لافيرا ..

مدينة صاخبة .

لا تخنقك زحمتها ، ولا تشعرك بالغربة .

شوارعها مزيج غريب ممتع العينين .

واجهات زجاجية حديثة تعانق مبان من الطوب الأحمر العتيقة .

شرفات من الحديد الأسود تتدلى منها أوراق خضراء ، وأعمدة إنارة نحاسية تذكرك بزمن مضى ، تقف جنباً إلى جنب مع طرقات الأسفلت .

ليست العاصمة ، لكن لها مكانتها .

اسمها يتردد في كل مكان ، حتى بين من لم تطأ أقدامهم أرضها قط .

يقال إن هواء لافيرا وحده قصة .

يحمل دائماً رائحة البن المحمص الممزوج بورود الصباح الباكر .

في هذه المدينة ، يتشابه الامس مع اليوم ، واليوم مع الغد .

" كلاك- ! "

طقطقة عجلات العربات القديمة تندمج مع محركات السيارات الحديثة بسلاسة عجيبة .

مكان يغسل صدرك ، ويجعلك تدرك أن الرئة حقاً خلقت لهكذا هواء .

" أجواء هذه المدينة لا تقارن بأي مكان آخر ، أليس كذلك ؟ ."

هكذا بدأ ليون كلامه وهو مسند ظهره على الكرسي الخشبي

نطق وهو يرفع هاتفه ليضبط زاوية الكاميرا ، محاولاً التقاط صورة لبرج الساعة الفيكتوري الذي يطل علينا .

" المدينة تبدو كئيبة ومملة جداً مقارنة هنا . "

أخذت رشفة من قهوتي ، وهززت رأسي موافقاً وأنا أراقب الشارع .

كلامه صحيح .

المدينة هنا عبارة عن مزيج غريب ومريح في نفس الوقت .

" لو نشرت هذه الصورة الآن ، ستصبح تريند في دقائق . "

قلتها وأنا أبتسم بخفة .

كان ليون مشغولاً بالنقر على شاشة هاتفه بسرعة .

" يا رجل ، حتى اصدقائي في سيرفرات الألعاب عندما أخبرهم أنني أعيش في لافيرا ، ينبهرون .. هذه المدينة مشهورة بنفس شهرة العاصمة . "

صوته كان يعكس فخراً حقيقياً .

" تخيل لو كنا نعيش في مدن أخرى ؟ ، نقضي يومنا في التمرير على شاشات الهواتف لأن الشوارع ميتة بلا روح ."

وضع هاتفه على الطاولة أخيراً ، ورفع كوب قهوته .

" هنا .. مجرد الجلوس ومراقبة الناس متعة بصرية . "

أخذت نفساً عميقاً .

الشائعات ..

دائماً ما تبدأ هكذا .

وضع ليون كوبه على الطاولة الخشبية .

"كلاك-! "

تلاشت ابتسامته تدريجياً ، وبدأ يمرر إصبعه على حافة الكوب بحركة مترددة .

" هل قرأت الثريد الذي انتشر البارحة في المنتديات ؟ . "

سألني بصوت منخفض ، وكأنه يخشى أن يسمعه أحد المارة .

عقدت حاجبي .

" أي ثريد ؟ ، أنت تعرف أنني لا أتابع مجتمعات المهووسين بنظريات المؤامرة . "

تنهد ليون وأسند كوعه على الطاولة ، مقترباً مني أكثر .

" في البداية ظننته مجرد كريب باستا رخيصة لجلب التفاعلات .. لكن الموضوع بدأ يأخذ منحنى حقيقياً . "

" حالات اختفاء .. "

قالها دفعة واحدة .

" ليس خطفاً تقليدياً .. الناس تختفي في الأزقة المضاءة بتلك المصابيح النحاسية ، الكاميرات تلتقط أشخاصاً يدخلون شارعاً ، ولا يخرجون منه أبداً . "

سحبت نفساً بطيئاً .

" قد يكون مجرد خطأ في نظام الكاميرا أو تلاعب في المونتاج لجلب المشاهدات ، لا تكن ساذجاً يا ليون . "

رددت عليه محاولاً إنهاء الموضوع ، لكن عينيه كانتا جادتين تماماً .

هذا المهوس .

أخرج هاتفه مجدداً ، وفتح مقطع فيديو صامت .

" انظر بنفسك . "

دفع الشاشة نحوي .

مقطع مشوش بالأبيض والأسود من كاميرا مراقبة لأحد الشوارع الجانبية .

رجل يمشي بخطوات عادية .. وفجأة ، الظل الممتد من عمود الإنارة تحرك عكس اتجاه الضوء .

تحرك كأنه كائن حي .

الظل تمدد والتف حول كاحل الرجل ، وفي إطار واحد من الفيديو .. اختفى الرجل تماماً .

لا آثار ، ولا دماء .

الشارع فارغ تماماً وكأن أحداً لم يمر من هناك .

انقبضت معدتي ببطء .

أبعدت عيني عن شاشة الهاتف ببطء .

طعم المرارة تحت لساني أصبح أثقل .

" وما علاقة هذا المقطع بنا ؟ . "

سألته وأنا أحاول الحفاظ على نبرة طبيعية ، لكن شعرت بأن أصابعي بردت بشكل غير طبيعي .

سحب ليون هاتفه وأغلق الشاشة بسرعة .

" العلاقة هي أن كل من ظهروا في هذه المقاطع ، شوهدوا قبلها بيوم أو يومين في نفس المكان بالضبط .. "

صمت لثانية ، ثم انحنى للأمام مجدداً .

" مقهى مورفيوس . "

عقدت حاجبي .

الاسم مألوف ، لقد تردد أمامي مراراً في الأيام الماضية على منصات التواصل .

" المقهى الذي فتح أبوابه قبل شهر واحد فقط في شارع إيلينديل ؟ ".

هز ليون رأسه بإيجاب .

" بالضبط . "

" لكن المكان يبدو عادياً جداً ، بل ويحظى بتقييمات خيالية .. يقولون إنهم يقدمون مساعدة للزبائن ، وليس فقط قهوة . "

أطلق ليون ضحكة قصيرة ، جافة وخالية من أي مرح .

" مساعدة ؟ ، نعم .. هذا ما يروجون له ، داخل المقهى ، اطلب مشروبك ، واشرح مشكلتك للنادل ، وستحل في اليوم التالي .. كالمعجزة . "

عبث بملعقة السكر المعدنية ، وصوت احتكاكها بالطبق بدأ يوتر أعصابي .

" كيك .. كيييك .. "

" لكن هذا السحر له ثمن .. "

أكمل ليون بصوت منخفض ، وعيناه تراقبان المارة في الشارع بحذر .

" الناس بدأوا يلاحظون أشياء غريبة حول ذلك المقهى ."

توقفت يدي عن العبث بكوب القهوة الخاص بي .

" هناك من يقول في الثريدات إن المقهى مجرد فخ .. واجهة لكيان يتغذى على يأس الناس ومشاكلهم .. يحل مشكلتك ، نعم ، لكنه يأخذ شيئاً في المقابل .. "

شعرت بألم في معدتي .

" شيئاً لا تدرك أنك فقدته إلا بعد فوات الأوان . "

الخوارق لم تكن يوماً جزءاً من واقعي ، لكن نظرة ليون ، جعلت جلدي يتنمل .

" شيطان ؟ "

اومأ ليون برأسه ، " ربما .. "

مرت ساعة تقريباً قبل أن ننهي حديثنا .

نهض ليون من مقعده وعدل سترته .

" أراك لاحقاً يا صديقي .. "

هززت رأسي بهدوء وودعته .

" أراك لاحقًا ."

' همم .. '

بقيت أنظر للمارة دون سبب .

وبعد عشر دقائق قررت العودة لأدراجي حين بدأ لون السماء يميل للبرتقالي ، ثم للزرقة الداكنة .

" تشق .. تشق .."

" تشق .. تشق .."

صوت خطواتي على حصى كان الصوت الوحيد المسموع .

وبعد نصف ساعة من التحرك وصلت لشقتي في الطابق الثالث .

الممر كان هادئاً كالعادة ، والإضاءه الصفراء الخافتة تطن ثم تعود .

" بززز … "

أخرجت مفاتيحي من جيبي .

لكن يدي توقفت في الهواء فجأة .

على باب الخشبي ، كان هناك شيء أبيض .

ورقة مطوية ومثبتة بعناية .

" ها ؟ "

أنا لم أطلب طروداً ، ولا أحد من معارفي يترك رسائل ورقية على الأبواب في عصر الهواتف الذكية .

سحبت الورقة ببطء .

قلبت المظروف .

لم يكن هناك اسم مرسل .

فقط ختم شمعي أسود اللون .

أدخلت المفتاح في القفل المعدني .

" كلاك . "

دفعت الباب ودخلت الشقة .

أغلقته خلفي فوراً ، وأدرت المزلاج مرتين .

"كلاك .. كلاك . "

تجاهلت إشعال نور الصالة ، وتوجهت مباشرة نحو غرفتي .

جلست على حافة السرير ، والظرف لا يزال بيدي .

ملمس الشمع الأسود كان صلباً وجافاً .

كسرته بظفري .

سحبت الورقة المطوية من الداخل .

كانت بيضاء تماماً ، لكن توجد سطور مكتوبة المكتوب في منتصفها .

[ لقد حذرتك .. ثلاث أيام .. أرسل المبلغ وإلا … ]

عقدت حاجبي .

مبلغ ؟ ، أي مبلغ ؟ .

أنا لا أدين لأحد بشيء .

ارتجفت الورقة بين أصابعي بخفة .

ثم انتبهت لوجود شيء آخر داخل المظروف .

ورقة لامعة سقطت على فخذي .

صورة ورقية .

أمسكتها من أطرافها ورفعتها لمستوى نظري .

وفي تلك اللحظة .. توقفت رئتاي عن سحب الهواء .

انسحب الدم من وجهي بالكامل في جزء من الثانية .

معصم بشري .

مقطوع تماماً ، وملقى على أرضية إسمنتية خشنة وقذرة .

الدم العنابي اللزج غطى الجلد الشاحب ، ويشكل بركة داكنة حول العظام والأنسجة المقطوعة .

في منتصف المعصم ، وسط الجلد ، كان هناك شيء محفور بعمق .. كأنه نقش بشفرة حادة .

[ % ]

" هااا ! "

أفلت الصورة فوراً .

سقطت على الأرضية الخشبية بجوار قدمي .

' م- م ما هذا ! ! '

تراجعت للخلف حتى اصطدم ظهري بطرف السرير .

..

.

***

أضواء الغرفة البيضاء كانت تؤلم عيني .

رائحة الدخان و القهوة ملت المكان .

كان الرجل الذي يجلس أمامي ، يقلب الكيس البلاستيكي الشفاف .

الكيس الذي يحتوي على الصورة والرسالة .

" هل لديك أعداء ؟ . "

سألني دون أن يرفع نظره عن المعصم المقطوع .

" لا . "

أجبته وصوتي بدا خشن بشكل غير متوقع .

حلقي كان جافاً لم أشرب أي ماء منذ مدة .

" ديون ؟ ، قروض متأخرة ؟ ، مشاكل مع مرابين ؟ . "

" لا شيء من هذا .. أعيش حياة هادئة تماماً . "

رمى المحقق الكيس على المكتب المعدني .

" كلاك . "

ثم شبك أصابعه ونظر في عيني مباشرة .

" وهذا الرمز .. "

أشار بقلمه نحو الصورة البشعة .

" علامة النسبة المئوية [ % ] ، ألا تعني لك شيئاً ؟ . "

هززت رأسي بنفي قاطع .

" أبداً .. لا أفهم لماذا أرسلت لي أصلاً . "

تنهد المحقق بصوت مسموع ، ثم سحب الكرسي ووقف بكامل طوله .

" حسناً . "

أخذ ملفاً من على الطاولة وعدل وقفته .

" يفضل ألا تعود لمنزلك اليوم ، نم عند أحد أصدقائك أو أقاربك حتى نتحقق من الأمر . "

أومأت برأسي ببطء .

نهضت من الكرسي الخشبي ، بخطوات ثقيلة .

غادرت الغرفة ، ثم مركز الشرطة بأكمله .

هواء بارد ضرب وجهي بمجرد خروجي .

أدخلت يدي في جيبي لأدفئهما .

' من أرسل هذا ؟ ، ولماذا أنا تحديداً ؟ . '

الأفكار بدأت تأكل جمجمتي .

فقط لو لم تأتيني الرسالة ، لكنت نائمًا بحلول هذا الوقت بوسادتي الدافئة خاليًا من الهموم .

فتحت هاتفي ، ودخلت على الاتصالات .

كان أخر اتصال حصلت عليه هو ..

[ ليو ]

[ تيت .. ]

اتصلت عليه .

[ تيت … ]

أتمنى الا يكون نائم .

[ تيت … ]

ما هذا ؟

[تيت .. المتصل لا يرد يرجى الاتصال في وقت لاحق .]

" تبًا .. "

' لم ينام إلا الأن ؟ '

تصفحت قائمة الأسماء ببطء .

إصبعي توقف عند اسم آخر .

[ إيثي ]

ضغطت على زر الاتصال ، ورفعت الهاتف لأذني .

[ تيت .. ]

[ تيت .. ]

" ألو ؟ . "

جاء صوت شاب ممزوجاً بنعاس خفيف ، لكنه رد على الأقل .

" إيثان ، آسف على الإزعاج في هذا الوقت .. لكنني في ورطة صغيرة . "

" ورطة ؟ ، هل أنت بخير ؟ . "

تغيرت نبرته فوراً واختفى النعاس .

" أنا بخير ، لا تقلق .. لكن حدث شيء غريب في شقتي ، واضطررت للذهاب للشرطة . "

مررت يدي على وجهي .

" المحقق طلب مني عدم العودة للمنزل الليلة .. هل يمكنني المبيت عندك ؟ . "

لم يتردد لثانية واحدة .

" بالطبع يا رجل ، تعال فوراً .. سأنتظرك . "

تنفست براحة .

غصة التوتر خفت قليلاً من صدري .

سأشرح له كل شيء عندما أصل .

" شكراً لك .. سأكون عندك بعد قليل . "

أنهيت المكالمة .

أدخلت الهاتف في جيبي ، وشددت ياقة معطفي لأحتمي من الهواء الليلي البارد .

بدأت أتحرك مشياً على الرصيف المظلم .

بعد التحرك لفترة غير محسوبة ..

" همم .. "

نظرت للأعلى ، تحديدًا للوحة المحل الذي امامي .

لا يزال مفتوح حتى في هذا الوقت المتأخر .

[ مقهى مورفيوس ]

كلمات ليو ترددت في رأسي فجأة .

حالات غامضة .. ظلال تتحرك عكس الضوء .. شيطان يتغذى على الزبائن .

وقفت مكاني لثوان مراقبًا الواجهة الزجاجية الأنيقة .

الإضاءة بالداخل كانت دافئة ، وتفوح منها رائحة بن غنية بعيدة عن الخرافات التي تتداولها عنها .

" هاف .. "

زفرت ببطء ، ومسحت وجهي بيدي المرتجفة قليلاً .

' هل أصبحت غبياً لتصديق شائعات الإنترنت ؟ . '

أنا مرهق ، وأحتاج لكوب قهوة ساخن يعيد لي تركيزي قبل أن أكمل طريقي لشقة إيثان .

دفعت الباب الزجاجي .

" ترينغ-ترينغ ! "

صوت جرس خفيف أعلن عن دخولي .

المكان من الداخل كان مريحاً جداً .

أرضية خشبية نظيفة ، إضاءة كلاسيكية هادئة ، وتفاصيل تبعد أي فكرة عن الخوارق والأشباح .

لكن المكان كان فارغاً تماماً من الزبائن .

" مرحباً بكم في مورفيوس . "

صوت شاب خرج من العدم رحب بي .

التفت ببطء نحو مصدر الصوت .

خلف طاولة التحضير ، تحديداً في زاوية معتمة قليلاً ، كان هناك شاب يجلس على كرسي مرتفع .

شعر أسود ، وأعين بنية داكنة .

بين يديه كتاب ذو غلاف جلدي قديم ، كان يمسكه .

توقف عن القراءة ، ورفع نظره إلي ببطء .

ظهرت على وجهه ابتسامة خفيفة ..

" تفضل ماذا تريد الطلب ؟ "

2026/04/25 · 23 مشاهدة · 2070 كلمة
Fish Fish
نادي الروايات - 2026