الفصل 3 : تكريم

بعد أيام من انعقاد مجلس إدارة الأزمة ، هدأت الأمور تدريجيا ، فطغت أحذات جديدة على سطح المستجدات لتغطي الانقلاب العسكري ، امتلأت دكاكي المدن الكبرى بصحف جديدة " القائد رايمان يعيد ترتيب الصفوف " ، "تمت محاكمة الخونة !" ، " إعلان افتتاح منتديات للنقاش في مراكز المدينة ... الكل مدعو للحضور !"، " بدون مقاعد شاغرة السبت القادم، حفل موسيقي بحضور عبقري الموسيقى " ، " ستيفن أيوريفا ، ناتس روندرو ، ميروزلاف بارولو ، وحوش هاربة ! 1500 دينار لمن يدلي بمعلومة عن أعداء الوطن " ، إضافة إلى خطاب الملك الذي ملأ المجلات معلنا خروج النظام من الأزمة .

توالت الأيام و بدأت تجهيزات حفل التكريم تزامنا مع احتفالات نهاية سنة 846 ، تزامنت أيضا مع محاكمات المتورطين بالمشاركة أم بالتواطؤ و التقصير ، فقضت المحكمة بأحكام إعدام و سجن .

31 دجنبر 486 ، اتجهت الأنظار إلى قصر الملك في تلة أرنوس ، مئات بل آلاف الحضور ، كل الوجوه المعروفة تواجدت في المكان نفسه قادة وزراء و سياسيون و فنانون و رجال أعمال و عائلات نبيلة مقربة من الحاشية و صحفيون ، عرف القصر و محيطه تشدد أمني لم يسبق له مثيل .

في ساحة القصر الواسعة ، و أمام المنصة الضخمة، اجتمع الناس حول مئات من طاولات المأكولات بمختلف أنواعها ، منها المأكولات الإيلارية المشهورة و منها أكلات عالمية ، تناوب كبار الطباخون على تقديمها إضافة إلى أغلى أنواع النبيذ . موسيقى خافتة تعزفها فرق موسيقية مشهورة ، اطربت أنغامها الحضور و امتزجت بقهقات الضحك و الحذيث . إلا ان هدأت كل هذه الأصوات الصاخبة ، و التفتت الأنظار إلى منصة القصر ، ظهر الملك فخرست كل الأصوات و اشتد الانتباه حوله ، ظهر برداء إيلاريا التقليدي و بجانبه زوجته الحسناء ماري دي راينارت و طفله الصغير أنطونيو وريث عرشه ، و وراءه يقفه حارسه الشخصي فارع القامة بروس ، اخد يمسك ابنه بيد و يحيي الحضور بيده الأخرى ثم انطلق مخاطبا الناس :" مرحبا أيها الجمع العظيم ! أولا أبارك لكم السنة السعيدة " تضمن خطابه كلمات تكريم للضحايا :" هذا التكريم هو تكريم لأرواح شهدائنا في الدرجة الأولى " انتهى الخطاب فاشتد التصفيق و امتد لدقائق . فانطلقت مراسم التكريم ، كان أول المكرمين الجنرال رايمان دي رينارت، قائد الجيش و أخ الملك الأصغر ، كوفئ لجهوده في مكافحة التمرد و إمساك زمام الأمور، لم يكن إسم الرجل غير مألوف للجموع ، فاسم الرجل لطالما تردد على مسامع الناس منذ تولي الملك الحكم ؛ رجل براق في الثلاثينيات من عمره، بشخصية لامعة تخطف الأنظار كبزته المصممة بإثقان مرصعة بالذهب و النياشين التي تكسوا جسمه الممتلئ إلى حد السمنة ، تقدم بعصاه العسكرية و ضحكته الجهورة تقدم فألقى التحية العسكرية على الملك الذي منحه وسام الشرف النبيل ؛ المصمم خصيصا لأجله ليثقل به رداءه العسكري . لطالما شبههم البعض بأسطورة روملوس و رينوس ابناء الذئبة و مؤسسي العاصمة في عهد الرومان . تلاه من المهنئين ، العقيد ألفريد كاستوس ، الذي نودي عليه لأول مرة برتبة "جنرال" في ترقية خاصة له تحت تصفيقات حارة بتقلده رتبة الجنرال التي حملها والده المقلب الجنرال الذهبي في عهد الملك كاستوس ، إضافة إلى تقلده منصب وزير الدفاع عن إيلاريا . و كانت ثالث المهنئين وزير الداخلية كولتهو الهالكن ، رجل الظل في دولة الملك ، شخصية نالت همسات الحضور و رهبتهم عوض تصفيقاتهم ، تهامس البعض عن الشبهات التي تحيطه قائلين عنه شخصية لا تخفاها خافية في البلد و له آذان في كل جدران إيلاريا ، تقدم بنظراته الهادئة تخفيها نظارات اقترب من الملك لينال وسام الشرف نظير تعامله مع الأزمة و إعادة الهدوء . كان أصغر من تم مكافأتهم شاب في نهاية العشرينات ، ينحذر من عائلة أرسطقراطية عسكرية ، طويل القامة حسن القوام ، كرم لإظهاره شجاعة لا مثيل لها و انظباطا عسكريا حازمت ، تقدم برفقة زوجته الصحفية الشابة هالة ، عرف بكونه قامة صاعدة و هو ينال و سام الشرف ، تنبأ له الكثيرون بمستقبل باهر في جيش إيلاريا .

شمل التكريم أيضا المستشار كوفيير عقل حكيم ورثه الملك عن والده ، و الوزير هارولد السياسي الذي مكنته براعته من تقريبه اكثر من دوائر القرار ثم وزير الإعلام أوغستين و المفتي الشيخ سي نابو و أوتو تروم قائد القوات الخاصة الذي تغيب عن الحقل و حضر مكانه نائبه الرائد فرانسيس متقلدا الوسام مكانه ، إضافة إلى وزراء آخرين و سياسيين بارزين و صحفيين.

انتهى التكريم لتتعالى أصوات الاحتفال مجددا و الموسيقى الكلاسيكية من جديد ، كان رايمان الوجه الأبرز في الاحتفال الذي كان يجدب أنظار الجميع بقهقاته العالية و كلامه المتفاخر عنه و عن والده أنطونيو ، أما الملك فجلس برفقة المستشار كوفيير يتبادل معه الآراء و بجانبه أنطونيو الصغير الذي يقاطع حذيته مع المستشار أحيانا ، قبل أن يطلب من حارسه بروس نقله عنه بعدما جاءه ممثل الطبقة البورجوازية ليكلمه فيكتور موريل ، لاحظ الجميع طريقة كلام البورجوازي المتملقة التي تكاد تصبح تزلفا و هو يقبل كتف الملك بحرارة . تلقى ألبرت رويال التهاني عن ترقيته من كبار الأرسطقراطيين و بجانبه زوجته هالة التي كانت تلاعب أحد الأطفال في الساحة أثناء ذلك .

لوحظ غياب المدير كولتهو و اختفاؤه بعد التكريم ... كانت له مهمة سرية غير بعيدة عن القصر في تلة مرتفعة قرب القصر حيث تصل أصداء الاحتفال و الأغاني الإيلارية الشعبية، يسمع هنا صوت من نوع آخر صراخ الجنود الذين ربطوا على اعمدة خشبية يطلون على الجرف شديد الانحذار ، و أمامهم و قف رجال فرقة القوات الخاصة التي يترأسها أوتو تروم ، نزعت الرتب العسكرية عن المتمردين بمن فيهم راينو و جون الذي بدا نحيفا و ضعيفا و نو يصرخ بالصفح عن حياة الجنود الذين قادهم لمقصلة الإعدام ، ربط جون في موضع مقابل للآخرين بجانب بنادق الفرقة الخاصة المصوبة على رفاقه. شاهد رفاقه و هم في آخر لحظاتهم لحظاتهم تباينت كلماتهم بين توسلات الغفران و السماح و بين عويل الخوف و بين الشجاعة في وجه الموت . كان أوتو يراقبهم و هو في حالة نشوة عارمة ، اقترب له المدير كولتهو و همس في أذنه آذنا له بالتنفيذ ، صرخ أوتو تروم بكل صوته " نااااااااار !!!! " و في نفس اللحظات خرجت مئات الطلقات المتوالية في آن واحد لتخترق أجسادهم مسببة شلالا من دمائهم ، فأنهت حياة 53 متمردا في لحظة واحدة ، سمع صدى الطلاقات في القصر فظنه الناس اصوات طلقات احتفالية فغطت عليه نغمات قرع الطبل في الحفل .

اخدت قوات الفرقة الخاصة ترمي الجثت واحدا واحدا من على التلفة إلى السفح ليسمع ذوي ارتطامهم عاليا ، شاهد جون اللحظات الأخيرة لرفاقه دون أم يمنح الفرصة ليموت معهم فانتابته حالة صراخ هستيرية بجنون ، أخده كولتهو و أمسكه بشعره موجها إيه إلى المنحذر مطلا على رفاقه ؛ قال كولتهو :" انظر لرفاقك! انظر لمن تبعوا كلامك أنظر لمصير من ورطتهم " صرخ جون بجنون :" إرمني أيها النذل ! إرمني معهم !! أريد الموت !! " أمسكه كولتهو و ابعده عن الجرف و طلب من قواته إعادته للمتعقل وحيدا هذه المرة دون رفاقه .

2026/05/17 · 1 مشاهدة · 1105 كلمة
نادي الروايات - 2026