْمِ الْعَذَابِ سَيَتعلَّمُ الكَوْنُ مَعنى اسْمي"

ينتهي الفصل ….

2025/10/14 · 22 مشاهدة · 1166 كلمة
نادي الروايات - 2026