انقطع المشهد الدموي فجأة، ليتلاشى الضباب الكثيف ورائحة الطين العفن في لحظة واحدة.

استيقظ مروان وهو يقفز جاحظ العينين في فراشه. كان يلهث بشدة، وصدور دقات قلبه المتسارعة تسمع بوضوح في أذنيه كأنها طبول حرب. كانت يداه ترتجفان بشكل غير ل控制، وشعور طاغٍ بالخوف والذعر يطبق على صدره، خوف مبهم وغامض لم يستطع تفسير سببه في تلك اللحظة؛ فذاكرته لم تسعفه بتفاصيل محددة من الحلم الثاني، بل تركت في نفسه فقط ذلك الإحساس الخانق بالعجز والألم.

حاول مروان السيطرة على أنفاسه المتهدجة، وأخذ يجر الهواء إلى رئتيه ببطء وهو يلتفت حوله ليتأكد من جدران غرفته المألوفة. التفت بصعوبة نحو ساعة الحائط الرقمية؛ كانت الأرقام المضيئة تشير إلى السادسة والنصف صباحاً. لقد حان وقت الاستيقاظ الفعلي.

تنهد بعمق، وأزاح الغطاء الأبيض عنه بحذر كأنه يخشى أن يجد فيه شائبة. نهض متوجهاً بخطوات متثاقلة نحو الحمام. فتح الصنبور وجمع الماء البارد بكفيه ليغمر به وجهه عدة مرات، علّ برودته تطرد بقايا ذلك الذعر المجهول المستقر في أعماقه. نظر إلى انعكاس صورته في المرآة النظيفة؛ كان يبدو شاحباً بعض الشيء، لكن ملامحه بدأت تستعيد هدوءها المعتاد.

خرج إلى المطبخ الصغير الأنيق، وبآلية اعتادها لسنوات، بدأ في إعداد وجبة فطوره. رتب قطع التوست، والبيض، وكوب الشاي الدافئ على الطاولة الخشبية الصغيرة بمحاذاة تامة، وتناول طعامه في صمت مطبق، وهو يحاول تناسي الثقل الغريب الذي ما زال يشعر به في جانبه الأيسر، ظاناً أنه مجرد تشنج عضلي ناتج عن نومة خاطئة.

بعد الانتهاء، قام بغسل الأطباق وتجفيفها فوراً وإعادتها إلى مكانها. ارتدى بدلته الرسمية الرمادية المكوية بعناية، وتعطر بعطره اليومي، ثم حمل حقيبة مكتبه وأغلق باب الشقة خلفه بإحكام، متوجهاً عبر الزحام الصباحي المعتاد إلى مقر الشركة التي يعمل فيها كموظف مالي؛ دون أن يدري أن خيوط عالم آخر قد بدأت بالفعل تلتف حول روتينه المنظم.

وصل مروان إلى مقر الشركة، وجلس خلف مكتبه الأنيق والمحاط بالملفات المرتبة بدقة. فتح حاسوبه وبدأ في مراجعة الأرقام كعادته اليومية، محاولاً دفن بقايا مشاعر القلق الدفينة في أعماقه.

لكن، لم يمر الكثير من الوقت حتى شعر بظل يقف بجانبه. التفت ليجد أحد زملائه في العمل يقف قريباً منه، محدقاً في وجهه بنظرات فاحصة. لاحظ الزميل علامات التعب الواضحة على مروان، فكسر الصمت قائلاً بنبرة هادئة:

"تبدو شاحباً جداً اليوم يا مروان.. هل أنت بخير؟ هل هناك ما يقلقك؟"

حاول مروان رسم ابتسامة عادية على شفتيه، وأجاب باقتضاب وهو يعود بنظره إلى شاشة الحاسوب:

"لا شيء، مجرد كابوس مزعج ومقلق في الليلة الماضية.. لم أنم جيداً بسبب بضع تفاصيل غامضة فيه."

هنا، تغيرت نبرة الزميل تماماً، وانخفض صوته ليصبح هادئاً، عميقاً، ومغلفاً بغموض غريب جعل الأجواء حول المكتب تبدو باردة فجأة، حيث قال:

"يبدو أن الأمر قد بدأ إذن.."

توقف مروان عن النقر على لوحة المفاتيح. استغرب الكلمة تماماً، وشعر بوخزة مريبة في صدره. التفت نحو الزميل وسأله بملامح حائرة:

"ماذا؟ ما الذي تقصده بأن الأمر قد بدأ؟"

لكن الزميل تراجع خطوة إلى الخلف، وارتسمت على وجهه ملامح باردة وخالية من أي تعبير، ثم قال بنبرة منسحبة:

"تجاهل كلامي.. اعتبرني لم أقل شيئاً." ثم استدار ومشى مبتعداً بخطوات هادئة وسط الممر.

وقف مروان مكانه مذهولاً. وفي تلك اللحظة بالذات، ضربت عقله فكرة جعلت جسده يتصلب؛ إنه يعمل في هذا القسم منذ سنوات، ويعرف وجوه جميع الموظفين هنا بدقة.. لكنه لم يرَ هذا الشخص في الشركة أبداً من قبل! بدأت دقات قلبه تتسارع فجأة بعنف، واجتاحته موجة من التوتر. رفع رأسه ببطء محدقاً في سقف المكتب الأبيض، وحاول السخرية من أفكاره لكي يهدئ روعه، فهمس لنفسه:

"ربما عليّ تقليل مشاهدة أفلام الرعب والغموض.. عقلي بدأ يتخيل أشياء غريبة. من المؤكد أنه مجرد موظف جديد تم تعيينه مؤخراً ولم ألحظه.. ولكن، حتى لو كان كذلك، كيف كان يتحدث معي بنبرة قريبة وكأنه يعرفني ويعرف تفاصيل حياتي منذ وقت طويل؟"

أخذ مروان نفساً عميقاً، ونفض الأفكار المقلقة من رأسه محاولاً التمسك بروتينه ونظامه الصارم الذي يحبه. قرر تجاهل الموضوع تماماً واعتباره مجرد موقف عابر لا معنى له، وعاد ليركز في أوراقه.. دون أن يعلم أن هذا الشخص كان أول خيط حقيقي يربطه

2026/06/01 · 1 مشاهدة · 630 كلمة
BLACK GHOST
نادي الروايات - 2026