الفصل 4 : تشكيل

بعيدا عن صخب عاصمة الملك إليانور أرنوس ، في "ليفيا" إحدى المدن الهامشية ، مدينة صغيرة يغلب على سكانها الطابع الريفي و تكاد تغيب الطبقة النبيلة من هذه المدينة . غرب ليفيا يقع بناء مرتفع يعود لعائلة بورجوازية تواجدت سابقا في المدينة ، كان شكل البناء قديما نسبيا لكنه غير غريب عن طابع المدينة و نمط بنائها القديم مقارنة بمدن إيلاريا الكبرى ، في طابقه الأرضي ، يوجد مقر واسع مخفي لا علم لأحد بوجوده في المبنى ، كان مظلم لا تضيءه سوى مصابيح معلقة في سقفه هنا و هناك .

في أحد غرف المقر على سريره يفتح ستيفن أيوريفا عيونه ، ليباغته إحساس الألم من كل منطاق جسده الجريح المكسو بالضمادات ، يلتفت ليتفقد المكان فيرى رجلا عجوزا أصلع يحتسي القهوة بهدوء فوق كرسيه ، تملأ تجاعيد الحياة وجهه ، و الشيب يفعم لحيته المبيضة ، تخفي نظرات أعينه السمكية الكثير من التجارب ، إنه ناتس روندرو رجل بورجوازي غني و زعيم الحزب الشعبي الذي تم حله إبان صعود الملك إليانور للسلطة .

سمع ستيفن صوت ارتطام يلتفت فيجد صديق طفولته ؛ نيرفانا كورتيلو بقامته و أطرافه الطويلة يمشي ذهابا و إيابا تحت تأثير التوتر و الانزعاج ، يداه لا تهدآن فأحيانا يطرطق أصابعه الطويلة و احيانا يذهب بها الى وجهه متحصرا عن شيء ما فاته ، كان كهلا في الأربعينيات بأعين سوداء ظلامية تبعث الرعب تنسجم بسوادها مع لحيته و شعره الكثيف لم يكن يبدوا شخصا طيبا و لا حتى عاديا كان أقرب للحيوانات الضارية من كونه إنسانا .. سيرته و سمعته تأكدان ذلك إنه "الجزار" المطلوب الأول لمخابرات كولتهو ، كان زعيم الجناح لمسلح لإحدى الحركات المناهضة للملك سابقا , بجانبه شاب اقل عمرا و أكثر هدوءا يقرأ كتابا مظهره يوحي بالثقافة ، لم يتعرف عليه ستيفن لأنه يراه للمرة الأولى...

صمت ستيفن لدقائق قبل أن يسأل ناتس عن مصير رفاقه ، أخبره ناتس بأنه أعدموا بالرصاص في الليلة الماضية .. أمسك ستيفن رأسه من التحصر و الصدمة و اعتلت عيونه دموع الحزن ، تحطمت نفسيته و هاجمته مشاهد فشل انقلابه ، سقوط جنود فرقته و القبض على صديقه الذي كان بمتابة أخيه جون بونيس... لم يكن ساكنا رغم عدم قدرته عن الحركة في فراشه تحت تأثير الجروح ...

ثم قال بصوت خافت " لماذا كان علي أن أنجوا بينما ضحى الاخرون بحياتهم ؟ " رد ناتس " ربما يخبئ لك القدر شيئا مختلفا... ضحك ستيڤن وهو محطم : " أنا ؟ ... عملت لسنوات ... خططت لأشهر حشدت و أقنعت العشرات للانضمام لي في مخاطرتي الفاشلة ... في النهاية قدتهم لموتهم و أنا نجوت ... أي قدر هذا؟؟ رد ناتس " لا أعتقد أنهم كانوا لينجوا على أي حال ... هو لن يترك أحد حيا بعدما قمتم به . "

رد ستيفن : " ما قمت به يجعلني شيطانا أكثر منه ... أقامر بحياة الآخرين "

رد ناتس : " ربما ترى نفسك شيطان ؛ لكنك بالفعل قائد حقيقي يقنع جيشا ، و تتبعه أمة بشر دون تفكير "

صمت ستيفن طويلا ... طلب ناتس من أحد رجاله أن يعطيه جريدة فقدمها لستيفن ... قائلا : أنظر أصبحت لديك شعبية أيضا .. قرأ ستيفن العنوان ليقول ساخرا : " ستيفن أيوريفا " ، "ميروزلاف بارولو " وحوش هاربة ... لأول مرة أتفق مع وزير الإعلام ذاك في شيء... لم يكذب هذه المرة ... "

أدخل ناتس رجاله و الجنود الفارين من الانقلاب على رأسهم النقيب ميروزلاف بارولو ، كانوا حوالي 116 رجلا ؛ منهم المريض و الجريح بدت ملامح التعب و الأسى تغلبهم ؛ لكن عيونهم لم تخفي أبدا حماسهم للقاء قائدهم الجريح ، اجتمعوا عن وصول الليل في غرفة خاصة تحت الارض ...

صعد ناتس فوق إحدى الطاولات الخشبية القديمة ، حمل بيده كتابا قدمه له إيدموند و بيساره يحمل سيف قديم لعائلته أعطاه له نيرفانا ، خاطبهم ناتس قائلا : لدي حلم... أنا سعيد جدا ليس لأنني حققته ، بل لأنه عشته لسنوات عديدة في حياتي ، "الحرية" ... عشت حرا لمدة... لذا أنا أعرف ماهية العيش بحرية... التحرر من القيود ... الحرية ... هي مفاهيم سامية و مقدسة ... ولو متنا جميعا لأجل ان يشعر شخص واحد انه حر فهذا يكفي ... ان يعيش شخص واحد حر اسمى من ان تعيش أمة في العبودية ... " أعاد الخطاب بعضا من الروح المفقودة للرجال صرخ بعضهم باسم العجوز و اسم ستيفن ... ثم أضاف :" اليوم سيكون يوم مفصلي و حاسم ... (يشير لرجاله) رجال الحزب الشعبي المخلصون .. (يشير للجنود الفارين )جنود الجيش الأحرار الذي لم يقبلوا بالقمع و الاستبداد...(يشير لنيرفانا ) " حركة الخلاص" و جناحها العسكري (يشير للطالب إيدموند ) جمعية طلاب الكرامة... أعلنكم اليوم كمنظمة حرة وطنية فدائية لحرية الوطن و كرامته تحت قيادته هذا الرجل (يشير لستيفن ) الذي ضحا بالغالي و و بأعلى المناصب عند هذا النظام القمعي... ليعيش حرا و يحرر بلده من حكم العائلة القمعية... "

في أول يوم من عام 487 ، في مدينة ليفيا ، أعلن خطاب ناتس تأسيس منظمة "الأوركا" ؛ التي اقتبست اسمها من أحد وحوش البحار الذي قرأ عنه ناتس في صغره . بسيف و كتاب كرمز لها تم وضع الحجر الأساس للمنظمة المناهضة للملك و للحكومة ، فاتحة أفق صراع جديد مع الملك إليانور .

2026/05/17 · 1 مشاهدة · 829 كلمة
نادي الروايات - 2026