الفصل الثالث: محاولات الانسجام

مرت ساعات العمل التالية ببطء شديد، غرق فيها مروان بين أرقام الميزانيات والجداول الحسابية، مستغلاً هذا الضغط الذهني ليفصل نفسه تماماً عن فكرة ذلك الموظف الغريب.

في لحظة التقط فيها أنفاسه، التفت ونظر إلى ساعة حاسوبه؛ كانت تشير إلى الواحدة ظهراً. شعر بتشوش طفيف في ذهنه، وكأن الأيام تندمج معاً بسبب قلة النوم، فسحب الفأرة ليفتح تقويم الجهاز متفقداً التاريخ لأنه نسي تماماً أي يوم هو من أيام الأسبوع. ظهر التاريخ أمامه بوضوح: الأول من يونيو لعام 2026.

تنفس الصعداء، ونهض ليأخذ استراحة الغداء المعتادة. تناول وجبته الخفيفة في هدوء، ثم عاد إلى مكتبه ليقضي الساعات المتبقية في تدقيق المعاملات المالية بكل تركيز، حتى دقت الساعة الخامسة مساءً معلنة نهاية الدوام الرسمي.

حزم مروان حقيبته بسرعة، وغادر مبنى الشركة. وطوال طريق عودته، كان يطبق استراتيجية الإنكار التام؛ كان يمشي مطأطأ الرأس أحياناً، متجاهلاً الوجوه من حوله، والزحام، وأصوات بوق السيارات، كأنه يضع جداراً عازلاً بينه وبين أي مفاجأة أخرى قد تفسد هدوءه.

بمجرد أن فتح باب شقته الصغيرة، شعر براحة لا توصف. رائحة اللافندر المألوفة كانت بمثابة طوق النجاة. خلع حذاءه ورتبه في مكانه بدقة، ثم توجه مباشرة إلى الحمام؛ حيث أخذ حماماً دافئاً طويلاً غسل فيه عن جسده عناء ذلك اليوم الطويل والتوتر الدفين الذي يسكن أطرافه.

خرج وهو يرتدي ملابس منزلية قطنية مريحة ونظيفة، وتوجه إلى المطبخ ليعد وجبة عشائه المفضلة بنظامه الصارم المعتاد. رتب الطبق على الطاولة في الصالة، وأمسك بجهاز التحكم ليشغل فيلماً سينمائياً على الشاشة الكبيرة ليتلهى به. جلس يأكل بهدوء مستمتعاً بحركة المشاهد على الشاشة، شاعراً أن بيته المرتب هو حصنه المنيع الذي لا يمكن لأي كابوس فيكتوري أو غموض خارق أن يختبعد أن انتهى الفيلم وأشارت الساعة إلى الثامنة مساءً، شعر مروان أنه بحاجة لمزيد من الإلهاء لكي لا يترك لعقله أي فرصة للتفكير. نهض وشغّل جهاز الـ "بلايستيشن 5" الخاص به، وبدأ في لعب لعبه المفضلة "إيلدن رينغ" (Elden Ring).

أحضر لنفسه بعض المقرمشات (السناك) ووضعها بجانبه بنظامه المعتاد. غرق لعدة ساعات في عالم اللعبة الافتراضي، يقاتل الكائنات الأسطورية والوحوش الرقمية بمهارة وسيطرة كاملة، وكأنه يثبت لنفسه أن كل ما يواجهه من أخطار يمكن التحكم فيه بضغطة زر.

عندما دقت الساعة العاشرة، أطفأ الجهاز. وجلس على أريكته يتصفح هاتفه الذكي؛ يتنقل بين منصات التواصل الاجتماعي، يقرأ الأخبار العادية ويشاهد بعض المقاطع السريعة حتى مرت ساعة كاملة وأصبحت الساعة الحادية عشرة ليلاً.

نهض مروان ببطء، وتوجه إلى غرفته. رتب وسادته وغطاءه الأبيض الناصع، واستلقى على سريره. أغلق عينيه بكل برود وهدوء، كأن تلك الأحداث المرعبة لليلة البارحة لم تكن سوى وهم عابر، وكأن كلمات زميله الغامض في الشركة لم تُقال أصلاً. لقد نجح في استعادة جدار حمايته الروتيني، وحان وقت النوم...

2026/06/01 · 1 مشاهدة · 422 كلمة
BLACK GHOST
نادي الروايات - 2026