استيقظت القطة الصغيرة لتجد نفسها مستلقية وسط صندوقٍ كرتونيّ مليء بالقطن الأبيض الناعم والدافئ. فركت عينيها ببطء، وراحت تستنشق الهواء من حولها بفضول:
"يشم... يشم... ما هذه الروائح الغريبة؟"
نظرت حولها بدهشة وهي تحاول استيعاب المكان الجديد: جدران ملونة، أريكة زرقاء مريحة، وطاولة خشبية كبيرة. صاحت بذهول وبراءة: "هيييه؟! أين أنا؟"
تذكرت عائلتها فجأة، فقفزت خارج الصندوق وهي تموء برغبة ملحة: "لا... لا أريد البقاء هنا، أريد العودة إلى منزلي!"
لقاء الصديق الصغير مجدداً
أخذت القطة تتجول بخطواتها الصغيرة والحذرة تحت الطاولة الخشبية، وفجأة... رأت جسداً صغيراً مستلقياً على الأرض يقرأ كتاباً.
التفت الطفل نحوها بدهشة، واتسعت عينا القطة الصغيرة حين عرفته فوراً:
"آه! أنت الفتى الذي سقط فوق العشب! لماذا أنت هنا أيضاً؟"
كانت تظن أنه ضائع مثلها تماماً، ولم تكن تدرك بعد أن هذا هو منزله!
ضيافة دافئة وقرارٌ صعب
في تلك الأثناء، اقترب والدا الطفل بحنان. انحنت الأم بابتسامة دافئة وقالت: "أوه، إنها تتحرك! هل أنتِ بصحة أفضل الآن؟"
بينما كانت القطة تنظر إليهم بحيرة، دار حديث هادئ بين الأب والأم. قال الأب بنبرة قلقة: "إنها صغيرة جداً، ولا يمكنها العيش بمفردها في الخارج". وافقت الأم قائلة: "أجل، ولكن ماذا سنفعل بها؟"
لم تفهم القطة الصغيرة كلماتهم، وكان كل ما يشغل بالها هو النافذة الكبيرة المطلة على الشارع. ركضت نحو الزجاج ووقفت تنظر إلى الخارج بحنين: "أريد العودة إلى منزلي..."
لكن حبل أفكارها انقطع عندما عاد الأب يحمل علبة كرتونية زرقاء وقال: "لقد أحضرت حليباً خاصاً بالقطط، أوصاني به صاحب المتجر".
الحليب اللذيذ والبطن الممتلئ!
صُبّ الحليب الدافئ في وعاء صغير على الأرض. اقتربت القطة بحذر، واستنشقت رائحته الزكية التي لا تُقاوم. وبمجرد أن تذوقت القطرة الأولى، اتسعت عيناها بذهول وسعادة:
"آه! إنه حليب دافئ ولذيذ جداً!"
راحت تلعق الحليب بنهم وسرعة: "لعق... لعق... لعق..." تحت نظرات العائلة السعيدة.
سأل الطفل الصغير بلهفة: "أمي، هل يمكننا إبقاء القطة معنا؟"
تنهدت الأم بأسف وأجابت: "يا بني، القوانين هنا لا تسمح بتربية الحيوانات الأليفة في المبنى... لن نستطيع الاحتفاظ بها، لكننا سنبحث لها عن منزل جيد وعائلة تحبها".
أما القطة، فكانت في عالم آخر تماماً! استلقت على ظهرها بعد أن أنهت وجبتها، وباتت بطنها مستديرة كبالون صغير. تمددت بكسل وهي تشعر بالدوار من شدة الشبع والنعاس: "لقد امتلأت تماماً... يا لها من راحة!"
محاولة هرب... وعاصفة مرعبة!
لم تدم لحظة الاسترخاء طويلاً، إذ قفزت القطة فجأة وتذكرت هدفها الأساسي: "المنزل! يجب أن أعود إلى منزلي الآن!"
بدأت تتسلل بخفة، وتتحسس أطراف الغرفة بحثاً عن مخرج: "شم... شم...". ولحسن حظها -أو هكذا ظنت- انفتح باب الشقة فجأة عندما كان الأب يستعد للخروج.
رأت القطة باب الحرية مفتوحاً، فصرخت بحماس: "مياااو! أريد العودة إلى المنزل!" وركضت بأقصى سرعتها نحو الخارج. تملكت الدهشة العائلة وهم يراقبونها تركض نحو الباب: "ما الذي حدث لها؟ يبدو أنها تريد الذهاب إلى الخارج!"
ولكن، ما إن وصلت القطة الصغيرة إلى عتبة الباب الخارجي حتى تجمدت في مكانها...
كانت السماء تمطر بغزارة كالمزاريب، والبرق يلمع في السماء، وصوت الرعد يدوي بقوة! وفوق كل ذلك، مرّ كلب ضخم مبلل بالماء يركض ويطلق رشاشاً من الماء في كل اتجاه وهو ينبح بصوت مخيف!
انكمشت القطة ورجعت خطوتين إلى الخلف، وقطرات المطر الباردة تبلل أنفها الصغير. نظرت إلى العاصفة برعب شديد، وقالت في نفسها مستسلمة:
"حسناً... الجو مرعب ومبلل جداً في الخارج!"
تراجع سريع!
بلمح البصر، استدارت القطة الصغيرة وركضت بأقصى سرعتها كقذيفة عائدة إلى داخل الشقة الدافئة!
قفزت بحركة بهلوانية لتهبط مباشرة وسط صندوقها الكرتوني الدافئ، وانكمشت داخل القطن الناعم وهي تغطي عينيها، متمتمةً بذكاء طفولي لطيف:
"سوف أبقى هنا لفترة قصيرة جداً... فقط حتى يتوقف المطر... ثم سأذهب إلى منزلي!"
وعلى عتبة الغرفة، وقف الوالدان وطفلهما يبتسمون بلطف على تصرفات هذه الكائن الصغير والمضحك، الذي قرر أخيراً أن يؤجل رحلته ويستمتع بالدفء مؤقتاً.