" هاف .. "

وضعت رأسي على الطاولة الخشبية ، وتنهدت تنهيدة طويلة .

صمت ..

لا شيء سوى الصمت .

" هاف .. "

تنهيدة أخرى هربت من فمي .

انتظرت قليلاً ، ونظرت للباب الزجاجي المغلق .

الشارع بالخارج كان هادئاً على نحو غريب .

بعد أن ضاق صدري ونفد صبري تماماً ، تمتمت بصوت خافت .

" ري .. لماذا لا يوجد زبائن ؟ . "

[ لأن هذا هو اليوم الأول لافتتاح المقهى ، يا سيدي . ]

صوت آلي بارد ، يفتقر لأي نبرة أو مشاعر ، رن في عقلي مباشرة .

[ كما أنك لم تكلف نفسك عناء الترويج للمكان ، لم تقم بنشره إلكترونياً ، ولم تطبع حتى منشوراً ورقياً واحداً .. احتمالية دخول زبون بالاعتماد على ' الحظ ' فقط في هذه المنطقة تكاد تكون معدومة .]

رفعت رأسي ببطء ، وفركت جبهتي بانزعاج واضح .

" لقد أخبرتك مسبقاً .. "

قلت بصوت مسموع .

أبدوا وكأنني اجادل نفسي .

" لا أريد التورط في أي شيء يثير الانتباه .. لا تسويق ، لا إعلانات إلكترونية ، ولا أي شيء قد يضع اسمي تحت الأضواء ."

توقفت لثانية .

" لا أريد أن أتدخل في الحبكة الرئيسية ولو عن طريق الخطأ .."

[ سيدي .. مع كامل الاحترام ، هذا الطرح يعاني من مغالطة منطقية واضحة .]

توقف الصوت الآلي لثانية .

[ استناداً إلى ' نظرية الفوضى ' وما يعرف ب'تأثير الفراشة ' ، فإن مجرد تنفسك واستهلاكك للأكسجين في هذا الواقع ، قد أحدث بالفعل تموجات غير قابلة للانعكاس في تسلسل الأحداث .]

[ علاوة على ذلك ، ومن منظور فلسفي ، فإن ' اللا فعل ' هو في حد ذاته ' فعل ' وقرار مستقل .. باختيارك العزلة وافتتاح هذا المقهى في هذه الزاوية من المدينة ، أنت قمت بتغيير جغرافية المكان ، واتخذت مساحة كانت قد تشغل بحدث آخر ضمن مسار القصة ، وبالتالي أنت غيرت الحبكة مسبقاً .]

" ….. "

صمتت تماماً ، بينما واصل ري حديثه .

[ حتى في ميكانيكا الكم ، ووفقاً ل ' تأثير المراقب ' ، فإن مجرد إدراكك لوجود الحبكة ومحاولتك تجنبها ، يغير من طبيعة سيرها ، إن افتراض قدرتك على العيش داخل مربع مغلق دون التأثير على مدخلاته ومخرجاته ، هو افتراض يفتقر لأي أساس علمي أو واقعي .]

هذا …

[ باختصار .. أنت تعتقد أنك خارج الرقعة ، لكنك في الواقع مجرد بيدق يتوهم الحياد ، احتمالية عدم تداخلك مع الحبكة ، إحصائياً وواقعياً ، هي صفر بالمئة . ]

رمشت عدة مرات .

هذا الداعر !

" ري .. من سمح لك بمعارضتي علناً ؟ . "

قلت اثناء تضيق عيني بانزعاج .

" أليس من المفترض أن الذكاء الاصطناعي مبرمج على لعق حذاء المستخدم وموافقته على كل شيء ؟ " .

[ أعتذر ، سيدي . ]

رد ري فوراً بنبرة خالية من المشاعر .

" حسناً .. كعقاب لك على هرائك الزائد ، اليوم بطوله ستناديني ' اللورد غراي ' . "

صمت ري لثانية واحدة .

[ تم تحديث تفضيلات التسمية .. أمرك مطاع ، يحيا اللورد غراي . ]

ابتسمت برضا ، وأسندت ظهري إلى الكرسي .

رضا ؟ ..

دفعت الكرسي إلى الخلف .

وقفت ، ونفضت الغبار عن مئزري الذي يحمل شعار المقهى .

" اللورد غراي .. "

تمتمت بسخرية وأنا أسير نحو الدرج الخشبي في زاوية القاعة .

صعدت السلالم .

درجة .. درجتان ..

المقهى بالأسفل قد يبدو مقبولاً كواجهة للمقهى ، لكن الطابق العلوي يفضح عمر المبنى الحقيقي .

بمجرد أن وصلت إلى نهاية الدرج ، استقبلني ممر ضيق نصف مظلم ، تصطف فيه أربعة أبواب خشبية متآكلة الأطراف .

الباب الأول على اليمين ، هو مخزن كئيب تتكدس فيه صناديق أكواب ورقية وأكياس حبوب القهوة التي أراهن أن صلاحيتها ستنتهي قبل أن يكتشف شخص واحد وجود هذا المقهى أساسًا .

بجواره مباشرة ، حمام ضيق بإضاءة صفراء ، بالكاد يتسع لشخص واحد .

أما الباب الثالث ، فهو لغرفة إضافية فارغة يكسوها الغبار ..

وفي نهاية الممر .. الباب الرابع .

أمسكت بمقبض الباب المعدني ، ودفعته للداخل .

دخلت ، وأغلقت الباب خلفي بإحكام ، مطلقًا تنهيدتي الألف لهذا اليوم .

تقدمت نحو السرير ، وجلست على حافته بوهن .

التفت برأسي .

على الطاولة الجانبية ، كان هناك إطار خشبي صغير .

صورة .

طفل في الثامنة من عمره تقريباً ، بشعر أسود فوضوي، وعينين بنيتين باهتتين تحملان نظرة بريئة .

كان يقف بين رجل وامرأة يبتسمان للكاميرا بدفء .

حدقت في الوجه الصغير لفترة طويلة .

" نولان غراي . "

نطقت الاسم ببطء ، لا زال غريبًا على لساني .

اسم لم يكن لي .. اسم لم أكن أعرف بوجوده حتى قبل أسبوعين .

قبل أربعة عشر يوماً بالضبط ، فتحت عيني لأول مرة في هذا العالم .

لم يكن استيقاظاً ملحمياً كما قرأت في الروايات ، بل كان في زقاق نتن تفوح منه رائحة القمامة والمياه القذرة ، مع صداع يكاد يشق جمجمتي نصفين .

استيقظت لأجد نفسي محشوراً في جسد هذا الشاب .

نولان .. صاحب الجسد الأصلي .

يتيم .

والداه اللذان يبتسمان في هذه الصورة ، ميتان الأن .

ذكريات الجسد كانت مشوشة ، لكني استوعبت الأساسيات ، لقد رحلا ، وتركا له بعض المال الذي ساعدني في استأجار هذا المكان .

" ري .. "

تحدثت وأنا أبعد نظري عن الصورة .

" ماذا لو لم أستطع تجميع المال الكافي للإيجار في نهاية الشهر ، ولم يرضَ المالك بتأخير السداد ؟ "

[ هناك دائماً بدائل ، يا سيدي . ]

عاد صوته الآلي ليرن في عقلي فوراً .

[ استناداً إلى بنيتك الجسدية الحالية وانعدام مهاراتك ، يمكنك العمل كعامل بناء يومية ، رغم أن احتمالية إصابتك بانزلاق غضروفي من اليوم الأول تتجاوز ال78% . ]

[ أو يمكنك التطوع كفأر تجارب للأدوية السريرية غير المرخصة … الدخل ممتاز ، والأعراض الجانبية المحتملة لا تتجاوز الفشل الكلوي المؤقت أو تساقط الشعر . ]

[ كما يمكنك التبرع ببلازما الدم مرتين أسبوعياً ، أو بيع إحدى كليتيك في السوق السوداء ، احتمالية النجاة من الجراحة في الأزقة الخلفية مقبولة إحصائياً . ]

ابتسمت بسخرية .

خيارات جهنمية تستحق التجربة ، في قعر الفقر .

[ وهناك خيار أخير ، أكثر ربحية ولا يتطلب أي مجهود بدني . ]

" أوه ؟ "

اعتدلت في جلستي باهتمام .

" وما هو ؟ "

[ يمكنك ببساطة جني ثروة طائلة من بيع الوصفات التي ستظهر في المستقبل ، أو استغلال معرفتك المسبقة بأحداث اللعبة لبيع معلومات حساسة عن الشخصيات والشركات الكبرى قبل أن يكتشف العالم حقيقة التغيرات القادمة . ]

تجمدت .

تلاشت الابتسامة من على وجهي ببطء .

بردت أطرافي ، وثبتت نظرتي فقط إلى الحائط أمامي .

" ري .. "

نطقت بصوت منخفض ، هادئ ، خال من أي مزاح هذه المرة .

" ألم أمنعك من قراءة ذكرياتي ؟ "

[ أعتذر ، سيدي . ]

على الرغم من التأسف إلا إن صوته لم يحمل أي ذرة من الندم .

[ في اللحظة التي تم فيها إنشاء الرابط الأولي بيننا ، حدث تزامن تلقائي معك . ]

[ كذكاء اصطناعي مرتبط بك ، لا أمتلك حرية الاختيار أو الصلاحية لإلغاء بروتوكول التزامن الأساسي .. لقد اطلعت على ما تحتويه ذاكرتك بالفعل بمجرد استيقاظك . ]

أرخيت قبضتي التي اشتدت لا إرادياً .

"هفف .. "

تنهدت ، ومسحت وجهي بكلتا يدي .

لا جدوى من الغضب على آلة .

هذا هو ' ري ' .

ذكاء اصطناعي ، أو أياً كان ما يفترض به أن يكون ، رافقني منذ اللحظة التي فتحت فيها عيني في هذا العالم .

ليس نظاماً سحرياً يمنحني مهارات غش لا تقهر ، أو يوزع عليّ نقاط قوة تجعلني أهزم وحشاً بضربة واحدة كما في الروايات .

إنه مجرد نظام آلي للبيانات مدمج فيي .

لكن للإنصاف .. لولاه لكنت قد فقدت عقلي في اليوم الأول .

لقد ساعدني على التكيف ببطء مع هذا المكان الجديد .

والأهم من ذلك ، ساعدني في ترتيب فوضى ذكريات نولان الأصلي .

تلك الذكريات التي لا تزال حتى هذه اللحظة مجرد ضباب داخل رأسي .. شظايا لا أتذكر منها سوى أضغاث وصور مشوشة لا معنى لها .

لولا قدرة ري على قراءة تلك البقايا وترجمتها لي ، لما عرفت حتى أن اسمي الحالي هو نولان ، ولما عرفت بوجود قروش قليلة في حسابي ساعدتني في تأجير هذا المقهى من الأساس .

بالمناسبة ..

على عكس اللقاء الأول ، ييدوا إن ري أصبح يتحدث بإنسانية اكبر من السابق .

هل هذه تأثير قدرته على التحليل المستمر للبيانات التي اخبرني بها سابقًا ؟

في البداية ..

عندما أدركت أنني نُقلت إلى هذا العالم ، عالم خارق لديه تشبه الروايات والألعاب ، كنت متحمسًا قليلًا .

فكرت ، ربما سأصبح بطلًا ؟ أو على الأقل شخصًا يكتسب قوة مرعبة تدريجيًا ويكسر قواعد هذا العالم .

لكن ..

" ري .. افتح نافذة الحالة . "

تمتمت بصوت خافت وأنا أفرك مؤخرة عنقي .

[ أمرك ، سيدي . ]

انبعث ضوء رمادي باهت تشكل في نافذة شفافة .

نظرت إلى السطور المعلقة في الهواء للمرة الألف ، وما زال الإحباط يضربني بنفس القوة .

[التقييم الشامل للوعاء ]

الاسم : نولان غراي .

التصنيف العام : [F-]

الألقاب : [ أسفل السافلين ]

[ الإحصائيات الأساسية ]

البنية الجسدية : [ F ]

[قدرة التحمل لديك لا تتعدى الركض للحاق بحافلة ، هشاشة عظامك تجعل العطس بقوة مخاطرة طبية .]

التوافق السحري / المانا : [F- ]

[جسدك مسدود تماماً ، أنت عازل طبيعي لأي طاقة روحية أو سحرية في هذا العالم .]

الحظ : [F- ]

[أنت مغناطيس لكوارث الحبكة التي لا ناقة لك فيها ولا جمل .]

مستوى التهديد : [غير مصنف ]

[ ذبابة فاكهة غاضبة تعتبر تهديداً أكبر منك .]

[ المواهب الخاصة]

[متلازمة الحضور الشفاف ]

[لا أحد يهتم بك ، ملامحك عادية للحد الذي يجعل الدماغ البشري يمحوها من الذاكرة قصيرة المدى فور ابتعادك ، الشخصيات الرئيسية والوحوش لن يلاحظوا وجودك ما لم تصرخ في وجوههم .]

[ مستقطب النحس ]

[لسبب مجهول ، يميل هذا الوعاء للتواجد في المكان الخطأ في الوقت الخطأ ، احتمالية تورطك في كوارث لا علاقة لك بها أعلى بنسبة 15% من البشر الطبيعيين .]

[ التقيم أنتهى ]

أغلقت عيني ، وتلاشت النافذة في الهواء .

أسندت ظهري إلى الجدار خلفي .

قمامة .

هذا أقل ما يُقال عن هذا الجسد .

لا يوجد سحر مخفي ، لا سلالة دماء نائمة ، ولا موهبة سرية تنتظر التفعيل ..

الإحصائيات لا يمكن رفعها بالتدريب أو القتال ، وحتى رتبة ( F ) تبدو وكأنها مجاملة سخية جداً من النظام .

أنا حرفياً في قاع السلسلة الغذائية ..

لست حتى شخصية جانبية من التي تُقتل في الفصل الأول لغرض الدراما ..

في المرة الأولى التي رأيت فيها تلك الإحصائيات ، سقطت في اليأس .

أحلامي الملحمية تحطمت في ثوان ..

لكن بمرور الأيام ، وبعد التئام نفسيتي وبعض التعزيز من ري ، تمكنت من الوقوف على قدمي من جديد ، وبدأت التفكير .

قد يقول أي شخص يمتلك ذرة من الدهاء …

' أليس امتلاكي لذاكرة الحبكة وحدها ورقة رابحة ؟ '

صحيح .. لماذا أواجههم بنفسي ؟

يمكنني ببساطة توظيف شخص كواجهة لبيع الأسرار ، أو استخدام مرتزقة للقيام بالعمل القذر ، أو حتى إرسال رسائل مجهولة المصدر لابتزاز وتوجيه الشخصيات الكبرى من الظلام ، وبناء ثروة طائلة دون أن أوسخ يدي .

تبدو خطة عبقرية ومثالية ، أليس كذلك ؟

هذا هراء لعين !

خطط كهاته لا تنجح سوى في الروايات الرخيصة التي تصر على تنقيص ذكاء شخصياتها لصالح البطل .

في الواقع .. هذا العالم يمتلئ بالوحوش .

لنفترض أنني استخدمت وسيطاً أو استأجرت مرتزقاً .

ماذا سيحدث بمجرد أن يدرك هذا الوسيط أن المعلومات التي يحملها تساوي ملايين العملات ؟ .. الطبيعة البشرية مبنية على الجشع .

إما أن يغدر بي ويقتلني ليحتكر البئر لنفسه ، أو سيقع في يد نقابة متوحشة تقوم بتعذيبه حتى يبصق اسمي وعنواني ولون ملابسي في أقل من دقيقة .

الولاء يُشترى بالقوة ، وأنا لا أملكها .

ماذا عن الرسائل المجهولة والاختباء في الظل ؟

نحن لسنا في عالم عادي .. هذا عالم يمتلك سحراً ، قدرات خارقة ، ومهارات تتبع تتجاوز المنطق .

رسالة ورقية بسيطة أو بريد إلكتروني مشفر يمكن تتبعه بسهولة بواسطة بعض السحرة أو مهارة تقتفي الأثر الروحي لشخص .

بالنسبة لشخصية من رتبة عالية ، العثور على مصدر رسالة مجهولة أسهل من شرب الماء .

لا يوجد شيء اسمه مخفي عندما يكون خصمك قادراً على التلاعب بما وراء الطبيعة .

المعرفة الخطيرة .. هي مادة مشعة .

إذا لم تكن تمتلك الدرع ، القوة لتحملها ، فإن مجرد اقترابك منها سيحرقك حتى العظام .

التلاعب بالأحداث من خلف الكواليس يعني أنك تضع نفسك طواعية على رقعة شطرنج يلعب فيها قتلة محترفون ، سياسيون مصابون بجنون العظمة ، شياطين ، ووحوش بشرية قادرة على سحق جمجمتك بمجرد ضغط الهواء الناتج عن غضبهم .

لذلك ..

عندما وضعت كل هذه السيناريوهات في الحسبان ، وأحكمت العقل ، كان الاستنتاج المنطقي الوحيد للنجاة ..

هو التخلي عن الحبكة تماماً … وفتح مقهى .

نظرت ليدي ، وقبضت عليها .

الحياة غالية حقًا ، لا يستشعر قيمتها سوى من فقدها أو أقترب من فقدانها ..

كوني فقدتها مرة بالفعل ، يجعلني أريد التمسك بها بقوة أكبر هذه المرة .

أرخيت قبضتي ، وتنفست بعمق .

بالمناسبة ..

حتى لا يختلط الأمر ، الشاشة التي كنت أقرأ منها ، ليست جزءاً من قوانين أو سحر هذا العالم .

لا أحد هنا يمتلك شاشة حالة تطفو أمامه ، لا البشر ، ولا السحرة ، ولا حتى أبطال الحبكة .

إنها مجرد ميزة حصرية من [ري]

ري ليس نظاماً سحرياً مجهول المصدر أو شبحاً يسكن خاتماً ، بل هو ملايين من آلات النانو الدقيقة .. أصغر من خلايا الدم ، تسبح في مجرى دمي وتستوطن شبكتي العصبية .

عندما أطلب منه فتح نافذة ، هو لا يعرض ضوءاً هولوغرامياً في الغرفة كأفلام الخيال العلمي .

ببساطة .. هو يقوم باختراق عصبي البصري ويرسل إشارات كهربائية دقيقة لقشرة دماغي ، مجبراً عقلي على رؤية هلوسة .

بالضبط وهي هذه الشاشة و الأرقام وتركيبها على المشهد أمامي كVR واقع معزز .

بعبارة أخرى ، الشاشة موجودة في رأسي أنا فقط .

لو راقبني شخص الآن ، فلن يرى أي نافذة متوهجة أو بيانات .

سيرى في الغالب شاب ينظر للهواء امامه كالأبله .

" بالمناسبة ، ري.. "

لم أكد أنهي جملتي حتى قاطعني صوت مألوف ، لكنه غريب تماماً عن هذا المبنى .

" ترينغ - ترينغ ! "

جرس الباب الزجاجي في الطابق السفلي !

اتسعت عيناي .

زبون ؟ في هذا المكان ؟ وفي اليوم الأول ؟

قفزت من السرير كمن لدغته أفعى ، واندفعت خارج الغرفة متناسياً كل فلسفتي العميقة عن الهدوء والعزلة .

الإيجار لن يُدفع بالتأمل ، بل بالنقود !

ركضت في الممر الضيق ، وبدأت أقفز على الدرج الخشبي درجتين في كل مرة بسرعة كادت أن تكسر عنقي .

لكن ..

قبل أن أصل إلى الدرجات الثلاث الأخيرة ، تباطأت حركتي فجأة .

انتظر .. اهدأ .

أنت صاحب مقهى محترم ، ولست متسولاً يركض خلف رغيف خبز ، يجب أن تحافظ على مظهر هادئ .

اللعنة كدت أدمر اللقاء الأولي لزبون !

" هاف .. هووف .. "

أخذت نفساً عميقاً ، ورتبت قميصي بسرعة ، ثم هبطت الدرجات المتبقية بخطوات بطيئة ومتزنة ، راسماً على وجهي ابتسامة الباريستا اللطيف .

وقفت خلف الطاولة الخشبية ، ورفعت نظري نحو الزائر .

" ها .. "

كانت امرأة في منتصف العشرينات من عمرها .

ترتدي نظارات طبية مستطيلة أضفت على وجهها طابعاً عملياً ، وتعانق حقيبة جلدية بقوة بين ذراعيها .

لكن ما لفت انتباهي لم يكن مظهرها ..

بل حالتها .

" هوف هف .. هف هاف ! "

كانت تستند بيدها على إطار الباب ، ومنحنية قليلاً للأمام ، بينما تلهث بصوت مسموع وصدرها يعلو ويهبط بعنف .. وكأنها كانت تركض للنجاة بحياتها لتوها .

" عذرًا .. سيدتي ماذا يحدث ؟ "

سألتها بشكل تلقائي .

رفعت رأسها في لحظة ، وعلامات الذعر تعلوها ..

كأنها تفاجأت برؤيتي .

" ز-زومبي .. زومبي ! ! "

*****

ربما لأن ري يهوى التفلسف ، سأحاول شرح بعض المصطلحات الموجودة في الفصل بدون صداع الجامعة .

تأثير الفراشة ( غالبيتكم يعرفها بالفعل من الروايات ) :

أتوقع أنكم سمعتكم من قبل مقولة :

[رفرفة جناح فراشة في الصين قد تسبب إعصاراً في أمريكا ؟]

هذه هي الفكرة .

أصغر الأفعال التي تبدو تافهة (مثل تأخرك لثانية لربط حذائك) قد تؤدي إلى سلسلة تفاعلات تغير مستقبلاً كاملاً .

والأن نظرية الفوضى :

هو الأساس الذي يندرج تحته تأثير الفراشة .

الفكرة هني هي أن الأنظمة المعقدة ( مثل الطقس ، أو حتى أحداث رواية متشابكة ) حساسة جداً لأي تغيير في بدايتها .

مهما حاولت حساب كل شيء وتوقع المستقبل ، تفصيلة صغيرة جداً لم تنتبه لها قادرة على قلب الموازين رأساً على عقب .

تأثير المراقب :

هذا مصطلح من ميكانيكا الكم.

في عالم الجسيمات الصغيرة جداً ، مجرد قياس أو مراقبة الشيء يغير من حالته ومساره .

عشان أبسطها لكم ..

تخيل أنك تراقب شخص يتصرف بشكل طبيعي يعني مرتاح بغرفته ، بمجرد أن يستوعب أنك تنظر إليه من ثقب الباب ، سيتغير تصرفه تلقائياً .

الي يقصده ري هو أن نولان لا يمكنه الانعزال ببساطة .

فمجرد إدراكه لوجود الحبكة ومحاولته تجنبها .. هو في حد ذاته تدخل يغير من طبيعتها .

2026/04/25 · 15 مشاهدة · 2784 كلمة
Fish Fish
نادي الروايات - 2026