الفصل السادس: أحلام كبيره
ذهل «سيج» تماماً من جشع النبلاء والعائلات الملكية. كان أمراً مثيراً للاشمئزاز أن يُجبر المغامرون، بعد نجاحهم في غزو أحد الدهاليز، على التخلي عن تسعين بالمائة من غنائمهم.
لم يكن هذا أقل من سطو في وضح النهار، خاصة بالنظر إلى الخسائر البشرية المحتملة، ومع ذلك بدا هؤلاء النبلاء غير مبالين بذلك على الإطلاق. كان تركيزهم الوحيد ينصب على استنزاف آخر قطرة من أولئك الذين يجرؤون على المغامرة داخل الدهاليز.
هز رأسه بعدم تصديق؛ ففي عينيه، كان هذا العالم فاسداً من أساسه.
قال باكس وهو يجرع جرعة أخرى من الجعة ويطلق تنهيدة: "أجل، أنت محق نوعاً ما. لكن لكي يصبحوا أقوى، هم بحاجة لدخول هذه الدهاليز للعثور على الموارد. هكذا يدار هذا العالم ببساطة. إنه يشبه سجناً هائلاً لكل من يريد أن ينمو وتزداد قوته!".
راقب «سيج» باكس وهو يواصل تجرع جعته، غارقاً بوضوح في أفكاره.
قاطعه «سيج» قائلاً: "ولكن الدهاليز ليست المصدر الوحيد للقوة، أليس كذلك؟ هناك طرق أخرى ليصبح الناس أقوى، مثل صيد الوحوش السحرية خارج الدهاليز. علاوة على ذلك، ليست كل الموارد حكراً على الدهاليز!".
مسح باكس فمه بظهر يده وتجشأ قبل أن يرفع رأسه لـ«سيج»، بوجنتين محمرتين وعينين تلمعان بالحماس. "أنت محق في ذلك! يمكن للناس صيد الوحوش السحرية من أجل نواتها (Cores)، وهناك موارد أخرى مبعثرة هنا وهناك أيضاً!".
توقف قليلاً قبل أن يتابع: "لكن تلك الوحوش السحرية أقوى بكثير، وأكثر وحشية وذكاءً من وحوش الدهاليز. صيدها ليس بالمهمة السهلة! بالإضافة إلى ذلك، الموارد الموجودة في الدهاليز أفضل بعشر مرات مما قد تجده في الخارج؛ وحوش الدهاليز تسقط أجزاءً قيمة ويمكنها أن تتجدد (Respawn). هذا يجعل الدهاليز مربحة بشكل لا يصدق!".
فرك «سيج» ذقنه بتفكير بينما بدأ في تجميع أجزاء الصورة حول كيفية عمل هذا العالم. بدت الدهاليز وكأنها المصدر الرئيسي للقوة، لكنها كانت تحت سيطرة النخبة القوية؛ ولم يكن لعامة الناس نصيب حقيقي فيها.
دخول الدهليز يتطلب دفع رسوم باهظة مقدماً، ثم الاستسلام وتسليم معظم الغنائم التي يتم الحصول عليها بعد ذلك. في الأساس، عامل النبلاء والعائلات الملكية هذه الدهاليز كشركات؛ احتكروا أفضل الموارد بينما تطلب الأمر حداً أدنى من القوى العاملة للغزوات، لأنهم هم من يملون شروط الوصول بناءً على الدفع.
لقد كانت عملية احتيال مثالية: كان عليهم ببساطة الجلوس والاسترخاء بينما يراقب الحراس مداخل الدهاليز. المغامرون يدفعون للدخول فقط ليسلموا كل ما كسبوه تقريباً بعد ذلك؛ أما المعاناة الحقيقية فكانت من نصيب أولئك الذين غامروا بالداخل.
هتف «سيج» بصدمة بعد تأمل كل ذلك: "تباً! أي نوع من الكائنات الجشعة هؤلاء البشر؟ إنهم يشبهون مصاصي الدماء الذين يمتصون حياة الأفراد العاديين!".
كان هؤلاء النبلاء والعائلات الملكية ملتوين حقاً في جشعهم. هز رأسه مرة أخرى قبل أن ينظر إلى باكس، الذي كان ينهي قدحه الأخير من الجعة بجرعات كبيرة.
سأل «سيج»: "ولكن هل يمكن للناس الاحتجاج حقاً؟ ألا يمكنهم فقط أن يقرروا عدم دخول هذه الدهاليز والتوقف عن إرهاق أنفسهم من أجل هؤلاء النبلاء؟ في هذه المرحلة، هم عملياً عبيد".
"ههه ههه!" ضحك باكس بهدوء، وهو ينظر إلى «سيج» وكأنه طفل ساذج.
رد باكس: "صديقي الشاب، هل تعتقد حقاً أن من السهل الوقوف في وجه هؤلاء النبلاء الأقوياء والعائلات الملكية؟ دعني أطرح الأمر ببساطة: هم يملكون الموارد في هذا العالم، ولا يوجد شيء يمكنك فعله حيال ذلك. حاول الاحتجاج، وستجد نفسك ميتاً قبل أن تدرك ذلك!".
نظر إلى قدحه الفارغ، وهزه خفيفاً، وتابع: "هل تعتقد أن أحداً لم يفكر في التمرد طوال هذه السنين؟ لقد حدث ذلك من قبل، لتجد في اليوم التالي جثة ذلك الشخص معلقة بجانب أحبائه على أسوار بوابات المدينة!".
بينما كان باكس يتحدث، نظر إلى «سيج» بابتسامة ناعمة، وعيناه الحالمتان تلمعان بأفكار غير معلنة.
ساد الصمت على «سيج» بعد سماع كلمات باكس. أصبح من الواضح أن هؤلاء النبلاء والعائلات الملكية لن يسمحوا لأي شخص بتحديهم. لقد امتلكوا كل السلطة في هذا العالم؛ وطالما أن شخصاً ما ينتمي لخلفية ثرية ويمتلك ولو دهليزاً واحداً، يمكنه الجلوس بينما تتدفق الأموال في جيوبه بلا نهاية.
لماذا؟ لأن لا أحد يريد أن يبقى ضعيفاً. طالما أن هناك ولو فرصة ضئيلة لتصبح أقوى، سيغتنمها الناس. لا أحد يرغب في الركود؛ الجميع يريد التقدم، والمغامرة في الدهاليز هي الطريقة الوحيدة للحصول على الموارد اللازمة لذلك النمو. فهم النبلاء والملوك هذه العقلية جيداً، مما سهل عليهم الحفاظ على سيطرتهم.
لم يستطع «سيج» إلا أن يرثي حاله بصمت: "يا له من عالم فوضوي! لماذا انتهى بي المطاف هنا أصلاً؟". تمنى لو أنه سقط في عالم خيالي مختلف حيث لا توجد مثل هذه الصراعات.
هز رأسه لطرد تلك الأفكار، وابتسم لباكس وسأل: "هل يمكن لشخص عادي، شخص بدون خلفية قوية، أن يمتلك دهليزاً يوماً ما؟".
أومأ باكس بتفكير: "نعم... لكنه أمر نادر جداً؛ في الواقع، قد لا يحدث ذلك لآلاف السنين القادمة!".
رفع «سيج» حاجبه لكنه ظل صامتاً، مشجعاً باكس على الاستمرار.
شرح باكس بصبر بينما كان «سيج» يصغي بانتباه: "بالنسبة لشخص ليس لديه علاقات قوية أو سلطة، فإن المطالبة بملكية دهليز أمر مستحيل تقريباً؛ إنه بصعوبة تسلق جبل. أولاً، تحتاج إلى قوة عاملة قوية، جنود وخبراء بجانبك. تذكر عندما ذكرت أن الدهاليز تظهر عشوائياً وغالباً ما تتضمن سفك دماء؟ بدون قوة كافية تدعمك في القتال من أجل دهليز، فأنت ببساطة ترمي بنفسك في ماء يغلي دون أي فرصة للنجاة على الإطلاق. بالإضافة إلى ذلك، لن يسمح هؤلاء النبلاء لأي من العامة بالمشاركة في معاركهم!".
"لكن..." خفتت النظرة الحالمة في عيني باكس، وركز على «سيج» بكثافة غير معتادة: "... كان هناك شخص عادي واحد تمكن من القتال من أجل دهليز والفوز به!".
لمعت عينا «سيج» بالفضول ومال بجسده ليسمع المزيد: "من هو؟".
قال باكس بهدوء، وبريق من الإعجاب والولاء يضيء عينيه: "مؤسس هذه المملكة!".
"هاه؟" ذُهل «سيج» للحظة، وبدا عليه الصدمة من هذا الكشف.
سأل «سيج» بنبرة يملؤها عدم التصديق: "تقصد أن مؤسس هذه المملكة كان مجرد شخص عادي بلا خلفية قوية؟!".
أومأ باكس بحماس: "أجل! لقد كان أول شخص من العامة يفوز في معارك لا حصر لها ضد هؤلاء النبلاء الجشعين. لقد جمع عدداً هائلاً من الدهاليز بل وتمكن من إخضاع هؤلاء النبلاء المتغطرسين، وأجبرهم على خدمته!". تالقت عينا باكس بالإعجاب وهو يتحدث عن مؤسس المملكة.
تمتم «سيج» تحت أنفاسه: "واو! لابد أن هذا الرجل كان قوياً بشكل لا يصدق لثني هؤلاء النبلاء المتغطرسين لإرادته!". فمن خلال سنواته في قراءة الروايات ومشاهدة الأنمي، كان يعلم أن النبلاء يميلون للتكبر والجشع، وغالباً ما يرفضون الانحناء لأي شخص. بل إن بعضهم كان أقوى من الملوك والأباطرة، لذا كان من المذهل التفكير في مدى قوة هذا المؤسس ليهزم خصوماً بهذه الضخامة.
أخرجه صوت باكس من أفكاره العميقة: "صديقي الشاب، هل هذه هي كل الأسئلة التي لديك لي؟".
نظر «سيج» إليه، وحك رأسه وهو يبتسم لباكس: "أجل، هذا كل شيء! شكراً لك على إزالة شكوكي؛ لقد ساعدتني كثيراً حقاً!".
لوح باكس بيده مستهيناً بالأمر: "لا داعي للشكر! لقد مرت دهور منذ أن أجريت محادثة كهذه. أنا من يجب أن يشكرك على شراء الجعة لي!".
لم يطل «سيج» التفكير في ذلك وابتسم ببساطة وهو يقف من كرسيه الذي صر بقوة تحته. "حسناً إذاً، سأنصرف الآن؛ لقد تأخر الوقت. أراك لاحقاً!". لوح لباكس وهو يشق طريقه نحو باب الحانة.
ناداه باكس وهو يلوح له: "وداعاً! عد في أي وقت تريد فيه الدردشة!".
"سأتذكر ذلك!" تردد صدى صوت «سيج» من المدخل قبل أن يرن الجرس فوق الباب بقوة وهو ينغلق خلفه.
نظر باكس إلى أقداح الجعة على الطاولة ثم إلى المكان الذي كان يجلس فيه «سيج». هز رأسه بابتسامة دافئة وتمتم بهدوء: "يا له من زميل غير عادي".
في الخارج، وقف «سيج» أمام الحانة، متأملاً الشمس التي غربت بالفعل، تاركة خلفها ملامح باهتة للقمر. ومضت الفوانيس على المباني المختلفة من حوله؛ ورغم حلول المساء، كانت مدينة "غريفيل" تعج بالحياة، ومن الواضح أنها لم تكن مستعدة للنوم بعد.
تنهد «سيج» ونقل بصره للأسفل: "من الأفضل أن أجد مكاناً للنوم حتى أتمكن من مواصلة التخطيط غداً".
ومع هذه الفكرة، سار مبتعداً، وظله الطويل يمتد خلفه وهو يتوغل في ليل المدينة النابض