الفصل الأول: شروخ في جدار الوعي

كانت الشقة غارقة في سكون تام لا يقطعه سوى الطنين الخافت والثابت للثلاجة في المطبخ. كل شيء هنا كان يعكس شخصية "مروان" الصارمة في تنظيم حياته؛ الأريكة الرمادية ذات القماش المخملي الفاخر تقف في زاوية صالة المعيشة بمحاذاة تامة مع حواف اللوحة الفنية المعلقة خلفها، بينما انتشرت في الأرجاء رائحة خفيفة ومريحة لمزيج من القهوة المقطرة وعطر اللافندر الذكي. كان مروان، الموظف الثلاثيني المستقر، ينام بعمق على سريره ذو الأغطية البيضاء الناصعة التي لا تجد فيها تجعيدة واحدة.

لكن خلف جفونه المغلقة، وفي أعمق نقطة من وعيه، لم يكن هناك وجود لهذا السلام.

كان يركض لاهثاً، وأقدامه تتخبط فوق أرضية طينية رطبة تفوح منها رائحة العفن وأوراق الشجر الميتة. تحيط به أشجار عملاقة ملتفة الأغصان، تتشابك في الأعلى لتحجب السماء تماماً، وينساب من بين جذوعها ضباب رمادي كثيف يحد من الرؤية. لم يكن مروان يرتدي ملابسه القطنية المريحة، بل كان مثقلاً بمعطف جلدي فيكتوري طويل، ذي أزرار نحاسية داكنة، ويشعر بثقل جعبة جلدية مليئة بسهام ذات نصل فضي لامع تهتز خلف ظهره. يديه، اللتان اعتادتا ملامسة الأوراق والطباعة على لوحة مفاتيح الحاسوب في مكتبه الأنيق، كانتا تقبضان بقوة وعنف على قوس خشبي ضخم مصنوع من خشب أبنوس أسود ومزين بنقوش غامضة.

فجأة، تحرك الضباب بعنف، وبرز من بين الأشجار كائن مرعب. كان ضخماً، بهيئة مستذئب مشوه، لكن ملامحه حملت تفاصيل بشرية غريبة زادت من بشاعته. كانت عيناه تشعان بذكاء حاقد، يملؤها غضب دفين وهو يثبت نظراته على مروان.

شعر مروان برعب حقيقي يجمد الدماء في عروقه، وجسده كله بدأ ينتفض ويرتجف تحت وطأة النظرة المتوحشة للكائن. ومع ذلك، وبحركة آلية غريبة انبعثت من أعماق جسده دون إرادة واعية منه، رفعت يداه القوس. سحبت أصابعه سهماً فضياً من الجعبة، وثبّتته على الوتر المشدود حتى كاد ينقطع، ووجهه مباشرة نحو صدر الوحش المندفع نحوه... وأطلقه.

طاخ!

استيقظ مروان دفعة واحدة، وجلس متيبساً في منتصف سريره. كان صدره يعلو ويهبط بسرعات جنونية، وأنفاسه المتهدجة تملأ الغرفة الهادئة. كان عرق بارد يتصبب من جبينه ومؤخرة عنقه، ليبلل ياقة قميص نومه.

التفت حوله بذعر غريزي، لتقع عيناه على ساعة الحائط الرقمية؛ كانت تشير بدقة إلى الرابعة فجراً. هدوء الشقة المألوف، ونظافة المكان، والستائر المنسدلة بعناية، بدأت تعيد إليه توازنه تدريجياً. أدرك أنه في أمان غرفته.

مسح حبات العرق عن وجهه بكفه، وتدريجياً، بدأت ملامح الخوف تتلاشى لتحل محلها ابتسامة ذهول غريبة، مدفوعة بفضول عارم وجارف. لم يشعر بالخوف البالغ كما يفعل أي شخص يستيقظ من كابوس، بل أحس بنشوة غامضة. همس لنفسه بنبرة خافتة تحمل الكثير من الحماس:

"لماذا انتهى الحلم في هذه اللحظة بالذات؟ تباً.. كنت أريد رؤية ما سيحدث تالياً! الفضول سيقتلني حقاً.. هل أصابه السهم الفضي؟ هل قتله؟"

نهض من سريره بخطوات هادئة، وتوجه إلى المطبخ حيث سكب لنفسه كأساً من الماء البارد. وقف يتأمل أثاث شقته الفاخر والمنظم بعناية فائقة تحت الضوء الخافت. شعر أن ما يراه في نومه ليس مجرد أضغاث أحلام، بل تجربة سينمائية مثيرة يود استكشاف نهايتها. عاد إلى غرفته، وأعاد ترتيب غطائه بدقة، ثم استلقى مجدداً وهو يحدث نفسه بثقة: ربما لو أغمضت عيني الآن وعدت للنوم، سأتمكن من إكمال المغامرة من نفس النقطة.

بعد نصف ساعة من التقلب ومحاولة طرد الأفكار، غرق مروان في النوم مجدداً.

ولكن، في هذه المرة، تبخر الحماس تماماً وحل محله جحيم مطلق.

بمجرد أن انفتح وعيه مجدداً داخل الحلم، لم يجد نفسه واقفاً بثبات أو مستعداً للمواجهة. شعر بوهن شديد يسري في أطرافه، وثقل حارق ومؤلم يمزق جانبه الأيسر، كأن مقذوفاً أو غصناً حاداً قد نفذ في جسده. كان مستلقياً على ظهره فوق الأرض الطينية الباردة، ومعطفه الفيكتوري الفاخر أصبح ممزقاً ومغطى بالأتربة والدماء المظلمة.

حاول رفع يده أو تحريك قدمه للنهوض، لكن أطرافه كانت مخدرة تماماً ولا تستجيب لأوامره. نظر بجانبه برعب ليجد القوس الأبنوسي مكسوراً إلى نصفين وملقى في الطين. الضباب حوله لم يعد رمادياً، بل أصبح أكثر كثافة وقتامة، وبدت الأجواء خانقة ومقبضة للغاية.

لم يكن هناك أي أثر للمستذئب الذي أطلق عليه السهم، ولكن عبر الصمت المطبق للغابة المظلمة، بدأت أصوات خطوات ثقيلة ومقلقة تقترب وتتحرك في حلقة دائرية حوله. كان هناك كائن آخر، أو ربما شيء أكثر خطورة، يطوق المكان ويبحث عنه وسط الضباب، مستمعاً لملامح ضعفه.

كان مروان عاجزاً تماماً، متألماً، وبالكاد يقوى على التنفس. الفضول الحماسي الذي كان يدفعه قبل قليل تلاشى كلياً، وحل محله ذعر حقيقي وشعور بالاختناق الشديد وهو يرى ظلالاً غامضة تتبلور وسط الضباب متجهة نحوه... وقبل أن تتضح هوية القادم، انقطع المشهد تماماً

2026/06/01 · 5 مشاهدة · 699 كلمة
BLACK GHOST
نادي الروايات - 2026