الفصل الأول – المملكة بلا شمس

في عالمٍ لا تعرف أرضه الشمس، قامت مملكة الشياطين تحت سقفٍ من صخرٍ داكن، تتخلله عروق زرقاء تشع بضياء بارد كأن الأرض تنزف نورًا خافتًا. لم يكن ذلك العالم جحيمًا كما تصفه الأساطير، بل حضارة قائمة بذاتها، تحكمها قوانين قاسية، ويحيط بها خطر لا يهدأ.

في قلبه ارتفع قصر الملك هاكاجو، حجريًا صامتًا، نوافذه ضيقة كعيون تراقب العتمة. خلف أسواره امتدت الغابة الزرقاء، أشجار ملتوية كأنها تتلوى من ألم قديم، وفي أعماقها وحوش لا تتغذى إلا على لحم الشياطين. يتزعمها كيان غامض يُدعى جوشيغارا، اسمٌ وحده يكفي ليزرع الصمت في صدور المحاربين.

كان هاكاجو ملكًا يعرف أن الحكم ليس امتيازًا، بل عبءًا يُحمل بصمت. لم يكن قاسيًا بطبعه، لكنه تعلّم أن قلب الملك يجب أن يُخفى خلف تاجه. إلى جانبه وقفت الملكة سيلا، دفؤه الوحيد في عالمٍ بارد، امرأة لم تكن مجرد شريكة عرش، بل سنده في لحظات الضعف. أنجبت له ولدًا اسمه يارشين، طفلًا قليل الكلام، كثير الملاحظة، يرى ما لا يُقال أكثر مما يسمع ما يُقال.

كبر يارشين وهو يراقب. رأى والده يحكم بصلابة، ورأى والدته تبتسم رغم التعب، وفهم مبكرًا أن القصر لا يسكنه المجد وحده، بل التضحيات أيضًا.

ثم جاء اليوم الذي انكسرت فيه الموازين.

اخترقت الوحوش الحراسة، ودوّت صرخات القتال قرب أسوار القصر. الدماء سالت، والخوف تسلل إلى أعمدة المملكة. في تلك اللحظة ظهرت امرأة لم يعرفها أحد من قبل. لم تدخل خاضعة ولا متوسلة، بل واثقة كمن يحمل مصيره بين يديه.

رفعت يدها، وانشق الهواء أمام الأسوار، فتشكّل جدار شفاف نابض بطاقة غريبة. ارتطمت به الوحوش وتراجعت، وعمّ صمت ثقيل في الغابة. للمرة الأولى منذ سنوات، هدأت الحدود.

لكن القوة لم تكن بلا ثمن.

أعلنت المرأة شرطها بوضوح: لن تحمي المملكة إلا إذا أصبحت ملكة. زواج مقابل نجاة.

وقف هاكاجو أمام خيار لا يليق بإنسان، لكنه يليق بملك. ليالٍ طويلة قضاها أمام الغابة، يسأل نفسه إن كان يُسمح للملك أن يكون رجلًا. كان يحب سيلا حبًا صادقًا، لم يكن زواجهما تحالفًا سياسيًا بل اختيار قلب. ومع ذلك، حين نظر إلى مملكته، رأى آلاف الأرواح قبل أن يرى قلبه..

2026/02/18 · 5 مشاهدة · 330 كلمة
Kazaka Yowaka
نادي الروايات - 2026