الفصل الخامس: حانة الأحلام المحطمة
عاد «سيج» إلى الشوارع الصاخبة، يشق طريقه وسط حشود الناس وهو يسترجع المسارات من ذاكرته، متجهاً نحو الجزء الشرقي من المدينة. بدأت الشمس تغوص تحت الأفق الغربي، معلنةً نهاية اليوم، ومع ذلك ظلت المدينة تنبض بالحركة والضجيج.
بعد عشرين دقيقة، وجد «سيج» نفسه واقفاً أمام مبنى خشبي متهالك. كان الهيكل عتيقاً ويبدو وكأنه قد ينهار في أي لحظة، مائلاً قليلاً إلى أحد جوانبه مع ثقوب متناثرة على سطحه. وفوق المدخل علقت لافتة ملتوية رسم عليها قدحان خشبيان، تتأرجح بضعف وتئن تحت تأثير نسيم المساء.
في الداخل، اندلعت جلبة من الأصوات؛ خبطات عالية وضحكات صاخبة ملأت الأجواء. استنشق «سيج» نفساً عميقاً، وربت على صدره حيث خبأ ماله، وأمسك بعملة ذهبية واحدة في يده اليسرى.
تمتم تحت أنفاسه وهو يتقدم نحو الباب: "حسناً، ها نحن ذا...". فتحه ببطء؛ فصر الباب بقوة واهتز بعنف تحت قبضة يده بينما رن جرس قديم في الأعلى كأنه يحتج.
بمجرد دخول «سيج»، هاجمته رائحة نفاذة لا تطاق. قطب أنفه ورفع حاجبه قائلاً: "هذا المكان رائحته كريهة حقاً!"، ولوح بيده أمام أنفه وهو يمسح الغرفة ببصره.
كان المكان واسعاً ولكنه مكتظ بزبائن غوغائيين بدت عليهم علامات السكر الواضحة. ترددت أصوات الضحك والثرثرة والغناء النشاز في الأرجاء، بينما اختلطت رائحة الجعة الرخيصة بالعرق الذي ملأ الجو. لم يكن الأثاث مكتملاً بأي حال: طاولات مصنوعة من البراميل وكراسي ينقصها بعض الأرجل خلقت جواً من الفوضى. كانت الأرضية الخشبية تئن تحت كل خطوة يخطوها؛ وخمس أعمدة ضخمة في الطرف البعيد تدعم ما بدا وكأنه هيكل متوازن بشكل خطير.
لم يعره أحد أي اهتمام؛ كان الجميع غارقين في شرابهم أو أحاديثهم لدرجة تمنعهم من ملاحظة انزلاقه إلى عالمهم الفوضوي. زفر «سيج» بعمق وهدأت تعابير وجهه عندما لمح شخصاً وحيداً منبطحاً في أحد الأركان؛ رجل يتكئ مخموراً على طاولة مكدسة بخمسة أقداح خشبية، بعضها مقلوب على الأرض والجعة تنسكب منها.
لمعت عيناه عند هذه الرؤية. اقترب من المنضدة ليشتري خمسة أقداح من الجعة قبل أن يشق طريقه ببطء ليجلس في مواجهة الرجل.
طـاخ! وضع الأقداح على الطاولة بقوة كافية لجعل الرجل ينتفض مستيقظاً.
تمتم الرجل بتلعثم وثقل وهو يرفع رأسه لينظر بعينين مغبشتين إلى «سيج»: "آه... مـ-من هناك؟".
لوح «سيج» بيده أمامه بابتسامة ودودة تداعب شفتيه: "مرحباً بك!".
سأله الرجل بصوت أجش وجاف: "مـ-من أنت؟". كانت وجنتاه المحمرتان تحيطان بشفتين مشققتين توحيان بالإفراط في الشراب، ووجنتاه الغائرتان تكذبان عينيه المراوغتين اللتين كانتا تتحركان بعصبية رغم مظهره السكران.
هز «سيج» كتفيه مشيراً إلى أقداح الجعة الخمسة على الطاولة: "لا داعي للقلق بشأن من أكون. اليوم هو يوم سعيد بالنسبة لي، وقررت أن أدلل نفسي ببعض المشروبات. يبدو أنني اشتريت الكثير، لذا آمل أن تتمكن من مساعدتي!".
تغيرت تعابير الرجل على الفور إلى حالة من النشوة بمجرد رؤيته للجعة. تدلى لسانه وسال لعابه من زاوية فمه، وازدادت حمرة وجهه وهو يرفع رأسه وينظر إلى «سيج» بإعجاب.
هتف وهو يعرّف بنفسه: "أوه، شكراً لك يا صديقي الشاب على كرمك! اسمي هو باكس!".
ضحك «سيج» بحرارة وهو يمسك بقدح ويجرعه دفعة واحدة: "حسناً يا باكس، فلنشرب! اليوم يوم سعيد لي!". انزلق السائل في حلقه مسبباً إحساساً حارقاً لم يكن ممتعاً على الإطلاق.
فكر «سيج» بينما كانت معدته تضطرب: "تباً! طعم هذا الشيء يشبه طعم الجلد!". كان هذا بلا شك أكثر شيء مقزز تذوقه على الإطلاق. وهو يقطب وجهه، نظر إلى باكس الذي كان يجرع جعته وكأنها أفخر أنواع النبيذ، والبهجة تشع من وجهه وهو يلعق شفتيه بتلذذ.
أطلق «سيج» ضحكة مرتبكة وهو يشاهد باكس يستمتع بشرابه، ودفع ما تبقى من الجعة جانباً على الطاولة؛ فلم تكن لديه أي رغبة في لمسها مجدداً. سعل «سيج» قليلاً لجذب انتباهه: "هيي، باكس!".
رد باكس وهو يتجشأ، ولا تزال الحمرة تكسو وجهه لكنه كان مهتماً بوضوح: "صديقي الشاب، ماذا هناك؟".
سأل «سيج» بعفوية: "لا شيء هام؛ أرى أنك عشت في هذه المدينة لفترة طويلة، أليس كذلك؟".
ربت باكس على صدره بفخر: "أجل! لقد عشت في مدينة 'غريفيل' لنصف حياتي تقريباً!".
تظاهر «سيج» بالمفاجأة وعيناه متسعتان: "واو! هذا مذهل! لابد أنك تعرف الكثير!".
أومأ باكس وهو يأخذ جرعة أخرى من الجعة التي انسكبت على ملابسه الخشنة: "بالطبع، لقد كنت سائق عربة لأحد البيوت النبيلة هنا. لذا أعرف الكثير عن هذه المدينة وحتى بعض الأشياء عن هذه المملكة!".
لمعت عينا «سيج» باهتمام لكنه سرعان ما أخفى ذلك بتعبير غير مبالٍ. مسح الحانة ببراعة ولاحظ أن لا أحد يبدو مركزاً على حديثهما؛ فغمره شعور داخلي بالراحة. التفت مجدداً إلى باكس، الذي واصل جرع الجعة الرخيصة كأنها نبيذ فاخر، واغتنم «سيج» الفرصة: "هيي باكس! بما أنك كنت سائقاً لأحد تلك البيوت النبيلة، هل يمكنك إخباري كيف يعمل نظام الدهاليز (Dungeons)؟ أنت تعلم أنني مجرد شخص من قاع هذا العالم وأريد أن أفهم الأمر بشكل أفضل حتى لا أسيء لأي شخص قوي!".
وضع باكس قدحه ومسح فمه قبل أن يلتقي بنظرات «سيج». ورغم مظهره المخمور ووجهه المحمر، ظهر وضوح غير متوقع في عينيه عند ذكر الدهاليز. نظر باكس حوله للحظة، ثم أطلق تنهيدة ارتياح قبل أن يلتفت إلى «سيج» بتعبير أصبح جاداً.
حذر باكس بوجه يعكس الحذر: "صديقي الشاب، أنصحك ألا تخوض في هذا الموضوع. رغم أنها معرفة عامة، إلا أن مناقشتها علناً قد تؤدي إلى المشاكل".
ذُهل «سيج» للحظة: "إذاً، التحدث عن الدهاليز علناً هو أمر غير مرغوب فيه؟". تسارعت الأفكار في عقله.
تابع باكس وهو يثبت عينيه في عيني «سيج»: "لكن... بما أنك اشتريت لي بضعة أقداح، أظن أنه لا ضير من مشاركة بعض المعلومات لمساعدتك على البقاء حذراً".
مال «سيج» للأمام قليلاً، وأصبح تعبيره الآن مهيباً وجاداً. لقد فهم أهمية استيعاب خطورة هذا العالم قبل اتخاذ أي قرارات. في داخله، لعن ظروفه؛ لولا أنه عالق في هذا الجسد، الفاشل القابع في قاع المجتمع، لما احتاج للتحرك بحذر شديد بسبب نقص المعرفة الأساسية عن العالم الذي يعيش فيه. تنهد «سيج» مذكراً نفسه بأن الخطأ ليس خطأه تماماً؛ فسلفه كان مجرد يتيم يبلغ من العمر 16 عاماً، كانت أفكاره منصبة على البقاء أكثر من فهم تعقيدات بيئته. كل ما كان يعرفه هو اسم المدينة وبعض المعلومات التافهة التي لا تقدم أي توجيه.
بدأ باكس كلامه: "كما ترى، الدهاليز جزء لا يتجزأ من نظام 'آيثيريون' البيئي؛ تظهر عشوائياً في مواقع مختلفة. تحتوي هذه الدهاليز على موارد وفيرة ولكنها أيضاً موطن لوحوش تقدم مواد قيمة. وكالعادة، يميل أصحاب السلطة إلى احتكار هذه الثروات لأنفسهم، ولا يتركون لنا نحن القابعين في القاع سوى الفتات!".
أصغى «سيج» باهتمام بينما كان يأخذ رشفات من جِعته الرخيصة التي كانت تضطرب في معدته. كان باكس قد أجهز بالفعل على قدحين وبدأ في الثالث. وبعد تجرع المزيد، واصل حديثه: "هذه الدهاليز تحتوي على كمية غير محدودة من الموارد لأنها تتجدد بعد فترة معينة، بما في ذلك الوحوش، ولكن ليس كل الوحوش تتجدد؛ عادةً القوية منها فقط يمكنها العودة للحياة حتى ثلاث مرات قبل أن يستنزف قلب الدهليز. وكلما ظهرت دهاليز جديدة، فمن المؤكد أن الدماء ستسيل من أجلها! لا يهم إذا ظهرت في منطقتك؛ سيفعل الآخرون كل ما يلزم للمطالبة بحصتهم".
سأل «سيج»: "ماذا عن الأشخاص الذين ليسوا جزءاً من البيوت النبيلة أو العائلات الملكية؟ هل يمكنهم القتال من أجل الوصول أو حتى دخول هذه الدهاليز؟".
هز باكس رأسه بحزم: "كلا، كيف يمكن لأي شخص أن يطمح لتحدي النبلاء والعائلات الملكية الذين يمتلكون سلطة هائلة على هذه الدهاليز؟ سيكون ذلك بمثابة انتحار!".
ألح «سيج» في سؤاله: "ولكن إذا أراد شخص ما غزو هذه الدهاليز وجمع الموارد أو المواد ليصبح أقوى، هل يحتاج إلى إذن من أولئك النبلاء؟".
رد باكس بتنهيدة ثقيلة: "بالضبط. عليهم دفع رسوم باهظة فقط للحصول على الإذن، وحتى حينها، يُتوقع منهم تسليم تسعين بالمائة من غنائمهم بعد الانتهاء من الغزو".
لم يصدق «سيج» ما قاله باكس للتو، وارتجفت شفتاه من الذهول: "أليس هذا سطواً في وضح النهار؟" هتف مستنكراً.
ضحك باكس وهو يأخذ رشفة أخرى من جِعته: "أجل، ولكن ماذا يمكنك أن تفعل حيال ذلك؟ ليس الأمر وكأن لديك خيارات أخرى. هم من يسيطرون على الدهاليز".
بقي «سيج» عاجزاً عن الكلام. هؤلاء النبلاء والعائلات الملكية لم يكونوا سوى علق (طفيليات) يحركهم الجشع. الآن فهم لماذا كان هناك عدد قليل جداً من المغامرين في هذا العالم؛ إن أفعال هؤلاء النبلاء الفاسدة خنقت أي فرصة لازدهار المغامرة الحقيقية.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
رمضان كريم وكل عام وانتم بخير