#الفصل الثامن والعشرون
كانت الفيلا لا تزال غارقة في الفوضى العارمة بعد الهجوم المفاجئ الذي شنته وحوش الحراشف الرمادية. الدخان الأسود الكثيف يتصاعد من الأشجار المحترقة المحيطة بالساحة، وصيحات الطلاب الجرحى وأنينهم يملأ المكان، مما خلق أجواءً جنائزية لم يعتد عليها هؤلاء النبلاء المدللون. هان لي، الذي كان لا يزال يقف وسط الساحة بجسده الذي يلمع بضوء خافت ناتج عن تفعيل "طريقة تهذيب الجسد السماوية"، شعر فجأة ببرد قارص يسري في عموده الفقري. لم يكن برداً ناتجاً عن انخفاض درجة الحرارة أو الرياح الليلية، بل كان إحساساً غريزياً بالخطر الداهم، إحساساً صقله نظام التقاط السمات حتى أصبح كحاسة سادسة لا تخطئ. كانت الأجواء مشحونة بتوتر غير ملموس، والطلاب الذين كانوا يحتفلون بصخب قبل قليل أصبحوا الآن ينظرون إلى كل ظل يتحرك برعب مطلق، وكأن كل شجرة في الغابة المحيطة تخفي وحشاً كاسراً ينتظر اللحظة المناسبة للانقضاض.
لي هاو، الذي كان يحاول يائساً استعادة كبريائه المهدور وصورته المهتزة أمام شي يو، وقف فجأة وأعلن بصوت حاول أن يجعله واثقاً أنه سيذهب إلى أعماق الغابة لإلقاء نظرة استكشافية، مدعياً ببطولة زائفة أنه لا يمكن ترك الوحوش تقترب أكثر من حرم الفيلا. كان صوته يرتجف بشكل ملحوظ عند النهايات، وعيناه تزيغان يميناً ويساراً، لكن رغبته في الظهور بمظهر البطل الشجاع أمام أقرانه دفعته لاتخاذ هذا القرار الانتحاري. هان لي راقبه وهو يبتعد بخطوات مترددة نحو الظلام الدامس، وشعر برغبة عارمة في منعه، ليس من باب الشهامة أو الحرص على حياته، بل لأنه كان يخشى بصدق أن يجر لي هاو المزيد من المتاعب والوحوش نحوهم بجهله. "يا لك من أحمق حقيقي،" فكر هان لي بمرارة وسخط وهو يراقب خطوات لي هاو المتعثرة بين الأغصان، "تذهب للغابة في هذا التوقيت وبالذات بعد هجوم وحشي؟ إذا قتلت هناك أو أصبت، سيلومونني الجميع لأنني كنت الأقرب ولم أمنعك، وربما تلاحقني عائلتك النافذة بأسئلة وتحقيقات أنا في غنى عنها تماماً."
لذا، وبصوته البارد الرخيم الذي يوحي بالهيبة المطلقة والهدوء الذي يسبق العاصفة، أعلن هان لي أنه سيرافق الرحلة الاستكشافية أيضاً. وبحركة خاطفة لم تستطع العيون العادية تتبع تفاصيلها، قفز هان لي فجأة، وبفضل وصوله لمستوى "الكمال" في خفة الحركة وسرعة رد الفعل، طار في الهواء وكأنه ريشة تداعبها الرياح، ليستقر بخفة مذهلة فوق أعلى غصن في مظلة الشجرة الضخمة التي تتوسط الساحة. بينما كان الطلاب والخدم يهتفون بذهول وإعجاب، ظناً منهم أنه يمارس فناً قتالياً أسطورياً من فنون الحركة السماوية المحرمة، كان هان لي في الواقع يشعر بدوار شديد وانقباض في معدته وهو يقف على ذلك العلو الشاهق. كان يحاول بكل قوته إقناع نفسه بأن لا ينظر للأسفل أبداً، خوفاً من أن تنهار هيبته المصطنعة تماماً إذا سقط أو أظهر علامات الخوف. كان الهواء في الأعلى بارداً جداً ويحمل رائحة الغابة الرطبة، وأوراق الشجر تحت قدميه كانت تبدو هشة للغاية وغير مستقرة، مما زاد من قلقه الداخلي الذي كان يخفيه خلف قناع من البرود الجليدي.
انطلق هان لي بعد ذلك من شجرة إلى أخرى بسرعة السهم، يمزق سكون الليل بحركاته الصامتة والمدروسة. كان يشعر بكل اهتزازة بسيطة للهواء، وبكل غصن يلمسه أطراف أصابعه. وبعد دقائق من الركض المتواصل فوق رؤوس الأشجار، هبط برفق كقط بري في منطقة عميقة ومظلمة من الغابة، حيث كانت تفوح رائحة نفاذة للدم الطازج والطاقة الرونية المحترقة. كانت المنطقة المحيطة به عبارة عن ساحة صغيرة حُطمت أشجارها واقتلعت من جذورها، وكأن إعصاراً مدمراً قد مر من هنا قبل لحظات. رأى جثة حارس يرتدي زي النخبة، كان صدره محطماً تماماً وكأن مطرقة عملاقة قد هوت عليه، وبجانب الجثة الملقاة في بركة من الدماء، كانت تطفو فقاعات سمات ذهبية وارجوانية لامعة تجذب الأنظار. شعر هان لي بقشعريرة ورعب حقيقي من منظر الجثة المشوهة، فلطالما كان يكره العنف والدماء ويحاول تجنبهما بكل وسيلة، لكن غريزة السعي وراء القوة والتقاط السمات النادرة التي يوفرها له النظام دفعت جسده للتحرك نحو تلك الفقاعات بحذر شديد وتوجس.
فجأة، وبدون أي مقدمات، شعر بوخز حاد ومؤلم في مؤخرة رأسه، وهو التنبيه التلقائي لإدراك الخطر في أقصى درجاته. وبحركة لا إرادية أملتها عليه مهاراته المكتملة، ألقى جسده جانباً في لمح البصر، ليمر ضوء سيف بارد كالثلج من جانبه مباشرة، ممزقاً قماش ثيابه الغالية ومحدثاً جرحاً سطحياً بسيطاً في كتفه الأيسر. "من هناك؟! اظهر نفسك!" صرخ هان لي بصوت قوي وهو يستل مسدسه الروني الأسود المطور، وبدأ في إفراغ المخزن بالكامل في الاتجاه الذي جاء منه الهجوم الغادر. لم يكن يرى خصمه المختبئ بين الظلال الكثيفة، لكنه كان يطلق النار بدقة متناهية بناءً على توقعات "تقنية قنص الأرواح" التي أتقنها منذ وقت قصير. اختبأ بسرعة خلف جذع شجرة بلوط ضخمة، وقلبه يخفق بعنف شديد كطبل في قفص صدري ضيق، وهو يلعن في سره هذا العالم المجنون الذي يبدو مصمماً على إنهاء حياته في كل مرة يحاول فيها التقاط بعض السمات بسلام وهدوء.
ساد الصمت المطبق الغابة مرة أخرى، ولم يعد يسمع سوى صوت أنفاسه المتسارعة وحفيف الأوراق. ثم، رأى ظلاً أسود متكئاً بجمود على شجرة بعيدة؛ لقد مات المهاجم بطلقة دقيقة اخترقت جبهته مباشرة. اقترب هان لي ببطء شديد، وسيفه المغمد في يده الأخرى جاهز لأي مفاجأة غير متوقعة. عندما وصل إلى الجثة، وجد رجلاً مقنعاً يرتدي ملابس سوداء خاصة بالقتلة المأجورين. جمع الفقاعات التي سقطت بكثرة حول الجثة، ليشعر فوراً بتدفق طاقة هائلة لـ "فن اللهب الأحمر" وموهبة عنصر النار المتقدمة إلى عروقه. كانت الحرارة تسري في جسده كالحمم البركانية، مما جعله يشعر بقوة بدنية وجوهرية أكبر بكثير من ذي قبل، لكنه كان يعلم يقيناً أن هذا القاتل المحترف لم يكن يعمل بمفرده، وأن هناك مؤامرة أكبر تحاك في الخفاء.
بينما كان هان لي يستعد للمغادرة، ظهرت من بين الأشجار الكثيفة شخصية "شي تشينغ" بهيئتها المهيبة التي تبعث على الرهبة. كانت تبدو في ضوء القمر الخافت وكأنها إلهة حرب قديمة منحوتة من الجرانيت الصلب، بكتفيها العريضين اللذين يشببهان قمة جبل شامخ وطولها الفارع الذي يقترب من المترين، مما يجعل كل من يقف بجانبها يبدو ضئيلاً ومثيراً للشفقة. أخبرته شي تشينغ بصوتها العميق والرخيم الذي يحمل نبرة من البرود والسيادة أنها تعرف هذا القاتل، وأنه يلقب بـ "الظل القاتل"، وهو مجرم خطير مطلوب للعدالة في عدة مقاطعات. نظرت إليه بنظرة تقدير عميقة وغامضة جعلت هان لي يشعر بمزيج من الارتباك والقلق. كان يتساءل في نفسه عن حقيقة هذه المرأة وسر قوتها الخارقة، وكيف استطاعت الوصول إلى هذا المكان النائي بهذه السرعة الصامتة. وقبل أن ينطق بكلمة، أمسكت بمعصمه بقبضة فولاذية لا تقبل الجدال، ودعته بنبرة آمرة ليكون رفيقها الرسمي في التجمع النخبوي الذي سيستأنف داخل الفيلا رغم كل ما جرى من أحداث دامية.
فكر هان لي بقلق بالغ في أنه سيبدو كدمية صغيرة أو طفل ضائع بجانب هذه المرأة الجبلية العملاقة، وأن الجميع سيسخرون من هذا المنظر المتناقض، لكنه أدرك بسرعة أنه لا يملك خيار الرفض أمام قوتها وضغطها المستمر. سار خلفها وهي تسحبه بسهولة مذهلة وكأنه لا يزن شيئاً. عندما وصلا إلى مدخل الفيلا الفخم، كان الحراس المدججون بالسلاح يرتجفون بمجرد رؤية هيبة شي تشينغ، وبمجرد أن حاولت إحدى المجموعات منع الدخول لأسباب أمنية، أزاحتهم شي تشينغ بنظرة حادة واحدة جعلتهم يتراجعون برعب. في الداخل، كانت القاعة الكبرى قد نُظفت على عجل وأضيئت بمئات الشموع والبلورات السحرية المتلألئة، وكان الطلاب النبلاء يحاولون جاهدين استعادة رباطة جأشهم وتصنع الرقي. شي يو ولي هاو، اللذان كانا يتبادلان الهمسات والضحكات المكتومة في زاوية القاعة، توقفا عن الكلام فجأة وتجمدت تعابير وجهيهما عندما رأيا هان لي وشي تشينغ يدخلان القاعة معاً كرفيقين رسميين.
"انظروا من عاد إلينا من الموت!" سخرت شي يو وهي ترفع كأسها عالياً بنبرة مليئة بالسم والغيرة. "يبدو أن شي تشينغ وجدت أخيراً من يتحمل رفقتها الثقيلة، لكن يا للهول، إنه يبدو كقطة أليفة بجانب لبؤة مفترسة." ضحك لي هاو بغطرسة واضحة، مدعياً أمام الحضور أن السيف الروني الذي يحمله هان لي هو مجرد زينة باهظة الثمن لا يجيد استخدامها، وأن الشجاعة الحقيقية والرجولة تظهران في ساحات القتال الحقيقية وليس في قاعات الرقص المترفة. هان لي لم يكلف نفسه عناء الرد اللفظي، لكنه كان يشعر بغليان داخلي وغضب مكتوم من هؤلاء النبلاء التافهين. فتح لوحة النظام الخاصة به بسرعة خاطفة واستهلك 1000 نقطة إضافية لإتقان "رقصة الظل السماوي" و "فن الإتيكيت الملكي" في لمح البصر، فهو لم يكن ينوي أبداً أن يظهر بمظهر الأحمق أو الضعيف أمام هؤلاء المتكبرين الذين لا يعرفون قيمته الحقيقية.
انطلقت ألحان الموسيقى الكلاسيكية الهادئة، وتقدم هان لي بخطوات واثقة وأمسك بيد شي تشينغ الكبيرة والقوية. في البداية، سادت بعض الهمسات الساخرة والضحكات المكتومة بين الحضور، لكن بمجرد أن بدأت الخطوات الأولى للرقصة، خيم الصمت المطلق على القاعة وكأن الجميع قد أصيبوا بالخرس. كان هان لي يتحرك بخفة ورشاقة مذهلة، وكأنه كائن أثيري ينساب فوق الأرض دون أن يلمسها، بينما كانت شي تشينغ تتبعه بقوة وتناغم مدهش لم يسبق لأحد أن رآه في رقصات النبلاء. كانا يدوران في وسط القاعة كإعصار متناغم من الجمال الخام والقوة الجبارة، خفة ظل هان لي كانت توازن بشكل مثالي ثقل هيبة شي تشينغ. كان الجميع، بما في ذلك الأساتذة والحراس، ينظرون بذهول وعدم تصديق، حتى شي يو ولي هاو اللذان تجمدت كؤوسهما في الهواء من فرط الصدمة والذهول.
بينما كانا يدوران في وسط القاعة تحت أضواء الثريات الكريستالية، والفقاعات الملونة تتساقط بكثافة من الطلاب المذهولين الذين فقدوا تركيزهم، مالت شي تشينغ برأسها وهمست في أذنه بكلمات جعلت دمه يتجمد في عروقه للحظة: "هناك قاتل محترف آخر في هذه القاعة الآن، إنه يراقب كل حركة تقوم بها منذ لحظة دخولنا، كُن على أهبة الاستعداد." هان لي، ورغم الرعب والذعر الذي اجتاحه داخلياً وجعل قلبه يتسارع، حافظ على بروده الظاهري وتعبيرات وجهه الجامدة التي توحي بالثقة المطلقة. "دعيه يقترب أكثر،" قال هان لي بصوت منخفض وعميق يحمل نبرة من التحدي والسيادة، "فالرقصة لم تنتهِ بعد، وأنا من أولئك الذين يحبون إنهاء ما بدأوه ببراعة." كان في الحقيقة يتلفت بعينيه خفية وبسرعة البرق محاولاً تحديد مكان القاتل بين الحشود، ويفكر في عشرات الخطط للهروب إذا ساءت الأمور، لكن جسده المبرمج بواسطة النظام على "الكمال" استمر في أداء الرقصة ببراعة أسطورية أبهرت الناظرين.
استمرت الرقصة في التصاعد، ومع كل دورة وحركة معقدة، كان هان لي يشعر بفقاعات السمات تنجذب إليه من كل حدب وصوب وكأنها مغناطيس.
【تم التقاط سمة: هيبة النبلاء العالية +30】
【تم التقاط سمة: غيرة قاتلة وحقد +45】
【تم التقاط سمة: إدراك نية القتل الخفية +60】
شعر هان لي فجأة بتركيز شديد وغير مسبوق في حواسه الخمس. استطاع بفضل مهاراته المطورة أن يلمح طرف خنجر مسموم يلمع ببريق قاتل تحت ضوء الشموع في يد أحد الخدم الذين يقفون في زاوية مظلمة خلف الستائر المخملية. لم يغير هان لي تعابير وجهه أو إيقاع خطواته، بل استمر في قيادة شي تشينغ في الرقصة بذكاء، مقترباً ببطء ومناورة من مكان الخادم المختبئ. كان يخطط في عقله لاستخدام الزخم الناتج عن دوران الرقصة ليوجه ضربة استباقية وقاضية للقاتل قبل أن يدرك الأخير أنه قد كُشف أمره.
"عندما أعطيكِ الإشارة المتفق عليها، انحني بجسدكِ فوراً،" همس هان لي لشي تشينغ بنبرة جادة. أومأت شي تشينغ برأسها ببطء شديد، وعيناها تلمعان بمزيج من الإعجاب والدهشة لسرعة بديهته وقدرته على اكتشاف التهديد وسط هذا الصخب. وفي قمة الرقصة، عندما وصلت ألحان الموسيقى إلى ذروتها الدرامية، دفع هان لي شي تشينغ بعيداً برفق محسوب، وفي نفس اللحظة الخاطفة، استل سيفه الروني المغمد ووجه ضربة جانبية صاعقة نحو الزاوية المظلمة.
*طاخ!*
سقط الخادم القاتل على الأرض بقوة، وارتطم جسده بالطاولة الجانبية، بينما طار الخنجر المسموم من يده المشلولة ليستقر بعمق في عمود خشبي قريب من رأس أحد النبلاء. صرخت شي يو برعب هستيري، واندلع الهرج والمرج في أرجاء القاعة الكبرى، حيث بدأ الجميع في الجري والاختباء. لكن هان لي وقف في مكانه بمنتهى الهدوء والبرود، وأعاد سيفه إلى غمده بحركة استعراضية متقنة، ونظر إلى القاتل الملقى على الأرض بنظرة خالية من أي مشاعر. "الرقصة الرسمية قد انتهت،" قال هان لي بصوت عميق تردد صداه في القاعة الصامتة الآن، "لكن السهرة الحقيقية والمواجهة الكبرى قد بدأت للتو، فليستعد الجميع."
التفت هان لي نحو شي تشينغ، التي كانت تنظر إليه بابتسامة نصر وفخر واضحة على وجهها الصارم. "لقد قلت لكِ سابقاً أن تدعيه يقترب، فأنا لا أخشى الظلال،" قال هان لي، محاولاً بكل قوته إخفاء رعشة يده التي كادت أن تفضحه من فرط الأدرينالين والخوف المكبوت. في تلك اللحظة التاريخية، أدرك الجميع في القاعة، من طلاب وأساتذة وحراس، أن هان لي ليس مجرد طالب محظوظ أو عبقري في الكتب، بل هو وحش كاسر ومقاتل فذ يختبئ خلف قناع من الهدوء والحذر الشديد. وانتهى الفصل على منظر هان لي المهيب وهو يقف وحيداً في وسط القاعة المحطمة، والجميع ينظرون إليه برهبة واحترام لا يوصف، بينما كانت لوحة النظام تومض أمام عينيه برسالة جديدة ومثيرة:
【تنبيه عاجل: لقد نجحت في كشف 'مؤامرة الظل' الكبرى وإحباط الاغتيال.. المكافأة الاستثنائية: مفتاح 'خزانة عائلة شي' الأسطورية ولقب 'صياد الظلال'.】