الفصل الثاني
هروب
كانت العربة ذات الأربع عجلات يجرها حصان واحد متوقفة خارج باب المنزل ، وكان شعار نظام الشرطة "سيوف متقاطعة ومحاطة بنجمة"، مرسوماً على جانب العربة ، وكانت المنطقة المحيطة مُفعمة بالحيوية مثل كل صباح ، تماماً كما كان سامي على وشك اتخاذ خطوة ، أمسك بائع السمك بعميل واتهمه بأنه لص .
"فرصة", لم يكن لدى سامي وقت للتفكير ، فقد انحنى فجأة إلى الأمام واندفع نحو الحشد ، سواء يدفع أو يراوغ أخذ يركض بعنف نحو الطرف الآخر من الشارع ، من أجل عدم لقاء الخبير كان الخيار الوحيد هو الذهاب إلى الرصيف خارج المدينة وركوب قارب إلى نهر الفرات والهروب إلى العاصمة بغداد حيث كان هنالك عدد كبير من السكان وكان من السهل الاختباء , بالطبع يمكن ركوب القطار البخاري إلى غرب إريدو واتخاذ الطريق النجف ثم إلى بغداد ، بعد فترة ركض سامي إلى زاوية شارع الذهب حيث هنالك العديد من العربات المستأجرة المتوقفة ، رفع سامي يده وقفز على إحدى العربات كان يعتقد بوضوح شديد أنه سيتعمّد أولاً تضليل الشرطة التي تطارده ، ثم سيقفز من العربة بعد مسافة ، "حسناً"، أغلق السائق باب العربة وانطلق .
"انقر، انقر، انقر"، العربة غادرت شارع الذهب ، بينما كان سامي يفكر ، وجد أن العربة ذهبت لطريق آخر غير المتفق عليه، "إلى أين أنت ذاهب ؟"، ذهل سامي للحظة وانفجر بغضب على السائق ,"إلى مصنع أرسلان"، أجاب السائق بنبرة ثابتة .
"ماذا؟"، اندهش سامي وشعر بالدوار وجلس فجأة على المقعد :"القعود ؟"، نظر سامي يساراً ويميناً في حيرة ، ووجد القمر الأبيض يضيء خارج النافذة ، مد يده ولمس جبهته التي كانت رطبة ، وكان الهواء بارداً وشعر بالبرد من ضهره .
"لقد كان حلماً مخيفاً "، زفر سامي ببطء: "لا بأس ، لا بأس"، بعد أن هدأ ، ألقى سامي نظرة على ساعة الحائط ، ووجد أنها الساعة الثالثة ، خرج بهدوء من السرير وخطط للذهاب إلى الحمام لغسل وجهه وتخفيف توتره ، بعد أن فتح الباب وصل إلى الممر المعتم وتحت ضوء القمر الخافت اقترب من الحمام بخطوات خفيفة , وفجأة رأى شخصية واقفة أمام النافذة في نهاية الممر كان يرتدي بدلة رسمية سوداء كان الشكل ممزوجاً بـالظلال ، كأنه واحد مع الظل استدار الشكل ببطء وكانت عيناه عميقة وزرقاء كنهر جليدي بارد .
"جورج سين "، لم يجد سامي بديلاً إلا التراجع خطوة للوراء محتاراً فيما إذا كان مستيقظاً أم لا يزال غارقاً في حلمه , نزع ذلك الشخص شارته، وأطلق ابتسامة خافتة قائلاً: "لقد التقينا مجدداً ، انا قائد جمعية الخارقين في اريدو ، جورج سين"
"جمعية الخارقين، هل هي مؤسسة حكومية أم منظمة إرهابية؟"، حيث أدرك سامي فجأة انه في مشكلة ، وقبل أن يفكر مرة أخرى قال: "هل تتلاعب بالأحلام؟ أهذا ما جعلني أحلم كما حدث الأن ؟"، أعاد جورج سين شارته ، ورد بابتسامة تلمع في عينيه الزرقاوين: "لا ، فقط دخلت إلى حلمك برفق ، وقدمت لك بعض الإيحاء النفسي "، صوته كان لطيف وناعم ، يتردد صداه في الممر الداكن والمظلم كالحلم : "في الأحلام ، على الرغم من تضخيم المشاعر والحالات النفسية ، مما يجعل كل شيء يبدو ضبابي ، إلا أن الواقع لا يزال موجوداً وتبقى فيه ، بالنسبة لشخص محترف مثلي كل شيء واضح من السهل رؤيته , أثق بك في الحلم أكثر منك في الواقع "
"هذا ، هل يقدر على التحكم في الأحلام؟ إذا حلمت بشيء ، هل يكتشفه جورج سين؟" ، شعر سامي بالرعب وامتلأ بالخوف لكن سرعان ما اكتشف شيئين غريبين لأنه تذكر أنه كان واضحاً وعقلانياً في حلمه ، وكان يعلم ما يجب أن يقول وما يجب أن يفعل , هل ببساطة يرى جورج سين فقط ما أرغب بأن يراه؟، تبدلت أفكار سامي بسرعة ، حيث كان يملك إدراكاً غامضاً ، هل هذه ميزة تأتي مع سوار جده .
"إذاً يا سيد جورج ، هل أنت متأكد من أني المشتبه بقتل أرسلان ؟ "، جمع سامي كلماته وسأل لم يجب جورج سين بل نظر إليه بعُمق: "ألا تتفاجأ بهذا النوع من الأمور؟ حتى لو كان الشخص الذي استيقظ للتو فهو لم يؤمن بوجود القوى الخارقة , بل كان يفضل أنه لم يستيقظ حقاً "
أجاب سامي: "همم ، ربما لأنني محظوظ ، وأتطلع إلى هذه القوة الخارقة "
"من المفيد التفكير بمنطق ، ربما نجوت ليس فقط بسبب الحظ"، أومأ جورج سين وقال : "أستطيع التأكيد أنك فقدت الذاكرة وخاصة بسبب الحادث "
"فهل انا بريء ؟", تنفس سامي الصعداء وسأل ، وضع جورج سين يديه في جيبه ومشى ببطء ، وأصبح الظلام المحيط هادئاً .
"لا، لا يزال يتعيَّن عليك أن تأتي معي لرؤية الخبير"، ظهرت ابتسامة على زاوية فمه .
"لماذا؟", احتج سامي، وأضاف بسرعة: "ألا تثق بأحلامك؟"، هل تمزح معي؟ إذا كان الخبير يجيد التنويم المغناطيسي وقراءة الأفكار ، فهل يكشف معظم أسراره .
"لطالما كنت متواضعاً ولكن لدي بعض الثقة عندما يتعلق الأمر بالأحلام"، أجاب جورج سين: "ومع ذلك، من الجيد التحقق مرة أخرى ، وأكثر من ذلك نحن صديقان عزيزان ، ربما يمكننا مساعدتك على استعادة بعض ذكرياتك "
قبل أن يتكلم سامي ، أصبح الصوت أعمق:"بعد كل شيء ، أنت مرتبط بــ أميت عضو في عصابة العقارب "
"ماذا؟"، كان سامي مندهشاً ، توقف جورج أمامه وحدق في عينيه الزرقاوين وقال: "عصابة العقارب منظمة إرهابية متورطة بالإبادة الجماعية والسرقة والاغتيالات ، وأنت المشتبه به لعلاقتك بعضوة العصابة أميت"
"حسناً "، كان سامي صامتاً للحظة ، عصابة العقرب ، هذا غريب لم أفكر حتى بوجود أميت ، كما لو أنها سرقة أفكاري .
أومأ جورج برأسه ، وقال إلى سامي : "أغلق الباب وتعال معي "، أخذ نفساً وصمت شعر سامي بعدم الارتياح أراد الهرب لكن جمعية الخارقين لم تسمح لهُ بالذهاب ، لا بد أن جورج زاد من حذره ، مع اختلاف القوة لم يكن لدي فرصة للهرب , لا بد لي من شراء مسدساً وكان علي أن اتدرب على إطلاق النار ، تسارعت الأفكار المختلفة في ذهنه ، لكن سامي اختار أخيراً مواجهة الحقيقة: "نعم" , "ثم دعنا نذهب"، لم تتزعزع نبرة جورج على الإطلاق .
استدار سامي وتبع خطواته ، وتوقف قائلاً: "سيد جورج ، أريد أن أذهب إلى الحمام ، لقد خرجت فقط للذهاب إلى المرحاض"، لم يمانع جورج بل نظر إليه بعُمق وقال: "لا مشكلة يا سامي ، أنا أقوى بما تعتقد" , "أقوى"، كان سامي صامتاً لم يحاول الرد ، وبعد هدأ الانتفاخ الموجود ببطنه ، غسل وجهه بالماء البارد حتى يهدأ ، بعد تغيير ملابسه وإغلاق باب الغرفة وتبع سامي جورج إلى الأسفل نحو باب المنزل .
في مثل هذا الجو ، تحدث جورج فجأة: "في نهاية الحلم لماذا أردت الهروب؟ ما الذي تخاف منه؟"، كانت ردت فعل سامي سريعة وأجاب: "لا أتذكر ما حدث ولا أتذكر شيء عن أميت ولا أتذكر أنني قد تسببت في مقتل أرسلان ، أخشى أن يتم التأكد من أنني كنت القاتل ، ولا أجرؤ على البقاء ربما الهرب إلى بغداد يعد أفضل خيار "
"لو كنت أنا لفعلت الشيء نفسه"، فتح جورج باب المنزل وترك النسيم البارد يطرد الحرارة الخانقة في الداخل ، لم يكن خائفاً من هروب سامي ، ركب العربة أولاً ، كانت تلك هي العربة التي رآها سامي في حلمه "ذو النجمة" تم رسم الشعار على جانب العربة ، تبعه سامي ودخل ليجد أنها مغطاة بسجاد من ماركة رابي (شركة رابي المحدودة تابعة لعائلة حمورابي) ومليئة بالعطور التي جعلت الجسم والعقل مسالمين .
أثناء الجلوس تكلّم سامي باحثاً عن مواضيع مشتركة ومحاولاً التعرف على المزيد من المواقف: "سيد جورج إذا أكّد الخبراء أنني نسيت فعلاً جزءاً من الذاكرة ، ولم يكن هناك دليل على علاقتي بـالعقارب ، هل ينتهي الأمر؟"
"نظرياً سنتركك لعدم وجود أدلة كافية "
لاحظ سامي هذا بحدة ، ولم يستطع إلا أن يشعر بالقلق وسأل بسرعة:" نظرياً ؟"
"نعم، من ناحية نظرية فقط ، في مجال القوة الخارقة هناك أشياء تتعارض مع العقل السليم"، نظر جورج إلى عيون سامي وقال: "أحياناً يكون الأمر خارج قدرتنا على التنبؤ والتحكم على سبيل المثال لقد تورطت مع العقارب؟"
كان سامي خائفاً ، كانت العربة تسير بسرعة في الشارع شبه المهجور ، أخرج جورج سيكارة وأخذ نفخة وقال : "منذ سنوات عديدة ، تعاملنا مع عصابة العقارب ، لديهم العديد من الأتباع ، لديهم شعار (قتل الأغنياء ومساعدة الفقراء) ، والذي بدوره خالف لوائح التحالف العالمي (التحالف العالمي لحماية الإنسانية) الذي ينص بوضوح على أن الخارقين لا يمكنهم قتل الأشخاص العاديين ، ونحن (جمعية الخارقين) تابعون بدورها للتحالف العالمي الذي من واجبنا أن نُحافظ على الإنسانية ", ابتسم جورج وقال: "في مارس من العام الماضي ، قتل مئات الأشخاص في الشارع لمجرد أنهم أحد المارة ، هذا حقيقة عصابة العقارب "
دخل ضوء القمر الأبيض من نافذة العربة وأضاء على وجه جورج ، في لحظة معينة ظهرت ابتسامة باردة على وجه جورج ، مما جعل سامي يشعر بالذعر الذي لا يمكن وصفه ، "لقد قتلوا في الطريق"، قال سامي بصوت خافت ، وهو يأخذ نفساً عميقاً ، كأنه يرى نهايته ، وأضاف في قلبه : "حتى لو هربت من اريدو ، لا يمكنني الهروب من مصيري ، ليس هناك حل ، يجب أن أصبح أكثر قوة "
أثناء التفكير في تلك الأفكار التي لا تنتهي ، كانت العربة تتحرك بسرعة فائقة مخترقة الصمت ، بعد التفكير لفترة قرر سامي طلب المساعدة من جورج ، ولمعرفة إذا ما كان هناك أي حل ، فجأة توقفت العربة ،"سيد جورج، لقد وصلنا "، كان هذا صوت السائق الذي قطع الصمت ، "هيا بنا لننزل"، قال جورج وهو يعدل معطفه الأسود الذي يصل إلى ركبتيه ، مضيفاً "دعني أعرفك عليها ، الخبير ، كما تتظاهر ، هي أشهر وسيطت روحية في ولاية إريدو "
استفسر سامي بفضول: "وماذا عن هويته الحقيقية؟"، جورج الذي دار جسده للخلف ليواجه سامي ، قال : "وسيط نفسي حقيقي"
"وسيط نفسي حقيقي"، تلا سامي هذا الوصف بصمت ولم يقل شيئاً ، وتبع جورج سين إلى خارج العربة .
مبنى من طابقين قُرب شارع الحنين ، ويوجد شعار في أعلى المبنى نجمة فقط ، يوجد خارج البوابة طريق يمكن أن يسمح لأربع عربات بالدخول في آن واحد ، كان هنالك أضواء في شارع كل خمسين متراً على جانب الطريق ، أثناء سيره على الطريق ، دخل سامي وجورج إلى المبنى عبر البوابة نصف المفتوحة ، بمجرد دخوله ، وقف شعر سامي فجأة ونظر حوله ، لقد شعر أنه في الحديقة ، في ظل العشب وفي الطابق العلوي من المبنى ، خلف العربة ، وفي كل زاوية مظلمة ، هنالك شخص يراقبه , على الرغم من عدم وجود أحد هنا ، بدأ أن سامي غارق بمحيط من التوتر ، هذا الوضع الغريب ، جعل جسده متوتراً: "هنالك مشكلة "، لم يستطع ألا يذكر جورج .
مشى جورج جانباً دون أن يغير تعبيره ، وأجاب بشكل قاطع: "لا تقلق , هذا بعض حيلها ", عند سماع ما قاله جورج ، تحمّل سامي الشعور المخيف بأنه يتم ملاحظته والتجسس عليه والنظر إليه ، ولكن غير قادر على العثور على الهدف ، وسار خطوة بخطوة إلى الممر الرئيسي للمبنى ، عندئذ مدّ جورج يده ليطرق الباب نظر سامي إلى الوراء بسرعة ، كانت الزهور تتمايل في مهب الريح ، ولكن لم يكن هنالك أحد ، "تعالوا أيها السادة" ، جاء صوت لطيف من داخل المبنى ، لوى جورج المقبض وفتح الباب ، وقال للمرأة الجالسة على الأريكة:"أينانا هل هنالك أي نتيجة؟"، الثرية في قاعدة الاستقبال مضيئة بشكل خافت ، هنالك شمعة مشتعلة على طاولة ، تتوهج باللون الأزرق الساطع ، ملقية طبقة من الألوان المتمايلة والغريبة في القاعة .
هنالك امرأة تجلس في منتصف الأريكة ، وهي ترتدي رداءً أسود يغطي رائسها وتمتلك ظلالاً من العيون الرمادية وأحمر الخدود وسلسلة فضية مع قلادة من الكريستال الأبيض ملفوفة حول معصمها المكشوف , في المرة الأولى التي رآها فيها ، كان لدى سامي شعور لا يمكن تفسيره: "ترتدي زي مستحضر أرواح ، هل تستحضر الدور ؟"، نظرت أينانا ذات الإحساس الساحر بالجمال إلى سامي بعيون رمادية متلألئة ، ونظرت إلى جورج سين وقالت:"لقد اختفت جميع الأرواح ، بما في ذلك أرسلان ورفاقه ، بدون أن أعرف شيئاً منهم"
تنهّد جورج سين وقال:" الوضع صعب ","أينانا، هذا سامي هاشم ، حاولي معرفة شيء منه"، تحوّلت عيون أينانا على الفور إلى سامي وأشارت إلى الأريكة المنفردة ، وقالت:"رجاء ، اجلس"
"شكراً لكِ" قال سامي ، وجلس بأمانة وارتفع قلبه دون وعي ، سواء الحياة والموت ، سواء رحلة سلسة أو اكتشاف سره ، كل هذا يتوقف على ما سيحدث بعد ذلك , أكثر ما يجعلني عاجزاً هو أني افتقر إلى شيء يمكنني الاعتماد عليه ، لذا لا استطيع الا ان اضع أمالي إلا على السوار ،"هذا شعور سيئ للغاية"، فكّر سامي ، بينما جلس جورج على الأريكة المقابلة لهُ ، أخرجت أينانا زهرة من الجيب على خصرها ، ونظرت بعيونها الرمادية إلى سامي ، بابتسامة وقالت:"أنا بحاجة إلى بعض المساعدة ، ففي نهاية المطاف ، أنت لست عدوي ، لذا لا يمكنني معاملتك بطريقة قاسية ، فهذا يجعلك غير مرتاح وسوف تشعر بالألم ، سأعطيك بعض العطر وأعطيك ما يكفي من اللطف ، الذي يسمح لك بالتخلي عن الأمر شيئاً فشيئاً والانغماس في الشعور"، لماذا يبدو هذا غير صحيحاً؟ كان سامي محرج للحظة ، وكانت عيناه ممتلئتين المفاجأة ، ابتسمت أينانا في المقابل وقالت:"لا تتفاجأ، على عكس هؤلاء الرجال في جمعية المحاربين (هي تابعة إلى التحالف العالمي أيضاً) ، هنا ، يمكن للسيدات أيضاً مضايقة الرجال لفظياً ، بخصوص هذا يجب أن تكون قادراً على فهم أن عالم الناس الخارقين ، يختلف من عالم الناس العاديين "
"أنا أفهم ولكنني لم أتوقع أن يكون الأمر كذلك"، أشار سامي ، انه غير قادر على عثور على صفة مناسبة ، وكاد أن يلفظ الفتات المشاكسة , ارتفعت زاوية فم جورج ، وقال:"لا تقلق ، نادراً ما تفعل أينانا هذا ، إنها تريد فقط تهدئتك واسترخاءك بهذا الطريقة ، إنها تحب الأشباح أكثر من الرجال"
"أنت تجعلني أبدو كأنني منحرفة"، قاطعت أينانا كلام جورج بابتسامة ، فتحت إحدى الزهور ورشت بضع قطرات على لهب الشمعة الأزرق الساطع ، يتم تقطير السوس البغدادي واستخلاص الفانيليا الصباحي وزهرة الحب ، اسمها "نينا" والتي تعني الحب في السومرية القديمة ، رائحة طيبة جدّاً ، وبينما كان تتحدث ، تومض الشمعة عدة مرات ، وتبخرت قطرات الندى النقية بسرعة ، وملأت الغرفة ، اخترقت رائحة ساحرة أنف سامي ولم تعد عواطفه متوترة وسرعان ما أصبح عقله هادئاً .
اشتم سامي عطر الوردة ، ورأى ضوء الشموع يهتز بعنف ، ورأى ظل عيون أينانا الرمادية وأحمر الخدود يتلألأ بلمعان غريب:"أمارجي"، تحدث أينانا بكلمة واحدة ، وشعر سامي بصوتها يأتي من جميع الاتجاهات ، نظر سامي حوله في حالة من الارتباك ووجد أن كل شيء كان يهتز وغير واضح ، كما لو أنه كان غارق في المحيط ، حتى جسده كان يهتز ، ويطفو ويفقد توازنه ، نعم كان يطفو أو المختصر روحه كانت تطفو , في هذه اللحظة ، انجذبت عيناه إلى زوج من العيون الرمادية الشفافة ، وكانت أينانا التي تجلس على الأريكة ، وكانت مركزة على سامي ، ابتسمت بهدوء وقالت :"تعرف عليَّ رسمياً أينانا الخارقة"
"لا يزال بإمكاني التفكير بسكينة ومنطق ، تماماً كما في حلم جورج " ، خطرت هذه الأفكار في ذهن سامي ، قالت أينانا: "محيط الحرية واسع ويخفي الأسرار كالبحر ، أمامك البحر الذي لا يمكن فهمه ، هناك أنو ، ولكن في الحقيقة الكون أبعد من تصورنا ، والمحيط الذي تراه العيون فهو واسع ولا نهاية له كالسماء التي ترمز إلى الكون ، أنت أنو ، لا تعرف فقط السماء التي فوقك فحسب بل تعرف أيضاً البحر الخفي تحت أنو ، كل شيء قد يترك أثراً يمكن أن تُمحى الذاكرة الموجودة على سطح البحر ، لكن الجزء الموجود تحت المحيط والمحيط بأكمله يجب أن يمتلكا إسقاطاتهما الدائمة "، قامت أينانا ذلك ، وتغيرت الضلال الغامضة والظلال المحيطة إلى أشكال مماثلة ، كما أن روح سامي مكشوف تماماً أمامها ، في انتظارها للبحث والاكتشاف بنفسها .
شاهدها سامي بهدوء وهي تخض روحه مراراً ، وأجاب أخيراً بنبرة أثرية:"لا، لا أستطيع التذكر ، لقد نسيت"، يتظاهر بالألم ، حاولت أينانا مرة أخرى لكن سامي الرصين لم يتأثر .
"حسناً ، انتهى الأمر هنا ، عد ، دعنا نعود ، دعنا نعود"، مع استمرار الصوت الأثري اختفت أينانا أمامه ، وبدأ الظلام والظلال تهدأ ، وظهر طعم الزهرة الخافت مرة أخرى ، عادت جميع الألوان الطبيعية إلى طبيعتها ، ولم يعد الشعور الغامض والمربك يظهر ، ارتجف جسد سامي واستعاد وزنه وفتح عينيه الذي أغلقت ، ووجد أن الشمعة الزرقاء الساطعة لا تزال أمامه ، وكان جورج سين لا يزال جالساً بشكل مريح ، وكانت أينانا ترتدي الزي الأسود .
"لماذا تقولين إنها لم تترك أثراً "، عبس جورج قليلاً ونظر إلى أينانا .
وضعت أينانا الزهور جانباً وأجابت بهدوء: "لا يوجد أي أثر "، وقبل أن يتسنى لجورج الرد ، أضافت لاوية يدها: "كانت القوة المستخدمة شديدة "
عندما سمع سامي هذه الكلمات ، أخذ نفساً عميقاً متظاهراً بالجهل وسأل: "هل انتهى الأمر ، ماذا حدث بالضبط؟ أشعر وكأنني كنت نائماً ، هل يعني ان الاختبار انتهى؟"، لحسن الحظ ، كان السوار حافظ على وعيه ، بينما قاطع جورج حديثه ونظر إلى أينانا قائلاً : "هل فحصت جثث أرسلان وأتباعه؟ قد تخبرنا الجثث بما هو أكثر مما نظن"
أجابت أينانا بنبرة حادة: "لسوء الحظ ، القوة التي أثرت على أرسلان وأتباعه مرعبة ولم تترك أي أثر"، ثم وقفت أينانا محدقة في الشمعة قائلة: "أرغب في أخذ قسط من الراحة"، ومع اختفاء الضوء الأزرق الساطع، امتلأ المكان بالضباب الأبيض ، " تهانينا ، يمكنك الآن العودة إلى منزلك ، ولكن عليك أن تتذكر ، لا يجب أن تخبر احد بما حدث ، يجب عليك أن تكون حذر من الوقع بالمشاكل "
سأل سامي متفاجئاً: "ألا تحتاج التحقق من أثر اللعنات أو الأرواح الشريرة"، لم تقل أينانا ذلك لكن جورج أجاب ليس هناك حاجة لذلك .
شعر سامي بالارتياح ، وهو يفكر في مخاوفه وسأل مرة أخرى: "كيف يمكنني التأكد من عدم وجود مشكلة؟ "
"لا تبالغ في القلق ، لا تحمل هماً زائداً"، ترتجف شفتا جورج ويقول: "بناء على الإحصائيات ، ثمانون بالمئة من الكائنات الحية التي تواجه ظروفاً مماثلة لا تصادف مصيراً سيئاً ، بالطبع هذه المعلومات تستند إلى تقديراتي قد تكون تقريبية"
"إذاً لا يزال هناك عشرون بالمئة من الأشخاص غير الموفقين "،كان سامي يفكر بشغف ، سمع جورج يكمل حديثه ، "يمكنك التفكير في الانضمام إلينا كموظف ، فبذلك يمكن الكشف عن الخطر في الوقت المناسب"، قال جورج بعفوية وهو يقترب من العربة ،"أو يمكنك أن تصير خارقاً بشكل مباشر ، وبعد كل شيء ، نحن لسنا خدمك ولا يمكننا مراقبتك طوال اليوم "
"هل يمكنني فعلاً؟"، سأل سامي بحماس بعد سماع كلمات جورج ، نعم ، اذا كان هنالك أمل بالانضمام إلى جمعية الخارقين بهذه السهولة واكتساب قوة خارقة؟ ، هذه هي القوة الخارقة .
توقف جورج وألقى نظرة جانبية، وقال:"ليس بالضرورة مستحيلاً ، ذلك يعتمد على السياق "
"ماذا؟"، أذهل هذا التحول في الأحداث سامي ، ووقف مذهولاً بجانب العربة للحظة قبل أن يقول:"هل تقول الحقيقي؟"
ضحك جورج بصوت خافت ، وظل العربة يخفي عينيه الزرقاوين:"لن تصدق ، نظام العضوية بجمعية الأبطال الخارقين يسمح لك بالانضمام كعضو تعاقدي لمدة عام ، بمجرد توصية من أحد الأعضاء ، ويمكنك الانضمام"
"هل يمكنني أن أصبح إنساناً خارقاً؟"، سأل سامي ، وهو غارق في الفرح .
أخرج جورج سيكارة ووضعه على أنفه وأخذ نفساً : "ربما أسأت فهمي ، تحتاج إلى توصية للانضمام لجمعية الخارقين"، و ذابت ابتسامة سامي ، ابتسم جورج سين وقال: "هذا صحيح ، هو أنه لمجرد أنك تفكر في أن تصبح إنساناً خارقاً ، فسوف تطارد القوة الخارقة ، وفي هذا الامر جميع الجمعيات صارمة في اختيار الأشخاص "، إنه أمر غريب إذا لم تكن صارمة ، لعن سامي وقال :"وماذا عن الموظفين العاديين؟"
"إذا كنت أنت، فلا ينبغي أن تكون مشكلة"، أغلق جورج عينيه واستنشق السيكارة ولم يشعل التبغ بتعبير مريح .
"لماذا؟"، كان سامي مرتبكاً ، وفي الوقت نفسه قال مازحاً لنفسه:"هل يمكن أين يكون تميزي ، وهالتي كأجمل شخص في إريدو ، مثل يراعة في الليل المظلم ، مشرقة جدّاً ومذهلة؟"، فتح جورج عينيه المغمضتين ، وكانت عيناه الزرقاء عميقة : "أولاً ، إن قدرتك على النجاة من هذا الحادث بدون مساعدتنا يدل على أنك لديك ميزة تختلف عن الآخرين مثل كونك محظوظاً ، والأشخاص المحظوظين يتمتعون بشعبية دائماً "، عند رؤية تعبير سامي المتيبس ، ابتسم قليلاً وقال:"حسناً ، فكر في إنه بيان فكاهي ، ثانياً ، أنت طالب قسم التاريخ و الاقتصاد ، وهذا ما نحتاجه بشدة على الرغم من أن بوبي ، سيدة البرق والرعد ، لديها موقف تجاه الرجال فهي تكرههم ، لكن وجهات نظرها حول المجتمع والعلوم الإنسانية والاقتصاد والسياسة لا تزال حادة ، قالت إن الموهبة و الموارد البشرية هي العامل الأساسي للحفاظ على الميزة التنافسية والتطور الجيد", عندما وجد أن سامي أصبح عابساً ، أوضح عرضاً : "يجيب أن تكون قادر أن تتخيل أننا غالباً ما نتواصل مع وثائق وأشياء من التاريخ البعيد في العصر البابلي أو حتى قبل ذلك ، تحاول العديد من المنظمات والعصابات أن تكسب قوة من هذه الأشياء ، في بعض الأحيان تؤدي إلى فوضى وخطر على الإنسانية ، باستثناء الأشخاص الخارقين في مجالات العلوم الطبيعية ، فإن معظمنا لا يجيد التعلم "
في هذه المرحلة ، أشار جورج سين إلى رأسه ، وقال كما لو كان يسخر من نفسه :" هذه المعرفة المملة تجعل الناس يرغبون في الهروب ، في الماضي كُنا نتعاون مع العلماء وعلماء الآثار والاقتصادين ، لكن هذا يؤدي إلى تسرب الأسرار والذي يؤذي الجمهور ، لقد جلب لنا الأساتذة تجارب سيئة ، لذا فإن انضمام محترف إلينا ليصبح واحداً منا هو أمر جيد يصعب رفضه"، أومأ سامي برأسه قليلاً ، قبل أن يتكلم جورج، وسأل:"إذا لماذا لم تقم بتطوير شخص من قبل ؟"
واصل جورج الاهتمام بشؤونه الخاصة وقال :"هذه هي النقطة الثالثة والأخيرة الأكثر أهمية ، هي السرية ، أن بعض المعرفة خطر للناس العاديين"، قال سامي، ببعض من الفهم :" حسناً "
قال جورج وهو يدخن:"إن المعرفة تجلب الفوضى وأن المزيد من المعرفة تجلب المزيد من الفوضى وتدمر العالم "
"إن المزيد من المعرفة تجلب الفوضى "، تمتم سامي بهذه الجملة بصمت ، ولم يفهمها تماماً ، ثم شعر بالخوف بسبب المجهول الذي لم يفهمه ، في ظلام بلا ضوء ، كانت حوافر الخيول رشيقة ، وكانت عجلات العربة تتدحرج وكان شارع الحنين في الأفق ، كسر جورج الصمت المفاجئ ودعا رسمياً :"هل ستنضم إلينا كمدني؟"
ظهرت أفكار مختلفة لدى سامي ، ولم يتمكن من اتخاذ قراره ، فكّر لفترة وقال:"هل يمكنني التفكير في الأمر؟"، إن المخاطر حيرته مما جعلته متردد .
"لا مشكلة فقط أعطيني إجابة يوم الأحد"، أومأ جورج برأسه "بالطبع ، تذكر أن تُبقي الأمر سرياً ولا تخبر احد عن الحوادث المتعلقة بأرسلان بما في ذلك معارفك ، بمجرد قيامك بذلك لا يقتصر على وقوعهم في مشاكل قد يؤدي أيضاً ذهابك إلى السجن"
عند رؤية أواخر شارع الحنين ووصوله إلى المنزل فكّر سامي فجأة في سؤال ، تردد لبعض ثوان قبل أن يسأل:"السيد جورج، هل يمكنني إكمال الدراسة والعمل معكم"، ذُهل جورج للحظة ثم ابتسم وقال:"بالتأكيد ، لا تقلق بشأن هذه المشكلة ، يمكنك إكمال الدراسة ، وراتبك مضمون من قبل الجمعية 10 دنانير و 12 سنتات للموظفين المؤقتين إذا أردت أن تصبح عضواً دائماً يجب أن تجتاز اختبار الخارقين ، وهنالك عُطلة ليومين في الأسبوع عدا المهام المهمة وزيادة في الراتب والمكافآت"، بمجرد أن انتهى جورج الحديث وصل إلى البيت الذي يعيش به سامي .
"أنا أفهم"، استدار سامي وخرج من العربة ، وتوقف بجانبه وسئل "بالمناسبة يا سيد جورج هل كُنا في مقركم الآن"، ابتسم جورج وقال:"أنت ذكي ، اذهب إلى شارع الحنين هنالك شركة اسمها (سيوف النار) ابحث عن رئيسهم داجون ، وقل لهُ إنك تريد تعيين فريقاً للقيام بمهمة "
"هاه؟"،كان سامي مرتبكاً، "عنوان سري أيضاً "
"من المستحيل إخبارك مباشرة قبل الموافقة ، حسناً ، سيد سامي هاشم ، أتمنى أن تحلم حلماً جيداً الليلة"، استقبل جورج بابتسامة ، خلع سامي قفازه وصافح جورج ، وشاهد العربة تغادر ببطء ثم بسرعة .