كانت السماء ملبدة بالغيوم فوق كوليار ولكن ليس على نحو ينذر بهطول المطر. وخيوط الشمس البعيدة سطعت على شارع آرون، حيث مشت أسفل ظلال المباني إمرأة ذات شعر فضي لامع مسرح على شكل كعكة مشدودة للخلف. ارتدت المرأة الشابة ثوبا أرجواني اللون، وطوقت حول خصرها حزاما جلديا يحمل حقيبة صغيرة.

أخرجت المرأة المدعوة أماندا سواريز هاتفها من جيبها أثناء سيرها، ونقرت بأصابعها لتتصل على أحدهم. ومع رفع أعينها عن هاتفها، لاحظت أنها تقف أمام متجر ورود، بواجهة تزينها شتى أنواع النباتات في أجمل حلة، ألوانها تجذب العين ومظهرها يثير الاهتمام. ولم تمر ثوان حتى رصد البائع تطلع أماندا لمتجره، فخرج ليحييها أو ليحثّها على الشراء بالأصح. قال البائع مفتتحا بتملق:《يااه لديك ذوق جيد يا آنسة، فهذه المجموعة وصلت قبل يومين فقط، وتم شحنها إلى هنا بعد أن رأوا أنها تباع كالكعك الساخن في الفرع الرئيسي》.

-《مرحبا، ما الأخبار؟》أتى صوت من الهاتف يقول، لكن وعلى أثر بُعده فـ أماندا لم تلحظ.

كانت مثبتة نظرها على نبتة بحجم كرة التنس لونها أبيض مائل للأصفر في قمته، وبتلاتها المغلقة متكورة على بعضها البعض لتشكل مظهرا يشبه البيضة. سألت أماندا البائع:《بكم نبتة البيض المتفتح؟》.

– تكلم الرجل في الهاتف ثانية بصوت أعلى:《مرحبا.. هل أنتِ هناك؟》، وحاز انتباه أماندا هذه المرة.

رفعت الهاتف وقالت:《نعم نعم.. أهلا يا داتش.. هل يمكنك إعطائي دقيقة، شكرا》. ولم يكن سؤالها قد أجيب عندما عادت للبائع وتخطت سؤالها السابق، قائلة بعجلة:《هل يصادف أنك تبيع بذورها؟》.

《بذور البيض المتفتح؟》كرر البائع ببطء. لم تكن أماندا واثقة ما إذا كان اسهابه في التفكير لأنه لم يملك ما أرادته، أو لأنه يملكها ولم يفكر في خيار بيعها سوى توا. لكن يبدو أن دقيقة الصمت هاته قد ارتدت على أحدهم.

- صاح الرجل في الهاتف مقلدا نبرة فارس مغوار:《داتش لا ينتظر أحدا!》، وأغلق الخط مباشرة.

فوجئ كل من البائع وأماندا لوهلة، قبل أن تتفاعل الأخيرة بابتسامة محرجة وتقول في نبرة تنم عن أسف:《المعذرة إذن》، وسارت مبتعدة تاركة البائع الذي تخشب تعبيره بعد أن فشل في تدارك رحيل زبونته.

ولم تتوقف خطوات أماندا المتجهة لوجهتها المعنية، عندما أعادت اتصالها السابق. سرعان ما رد الرجل ذاته بنبرته الكئيبة:《خدمة الغرف، كيف يمكنني مساعدتك؟》.

قالت أماندا بامتعاض:《ما كان هذا يا داتش؟ كنت على وشك شراء بذور نبتة البيض المتفتح، هل دقيقة واحدة هي الكثير لطلبه؟》.

– آه سمعت أنه يمكنك إعداد قهوة رائعة بها، هل هذا صحيح؟

–《لهذا تحديدا أردت شراء البعض》قالت أماندا، كما فكرت في ذات الوقت: "كان يمكنني أخذ القليل لفينسنت كذلك، إنه محب للقهوة، صحيح" .

– عاد داتش يقول:《وهل منعتك أنا؟》.

وقفت أماندا بين الحرج والصمت مع إدراكها الأمر، لكن الصوت على الطرف الآخر من المكالمة أعادها لوعيها. إلى جانب الضوضاء البعيدة والقريبة في الخلفية، قال داتش بغضب مخاطبا شخصا معه:《ما بك تتخطى دوري؟ أعطني، أنا مشارك أيضا》.

قاد الفضول أماندا لتسأل:《هذه الضجة.. أين أنت؟》.

– أنا في أي مكان سوى الكازينو.. مهلا، أنت لست أمي. أجل، أنا في الكازينو أجني بعض المال للعشاء. ولكن ليس لهذا السبب اتصلت بي، صحيح، لتسأليني إن كنت آكُل الخضروات في صحني كلها أم لا.

هزت أماندا رأسه كمن يريد التوبيخ، لكنها تراجعت عندما سمعت نبرة من يود الدخول في صلب الموضوع في آخر كلمات داتش.

– سبق داتش أماندا للحديث:《أهذا بشأن روح بوهيموس النار؟》.

قالت أماندا وشعور بالمرارة تصاعد فيها لسبب ما حتى لامس تعابيرها:《أجل》.

– هل حدث شيء ما؟

ردت أماندا بلا تباطئ:《لا لا، على النقيض.. سارت أمور نقل الروح إلى الفانوس بسلالة، لكن كما أخبرتك سابقا: فقط قفص قوي يمكن أن يحبس وحش جامح. الفانوس هو وعاء جيد.. لكنه لا يصلح على المدى الطويل، لا أقول أنه سينفجر فجأة؛ لأن هذه احتمالية بعيدة الحدوث، لكن إن كنت تخطط لإبقائه فمن الأفضل القيام بإجراء تعديل عليه على الأقل》.

كان الصخب من طرف داتش مستمرا بلا انخفاض، لذا راود أماندا الشك بعدم إصغائه، سألت:《هل تنصت يا داتش؟》.

– واضح وعال.

واصلت أماندا قائلة وهي تأخذ منعطفا:《كما كنت أقول.. إن الفانوس بحالته الحالية يحتاج إلى شيء كدرع إضافي لتعزيز حمايته.. كنت أفكر في حراشف التنين..》، وأعطت صمتها كمن يسأل عن رأي أحدهم.

– آخر ما لدي من حراشف التنين استخدمتها منذ فترة الآن.. إلا إذا كنتِ تسأليني إن كنت أملك تنينا في جيبي، والذي سوف يكون أمرا غريبا؛ لأن التنانين لا تتسع في جيوب الناس.

《شكرا على التوضيح》قالت أماندا ببطء،《ما أقوله هو…، لقد أخذت الحرية وطلبت من محلٍ أعرفه أن يحضر لي بعض حراشف التنين وأنا ذاهبة لاستلامه الآن. قلتَ أنك سوف تتولى أمر المدفوعات لذا لا حاجة للتفكير في الثمن، لكن لا تقلق، لقد طلبت فقط المقدار الذي شعرت أنه سيكون كافيا لغرضي وليس أكثر》.

–《وأنت أخذتِ كلامي على محمل الجد》قال داتش بلا مبالاة. كانت لحظة صمت ومرت عندما قال داتش (بعد أن أعلن فوزه في لعبة البطاقات التي هو بها وابتعد عن الصخب بمسافة):《إن لم أكن مخطئا فأنتِ لديك روح متعاقدة معها، أليس كذلك؟ ذلك الصولجان الذي معك》.

ردت أماندا بإيجاز:《أجل》.

– هل يا ترى يصادف كون هذه الروح من النوع الهجومي، أو ربما الدفاعي حتى؟

قالت في شك متزايد:《لماذا تسأل عن هذا فجأة؟》.

– أجابها بلهجة غير مقنعة:《أوه بلا سبب》.

كانت خطوات أماندا قد توقفت بالفعل عندما وصلت إلى وجهتها. قالت بحدة:《داتش! أنا أترجاك أن لا تورطني في أيا كان ما تنوي عليه. يكفيني رجلٌ ميت واحد》.

– قال داتش فجأة بفزع:《أخفضي صوتك، أتريدين أن يسمعوا؟!》.

تصلبت أماندا للحظة ونظرت حولها بقلق؛ خائفة من أن تجد آذان مصغية قربها. خفضت صوتها وقالت:《من هم؟》.

– قال داتش بنبرة طبيعية:《الجميع. لقد وضعت المحادثة على مكبر الصوت》.

《ولماذا قد تفعل هذا؟!》سرت أماندا أسنانها وصرخت في قلبها.

– داركها صوت داتش مجددا:《المهم، توخي الحذر》، وقبل أن تستجيب، قطع الاتصال كما فعل سابقا.

تنهدت أماندا ولمّت نفسها في محاولة لإبعاد الأفكار المزعجة عن ذهنها. عندها دخلت المحل الذي كانت تقف عند واجهته الزجاجية.

مع فتحها لباب المحل، جلجل صوت الجرس المعلق معلنا عن دخول زبون. تدفق الضوء عبر الواجهة الزجاجية وسطح حيث جلس صاحب المحل- إيسكالانتي هوبر.

كان إيسكالانتي هوبر رجل طاعن السن، لكن مظهره بدا أصغر مما هو عليه. كان يرتدي سترة بلا أكمام كمثل تلك التي قد يرتديها المرء في أشد أيام الصيف حرارة، تبرز من أسفلها أربعة أذرع طويلة وقوية.

كان العجوز هوبر يملك بضعة شعيرات بيضاء على رأسه الأصلع، وكان يعمل مستخدما زوجا واحدا من أياديه الأربعة، بينما استخدم اليد الثالثة في أكل العنب.

كان يمد يده البرونزية تجاه صحن العنب ويقطف حبة من عنقود العنب الباكي. كان لونه بنفسجيًا ويبدو عاديا من الوهلة الأولى، لكن ما إن تحاول أكله يبدأ في النواح والصراخ. لم يبدو العجوز هوبر منزعجا وألقى أكثر من حبة عنب في فمه دفعة واحدة.

عندما دخلت أماندا، حيّت قائلة:《مساء الخير سيد هوبر》.

توقف العجوز هوبر عن الأكل، ونظر فيها بأعينه السوداء الغائرة في محجرها. قال في ترحاب:《أوه أماندا، تفضلي تفضلي》.

واصل العجوز هوبر عمله بذراعين بينما قال بودية:《كيف هو الحال مؤخرا؟ ما أخبار أبنائك؟》.

لم تعرف أماندا كيف ترد، لكن عندما أعاد العجوز هوبر بصره إليها أجابت بابتسامة متكلفة:《أنا لست أملك أي أبناء》.

بدت أقصى علامات التفاجئ على وجه العجوز هوبر، كأنه يشكك في مصداقية إجابة أماندا، لكنه تقبل الأمر على مضض وقال:《إن كان الحال هكذا فهو هكذا، لابد من أن الأمر اختلط علّي بينك وبين السيدة مالوري، إنها تملك أربعة أبناء.. أم أنهم كانوا ثلاثة؟ على كلٍ، هل تريدين البعض، لا تخجلي》. قال الجملة الأخيرة وهو يرفع صحن العنب الباكي تجاه أماندا.

ردت أماندا:《لا شكرا، أنا بخير》. وخوفا من أن يفتح العجوز هوبر موضوعا آخر، سارعت بالقول:《بشأن طلبي.. قلتَ أنه يصل البارحة》.

وقف العجوز هوبر قائلا:《لقد وضعته في الخلف. فقط لكي أكون واثقا، طلبك هو حراشف التنين، صحيح؟》.

أجابت:《نصف دزينة بمقدار ١١ كيلو جرامات، نعم》.

《أمهليني دقيقة》أومأ العجوز هوبر و استدار على عقبيه وذهب للحجرة الخلفية.

توزعت أنظار أماندا في أرجاء المحل؛ لترى إن كان هناك شيء قد يثير اهتمامها، أو يفيدها في عملها كمستشارة خوارق.

تملك وظيفة مستشار الخوارق - التي عادة ما تكون وظيفة مستقلة وحرة - العديد من الأسماء في الغالب، مثل: مرشد فوق الطبيعة؛ وسيط روحي؛ روحاني، والعديد غيرها من المسميات التي تختلف بسبب الإختلاف الإقليمي.

اختلف أصحاب هذا العمل بالعديد من النواحي، فالبعض يزاوله كمهنة والبعض كهواية، وهناك من يعيش منغمسا وكأنما الخوارق هي حياته الطبيعية. فئة من هؤلاء يسير على طريق العزلة، بينما آخرين يعملون في الميدان ويمارسونه كوظيفة مثل أماندا. رغم هذه الاختلافات وأكثر، إلا أن خلق اتصال مع عالم الخوارق والأرواح وما إلى ذلك، هو أمر يشترك فيه جميعهم.

حيث ملئت الأغراض الغامضة كل ركن وتركت المحل أشبه ما يكون بمتجر الخردوات، كان بعضها قد جمع كمية من الغبار الآن، وبعضها حديث الوجود هنا.

بخلاف كل الأغراض المتنوعة على الرفوف الخشبية، كان المزيد يوجد داخل المنضدة الزجاجية عند المدخل.

بعيدا في أحد الزوايا، جلست عين المارد فوق وسادة مخملية مريحة، تحدق في الفضاء وتفحص محيطها. كانت سابقا تنظر إلى العجوز هوبر وأماندا وكأنها تصغي بلا آذان.

وأخيرا انتهى الأمر بأماندا تنظر نحو الجريدة القديمة الملقية قريبا من المنضدة الزجاجية، كان الخبر الذي يحتل الصفحة الأولى يقول:

حريقٌ يودي بحياة ثلاثة مدنيين ويهدد آخرين.

حريق في منطقة دانكفيك بـ كوليار يؤدي إلى موت ثلاثة أشخاص بطريقة بشعة، وإصابة مدنيان بحروق سطحية. بدأ الحريق - الذي يحتمل أنه مفتعل - في مستودع مهجور تم إغلاقه قبل ستة أشهر بعد أن كان يُستخدم لتخزين البضائع والسلع، وانتشرت النيران أبعد قليلا قبل أن يتم إخمادها على يد سيارات الإطفاء التي وصلت للموقع.

رغم أن سبب نشوب الحريق لم يتم تأكيده بعد و التحقيق لا يزال جاريا، إلا أن قسم الحرائق قد صرّح بأنه من المرجح كون هذا حريق متعمد؛ ويُرجح هذه الاحتمالية إدعاء أحد الشهود برؤية أحدهم يبتعد مسرعا من موقع الحدث تحت ظلمة الليل.

رأت أماندا أن هذه الجريدة تعود إلى تاريخ ١٧ مايو، أي قبل حوالي الأسبوعين، وتساءلت في نفسها إن كان هناك أي تقدم في هذه القضية. ذلك عندما عاد العجوز هوبر حاملا في زوج أذرعه صندوقا كبيرا.

وضع العجوز هوبر الصندوق على الطاولة التي كان يعمل عليها برفق، ثم قال لأماندا التي دنت لتأخذ نظرة:《ها هي ذا.. حراشف تنين مثلما طلبتِ》.

كان الصندوق ممتلئ بالكثير من القطع التي تشبه معدن أسود اللون، يدل من حجم كل واحدة - المقارب لحجم راحة اليد - أنها تنتمي إلى تنين شبه بالغ من النوع نافث اللهب.

أمسكت أماندا قطعة من حراشف التنين، وأحسست بأنه أثقل مما يبدو عليه، كما استشعرت سطحه الأملس بأصابعها. دققت فيه بأعينها الخضراء الفاتحة لثوان قبل أن توافق مبدئيا في ذهنها على أنه سوف يلبي غرضها.

لم يتوقف العجوز هوبر عند الآداب وعاد جالسا على كرسيه، قائلا بزهو:《أنتِ محظوظة لأنكِ أتيتِ لي أنا، لو ذهبتِ لمحل آخر فكان ليبيعه لك - هذا إن استطاع توفيره - بكمية أقل وثمن أعلى》.

سألت أماندا:《وكيف هذا؟》.

وأجاب العجوز هوبر بشيء من الاشمئزاز:《ألا تعرفين؟ إنها جمعية حماية التنانين، تحاول فرض أنظمتها وقوانينها. إن سألتني عن رأيي لقلت لك: - واعذريني على الألفاظ - أن هذا هراء محض. ليس الأمر أني لا أبالي لأمر تلك الوحوش شبيهة السحالي لكني أعلم أن هذا مجرد عذر لاحتكار التجارة.. وربما لا. من يهتم! أتريدين البعض؟》.

ورفضت أماندا بأدب العنب الباكي الذي عرضه العجوز هوبر للمرة الثانية، فقام بأكله هو بينما استمرت حبات العنب بالنحيب حتى سُحقت بين أسنانه الصفراء.

وقالت أماندا بحيرة:《إذن كيف لك أن حصلت عليه؟ وباقي المحلات تواجه صعوبة في فعلها》.

قال العجوز هوبر:《عرفتُ أحدهم كان يستطيع المساعدة فطلبت منه خدمة》.

فهمت أماندا كلماته على نحو مغاير وقالت:《أنت رشوت أحدهم؟》.

شخر العجوز هوبر وقال:《كلا، على الرغم أني لا أمانع، إلا أني لم أرشِ أحدا. قمت ببساطة بالتواصل مع صديق لي في رفيدة وحصلت على صفقة جيدة》

قالت أماندا في استيعاب:《جلبت حراشف التنين من قارة رفيدة إذن، لا عجب أن الأمر استغرق وقتا أكثر مما توقعت》.

قال العجوز هوبر:《أولئك الآلف يفتقرون إلى المبالاة بشأن هذه الأمور، بطبيعتهم المتغطرسة. لكن إن عرضت عليهم صفقة تناسبهم فلن يكون هناك أي مشاكل》.

شعرت أماندا بالاستنارة بعد هذا الحوار الغني بالمعلومات. بعدها، أنهت أمور دفع المبلغ المتفق عليه بلا مساومة، كما طلبت الشحن لعنوانها.

وعاد العجوز هوبر يقول قبل أن تعطي أماندا وداعها:《هل أنت مشغولة؟》.

ونظرت فيه أماندا فأكمل:《أريد أن أطلب منك معروفا صغيرا، إن كنت مشغولة فلا تشعري بالحرج في الرفض》.

قالت أماندا بلا تضايق:《ليس لدي ما يجعلني أعّجل في العودة. قل ما لديك فأنا أستمع، وإن كان في نطاق قدرتي فسوف أُلبيه》.

كان العجوز هوبر قد توقف عن أكل العنب بالفعل. أومأ بخفة وقال:《لست واثقا إن كنت تعرفين، لكني أبيع الفابرد سيلفيا.. لزبائن محددين عادة》.

استطرد العجوز هوبر قائلا:《البارحة فقط، أتت إمرأة تسأل عنه خصيصا. كانت بشرية تنبض بالحياة في مثل عمرك، ربما أكبر قليلا. لا يأتي إلي أمثالها فجأة ويطلبون أشياء مثل الفابرد سيلفيا بلا سبب؛ لذا راودني الفضول فسألتها في ماذا ستستخدمه. وكان جوابها أن لديها مريضا تحتاج إلى إنقاذه مهما تطلب الأمر. قلت لها: لا أحد يخاطر بإستخدام الفابرد سيلفيا في عملية جراحية لمجرد مريض، وإن هذا ضرب من الجنون. بكلمات مختلفة بالطبع. ولكنها أصرت على فعلها وإن لم أبعها فسوف تقلب كل حجر بحثا عن من يفعل》.

وبدا أن العجوز هوبر انغمس في ذاكرته لوهلة، عندما قالت أماندا:《مريض؟ هل هي طبيبة؟》.

أجاب العجوز هوبر:《أجل》.

وطرحت أماندا وفي صوتها التوقع:《إذن.. ماذا بشأن هذه المرأة؟》.

قال العجوز هوبر:《أعلم بغرابة طلبي لأني من بعتها جرة الفابرد سيلفيا، لكني أود منكِ أن تتفقدِ أمر هذه المرأة》.

قالت أماندا:《أتفقد أمرها؟ أنت تعني..》.

لم يبدو العجوز هوبر وكأنه سمع سؤالها وقال في صوت حيوي لا ينتمي لرجل طاعن السن:《يجب أن تعلمي أني لا أبيع منتجاتي وما لدي من اغراض إلى كل عابر يعبر، بإستثناء تلك التي لا تشكل خطرا من أي نوع- والتي هي معظمها. تعمل المرأة كجراحة في مستشفى، لذا أثق بأنها لم تأتي إلى هنا بأعين مغمضة وكان لديها سبب جيد لطلبها. بالطبع لو لم تكن كذلك، كنت لأجد صعوبة في بيعها جرة الفابرد سيلفيا ولو نزلت على قدميها وبدأت بالتضرع… ما أخشاه هو أن تكون قد قفزت في بحر مليئ بالقروش بلا قفص فولاذي، هذا كل ما في الأمر》.

منذ أن تم ذكر الفابرد سيلفيا وأماندا تصغي بحرص بتعبير جاد.

ماذا كان الفابرد سيلفيا؟

كان الفابرد سيلفيا هو الغرض الأمثل لمقولة: "حارب السم بالسم " ؛ فهو عبارة عن سائل مائع له مظهر حالك السواد وطبيعة خطرة. أحد استخداماته العديدة هي طرد السموم القاتلة من الجسم. لم تكن مادة منتشرة الاستخدام لدى البشر ولا شيئا يكثر الطلب عليه؛ فالمخاطر التي ترافق استخدامه توقف المرء عن التطلع نحو النتائج مثل العقبة في الطريق.

عندما نأتي على ذكر الفابرد سيلفيا، فلابد من القول أن السيريانت (أو المعروفين بالعِرق الأزرق) هم الأكثر معرفة وخبرة في قوى الطبيعة والتي تندرج مادة الفابرد سيلفيا ضمن خانتها. رغم أنه لم يكن أكثر شيء يميزهم، إلا أن السيريانت عُرفوا بِبراعتهم في الطب القديم، الذي يعتمد بشكل محوري على مزج الأعشاب ومواد أخرى لخلق وصفات طبية معقدة.

تخلى البشر عن استخدام الفابرد سيلفيا في الطب منذ عقود، بينما على الجانب الآخر، لا زالت بعض الأجناس ومن ضمنها السيريانت يستخدمونه بطرقهم الخاصة.

ما يقرب من دقيقة قد مرت، عندما حسمت أماندا قرارها. كانت ممتنة للعجوز هوبر بسبب العناء الذي تكبده في جلب حراشف التنين وعدم رفعه سعر التكلفة؛ لذا لم تتردد في الموافقة على طلبه.

《رائع》قال العجوز هوبر بلا تغير في تعبيره،《أدين لكِ بواحدة》.

2022/03/22 · 73 مشاهدة · 2374 كلمة
نويترا
نادي الروايات - 2026